الثلاثاء، 31 يناير 2023

"فوضى".. الإسرائيليون أيضا يبكون

حسين عبدالحسين

مسلسل فوضى الإسرائيلي في موسمه الرابع، الذي عرضته منصة نتفليكس، حطم الأرقام القياسية بحلوله في المرتبة الخامسة للبرامج الأكثر مشاهدة في العالم، وتصدرت اليونان وتركيا وقطر والأردن لائحة الدول التي أقبلت على متابعته.

الجبهة العربية الإيرانية لرفض السلام وعشق الحرب دعت منذ انطلاقة المسلسل الشيّق، قبل سنوات، إلى مقاطعته، في إطار مقاطعة كل ما هو إسرائيلي، فيما نشر بعض الممانعين والرافضين لوجود دولة إسرائيل مراجعات للمواسم الماضية قدموا فيها اعتراضات منها أن المسلسل لا يصوّر الشقاء الذي يتعرض الفلسطيني في مخيمات اللاجئين على الحواجز الإسرائيلية، وكأن مهمة كل عمل تلفزيوني، أو فني، أو أدبي استعراض كل تاريخ الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، بما في ذلك كل المشاكل القائمة.

فوضى، الذي كتب نصّه ويتألق في بطولته اليهودي الإسرائيلي من جذور عراقية ليور راز، نجح منذ انطلاقته في تفادي الصورة النمطية، فلم يقدّم الإسرائيليين في دور الضحايا الذين ينقلبون أبطالا، ولا هو يصوّر الفلسطينيين أشرارا ينقلبون ضحايا، بل هو صوّر كل من الطرفين ينخرطون في حرب لا أول لها ولا آخر. حرب ضاع هدفها منذ زمن بعيد وتحوّلت إلى دوّامة من الصراع المتواصل الذي يعبث بحياة الطرفين.

تأثيرات هذا الصراع العبثي ظهرت في المواسم الماضية، كما في الموسم الرابع الذي بدأ عرضه الأسبوع الماضي. من هذه التأثيرات أن الحروب غالبا ما تأخذ شكل الثأر الشخصي، فيتمرد فيها العسكر على القيادة السياسية والعسكرية، وينجرفون في المواجهة، ويقومون بممارسات خارج قوانين الحروب، فيتخفى الفلسطينيون بين المدنيين الفلسطينيين، ومثلهم تفعل فرقة الأمن الإسرائيلية المعروفة بالمستعربين، الذين ينخرطون بين المدنيين الفلسطينيين حتى يقضوا على الفلسطينيين ممن يشكلون خطرا على أمن إسرائيل.

وفي المسلسل قصص معروفة من تاريخ الحرب الخفية والعلنية بين الطرفين، بما في ذلك كيفية قيام الإسرائيليين بتجنيد عملاء فلسطينيين، وانقلاب هؤلاء العملاء أحيانا كثيرة ضد من يجندهم، وتعامل العملاء مع الجهة الفلسطينية، فينقلب السحر على الساحر ويتحول الطرف الإسرائيلي إلى هدف للعنف الفلسطيني، وأحيانا ضحية (وسبق أن صوّر فيلم بيت لحم الإسرائيلي الصادر عام 2013 هذه الحالة).

في مواسم فوضى الماضية، تمحورت روايات المسلسل حول مواجهات ضد فلسطينيين هاربين من وجه العدالة الإسرائيلية، ثم فلسطينيين قاتلوا في سوريا وانخرطوا مع داعش، ثم عادوا إلى الأراضي الفلسطينية بهدف تنفيذ أهداف داعشية ضد إسرائيل. في الموسم الحالي، المواجهة هي لإسرائيليين ضد فلسطينيين انتسبوا لحزب الله اللبناني، وعملوا على اختطاف كبار المسؤولين الإسرائيليين، واغتيال بعضهم الآخر، وصناعة صواريخ في الضفة الغربية، وإطلاقها ضد إسرائيل.

وتحمل التطورات المتتالية أحداث المسلسل إلى لبنان و"حزب الله". هنا تتراجع قدرة فوضى على تصوير المشهد اللبناني بدقة، فمسؤولي ومقاتلي "حزب الله" لهجتهم فلسطينية لا لبنانية، وطريق بيروت الشام يبدو سويا نظيفا ذي خطوط بيضاء وإضاءة، وهذا طبعا لا يشبه طرق لبنان المظلمة والتي تفتقر لأدنى أنواع الصيانة.

ويدور حديث بين مسؤول إسرائيلي ونظيره من "حزب الله"، وهنا يعاني النص من النمطية، إذ يبادر الإسرائيلي إلى القول إن الحزب أطاح بلبنان الذي كان يوصف بباريس الشرق الأوسط، وكأن "حزب الله" الذي حوّل لبنان إلى ما يشبه طهران أو قمّ تعنيه باريس أو أن يكون لبنان على شكل دبي أو سنغافورة أو غيرها من الدول الناجحة.

على أن قوة "فوضى" تتمثل في قيامه بتصوير الإسرائيليين على أنهم بشر، لا ماكينة قتل متفوقة تمعن في قتل الفلسطينيين بلا قلب. الإسرائيليون سئموا الموت، وضعضع القتال المتواصل عائلاتهم، يبكون لفقدان رفاق القتال عبر السنين، ويستعرضون أفلام الأفراح التي كانت فيها صفوفهم مكتملة الأصدقاء والأقرباء.

وحتى لا تخال جبهة رفض السلام والمقاطعة أن "فوضى" يأنسن الإسرائيليين ويشيطن الفلسطينيين، فهو يقوم بأنسنة الطرفين، فيقدم مزيجا من الشخصيات الفلسطينية العالقة، مثل الإسرائيليين، في صراع لم تختره، ولا تبدو قادرة على الهروب منه أو وقفه. عند الفلسطينيين من توطنت وانخرطت في المجتمع الإسرائيلي، ثم انهارت حياتها الإسرائيلية لأن أقرانها اليهود، بمن فيهم زوجها، انفضوا عنها عند أول مواجهة بين العرب واليهود. كذلك بين الفلسطينيين من راح ضحية التعييب المجتمعي بسبب تعاون أهله مع إسرائيل في الماضي، فانقلب ضد الإسرائيليين وحاول إيذائهم، لكنه في وطيس المواجهة تراجع حتى ينقذ حياة زوجه وأخته بدلا من التضحية بهما في سبيل القضية. ومن الفلسطينيين من يرى أن السلطة الفلسطينية متهاونة، وأن الحل الوحيد هو في القضاء عليها واستئناف قتال الإسرائيليين.

وفي آتون القتال هذا، يوظف الطرفان أساليب ملتوية تُعلي التفوق الميداني والعسكري والاستراتيجي على الإنسانية والتفوق الأخلاقي، فيما يؤدي الضمير أحيانا الى الخروج عن الأوامر، وهو ما يؤدي للإطاحة بحياة أبرياء.

التفصيل في تقييم المسلسل قد يؤدي إلى الكشف عن أحداثه وإفساد متعة التشويق لمن لم يشاهده بعد، لذا نتفاداها في هذا المقال، لكننا نشير إلى أنه على الرغم من أن العمل يصوّر مواجهة استخباراتية وعسكرية متواصلة بين الطرفين، إلا أنه جلي أن القيمين على العمل، وأبرز المشاركين في التمثيل فيه، لا يهوون الصراع، ولا يرغبون في إطالة أمده، بل هم يصورون الشقاء الناجم عنه للطرفين، وضرورة العمل على إنهائه.

أما المشهد الأخير، فيصور أحد أبرز الشخصيات وهو مطروح على الأرض، مثخنا بجراحه، مضرجا بدمائه، يتمتم الصلاة التي يتلوها اليهود عند اقبالهم على الموت، "اسمعي يا إسرائيل، الرب إلهنا، الرب واحد"، ويردد في الوقت نفسه آيات من سورة الفاتحة، خصوصا "مالك يوم الدين إياك نعبد واياك نستعين"، وفي هذا المشهد صورة "إبراهيمية" حول التشابه والشراكة بين اليهودية والإسلام، الذين يتصوران نفسيهما ينحدران من إبراهيم، جد اليهود وجد رسول المسلمين، وهو ما يجعل الصراع أكثر مرارة وإيلاما لأنه صراع بين أبناء العمومة.

الثلاثاء، 24 يناير 2023

فيلم "الحارة".. الواقع كما هو لا كما نحلم به

حسين عبدالحسين

كارثة هي الصورة الوهمية التي يتصورها المجتمع العربي عن نفسه. أكثرية العرب يخالون مجتمعهم ملائكيا فاضلا، لا شتائم فيه، ولا ممارسة للجنس خارج إطار الزوجية، ولا مثلية جنسية، ولا احتساء للكحول، ولا عربدة، ولا كفر بالدين ولا بالذات الإلهية. يخال هؤلاء العرب أنفسهم من الصحابة والقديسين، فاضلين ملتزمين التقاليد والدين، وهي صورة محض خيال. 

نحن العرب، ككل الشعوب، لسنا سواسية، ولا نتشارك في رأي واحد، ولا ذوق واحد، ولا تقليد واحد. بيننا المكتفي جنسيا في الزواج، وبيننا الزوج اللعوب أو الملعوبة . بيننا الورع التقي العفيف، ومنا الفاجر والفاسد، ومنا من هم بين بين، يوم لك ويوم لربك، يوم خمر ويوم أمر، كل مسؤول عن أفعاله، أو كما ورد في كتاب المسلمين: "ولا تزر وازرة وزر أخرى".

الصورة الوهمية التي يتصورها العرب عن أنفسهم دفعتهم إلى ممارسة القمع الجماعي، وفرض الرقابة على الأفكار والأقوال كما على الإنتاج الأدبي والفكري والسينمائي، الدولي منه والمحلي. دوليا، كلما قدم غير مسلم رأيا أو رسما أو عملا استخف فيه بقصص المسلمين أو معتقداتهم أو شخصياتهم التاريخية، ثارت ثائرة المسلمين. غير المسلم لا يؤمن بنبوة محمد أصلا، ولا بالتوحيد، ولا بالإسلام، ويعبّر عن ذلك في رسم أو كتاب أو مقالة. ما يقوله شأنه، وإن كان في الآخرة يوم حساب، فله ما جنت يداه. لكن العرب، المسلمين منهم وغير المسلمين، يتوقعون أن يلتزم كل البشر رأيهم، وأن يمدحوا معتقداتهم، أو أن يخرس كل غير المسلم تحت طائلة الإيذاء الجسدي.

في دول العرب، القمع مشابه. ممنوع على العرب، مسلمين أو غير مسلمين، كتابة كتب أو مقالات أو إنتاج أغاني أو مسرحيات أو أفلام لا تتوافق وتقاليد البعض أو معتقداتهم، أو تؤيد المثلية، أو تُظهر أن العرب ليسوا صحابة وقديسين.

للمرة الثالثة في أقل من عام، تعلو صرخة عرب كثيرين ضد فيلم يعكس بدقّة العرب ومجتمعهم، فبعد الاعتراض على تلميح فيلم ”أصحاب ولا أعز“ اللبناني إلى علاقات جنسية خارج الزواج ومثلية جنسية، وبعد رفع دعاوى فلسطينية ضد مشاهد عري نسائي في ”صالون هدى“، تعود جوقة الاعتراض ضد "القيم الهابطة والسقوط الأخلاقي" لتمارس صراخها وتطالب بمنع عرض ومحاسبة القيمين على فيلم "الحارة" الأردني بسبب ورود شتائم فيه والتلميح إلى ممارسات جنسية سرية بين حبيبين، فضلا عن تصوير نواد ليل تنتشر فيها الدعارة ويرتادها أرتال من الشباب العربي، من المحيط إلى الخليج. 

للمرة الثانية في أقل من عام، تقف ميسا عبد الهادي في عين العاصفة، فهي التي ظهرت عارية (ومغمى عليها تحت تأثير مخدر) في "صالون هدى"، وهي التي كالت الشتائم على من حاول استدانة سلفة منها في "الحارة". 

أي عربي يعرف تمام المعرفة أن "الحارة" يصور الحياة العربية بدقة. في بعلبك اللبنانية ذات التقاليد المحافظة، والتي نشأت فيها في نفس الزمان والمكان الذي تأسس فيه "حزب الله" الإسلامي اللبناني، كانت العلاقات الجنسية، المثلية منها وغير المثلية، منتشرة، حتى في أكثر زوايا المجتمع تزمتا وتدينا، وكذلك كان استهلاك حشيشة الكيف والكحول وغيرها.

لا يعني ذلك انحلال وهبوط وانحدار، بل يعني أن الهندسة المجتمعية مستحيلة، وأن المجتمعات التي تسعى الى التعامل بواقعية مع الطبيعة البشرية وشهوتها الجنسية، وتسعى لتوعية من يمارسونها على محاسن ومخاطر هذه الممارسة، هي مجتمعات تتقلص فيها الحياة السرية في الظلام، اذ في الظلام ينمو الشر وتترعرع الجريمة، من شرف أو غيره، فيما يقلّص الانفتاح المشاكل الناجمة عن القمع، والتعييب، والكتمان، والحرمان.

حان وقت تعييب من يعيبون المنفتحين من العرب، ومن يحرّضون ضد من يحاول تصوير الحال على ما هي، ومن يحظرون الآراء التي تختلف عن رأي الجماعة. حان وقت تقديم كل الدعم والاحترام للعرب ممن يسعون لتصوير الحقيقة، والتعامل مع الناس وشؤونها على ما هي عليه، لا حسبما يتمنى الواهمون.

إن التمسك بالصورة الخيالية للمجتمع العربي الفاضل مشكلة قديمة ومزمنة بين العرب، والتمسك بالوهم عموما هو الذي فرض، وما يزال، الفشل العربي والانحطاط، فالعرب لم يخسروا حربا، وإن خسروها، فليس ذنبهم بل لتآمر العالم عليهم، وهذه مشكلة منذ هلل أحمد سعيد لنصر 1967 عبر "صوت العرب"، ليتضح أن الواقع كان هزيمة، وهي هزيمة لم تصفع العرب وتحملهم على التعامل مع الواقع، بل كرّست الوهم العربي الذي قلّل من شأنها بتسميتها نكسة، أي أنها كانت كبوة مؤقتة بانتظار الانتصار المؤكد الذي لم يأت حتى اليوم، ولن يأتي.

ومثل في مصر، كذلك في العراق الذي احترق جيشه الذي غزا الكويت، وأحرق معه النفط العربي الكويتي، وأعلن "أسد السنة" صدام حسين "النصر بعون الله" في "أم المعارك". وكذلك في بيروت، أعلن "حزب الله" انتصارا إلهيا على إسرائيل فيما زعيمه لا يجرؤ على الخروج من مخبئه تحت سابع أرض. 

إن سعي العرب لقبول الحقيقة والتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يتمنوه، هو أساس الخروج من عصر الانحطاط الذي يعيشون فيه منذ عقود، وحسنا ما فعلت الأفلام التي أثارت هلع حراس الهيكل بتقديمها صورة الواقع العربي كما هو، بألفاظه اللطيفة كما النابية، وتصوير الخروج عن التقاليد جنسيا بين أفراد عليه القوم، كما في "أعز الأصحاب"، والأقل حظوة والمعدمين، كما في "الحارة".

لم تأت الديانات السماوية لتعدّل فطرة البشر، بل لتساعد في التعامل معها، فإن بعدت التعاليم عن الواقع، اقتصر الدين والتقاليد على الخيال والشعر فقط، واصبح الواقع منفصلا عن الانتاج الفكري والفني والأدبي. أما الأفضل، فهو ردم الهوة حتى ترافق الشريعة السمحاء وتقاليدها الزمن الحالي، لا أن تطلب طاعة عمياء يتظاهر الأتباع بتأديتها فيما هم يعيشون سرا نقيض ما يظهرونه علنا.

Since December 2008