الخميس، 1 يونيو 2023

أفكار لإنقاذ لبنان

حسين عبدالحسين

لسبب ما، يبدو أ ّن أفكار اللبنانيين للخروج وبلادهم من الهاوية قد انعدمت، وأ ّن اللبنانيين راحوا يكررون الأفكار البالية نفسها، المتمحورة حول انتخاب رئيس جمهورية، فتشكيل حكومة إنقاذية، فالمزيد من الشقاء والبؤس وتكرار حفلة الزجل المم ّلة نفسها. خروج لبنان من محنته يتطلب اعتبار أ ّن دولة لبنان متلاشية، بالضبط كعملتها التي فقدت قيمتها، وكقوانينها التي تحولت حبرا على ورق.


على لبنان التشبه بالإمارات

الأفكار الإنقاذية بسيطة وسبق لبطريرك الموارنة بشارة الراعي أن ألمح إليها. نقطة الانطلاق للخلاص هي استقرار لبنان أمن ًيا، وهو ما يبدو أ ّن زعيم حزب الله حسن نصر الله يدركه، إذ هو أشار إليه في خطاب يوم التحرير، الشهر الماضي. على أ ّن المفارقة تكمن في أ ّن نصر الله لم يفطن أ ّن الاستقرار في لبنان يستحيل مع استمرار إطلالته في خطاباته الحربية العنيفة، عن توحيد الساحات في مواجهة إسرائيل، واندلاع الحرب الكبرى والصمود والتصدي. إن كان لبنان يسعى فعليا للاستقرار، فعليه أن يحذ َو ح ْذ َو الإمارات، التي تتمتع بعلاقات دبلوماسية وسفارات مع أعتى الأعداء في العالم والشرق الأوسط، فللإمارات علاقات ممتازة بالقوى العالمية: أميركا والصين وروسيا. وللإمارات علاقات ممتازة مع السعودية وإيران، وتركيا ومصر وسوريا. الاستقرار فعليا هو التوصل لأكبر عدد من اتفاقيات السلام الممكنة، والعلاقات الجيدة مع دول العالم، وتفادي الانخراط في المحاور التي قد تضع البلاد في مواجهة بلاد أخرى، أو في محاور إقليمية أو دولية.

هذا يعني أ ّن حجر زاوية الاستقرار في لبنان، هو توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، مع ما يعني ذلك من كظم أعداء إسرائيل اللبنانيين غيظهم وغضبهم ضد هكذا اتفاقية. وهو يعني كذلك إعادة تفعيل كل المعاهدات الثنائية اللبنانية - السورية، مع ما يعني ذلك أيضا من ضبط غضب لبنانيين كثيرين م ّمن يرون في دمشق حكوم ًة عدو ًة للبنان واللبنانيين، ماض ًيا وحاضرا.

سوريا وإسرائيل

الاستقرار في لبنان يعني سلاما مع الأعداء، فالسلام لا يكون عادة مع الأصدقاء أو الحلفاء.وفي الحالة اللبنانية، يشبه السلام مع سوريا وإسرائيل من ”يبلع الموس على الح ّدين“، بحسب التعبير اللبناني. يضاف إلى السلام مع العواصم الإقليمية والعالمية، فتح صفحة جديدة بقانون عفو عن كل جرائم الاغتيال، التي لا تزال مفتوحة في المحاكم اللبنانية بادعائها على مجهول.وفي الصفحة الجديدة يس ّلم "حزب الله" والميليشيات الفلسطينية سلاحها بالكامل للجيش اللبناني والقوى الأمنية، ويتم رفع هذه التنظيمات وأفرادها عن لائحة الإرهاب والعقوبات في عواصم العالم، ويتح ّول "حزب الله" الى حزب سياسي، يكون أمن قادته ومقاتليه أمان ًة في أعناق كل اللبنانيين، ومن أمنهم.

ويوم يتي ّقن رأس المال العالمي والإقليمي أ ّن لبنان دولة يع ّمها السلام، وأنه لا يمكن أن يرمي أحد حجرا على أحد، تأتي في المرتبة الثانية مهمة بناء سلطة قضائية. بناء سلطة كهذه يحتاج إلى مساعدة المؤسسات والحكومات الدولية في تدريب وبناء الامكانات لدى القضاة والمحامين وك ّتاب العدل، والمصادقة على تشريعات في مجلس الن ّواب، تجعل من السلطة القضائية-المدنية والعسكرية- مستقلة تماما عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالعدل أساس الملك، ولا دولة من دون عدالة وقضاء نزيه وشفاف، يتمتع بثقة محلية ودولية.

الحدود مع إسرائيل

الاستقرار في ضوء السلام، مترافقا مع قضاء نزيه وعادل، يستدر على لبنان استثمارات خاصة لا حدود لها، ويؤدي لازدهار قطاعات خدماتية كثيرة. مثلا، يزور الأماكن المسيحية المقدسة في إسرائيل سنويا، أكثر من 5 ملايين حاج من أقطار العالم. لو صارت الحدود اللبنانية مع إسرائيل مفتوحة، يمكن أن يو ّسع كثيرون منهم سياحتهم الدينية إلى قانا، حيث أولى معجزات السيد المسيح بحسب الاعتقاد المسيحي، كما يمكن لزوار لبنان أن يو ّسعوا رقعة سياحتهم إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية، مثل بيت لحم والقدس. هكذا تتضاعف التجارة والأعمال لمصلحة كل المعنيين.

وقد يعتقد البعض أ ّن قطاع الخدمات مشت ّق من خ ّدامة، أو من ع ّمال علب الليل والملاهي، إلا أ ّن السياحة هي الجزء الأصغر في الخدمات، فلبنان ينعم بموارد إنسانية هائلة متمثلة بعدد خريجي الجامعات والمتخصصين. هذا يعني أ ّن كثيرين من حول العالم سيقصدون لبنان للإقامة فيه لفترات وجيزة، للتعلم في جامعاته، كما كان الأمر في الماضي القريب مع الديبلوماسي الأميركي المخضرم من أصل أفغاني زلماي خليل زادة، خ ّريج الجامعة الأميركية في بيروت، ومثله السوسيولوجي العراقي العملاق الراحل علي الوردي، خ ّريج الجامعة نفسها.

كما يمكن أن يتحول لبنان مقرا للاستشفاء، ويمكن أن ُتفتتح فيه شركات التكنولوجيا، التي تسعى لمهارات عالية بتكلفة أقل من الغرب، فروعا كثيرة، ومعها تفتح المصارف الدولية وشركات الهندسة والمحاسبة وغيرها، فروعا تفيد فيها من الموارد البشرية اللبنانية بتكلفة أقل من بلدانها الأم.

على هذا الشكل يعود لبنان إلى الحياة، بتب ّني النموذج الإماراتي المبني على اقتصاد المعرفة والخدمات، وحجر زاويته السلام، وعدم الانحياز، والعلاقات المتينة مع كل دول العالم.

جنبلاط وبري وباسيل

أما فرقة الزجل السياسية اللبنانية، من وليد جنبلاط الى نبيه بري، فسليمان فرنجية الثاني وجبران باسيل، وباقي الزمرة، فلا بأس أن يواصلوا لعبة الكراسي الموسيقية التي يلعبونها منذ تأسيس الكيان. هذه ألعاب لا قيمة لها لو توافر السلام والاستقرار وساد القانون بمؤازرة قوات أمنية تشرف عليها أصلا عواصم العالم، مثل واشنطن في الوقت الحالي. حتى أ ّن القطاع الخاص يمكنه أن يزدهر من دون الحاجة لعملة محلية، بل يكتفي باستخدام العملات الاجنبية التي لا تتناقص قيمتها ا ّلا وفق س ّلم التضخم العالمي المعروف.

المشاعر حول المطالبة بعدالة للفلسطينيين، وتاليا بمواصلة العداء لإسرائيل، مفهومة، وكذلك حب الانتقام من رئيس سوريا بشار الأسد أو إيران أو غيرهما. لكن في المصالح لا مكان للمشاعر، فتكلفة العدالة للفلسطينيين أكبر من طاقة لبنان واللبنانيين. طبعا لا بأس من التضامن مع الفلسطينيين بالموقف والكلمة، لكن على أرض الواقع، على المصالح أن تملي سياسات دولة لبنان، بالضبط مثل السيد رجب طيب إردوغان رئيس تركيا، الذي يص ّور نفسه حامي حمى الفلسطينيين، فيما علاقته بإسرائيل، تجاريا وأمنيا، هي من الأقوى في الإقليم.

حبذا لو يرى اللبنانيون مستقبلهم بعقولهم، بما فيه مصلحتهم، بدلا من قلوبهم، بما تمليه عليهم مشاعرهم. يوم يرى اللبنانيون ذلك، تصبح كل التحليلات حول انتخاب رئيس جمهورية وحول التدخلات الدولية المتخ ّيلة، ثرثرة من باب إضاعة الوقت والتس ّلي، ويعود الأمل بخروج لبنان من الحفرة العميقة التي حفرها ورمى نفسه فيها، وما زال يحفر.

الجمعة، 26 مايو 2023

ميزانية ”الحشد الشعبي“ العراقي… تثير الجدل

حسين عبدالحسين

أظهرت أرقام موازنة العراق للعام الحالي زيادة ضخمة، وغير مبررة، في الأموال المخصصة لـ ”الحشد الشعبي“، إذ خصصت بغداد لهذه الميليشيا الموالية لطهران مليارين و800 مليون دولار، أو ما يوازي 38 في المئة من اجمالي موازنة وزارة الدفاع العراقية. وموازنة الحشد هذه هي أكبر من موازنة جيوش عربية كاملة، كالأردني واللبناني والسوداني والتونسي. 

كذلك أظهرت الموازنة العراقية ارتفاعا مهولا في عدد منتسبي ”الحشد الشعبي“: من 122 ألف مقاتل في العام 2021 إلى 238 ألف مقاتل هذا العام. 

وللمقارنة، تقوم الحكومة الأميركية بتمويل فصائل البيشمركة الكردية المسلحة، التي كانت أول من ساهم في التصدي لداعش على إثر انهيار الجيش العراقي في الموصل في صيف العام 2014. ويبلغ التمويل الأميركي 260 مليون دولار سنويا، منها 20 مليونا شهرية مخصصة لرواتب المقاتلين الكرد. 

وللمقارنة كذلك، تبلغ موازنة الجيش العراقي سبعة مليار دولار مخصصة لتمويل 310 آلاف جندي، فضلا عن تشغيل وصيانة 34 مقاتلة ”أف 16“ الأميركية الصنع، ومعها قرابة الألف دبابة، ومئات المروحيات والمدافع، وآلاف ناقلات الجند. 

ميليشيا ”الحشد الشعبي“ كانت تشكّلت، حسبما تزعم، بموجب فتوى ”الجهاد الكفائي“ الصادرة عن مرجع النجف علي السيستاني للقضاء على داعش. على أن دولة العراق تحتفل في العاشر من كانون الأول - ديسمبر من كل عام بما تسميه ”عيد النصر“، أي ذكرى دحر تنظيم داعش الإرهابي في العام 2017، وهو ما يجعل الزيادة الضخمة في تمويل وعديد ميليشيا ”الحشد الشعبي“ في زمن السلم الذي تلى الانتصار أمرا عجيبا وغير مبرر. 

أما السبب الأرجح خلف الزيادة هو قيام حكومة محمد السوداني باسترضاء الكتل البرلمانية للحصول على تأييدها لإقرار موازنة العراق للأعوام الثلاثة القادمة. 

وفي ”مجلس النواب“ العراقي 73 نائبا من ”الحشد الشعبي“ نفسه ممن لقوا هزيمة قاسية في الانتخابات البرلمانية في العام 2021 على أيدي مرشحي الكتلة المؤيد للزعيم مقتدى الصدر. إلا أنه بعد استقالة نواب الكتلة الصدرية، صار الخاسرون نوابا بموجب تفسير دستوري عجيب غريب، اذ كيف يصبح من اقترع العراقيون ضدهم نوابا عنهم يمثلونهم ويصوّتون في ”مجلس النواب“ باسمهم ودفاعا عن مصالحهم. 

والغالب أن الكتلة البرلمانية الموالية لميليشيا ”الحشد الشعبي“ لا تصوّت لمصلحة العراقيين الذين تمثّلهم، بل لمصلحة الأحزاب الموالية لطهران التي تنتمي اليها، وهو ما يطرح السؤال التالي: ”كيف تفيد الجمهورية الإسلامية من مضاعفة عديد مقاتلي الحشد الشعبي“؟ 

الجواب الأرجح هو أن قيادة ”الحرس الثوري“ الإيراني تفيد من أموال ”الحشد الشعبي“ للإثراء الفردي، وكذلك لتمويل الميليشيات المؤيدة لإيران في دول عربية اخرى غير العراق، مثل لبنان وسوريا. 

أما آلية الإفادة الإيرانية من موازنات ميليشيا ”الحشد الشعبي“ الضخمة فيمكن فهمها بالنظر الى أسباب انهيار الجيش العراقي أمام داعش في صيف 2014 إذ أظهرت التقارير الدولية أن عديد الجيش العراقي في الموصل كان جزء بسيطا من العديد المسجّل على الورق، وذلك لأن عددا كبيرا من المسؤولين والضباط العراقيين كانوا يتشاطرون وجنود عراقيين رواتبهم، مقابل بقاء الجنود في منازلهم، أو حتى مزاولتهم أعمال ربحية غير عسكرية. وفي بعض الحالات، كان هناك لوائح راوتب لأشباح لدى الجيش العراقي، وكان كبار الضباط أو المسؤولين الفاسدين في الدولة يتقاضون هذه الرواتب ويثرون منها. 

في حالة ميليشيا ”الحشد الشعبي“، الأغلب أن عديد مقاتليها هو جزء صغير جدا من الربع مليون مقاتل المعلنة في الموازنة العراقية، وهو ما يفسر ضعف ”الحشد الشعبي“ عسكريا، كما بدا في المواجهة القصيرة التي خاضتها في وجه هواة من أنصار الصدر، إذ كبّد هواة الصدر الميليشيات الموالية لإيران خسائر كبيرة، على عكس ميزان القوى والتمويل والعديد، قبل أن يفرض الصدر وقفا لإطلاق النار لحقن الدماء العراقية. 

ومن مضاعفات نهب رواتب ”الحشد الشعبي“ تراجع سعر الدينار في السوق السوداء أمام الدولار. صحيح أن موازنة الحشد تقارب 3 مليار دولار سنويا، إلا أن حكومة العراق تنفق هذه الأموال بالدينار العراقي، وهو ما يغرق السوق العراقية بالدنانير. ثم تعمد الدوائر الموالية لطهران الى تحويل مليارات الدنانير العراقية هذه الى دولارات عن طريق محال الصيرفة العراقية، التي تشتري الدولار بدورها في مزادات المصرف المركزي العراقي، وهو ما يفرغ الخزائن الحكومية العراقية من الدولار. أما ان امتنع المصرف المركزي عن شراء الدنانير من السوق للحفاظ على مخزونه من الدولار، يرتفع سعر الدولار أمام الدينار. 

لهذا السبب، هدد الاحتياطي الفدرالي الأميركي السلطات العراقية بوقف تزويدها بالدولارات ورقيا، وطالبها بالتزام الأنظمة الدولية المتعارف عليها، والتي تستند الى التحويلات الرقمية بدلا من العملة الورقية. لكن التحويلات لا تفيد طهران لأنها عرضة للعقوبات الأميركية، ما يدفع الإيرانيين للاستعاضة عنها بسعي دائم للحصول على دولارات لتمويل ”الحرس الثوري“ والميليشيات التابعة له في المنطقة. 

ومع تعاون بغداد مع مطالب الفدرالي الأميركي، صار سعر الدولار التحويلي ثابت أمام الدينار بشكل لا يفرغ الخزائن الحكومية العراقية، وفي نفس الوقت انهار سعر الدينار أمام الدولار الورقي في السوق العراقية. لكن الانهيار الورقي لا يؤذي العراقيين، بل يؤذي السوق السوداء الخارجة عن قوانين النظام المالي العالمي. 

في مقابلة للسفيرة الأميركية في بغداد الينا رومانسكي مع قناة ”سكاي نيوز عربية“، قالت المسؤولة الأميركية أن العراقيين سئموا الميليشيات، وأن أميركا باقية في المنطقة. 

أما السوداني، بدوره، فهو يقدم تنازلات للطرفين: تنازلات للنظام العالمي، ممثلا بالولايات المتحدة، لحماية اقتصاد العراق، وتنازلات لنظام الميليشيات الإقليمي الخارج عن القانون الدولي، ممثلا بميليشيا ”الحشد الشعبي“ وعرابيها في طهران، لحماية نفسه والعراقيين من عنف هذه الميلشيات. 

هكذا، تقدم حكومة السوداني سياسة عراقية متناقضة وغير متماسكة، وهي سياسة تأتي غالبا على حساب العراقيين ومصالحهم ومستقبل أجيالهم القادمة.

Since December 2008