الثلاثاء، 2 أبريل 2019

مشكلتنا مع إيران و'حزب الله'

حسين عبدالحسين

يندر أن يغوص مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، أو الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، في نقاشات فكرية، بل هما يكتفيان في الغالب بالتعليق على شؤون الساعة، وإطلاق شعارات شعبوية بهدف تحفيز المحازبين، وهو ما سمح لنائب نصرالله، الشيخ نعيم قاسم، تولي مهمة تقديم تفكير الحزب، المستوحى في الغالب من الأفكار الإسلامية الإيرانية.

يقول قاسم، في حفل تأبين في بلدة قبريخا في جنوب لبنان، إن المواجهة مع أميركا "ليست عسكرية، وإنما سياسية وثقافية واجتماعية"، وإن الأميركيين توصلوا إلى أنه "يجب جذب الناس إلى قناعاتهم، بحيث ينحرف (الناس) بإرادتهم، ويسلمون" للأميركيين. لكن بدلا من أن تنحرف شعوب الشرق الأوسط، يعتقد قاسم أنها "استيقظت، وعادت إلى دينها، وربها، وطاعتها، واستقامتها". ويختم أن "المشكلة ليست في قناعاتنا وبما نؤمن به… فهل إذا كان لدينا أولاد نريد أن نربيهم على طاعة الله عز وجل، فنربيهم بطريقة نصف مؤمن ونصف كافر كي يرضوا عنا"؟

رؤية قاسم للشعوب والدول والصراعات قاصرة، وسابقة لأفكار عصر التنوير، إذ هي تعتبر أولا، أن كل شعب هو وحدة دينية متجانسة، ما يقضي على حرية الأفراد داخل هذه الشعوب، وتعتبر أن الأفراد في كل شعب متطابقي الرأي والدين والموقف. هكذا، في عقل قاسم تصبح كل شعوب الشرق الأوسط مؤمنة بالله والدين، وهو علامة استقامتها، فيما تصبح كل أميركا منحرفة، وساعية لحرف شعوب الشرق الأوسط عن دينها واستقامتها.

العالم، في تفكير قاسم، نصفان: نصف مؤمن يعيش في الشرق الأوسط، ونصف كافر يعيش في الولايات المتحدة والغرب، والتسوية بين الطرفين مستحيلة، إذ أنها تنتج أولادا هجناء، ناقصي دين.

لبّ المشكلة في تفكير قاسم و"حزب الله" وإيران هو استبدال الفرد بالجماعة، وهو فكر بدائي، فطري بطبيعته، عاشت واندثرت في ظلّه شعوب وحضارات غابرة، إلى أن جاءت بعض الأديان، وحرّضت الأفراد ـ ضد رأي جماعتهم ـ على الإيمان بخالق واحد يسمو على كل البشر، وهو في سموه، يجعل من الأفراد متساوين، في الحقوق والواجبات، ويمنحهم حياة ثانية فيها تعويض عن المظالم التي ألمت بهم في حياتهم الأولى. رسول المسلمين خرج على قريش ورأيها، وقبله خرج المسيح على اليهود. بعض الأديان كانت أول من سمحت بتمرد الفرد على جماعته.

لا دراسات وافية عن الموضوع بعد، ولكن يمكن ربط صعود الفردية، على حساب الجماعة، باكتشاف مبدأ التعامل النقدي، حوالي 600 عاما قبل الميلاد. قبل النقود، كان الاقتصاد بالمقايضة، وكان رئيس أي جماعة يحدد مهام كل فرد في عملية الإنتاج، مقابل رعاية الرئيس للأفراد، وحمايتهم، وإطعامهم. في تلك المجتمعات البدائية، لم يحتكر رئيس الجماعة وسائل الإنتاج والاقتصاد فحسب، بل كان رأيه السائد وحده، وكان وحده سليل الآلهة، ويعود إليهم بعد مماته.

ظهور النقود سمح لرئيس الجماعة بشراء إنتاج الأفراد، وحرره من مسؤولياته الأخرى، فأعطت النقود للأفراد خيارات واستقلالية، وسمحت لهم بشراء حياة أبدية مثل ملوكهم، فوجد تجار الهيكل فرصة سانحة في بيع صكوك الرضا الإلهي للأفراد نقدا، ومع تراكم الثروات لدى الهيكل، راح ينافس الملك في الحكم، وراح الملك ينافس الهيكل في الألوهية، وحصل مرارا أن جمع البعض الحكم والألوهية معا، فحازوا على سلطة مطلقة، وهو النموذج الذي يصف خامنئي اليوم، الفيلسوف الملك، حسب المبدأ الأفلاطوني.

بعد ألفيتين ونصف، اندلعت الثورة الصناعية في أوروبا، وراح الصناعيون يتسابقون لشراء ساعات العمل ومهارات العمال، فراكم العمال قدرات مالية سمحت لهم بالانشقاق عن لورداتهم وقبائلهم ومعابدهم، والاستقلال في معاشهم وآرائهم ومعتقداتهم، فصارت الحرية الفردية ـ حرية التعبير، والملكية، والدين، والمأكل، والملبس، والاجتماع ـ حجر الأساس في العقود الاجتماعية (الدساتير) لمعظم الحكومات الغربية.

ومن نافل القول إن الحرية الفردية في الغرب تعرضت، وما تزال، لانتكاسات كان أبرزها صعود القومية النازية والفاشية، التي ترى الناس ـ مثل الشيخ قاسم ـ أمما متجانسة، ومتطابقة في الرأي والتفكير والمعتقد. وعندما يصبح التباين داخل الشعب الواحد متعذرا، يصبح النقاش الوحيد المتاح هو ضد الشعوب الأخرى.

هكذا، تصبح شعوب الشرق الأوسط كلها مستيقظة، وشعوب الغرب كلها منحرفة، وأميركا، بعدما فشلت في الإقناع عبر حربها الناعمة، جرّدت جيوشها على المسلمين، وهؤلاء خياراتهم إما مؤمن أو كافر، ولا تسويات أمامهم، فانحصر خيارهم بالقتال.

وللإنصاف، ليست إيران و"حزب الله" وحدهما في التمسك بتفكير متأخر لا يدرك الأهمية المطلقة للحرية الفردية، ويحاول تقييدها بحجة الحفاظ على القيم المجتمعية، أو "الاحترام"، أو القول إن "حرية المرء تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر"، وكأن الحرية قيمة محددة يتم توزيعها بالتساوي.

"لا تجد انحرافا أو فسادا أو قتلا أو إجراما أو انتهاكا لحقوق الإنسان أو تدميرا في الأرض، إلا وتكون أميركا هي وراءه، إما بشكل مباشر، وإما من خلال أدواتها وعملائها، لأنها تريد السيطرة على العالم"، يقول الشيخ قاسم، في تصريح يتطابق مع تصريحات بوتين روسيا، أو مادورو فنزويلا، أو شي الصين، فالطغاة يتمسكون بالفكر المتأخر نفسه، ويقومون بشتم المطالبين بالحرية، إن من الخارج أو من الداخل.

مشكلتنا مع إيران و"حزب الله" هي مشكلة أحرار العالم مع طغاته، وهي ليست حربا للسيطرة على النفط، ولا على أرض، ولا على قواعد عسكرية. مشكلتنا مع إيران و"حزب الله" هي أننا نصبو إلى الحرية، فيما إيران ترفضها. أما الأحاديث عن الإيمان والكفر، والفساد والعملاء، والسيطرة على العالم، والمقاومة والتحرير، فمن باب تشتيت الانتباه عن القضية المركزية: الحرية.

دانين لـ «الراي»: عبقرية ترامب وحّدت العرب ضد إسرائيل... ولم توحّدهم في مواجهة إيران

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لخّص روبرت دانين، وهو مساعد وزير خارجية سابق في عهد الرئيس جورج بوش الابن، استياء المؤسسة الحاكمة في العاصمة الاميركية من السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، بالقول ان «العبقرية السياسية لدى فريق ترامب وحّدت حلفاءها العرب ضد سلام اقليمي» ممكن مع اسرائيل، و«لم توحّدهم في مواجهة التهديدات الاقليمية لايران التوسعية».
وجاء تصريح دانين لـ«الراي»، اثناء دردشة حول الشؤون الاقليمية، وتعليقاً على البيان الختامي لقمة تونس العربية، والذي عبّرت فيه الدول العربية عن رفضها «الاعلان الرئاسي» لترامب، في 25 فبراير الماضي، وفيه ان «الولايات المتحدة تعترف بأن مرتفعات الجولان هي جزء من دولة اسرائيل». 
ويعتقد متابعو السياسة الخارجية ان انعدام الخبرة لدى ترامب وفريقه تعني ان كل السياسات الداخلية والخارجية صارت مصممة للاستهلاك الشعبي، ويتم توقيتها وفقا للدورة الاخبارية، وهو ما يعني ان سياسات الرئيس هي عبارة عن مواقف، في الغالب غير مدروسة، اهدافها قصيرة المدى، من دون أي تقدير إن كانت ستؤذي أهداف ترامب على المديين المتوسط والطويل. 
ومثل ترامب، كذلك رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي يرى أميركيون، كثيرون منهم من اصدقاء اسرائيل، ان اسلوب حكمه مبني على استطلاعات الرأي وصناديق الاقتراع، وان ترامب ونتنياهو يحكمان وكأنهما يديران «حملة انتخاب متواصلة». 
في هذا السياق جاء الاعلان الرئاسي الذي اصدره ترامب للاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السوري، الذي تحتله اسرائيل منذ العام 1967، وأعلنت ضمّه في العام 1981. وحسب القوانين الاميركية، لا يتمتع الاعلان الرئاسي بقوة قانونية تذكر، بل هو شبه تمني، ويمكن لأي رئيس مقبل ابطاله باعلان مماثل. والاعلان هو دون المرسوم الاشتراعي في القوة القانونية، والاثنان هما دون القوانين الصادرة عن الكونغرس من حيث الزاميتهما وقوتيهما القانونيتين. 
وبسبب رمزية الاعلان الرئاسي، سارع اصدقاء اسرائيل الى حشد مشرّعين في الكونغرس لتحويله الى قانون يتم بموجبه تثبيت الموقف الاميركي حول الجولان. ويستبعد المراقبون ان يحوز قانون من هذا النوع على الغالبية في الكونغرس. 
على انه رغم ضعف سنده الدستوري، أدى الاعلان الرئاسي دوره، اذ يبدو انه قلّص تأخّر نتنياهو عن الكتلة المنافسة له، والتي تتصدر استطلاعات الرأي في الانتخابات الاسرائيلية المقررة في التاسع من أبريل الجاري، من خمسة مقاعد الى ثلاثة فقط. 
هكذا، صار يبدو انه للحصول على حفنة من مقاعد في الكنيست، أطاح ترامب ونتنياهو بأي فرصة كانت متاحة لتحقيق «صفقة القرن»، وهي عبارة عن سلام عربي، مع اسرائيل، من دون الفلسطينيين، تحت عنوان توحيد العرب واسرائيل لمكافحة ايران. 
اما الاعلان الرئاسي، فقد دفع العرب وايران الى موقف متقارب رافض لضم الجولان للسيادة الاسرائيلية، بدلا من تقريب العرب واسرائيل لمواجهة إيران. 
ويعتقد بعض الخبراء، ان الانقسام الخليجي اثر سلبا على المحاولات الاميركية في بناء تحالف عربي متماسك ضد طهران...
«من قال ان مجموعة منعزلة من محامي العقارات لا يمكنهم ادارة ديبلوماسية فعّالة في الشرق الاوسط»؟ يختم دانين بتهكم.

Since December 2008