الثلاثاء، 29 مايو 2018

فتوى مقاطعة محمد صلاح

حسين عبد الحسين

أصدر نفر من "المثقفين الملتزمين" التابعين لـ"محور الممانعة" فتوى بوجوب "مقاطعة" نجم كرة القدم المصري محمد صلاح لأنه "لم يتخذ مواقف علنية وصريحة من العدو الإسرائيلي"، ولأن صلاح شارك "في مباريات في فلسطين المحتلة"، و"صافح الإسرائيليين… ونفى في الغرب أن يكون قد قال كلاما سلبيا ضد العدو الإسرائيلي".

وأضافت "الفتوى" أن صلاح "يتحاشى اتخاذ أي مواقف تزعج الرجل الأبيض في الغرب"، ما يجعله بمثابة "المسلم المقبول" في الغرب، وأن اللاعب المصري يحرص على "قيمته التجارية" أكثر من "أي قضية تعني العرب".

غريب أمر هؤلاء "المثقفين" ممن لا تعنيهم إلا قضية واحدة، يرونها من منظار واحد هو منظارهم. كل من يراها من منظارهم نفسه هو "عربي شريف"، وكل من يرى هذه القضية من منظار مخالف هو عربي أناني متزلف للغرب، أو يعمل بتمويل من الحكومات الغربية وأجهزة استخباراتها. وكما على العرب أن يكونوا شخصا واحدا برأي سياسي واحد وموقف واحد معاد للغرب، يتحول الغرب هنا واحدا أيضا، جنسه واحدا (رجل)، ولونه واحدا (أبيض)، ورأيه واحدا (يبحث عن عرب خونة ضد القضية المركزية من أمثال صلاح).

حبذا لو ينظرون إلى صلاح كموهبة في رياضة عابرة للشعوب بدلا من إقحامه في ثاراتهم وفاشيتهم

هذه الرؤية القومية الفاشية للشعوب هي في صميم شقاء العرب. هي رؤية ترى كل أمة على أنها مخلوق عضوي واحد، ذات رأي متطابق ومصلحة متشابهة. والرؤية الفاشية هذه هي أفيون الشعوب؛ إذ لا يهم أن يكون الأفراد قتلى تحت ركام منازلهم طالما أن أمتهم تعلن "نصرا إلهيا" على الأعداء، ولا يهم أن يعيش الإيرانيون تحت خط الفقر طالما أن الكرامة الوطنية محفوظة في برنامج نووي لا يغني ولا يسمن.


هكذا، تسمح الانتصارات الوهمية للأمة للأفراد بإخفاء فشلهم خلفها. وتقضي الانتصارات المتخيلة في الوقت نفسه على أي إنجازات فردية مثل نجومية اللاعب صلاح طالما أنه يتصرف باستقلالية عن العرب و"قضاياهم".

وللتأكيد، فإن صلاح ليس مذنبا، فدولته المصرية تتمتع باتفاقية سلام كاملة مع إسرائيل. وهو عندما يذهب إلى إسرائيل ويصافح إسرائيليين، إنما يفعل ذلك كلاعب محترف، بدلا من أن يتصرف كمثقف مهرج. ثم إن مشاركة صلاح في مباريات في إسرائيل لا تشي برأيه حولها، فهو قد يكون من المعجبين بها أو من المعارضين لها، لكن التعبير عن رأيه تجاه إسرائيل أو أي موضوع سياسي آخر يكون في صناديق الاقتراع للحكومة التي تمثله، لا في الحركات الرعناء التي يتوقعها "المثقفون الملتزمون".

من يتابع محمد صلاح يعلم أن نجوميته تتخطى ملاعب كرة القدم، فإلى جانب مشاركته في إعلانات تجارية في مصر على أنواعها، يشارك كذلك في إعلانات لجمعيات غير حكومية، مثل إعلان التوعية ضد استخدام الشباب للمخدرات. وكان صلاح فتح أبوابه وجيوبه لعدد كبير من المصريين ممن راحوا يترددون على عائلته، ما دفع الشرطة إلى حماية العائلة من المضايقات بوضعها تحت ما يشبه الإقامة الجبرية، كما ورد في وسائل إعلام مصرية.

غريب أمر هؤلاء "المثقفين" ممن لا تعنيهم إلا قضية واحدة، يرونها من منظار واحد هو منظارهم

لكن بالنسبة لمثقفي الممانعة، لا تهم موهبة صلاح ولا تسخيره نجوميته لقضايا نبيلة، مثل مكافحة المخدرات، ولا استخدامه ثروته التي يجنيها من كرة القدم في مساعدة بعض المعوزين. كل ما يطلبه مثقفو الممانعة هو ألا يخرج صلاح عن رأيهم الذي يعتقدون أنه رأي الجماعة، وأن يشتم إسرائيل، سرا وعلنا في مصر كما في الغرب، وأن يشتم "الرجل الأبيض" المزعوم، كل الرجال البيض، أصدقاء إسرائيل منهم كما أشد أعدائها. فعداء الممانعة ليس بسبب موقف "الرجل الأبيض" من إسرائيل بل بسبب "الرجل الأبيض" نفسه والتاريخ المتخيل الذي يحول أجداد البيض إلى الغزاة الوحيدين في تاريخ الحضارات. أما الإيرانيون، فغزوهم للعرب عبر التاريخ هو دليل عراقة حضارتهم وتفوقها، أو هكذا يقول "المثقفون الممانعون".

اقرأ للكاتب أيضا: النكبة: 52 عاما على مقتل الصحافي كامل مروة

يوم كان اللاعب الفرنسي من أصل جزائري زين الدين زيدان في قمة نجوميته، اختلف حول أصله الجزائريون، فأصر الكابيل (يسكنون بلاد القبائل هي منطقة ثقافية ـ طبيعية في شمال شرق الجزائر) أنه منهم وليس عربيا، وأصر العرب أنه جزائري بالكامل. أما زيدان، فارتقى بنجوميته عن الحماقات والمناكفات التي لا تليق بالنجوم، وأنفق أموالا وفيرة على تمويل مشاريع اجتماعية في موطن أبيه، الجزائر، ورفض أن يدخل في تفاهات تحسبه مع هذه الأمة أو تلك. وزار زيدان الجزائر وتلقى فيها استقبال الأبطال.

مثل زيدان، التمني بالسلامة العاجلة والتوفيق للنجم المصري صلاح، لا لأنه عربي أو مسلم، بل لأنه صاحب موهبة تجعل من مشاهدته متعة قائمة بذاتها. أما "المثقفون الممانعون" وتشويشهم وحديثهم عن الأعداء، فحبذا لو ينظرون إلى صلاح كموهبة في رياضة عابرة للشعوب والثقافات، بدلا من إقحامه في ثاراتهم وعداواتهم وفاشيتهم.

واشنطن: الحرب في سورية انتهتْ... بلا منتصر

واشنطن - من حسين عبدالحسين

يجمع المسؤولون الأميركيون أن الحرب السورية انتهت من دون أن ينجح الرئيس بشار الأسد في حسمها لمصلحته. ويرى هؤلاء أن الأسد استعاد السيطرة على نصف إلى ثلثي الأراضي السورية، وهي مساحة يقطنها نصف إلى ثلثي السوريين، لكنهم يشيرون إلى صعوبات يواجهها الأسد وحلفاؤه، لناحية تثبيت الأمن في المناطق التي تمت استعادتها، بسبب النقص الكبير في عدد المقاتلين المنضوين في تحالف روسيا وإيران والأسد.
ويقول المسؤولون الاميركيون، في مجالسهم الخاصة، إن القاعدة في الجيش الأميركي هي أن كل ألف من السكان يحتاجون 20 رجل أمن لحفظ الاستقرار، ما يعني أن الأسد يحتاج 200 ألف إلى ربع مليون جندي للحفاظ على استقرار 10 أو 12 مليوناً من السوريين ممن يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها، فيما لا يسع الأسد والحلفاء تجنيد أكثر من 150 ألفاً.
وتتألف قوات الأسد وحلفائها الهجومية من 20 ألفاً من جيش النظام، وستة إلى ثمانية آلاف من «حزب الله» اللبناني، وألفي مقاتل إيراني، و15 ألفاً من الشيعة الأجانب من العراق وافغانستان. 
حاجة الأسد إلى قوات لتثبيت المناطق التي يسيطر عليها تعني تعذر إمكانية استعادته مناطق إدلب في الشمال، ودرعا في الجنوب، ومناطق شرق الفرات. أما خروج هذه المناطق عن سيطرة الأسد يعني استمرار بعض الحروب الجانبية، مثل الحرب بين إسرائيل وايران على الأراضي السورية، وحرب تركيا والمجموعات الكردية في الشمال والشرق، والحرب بين القوات الأميركية وبعض وحدات الأسد التي تحاول بين الفينة والاخرى اقتحام المناطق الكردية التي يتواجد فيها أميركيون. 
ويعتقد المسؤولون أن من شأن انسحاب القوات الاميركية البالغ عددها نحو ألفي جندي من شمال شرقي سورية الى تأجيج المواجهات بين تركيا والأكراد.
وفي ما يتعلق بالمناطق التي يسيطر عليها الأسد، يلفت المسؤولون الأميركيون إلى أنه على الرغم من إعلان النظام مراراً أنه قام بتمشيط منطقة ما وتنظيفها، لا يمرّ وقت طويل قبل أن يعلن النظام القيام بالعملية نفسها، وهو ما يشي بأن تحالف الأسد قادر على الاستيلاء على مناطق سورية هجومياً، مع صعوبة الحفاظ عليها أو الدفاع عنها.
ومع أن المسؤولين الاميركيين يستبعدون إمكانية أن يقوم المعارضون المسلحون المنهكون بتنظيم صفوفهم داخل مناطق الأسد، بيد أنهم يعتقدون أن عدم قدرة الأسد على الإمساك بأمن بعض المناطق التي يحكمها قد يؤدي الى تفشي الجريمة المنظمة وتحولها الى مناطق خارجة عن القانون وعن سيطرة دمشق.
سياسياً، يشير المسؤولون الاميركيون إلى التباين الذي صار يبدو جلياً بين موسكو، التي يبدو أنها اكتفت بما حققته حتى الآن ولا ترى ضرورة الحسم واستعادة كل الأراضي السورية، وبين طهران، التي تحاول استعادة كل المناطق وإقامة قواعد تابعة لها وللميليشيات الموالية لها. 
ويشير بعض متابعي الشأن السوري للاستقبال الأخير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لبشار الأسد في روسيا، حيث أعلن بوتين نهاية الحرب وضرورة انسحاب كل القوات الاجنبية من الاراضي السورية، وهو إعلان ردت عليه طهران علناً بالامتعاض، وسط تقديرات بأن بوتين لا يمانع بقاء الأمور في سورية على ما هي عليه، مع بقاء ثلث إلى نصف أراضي سورية وسكانها خارج سيطرة الأسد. 
ويقول المسؤولون الأميركيون إن الأسد يحاول التملص من طلب بوتين له بضرورة كتابة دستور جديد يحد من صلاحياته الدستورية وعدد ولاياته في الحكم.
لم تعد سورية ساحة يمكن لبوتين إلحاق الضرر فيها بأميركا، غير المهتمة، بل صارت ساحة تحاول إيران عبرها إلحاق الضرر بإسرائيل. بوتين يريد أذية الاميركيين، لكنه يرى نفسه صديقاً للإسرائيليين، مع ما يعني ذلك موافقته على ضرورة إنهاء النفوذ الايراني في سورية، وهي السياسة التي يتبعها بوتين بفتحه المجال الجوي السوري للمقاتلات الاسرائيلية التي تدك أهدافاً إيرانية على مزاجها، ومن دون أي رادع.
هكذا انتهت الحرب السورية من دون منتصر. أما نتائجها، فما تزال مجهولة، وهي ستظهر بلا شك في الأشهر والسنوات المقبلة، ولكن ما هو غير مجهول، حسب المسؤولين الاميركيين، هو أن سطوة الأسد لا تبدو في ذروتها حسبما يحلو للرئيس السوري تصويرها، بل تبدو حكماً مفككة بين الأنقاض، بانتظار توصل المجتمع الدولي إلى قرار نهائي بشأن مصيره ومصير البلاد بأكملها، وهو قرار قد يحتاج إلى سنوات حتى يتم التوصل إليه.

الجمعة، 25 مايو 2018

«تغيير جذري» في سياسة واشنطن تجاه لبنان: الحكومة مسؤولة عن أفعال «حزب الله»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في خضم المراجعات التي تقوم بها إدارة الرئيس دونالد ترامب في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، سجلت الأوساط المتابعة في العاصمة الأميركية «تغييراً جذرياً» في الموقف الأميركي تجاه لبنان، من موقف مهادن يفصل بين الحكومة اللبنانية و«حزب الله»، ولا يُحمّل الحكومة مسؤولية الأعمال العسكرية التي يقوم بها الحزب في لبنان والعراق وسورية، إلى موقف يُحمّل دولة لبنان بأكملها مسؤولية أعمال ميليشيا «حزب الله» في المنطقة وحول العالم.
وتشكل الانعطافة الأميركية نهاية لسياسة المهادنة التي تبنتها إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، منذ اتفاق الدوحة في مايو 2008، وواصلتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وهي سياسة كانت تتفادى تحميل بيروت مسؤولية أعمال «حزب الله» العسكرية، وتعتبر أن الحكومة اللبنانية أضعف من أن تضبط الحزب.
وساهم تحسن العلاقات بين واشنطن وطهران، بما في ذلك فتح قناة اتصال شخصي عبر البريد الالكتروني بين وزيري الخارجية الأميركي السابق جون كيري ونظيره الايراني جواد ظريف، في تحييد لبنان أكثر وأكثر عن مشاكل المنطقة. وتحوّلت قناة الاتصال هذه، إلى جانب قنوات الاتصال مع ما تعتبره العواصم الأوروبية «الجناح السياسي» في «حزب الله»، إلى قنوات اتصال غير مباشرة بين إدارة أوباما والحزب اللبناني.
ويوم سأل معارضون سوريون عن سبب شن واشنطن حرباً على تنظيم «داعش» الإرهابي واستثناء «حزب الله»، الذي تُصنّفه واشنطن إرهابياً كذلك، أجاب كيري ان «حزب الله لا يؤذي مصالحنا في الوقت الراهن».
لكن مع رحيل الإدارة السابقة وحلول إدارة جديدة في مكانها، انقلبت رؤية واشنطن تجاه لبنان وحكومته و«حزب الله»، وصارت واشنطن ترى أن الحزب ليس خارجاً عن إرادة دولة لبنان وحكومته، بل هو يعمل وسط تأييد ودعم من الحكومة اللبنانية وأركانها، في ظل تحالفات بين رئيس الجمهورية ميشال عون والحزب، يُضاف إلى تحالف الحزب مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ووجود وزراء من الحزب في الحكومة التي يترأسها سعد الحريري.
ووفقاً لمصادر أميركية مطلعة، فإن التغيير في السياسة الأميركية تجاه لبنان له عواقب عديدة، أولها أن واشنطن قد تمضي في تصنيف لبنان كدولة راعية للإرهاب، وقد تطلب من بيروت، عبر الأمم المتحدة، ضبط الحزب وتحمل مسؤولية مشاركته في الحرب السورية. 
أولى بوادر التغيير الأميركي تجاه لبنان انعكست في الرسالة التي وجهها أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيريس إلى مجلس الأمن حول تطبيق بيروت القرار 1559، الصادر في سنة 2004، والذي يطلب نزع سلاح كل «الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية». وأعرب فيها الأمين العام عن قلقه من «تورط حزب الله، وعناصر لبنانية أخرى، في القتال في مناطق (غير لبنان) في المنطقة، وهو ما يعرّض لبنان لمخاطر التورط في الصراعات الاقليمية، ويعرض استقرار لبنان والمنطقة للخطر». 
ومن نيويورك إلى واشنطن، تتصاعد الأصوات التي تعتبر أن أميركا خسرت لبنان. وفي هذا السياق، وصفت الباحثة في مركز أبحاث «أميريكان انتربرايز انستيتيوت» دانيال بليتكا، نتائج الانتخابات البرلمانية اللبنانية، التي جرت في السادس من الجاري، بـ«المثيرة للاكتئاب والمتوقعة». 
وفي شهادة لها أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، عزت بليتكا النتائج إلى «اختلال لبنان، والأداء الباهت لحزب رئيس الحكومة سعد الحريري»، مضيفة ان «الانتخابات الأخيرة تؤكد لنا ان الحكومة المقبلة سيديرها حزب الله... أنا أخشى أن المؤسسات الأخرى في لبنان ستكون (تحت سيطرة حزب الله) كذلك قريباً، ما يعني أنها (المؤسسات اللبنانية) ستُدار من طهران».
ومع التغيير الجاري في واشنطن، يقترب الموقف الأميركي من موقف إسرائيل تجاه لبنان، فالدولة العبرية كرّرت أنها، بعد حرب 2006، لم تعد ترى أي فارق بين «حزب الله» والحكومة اللبنانية، وانه في حال اندلاع حرب مستقبلاً، فهي ستعمد إلى ضرب أهداف الحزب ودولة لبنان في الوقت نفسه، على عكس سنة 2006. 
وفي السياق الأميركي، يعني إلغاء التمييز بين حكومة لبنان و«حزب الله» أن العقوبات المالية الأميركية لن تستهدف مؤسسات الحزب أو مسؤوليه فحسب، بل ستتوسع لتشمل مؤسسات ومسؤولي دولة لبنان كذلك، عملاً بالتصريح الذي يتناقله المعنيون عن لسان مسؤول كبير في البيت الابيض قال فيه انه «من الآن وصاعداً، تعتبر حكومة الولايات المتحدة أن حكومة لبنان مسؤولة عن حزب الله وكل أفعاله، في لبنان، وفي المنطقة، وحول العالم».

الخميس، 24 مايو 2018

«الخطة ج»: أميركا تواجه إيران عسكرياً

واشنطن - من حسين عبدالحسين

أطلقت وزارة الخارجية الأميركية عنوان «الخطة ب» على الخطاب الذي أدلى به وزير الخارجية مايك بومبيو عن سياسة بلاده تجاه ايران، الإثنين الماضي. وفي الحوارالذي تلى الخطاب، رد بومبيو على أحد أسئلة محاوره بالقول إنه إذا اختار الإيرانيون «العودة إلى تخصيب (اليورانيوم)، فسنكون على أتم الاستعداد للرد»، مضيفاً: «أنا حتماً لن أشارك معكم اليوم ما الذي سنفعله بالضبط (في حال عودة ايران إلى التخصيب) أو ماذا سيكون ردنا، ولكننا سمعناهم يقولون (إنهم سيعودون إلى التخصيب)، وآمل أن يتخذوا قراراً مغايراً، أو أن يختاروا مساراً مختلفاً». 
تصريح بومبيو يطرح السؤال التالي: إذا كانت «الخطة ب» التي قدمتها واشنطن حول كيفية تعاملها مع طهران، بدلاً عن الالتزام بالاتفاق النووي، لا تزال تخفي بعض عناصر السياسة الأميركية تجاه إيران، فما الخطة التي تحوي العناصر الأميركية الخفية؟
يجيب العارفون أن عنصراً أساسياً في المذكرة التي وقعها الرئيس دونالد ترامب يوم إعلانه انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، في الثامن من الجاري، كان يكمن في البند الرابع من المذكرة، وهو البند الذي حمل عنوان «الاستعداد للطوارئ إقليمياً». وورد فيه طلب رئاسي إلى وزير الدفاع الأميركي ورؤساء الوكالات الحكومية الفيديرالية المعنية بـ«التصدي، بسرعة وحزم، لكل أساليب العداء الايرانية تجاه الولايات المتحدة» وحلفائها وشركائها. 
وأضاف البند المذكور ان «على وزارة الدفاع تطويرالأساليب المناسبة لوقف تطوير أو حيازة إيران سلاحاً نووياً والأنظمة (الصاروخية) المرافقة».
فعلياً، رسمت إدارة ترامب خطوطاً حمراء ضمنية تتمثل بإعطائها تعليمات لوزارة دفاعها بتوجيه ضربة عسكرية لايران في حالتين: الأولى عودة طهران للتخصيب، وهو التحذير الذي كرره بومبيو في خطاب «الخطة ب»، من دون أن يغوص في تحديد وسائل الرد التي صارت تندرج في إطار «الخطة ج»، التي تعمل وزارة الدفاع على إعدادها تحسباً للمواجهة مع الايرانيين. أما الحالة الثانية التي خوّل الرئيس بموجبها وزارة الدفاع توجيه ضربة لايران فهي أبسط من عودة ايران لتخصيب اليورانيوم، وتتضمن قيام طهران بأي من تجاربها الصاروخية البالستية التي كانت أجرتها بعد توقيع الاتفاق النووي مع المجموعة الدولية.
وفي وقت لم تلتفت وسائل الإعلام الأميركية والعالمية لتهديدات ترامب الخافتة لإيران بتوجيه ضربة عسكرية إليها، التقطت مراكز الابحاث الرصينة في واشنطن اشارات الادارة الاميركية، وأرسل «معهد بروكنغز» بريداً إلكترونياً الى متابعيه حمل عنوان «تغيير النظام في ايران». وفي متن الرسالة، كتبت الباحثة سوزان مالوني، المعروفة بمعارضتها لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي، انه لا يمكن لأي أميركي إلا أن يؤيد لائحة المطالب التي قدمها بومبيو لإيران، لكن المشكلة تكمن في أن إدارة ترامب لم تقدم سبلاً لتحقيق المطالب الأميركية، وأنه ضرب من ضروب الخيال أن تتصور إدارة ترامب أن إيران وهي «في ذروة سطوتها الاقليمية ستقدم سلسلة من التنازلات مقابل وعود ترامب باتفاقية بين طهران وحكومة في واشنطن قامت لتوها بتمزيق اتفاقية قائمة».
ومما قالته الباحثة الأميركية ان «(الخطة ب) التي قدمتها ادارة ترامب حول إيران ليست خطة بتاتاً، بل هي لائحة من الأمنيات الأميركية المغلفة بتحذير من تغيير النظام في طهران».
هكذا، بدأت عبارة «تغيير النظام في إيران» تتردد على ألسن العاملين في الإدارة الأميركية والكونغرس ومن يدورون في فلكهم من خبراء وعاملين في مراكز الأبحاث وفي بعض المؤسسات الاعلامية، وهي بداية، لمن يعرف العاصمة الأميركية، يعلم أنها تنذر ببدء دوران عجلة النقاش حول التغيير الذي يبدو أن إدارة ترامب تنشده، وإن يكن بخجل حتى الآن.

الثلاثاء، 22 مايو 2018

"القوات اللبنانية" في مواجهة "حزب الله"

بقلم حسين عبد الحسين

المفاجأة الانتخابية التي حققها حزب "القوات اللبنانية"، ذو الغالبية المسيحية، بمضاعفته عدد مقاعده البرلمانية لتصل إلى 15 مقعدا، ليست سياسية فحسب، بل مفاجأة لكل من يعتقد أن "حزب الله" والميليشيات الموالية لإيران والمنتشرة في عموم منطقة الأوسط هي مجموعات تنفرد بحسن تنظيمها ويصعب مواجهتها.

وقبل الحديث عن أسباب تقدم "القوات اللبنانية"، والآفاق التي يفتحها هذا التقدم لكل القوى اللبنانية والإقليمية والدولية في مواجهة محور "مكافحة الاستكبار"، الذي تقوده إيران، لا بد من استعراض سريع لطبيعة القوى السياسية في لبنان والدول المجاورة.

منذ زمن الإمبراطوريات العراقية التي اجتاحت المشرق تكرارا منذ العام ألف قبل الميلاد، اعتاد سكان المشرق على تنصيب وجهاء محليين يديرون شؤونهم، بالتعاون مع حاكم باسم الإمبراطورية، تعاونه عادة قوة عسكرية صغيرة. وكان عندما ينتفض المحليون على الحكم الإمبراطوري وعسكره، ترسل عاصمة الإمبراطورية حملة عسكرية تأديبية تعيد فيها الأمور إلى نصابها. هذا النموذج الإمبراطوري ـ المحلي تبناه الفرس والرومان والبيزنطيون، وكل القوى الدولية المتعاقبة التي حكمت غرب آسيا وشمال إفريقيا.

في لبنان بصيص أمل أن ليس كل معارضي "حزب الله" هم من الفاسدين ممن يتنازلون عن مواقفهم للحزب مقابل مقعد في الحكم

حافظت الإمبراطورية العثمانية في اسطنبول على هذا الترتيب في المشرق العربي بتعاونها مع وجهاء محليين يديرون شبكات ريعية، يرثونها أبا عن جد. ومع انهيار العثمانيين، وصعود الحركات القومية، ونشوء دول مستقلة في الشرق الأوسط، حافظ الوجهاء على دورهم، التي اتخذت أشكالا أكثر استقلالية عن الإمبراطوريات، فكان زمن الانتداب، ثم زمن الاستقلالات، وفي الزمنين، استمر الوجهاء في القيادة، إلى أن تحولت الجيوش الوطنية إلى شبكات من الريفيين ممن انتفضوا على الوجهاء، وأطاحوا بحكمهم، وأسسوا ممالك أسموها جمهوريات، مثل "جمهورية" سورية الأسد.


على أنهم لتوجسهم من مؤامرات عسكرية تطيح بهم، على غرار تلك التي قادوها للاستيلاء على الحكم، أنشأ ديكتاتوريو العرب شبكات من البلطجية موازية في قوتها لقوة الجيوش النظامية. هكذا، تحول "حزب البعث العربي الاشتراكي" إلى مطية للراحلين صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سورية، إلى جانب أجهزة استخبارات أقامها الرجلان للإطباق بشكل كامل على الحكم.

في لبنان، أبقى الوجهاء جيشهم الوطني ضعيفا تحسبا من إمكانية انقلابه. وساهم في ضعف السلطة المركزية الأمنية اللبنانية غياب الموارد النفطية التي تمتع بها صدام والأسد لتمويل أجهزة القمع التي أداراها.

على أن ضعف القوى الأمنية اللبنانية فتح الباب أمام صعود الميليشيات المحلية، التي تحولت إلى تنظيمات عسكرية في زمن الحرب الأهلية، وفتحت الباب بدورها أمام الريفيين اللبنانيين، والآتين من الطبقات الاجتماعية المتواضعة والطامحين إلى تسلق سلم العنف الميليشوي.

ومع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، حلت سلطة الوصاية التي كان يمارسها الأسد على لبنان كل الميليشيات، ما عدا "حزب الله"، التي استثنتها دمشق بحجة "مقاومة إسرائيل". ومع تلاشي معظم الميليشيات وانخراطها في الدولة واشتراكها في عملية النهب المنظم المستمر منذ العام 1992، وقفت ميليشيتان خارج الترتيب الجديد: "حزب الله"، الذي حافظ على سلاحه، و"القوات اللبنانية"، التي تخلت عن سلاحها من دون أن تذوب في الدولة على غرار الميليشيات الأخرى.

التنظيم القواتي هو الذي يزعج "حزب الله" اليوم، فحزب "القوات اللبنانية" صار يبدو الحزب الوحيد الخارج عن ترتيب تقاسم الحصص

ذاك القرار القواتي دفع الأسد إلى شن حملة تأديبية أدت إلى حل حزب "القوات اللبنانية" وسجن رئيسه سمير جعجع، الذي لم يخرج من سجنه إلا بعد انحسار نفوذ نظام الأسد في لبنان في العام 2005. منذ خروجه من سجنه، مضى جعجع في إعادة بناء جهازه الحزبي المشهود له بحسن تنظيمه وانضباطه في زمن الحرب، ولكن هذه المرة بنى جعجع حزبه بدون سلاح، كحزب سياسي بحت.

هذا التنظيم القواتي هو الذي يزعج "حزب الله" كثيرا اليوم، فحزب "القوات اللبنانية" صار يبدو الحزب الوحيد الخارج عن ترتيب تقاسم الحصص، الذي يقوده وجهاء السياسة اللبنانية منذ قرون. كما يبدو أن "القوات اللبنانية" الحزب الوحيد الذي يمكنه منافسة "حزب الله" جديا في تنظيم الصفوف، وفي الانتخابات والمنافسات السياسية المختلفة.


هي مفاجأة أن يخرج من رحم الثورات الديمقراطية العربية العديدة حزب لا يغرق في صغائر السياسية، على غرار حلفاء "القوات" الآخرين في "تحالف 14 آذار" المندثر. وحزب "القوات اللبنانية" يستند إلى قدرات ذاتية، ويظهر جدية في العمل تغيب عن عمل باقي معارضي "حزب الله" اللبنانيين.

وللتوضيح، ليست "القوات اللبنانية" حزبا ديموقراطيا، وهو أمر مؤسف، بل هي تعاني من غياب التداول الفعلي للسلطة في القيادة، التي ينفرد فيها جعجع منذ منتصف الثمانينيات. لكن الأحزاب تنتمي لبيئتها، و"حزب الله"، الذي أعلن إبان تأسيسه التزامه مبدأ الشورى الإسلامي لتداول القيادة، نسف هذا المبدأ منذ سنوات كثيرة مع تحول زعيمه حسن نصرالله "أمينا عاما" إلى الأبد.

في لبنان بصيص أمل أن ليس كل معارضي "حزب الله" هم من الفاسدين ممن يتنازلون عن مواقفهم للحزب مقابل مقعد في الحكم، أو مقابل سماح الحزب لهم بالإثراء على حساب المال العام، وهو أمل يسمح لمن يبحث عن فرص سياسية في لبنان أن يراهن على "القوات اللبنانية"، أو من يحذو حذوها، بدلا من الرهان على بائعي المواقف ممن يطلبون الكثير من الدعم، ولا يقدمون في المقابل إلا شذرات نتائج، مع استعدادهم الدائم للانقلاب في مواقفهم على طريقة المثل اللبناني الذي يقول "من يأخذ أمي يصبح عمي".

الأربعاء، 16 مايو 2018

واشنطن «مرتاحة» لنتائج الانتخابات في العراق وترى في نتائجها... «تراجعاً» للنفوذ الإيراني

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في ردود الفعل الأميركية على النتائج الأولية لانتخابات مجلس النواب العراقي، أبدى مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى من المعنيين بالشأن العراقي ارتياحهم، معتبرين ان النتائج «أظهرت أن غالبية العراقيين ما زالوا يرون دولتهم على أنها دولة مستقلة وغير تابعة لجارتها الجمهورية الاسلامية» في إيران.
وقدّم المسؤولون الاميركيون عدداً من الملاحظات يمكن إيجازها على الشكل التالي:
أولاً، لفت المسؤولون الاميركيون الى استتباب الأمن بشكل كبير في معظم المحافظات العراقية وعدم تسجيل حالات عنف تذكر، ما سمح للعراقيين بالإدلاء بأصواتهم بعيداً عن الخوف أو التهديد. 
ثانياً، اعتبر المسؤولون أن «الديموقراطية في معظمها مبنية على التجربة»، وأن «التجربة العراقية ما تزال تنضج أكثر فأكثر». ولفتوا إلى أنه في الدورات الانتخابية الماضية، حصد بعض المرشحين عدداً من المقاعد جعلت كتلهم ضخمة. أما في هذه الانتخابات، فكان لافتاً فشل كل الأقطاب في حيازة عدد من المقاعد يتجاوز الستين. بشكل عام، اعتبر المسؤولون في واشنطن أن قدرة الأقطاب السياسيين العراقيين على حصد المقاعد تراجعت بمعدل النصف، من قرابة 90 مقعداً في 1020 و2014، إلى ما معدله 50 مقعداً في هذه الدورة.
ثالثاً، يعتقد المسؤولون الاميركيون أنه بالنظر الى الدورات الانتخابية المتتالية، يمكن القول إن شعبية المرشحين العراقيين تتراجع بسبب قربهم سياسياً من إيران، وتتحسن في حال بعدهم عنها. ولفتوا إلى أن رئيس الحكومة السابق نائب الرئيس الحالي نوري المالكي حاز على قرابة 90 مقعداً في الدورتين الماضيتين، فيما لم يتجاوز عدد المقاعد التي جازها في الدورة الحالية الـ30. وعزوا أداءه الجيد في الماضي إلى موقعه من الايرانيين، على اعتبار أنه في 2010 و2014 تحدّى الإيرانيين وترأس قائمة في مواجهة القائمة التي كانت محسوبة على طهران، فحصد أكبر عدد من المقاعد. على انه منذ خروجه من رئاسة الحكومة، انقلب المالكي سياسياً من ند للايرانيين إلى تابع لهم، وانقلب في مواقفه السياسية من مطالب بمحاكمة الرئيس السوري بشار الأسد بتهم تورطه في تفجيرات طالت بغداد الى مؤيد للأسد ولتسليحه والدفاع عن بقائه في الحكم.
وللدلالة على فاعلية الابتعاد عن إيران في تحسين الأداء الانتخابي للمرشحين العراقيين، قال المسؤولون الاميركيون ان رجل الدين مقتدى الصدر زار الرياض، والتقى فيها ولي العهد الامير محمد بن سلمان، في خطوة اعتبر البعض أنها كانت ستؤدي إلى نهاية الصدر سياسياً. «لكن ما حدث هو العكس، فابتعاد الصدر عن إيران، واقترابه من محيط العراق العربي، وتشديده على استقلال العراق وحكومته، ورفعه أولويات مثل مكافحة الفساد وتحصين سيادة الدولة، كلها مواقف يبدو أنها لاقت استحساناً لدى الناخبين العراقيين الذين منحوا الصدر أكبر انتصار انتخابي وسياسي له منذ انهيار نظام صدام حسين في سنة 2003»، وفقاً للتقديرات الأميركية. 
رابعاً، رأى المسؤولون الاميركيون ان الفوز المحدود للمرشحين العراقيين المقربين من طهران، وهو فوز منحهم أقل من 75 مقعداً من بين مقاعد البرلمان البالغ عددها 329، يشير الى أن قدرة بسط النفوذ الايراني في دول ذات تعداد سكاني كبير، مثل العراق، أصعب بكثير منها في الدول ذات التعداد السكاني الأصغر نسبياً، مثل لبنان.
ففي هذا البلد، الذي يبلغ عدد مواطنيه نحو أربعة ملايين نسمة، ربعهم من التابعين للمذهب الشيعي ممن تعوّل عليهم ايران لبسط نفوذها، يمكن لطهران الفوز بولاء معظم هؤلاء بمدهم بتمويل وتسليح وتدريب. لكن الصورة تختلف في العراق، البالغ عدد سكانه نحو 37 مليوناً، نصفهم من الشيعة، حيث يصعب على طهران تمويل عملية بسط نفوذ لمجموعة أكبر من المليوني صوت التي حازها المرشحون العراقيون المحسوبون على طهران، وهو ما يجعل من بسط الأخير نفوذها في العراق أمراً أصعب بكثير منه في لبنان. 
خامساً، أبدى المسؤولون الأميركيون ارتياحهم لانخراط سنة العراق في العملية السياسية، ولفتوا إلى إمكانية انخراط القائمة التي يترأسها رئيس الحكومة السابق نائب الرئيس الحالي اياد علاوي في تحالف يضم قائمتي الصدر ورئيس الحكومة حيدر العبادي، وهو تحالف، إنْ تمّ، يشي بالتوصل لائتلاف حاكم متنوع. كذلك، رأى المسؤولون الاميركيون ان الانقسام بين الدول السنية في المنطقة، منذ اندلاع الازمة الخليجية قبل نحو عام، أدى لانقسام مماثل في العراق، وهو ما يعني أن السنة لن يقفوا ككتلة متراصة ضد الدخول في أي ائتلاف حاكم، بل إن الكتلة السنية الثانية، التي يقودها رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي، قد تنضم الى تحالف حاكم يختلف عن الذي قد ينضم إليه علاوي. بكلام آخر، سيكون في الحكم العراقي كتل شيعية وسنية، وستجلس كذلك في صفوف المعارضة العراقية كتل شيعية وسنية.
أخيراً، يقول المسؤولون الأميركيون إن الانتخابات قد تفتح صفحة جديدة بين كردستان وبغداد، وكذلك بين المركز الفيديرالي في العاصمة والمحافظات التي تم تحريرها من حكم تنظيم «داعش»، وهو ما يساهم في تعزيز الحوار السياسي والتفاهمات، بدلاً من المواجهات العنفية.
«الديموقراطية عملية تشوبها الكثير من الفوضى، في كل دول العالم، وهي عملية تراكمية يتعلم منها من يمارسونها مع ممارستها أكثر فأكثر، وهو ما نراه يحدث في العراق بما فيه مصلحة العراقيين، ودول الجوار والعالم بشكال عام».

نويرت: نعرف مقتدى جيداً

واشنطن - ا ف ب - أكّد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أن بلاده تحترم نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق على الرغم من فوز الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي قاتل القوات الأميركية خلال الحرب.
وقال ماتيس لصحافيين في وزارة الدفاع الأميركية، مساء أول من أمس، «الشعب العراقي أجرى انتخابات. إنها عملية ديموقراطية في الوقت الذي شكّك فيه أشخاص كثيرون في أنّ العراق يُمكنه تولّي مسؤولية نفسه». وأضاف «سننتظر النتائج، النتائج النهائية للانتخابات. ونحن نحترم قرارات الشعب العراقي».
من جهتها، أكّدت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر نويرت أنّ الولايات المتحدة تعتقد أن بإمكانها «الاستمرار» في إقامة «علاقات جيدة» مع الحكومة العراقية المستقبلية. وأضافت: «اننا نعرف جيداً من هو مقتدى الصدر، نعرف ماضيه ومواقفه، لكننا نثق بالحكومة العراقية».

الثلاثاء، 15 مايو 2018

النكبة: 52 عاما على مقتل الصحافي كامل مروة


يصادف يوم غد الذكرى الـ 52 لاغتيال الصحفي اللبناني، مؤسس صحيفتي الحياة ودايلي ستار، كامل مروة (16 أيار/مايو 1966).

قبل نحو عقدين، جلست في حديقته في بيت مري اللبنانية بضيافة ابنيه العزيزين، جميل ومالك، وحدثني حنا، أحد معاصري الراحل، عن سبب وكيفية اغتياله. قال حنا إنه في ربيع العام 1966، أدلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بخطاب قال فيه إن القوة الجوية المصرية صارت تسيطر على سماء العالم العربي، من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، وإن هذه القوة المصرية قادرة على محو إسرائيل.

علق مروة على خطاب عبد الناصر في افتتاحية في الحياة كتب فيها أنه إذا كان عبد الناصر قويا بما فيه الكفاية للقضاء على إسرائيل، فماذا ينتظر؟ وأضاف مروة أنه إذا كان عبد الناصر نمرا من ورق، فالأفضل له وللعرب أن يعفيهم من خطاباته العنترية الفارغة.

لم تفطن أجيال العرب أن النكبة ليست في فقدانهم السيادة، بل في تخليهم عن الحرية

لم يستسغ "المارد الأسمر" و"بطل العرب الأسطوري" عبد الناصر مقالة مروة، فأرسل أحد مناصريه لاغتيال الصحافي اللبناني في بيروت، كما يروي حنا. كان كامل مروة جالسا في مكتبه حينما ظهر أمامه قاتله وهو يحمل مسدسا كاتما للصوت. استل مروة الدباسة من على مكتبه ورماها باتجاه الزجاج بهدف كسره وإحداث ضجيج يلفت نظر زملائه، لكن قاتله أرداه بطلقتين أصابتاه في قلبه.


لم تغضب جماهير العرب لمقتل مروة، ولم تخرج في تظاهرات ضد مقتله، بل هي خرجت في تظاهرات حاشدة تبكي موت "قاتله" عبد الناصر بعد ذلك بأعوام قليلة.

لا يبدو أن جيل "الزمن الجميل" من العرب كان يحزن لتكميم الأفواه وقتل الصحافيين، بل كان جيلا تثيره الخطابات النارية الشعبوية وأغاني السد العالي. ثم بعد عام وعشرين يوما على مقتل مروة، تكبد عبد الناصر، ومعه سورية والأردن، أفظع خسارة عسكرية أمام إسرائيل في "حرب الأيام الستة"، وأصيب جيل العروبة والناصرية بأكبر موجة إحباط أنهت "الزمن الجميل" برمته، مع قوميته وعلمانيته، وفتحت الباب أمام صعود الإسلاميين وتطرفهم.

لم تتوقف هزائم العرب، لا قبل إسرائيل ولا بعدها، بل كانت كلها هزائم مكللة بالأهازيج والفخر. يوم رسا نابليون على شواطئ مصر، توعده حكامها بتحطيم جيشه تحت حوافر خيولهم. ظهر نابليون في القاهرة مع مدفعيته التي أعمى بريقها عيون المصريين.

في 1948، هب العرب لإنقاذ فلسطين بعد قيام دولة إسرائيل. حدثني المؤرخ العزيز الراحل كمال الصليبي أن الطلبة الفلسطينيين في "الجامعة الأميركية في بيروت"، بقيادة جورج حبش، فتحوا باب التطوع في تظاهرة حاشدة في حرم الجامعة، وتواعدوا اللقاء ذاك المساء لإجراء فحوص دم للمقاتلين المتطوعين وتنظيم صفوفهم. حضر الصليبي وطالب آخر فقط. حتى حبش، الذي ألهب خطابه جمهور الطلاب، لم يحضر. يقول الصليبي: "حتى فئة دمي أخطأوا في تحديدها".

وهكذا دواليك، نكبة، فخطابات، فحماسة، فهزيمة، فخطابات، فحماسة، فنكسة، فخطابات، فحماسة، فـ"نصر إلهي" تحت الركام.

وكأن العرب لا ينقصهم ما فيهم، فاندب الإيرانيون فوقهم. اليوم، كما في 1966، يكرر الإيرانيون أنهم قادرون على محو إسرائيل في سبع دقائق ونصف. تدمر إسرائيل البنية التحتية العسكرية الإيرانية في سورية عن بكرة أبيها، فترد إيران بعشرين صاروخا يسقط نصفها في لبنان وسورية. يحدث أن يتسلل صاروخ إيراني أو أكثر إلى الأجواء الإسرائيلية، فيهلل العرب، ويلوح لهم "التحرير" في الأفق، مع أن صواريخ إيران بالكاد كسرت لوح زجاج في إسرائيل.

لم تفطن أجيال العرب أن النكبة ليست في فقدانهم السيادة، بل في تخليهم عن الحرية. ولم يفطن العرب أن صلاحهم ليس في صواريخهم، ولا في صواريخ الإيرانيين، بل في مقدرتهم على التشكيك في إيران وصواريخها، وفي عبد الناصر ومقاتلاته، وفي حكم آل الأسد ودمويتهم وفسادهم.

يواجه حكام العرب والفرس نكباتهم ونكساتهم بالصواريخ والكيميائي والبراميل المتفجرة

في عام 2000، يوم انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لم يعلن رئيس حكومة إسرائيل آنذاك إيهود باراك الأحكام العرفية، ولا هو قضى على خصومه السياسيين والإعلاميين بحجة الوضع الطارئ الذي لا يحتمل الاختلاف في الرأي، بل هو فعل عكس ذلك تماما: دعا لانتخابات أطاحت به واستبدلته بأرييل شارون.

اقرأ للكاتب أيضا: أكاذيب إيران النووية

في مواجهة الأزمات، تقوم الشعوب والأمم المتحضرة بإفساح المجال أمام الآراء المعارضة، وتجري الانتخابات لاختيار الوسيلة الأفضل للتعامل مع الأزمة. بريطانيا انتخبت ونستون تشرشل رئيسا لحكومتها في ذروة المواجهة مع ألمانيا النازية، وإسرائيل انتخبت شارون في وسط المواجهة مع الفلسطينيين، وأميركا استبدلت الغالبية الجمهورية في الكونغرس بغالبية ديموقراطية في وسط الحربين الأميركيتين في العراق وأفغانستان.

أما حكام العرب والفرس، فيواجهون نكباتهم ونكساتهم بالصواريخ والكيميائي والبراميل المتفجرة. يرمون منها القليل القليل على أعدائهم، ويرمون الغالبية المتبقية على من يخالفهم الرأي في الوطن.

لم تكن نكبة العرب يوما خسارتهم أرضا أو حربا، بل لطالما كانت نكبتهم في قيام حكامهم بإخفاء تسلطهم وإجرامهم خلف الكرامة الوطنية المتخيلة والعنفوان، وهو ما يطرح على العرب السؤال الذي نكرره دائما: ما فائدة فلسطين محررة إن كانت الحرية لا تتسع لمفكرين أحرارا من أمثال كامل مروة؟

الاثنين، 14 مايو 2018

هيْمَنة بولتون على البيت الأبيض تعيق التسوية الخليجية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

علمت «الراي» من مصادر رفيعة داخل الإدارة الأميركية أن حظوظ التوصل إلى تسوية خليجية، بدفع من الولايات المتحدة، تراجعت إلى حدّها الادنى، مع تقدم الجناح المتشدد، الذي يقوده مستشار الأمن القومي جون بولتون، داخل الإدارة.
وأشارت المصادر إلى أن قرار انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران أكّد مخاوف جناح المعتدلين في إدارة الرئيس دونالد ترامب من سيطرة نظرائهم المتشددين، بقيادة بولتون، على السياسة الخارجية الأميركية بشكل عام، لافتة إلى أن كيفية اتخاذ قرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق أظهرت بشكل واضح هيمنة مستشار الأمن القومي وفوزه باهتمام ترامب.
وكشفت في هذا السياق، أن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي لم تجرِ مناقشته، حسبما تتطلب الأصول، داخل «فريق الأمن القومي» الموسع، الذي يضم عادة وزراء الخارجية والدفاع والخزانة وقائد الأركان وقادة الوكالات الاستخباراتية، بل إن ترامب اتخذ قراره بعد مشاورات داخل حلقته الضيقة في البيت الابيض، وهي مشاورات قادها بولتون.
ومع عدم انعقاد «فريق الأمن القومي» الموسع، غابت عن النقاش أصوات المعتدلين في الإدارة، أو من يطلق عليهم تسمية «المؤسسة الحاكمة» (استابلشمنت)، وفي طليعتهم وزير الدفاع جيمس ماتيس. حتى وزير الخارجية مايك بومبيو، المقرّب جداً من ترامب والمحسوب على الصقور داخل الإدارة، انهمك في الملف الكوري الشمالي، وغاب عن النقاشات التي سبقت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.
وقبل دخوله الإدارة، كان بولتون من الأصوات التي علت مطالبة بتبني الولايات المتحدة سياسة متشددة تجاه قطر. ويعتقد البعض أنه في فترة ما قبل دخوله الادارة، كان بولتون يتمتع بخط اتصال شخصي مع ترامب عبر الهاتف الخليوي للأخير، أي أنها كانت قناة اتصال بعيدة عن أعين رئيس موظفي البيت الابيض جون كيلي ومستشار الأمن القومي السابق هربرت ماكماستر.
ويعتقد المتابعون أن بولتون استخدم هذه القناة لدفع ترامب لاتخاذ موقف متشدد تجاه قطر في الأيام الاولى التي تلت اندلاع الأزمة الخليجية التي تقارب العام من عمرها. 
لكن مع توالي الأيام والاسابيع، تراجع نفوذ بولتون لأسباب غير معروفة، وأمسك بزمام السياسة الخارجية الثنائي المعتدل ماتيس ووزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون. ونجح الاثنان في دفع ترامب نحو الوسط في موضوع الأزمة الخليجية، وفي حمله على تبني سياسة الدفع باتجاه تسوية بين قطر، من ناحية، والسعودية والامارات والبحرين ومصر، من ناحية ثانية.
ومع تقدم جناح ماتيس - تيلرسون، أقنع الوزيران الرئيس الأميركي بضرورة تمديد الاعفاء على العقوبات الأميركية على ايران، وبقاء الولايات المتحدة في الاتفاق النووي.
لكن شخصية ترامب المتقلبة، التي يمكن أن تكون قد ترافقت مع بعض التحريض من بولتون، دفعت الرئيس إلى إقالة تيلرسون، والعودة إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه الاتفاق مع ايران، وفي وقت لاحق إلى الاطاحة بماكماستر وتعيين بولتون مكانه.
ومع دخوله البيت الابيض، نجح بولتون في الاستحواذ على اهتمام وثقة الرئيس الأميركي. ويقول العارفون ان بولتون «يعرف مزاج ترامب، ويعرف كيف يتكلم معه بلهجته، ويربط له الملفات الخارجية بشعبيته في الداخل وبتأييد مجموعات الضغط المختلفة له حسب اتجاه قراراته الخارجية».
وبعد تعيين بومبيو وزيراً للخارجية، قام الأخير بمحاولة أخيرة لرأب الصدع الخليجي، وزار المنطقة في محاولة لمتابعة رسالة سرية كان أرسلها الرئيس الأميركي إلى زعماء الخليج، حضهم فيها على تبني تسوية حدد إطارها في نقاط رسالته. وتصدر التسوية موضوع وقف الحملات الاعلامية المتبادلة بين قطر وخصومها.
إلا أن وقت بومبيو واهتمامه كانا قصيرين، وكذلك المهلة التي حددها بولتون داخل الإدارة، وهي مهلة قضت بإنهاء الوساطة الأميركية في حال فشل مسعى بومبيو، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران بغض النظر عمّا يحصل في الخليج.
وفي وزارة الدفاع، بدا الاستياء على قادتها الذين تم استبعادهم عن قراريْ إنهاء الوساطة الأميركية في الأزمة الخليجية والانسحاب من الاتفاق مع ايران.
لكن من يعرف واشنطن يعرف ان «شهر العسل» للأجنحة المختلفة داخل البيت الابيض ما يلبث أن يمضي، خصوصاً إن لم يقدم نتائج مرجوة يمكن للرئيس الركون إليها وتقديمها بمثابة إنجازات تساهم في إعادة انتخابه لولاية ثانية. 
في حالة بولتون، تبدو خطوة الانسحاب من الاتفاق مع إيران عقائدية أكثر منها واقعية، ولا يبدو أنها ستؤدي إلى التوصل للنتائج المطلوبة، خصوصاً إذا استمرت أوروبا وشركاتها في عصيان الموقف الأميركي بعد مرور 180 يوماً، وهي المهلة التي حددها البيت الابيض لهذه الشركات للانسحاب من عقودها مع ايران، ما يحبط محاولات واشنطن لفرض أداء سلبي على الاقتصاد الايراني.
فإذا ثبت عدم فاعلية الانسحاب الأميركي، قد يؤثر ذلك سلباً على موقع بولتون داخل الادارة والحظوة التي ينالها في أعين الرئيس، المعروف بتقلباته وبملله من الشخصيات التي يقرّبها منه، ثم ما يلبث أن يتخلص منها عند اعتقاده أنها تؤذي صورته أو فرص اعادة انتخابه. وقتذاك، قد يعود المعتدلون إلى الصدارة، وقد تعود واشنطن إلى محاولاتها للتوصل إلى التسوية الخليجية.

الأربعاء، 9 مايو 2018

فيما يذهب العراق إلى صناديق الاقتراع، تراقب إيران المشهد

حسين عبدالحسين
اوفيس سينديكاتيون

ربما قد يكون السياسيون العراقيون غافلين عن ذلك، غير أن ما يبدو وكأنه مجرد جولة أخرى من الانتخابات البرلمانية قد يثبت أنه الأمر الأكثر تعارضا للمصالح في تاريخ الامة. فللمرة الأولى منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003م، سيذهب العراقيون إلى صناديق الاقتراع تحت مراقبة العيون المتربصة لعشرات الميليشيات الموالية لإيران، والمدججة بالسلاح ولها خبرات بالمعارك، مما يهدد سلامة العملية الانتخابية برمتها. وقد دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى فرض حظر على أعضاء الميليشيات لخوض الانتخابات، غير أنه تراجع في وقت لاحق عن خطابه، إثر تعرضه لضغوط على الأغلب من جانب طهران، وخشية من أن يتم تطويقه بالتصفية الانتخابية من قبل المتطرفين الشيعة. ويبدو أن العبادي لا يرغب في التواصل مع كتل غير شيعية لتعويض النفوذ الإيراني على أي حكومة مستقبلية قد يشكلها، الامر الذي يقلل من فرص إبعاد بغداد عن طهران، وإهدار ثمة فرصة أخرى كانت ممكنة لتعزيز استقلال العراق.

ويتاح للعراقيين في هذه الانتخابات، مجموعة واسعة من السياسيين الشيعة للاختيار من بينها. فمنذ الانتخابات الأخيرة التي أجريت في عام 2014، انقسم حزب الدعوة الإسلامية الحاكم إلى فصيلين: لائحة دولة القانون، تحت قيادة رئيس الوزراء المعزول نوري المالكي، وتحالف النصر، بقيادة هادي أميري، الملازم السابق والعدو اللدود حاليا للعبادي، وهو زعيم الميليشيات الشيعية التي تشكلت في أعقاب سيطرة داعش في منتصف عام 2014، والمترأس لائتلاف الفتح، وقد يظهر كقطب شيعي ثالث. في هذه الأثناء، وعلى الرغم من أن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لم يكن له نفس التأثير في السنوات الماضية، فربما يتسنى له المحافظة على كتلة متوسطة الحجم، قد تكون حاسمة في تسمية رئيس الوزراء شيعي من خلال الاتفاق السياسي.

من دون شك سيكون لأهل السنة في العراق، الذين تعرضوا لظروف سيئة غير مؤاتيه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية مقارنة بأقرانهم الشيعة والأكراد، لديهم أيضاً مزيد من الخيارات في الانتخابات. فمنذ عام 2014، تم تقسيم القيادة العراقية السنية إلى قسمين، مما يعكس الانقسام الأكبر في القيادة السنية في جميع أنحاء المنطقة.

الثلاثاء، 8 مايو 2018

إيران تفوز في انتخابات لبنان

حسين عبدالحسين

في انتخابات لبنان البرلمانية، استكملت "الجمهورية الإسلامية" في إيران سيطرتها على حكومة بيروت ومؤسساتها بفرضها نظام مكافآت للحلفاء وعقوبات للخصوم، باستثناء حزب "القوات اللبنانية"، الذي نجح في مضاعفة عدد مقاعده في "مجلس النواب" لتصل إلى 15 من 128 مقعدا، على الرغم من عملية التخوين التي شنها "حزب الله" ضد "القوات"، والتي تضمنت اتهامات غير قابلة للتصديق من قبيل أن "القوات اللبنانية"، الحزب ذي الغالبية المسيحية، من حلفاء تنظيم داعش الإسلامي المتطرف.

وكان الخاسر الأكبر في انتخابات 2018 رئيس حكومة لبنان سعد الحريري، الذي تقلصت كتلته من 33 إلى 21 مقعدا. على أن التقلص هذا لا يمثل نهاية الحريري سياسيا، بل يرمز إلى تحوله من لاعب يمكنه التصرف باستقلالية عن إيران وممثلها في لبنان، أي "حزب الله"، إلى لاعب يعتمد في بقائه السياسي على رضى الحزب، على غرار السياسيين اللبنانيين ممن سبقوه في إعلان الولاء للحزب المذكور وللجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان في طليعتهم ميشال عون، رئيس الجمهورية، واليوم نسيبه ووريثه الموعود وزير الخارجية جبران باسيل.

اقتربت إيران من تحقيق رؤيتها للبنان المبنية على حكم أوحد بيد رجلها نصرالله وخلفه "مجلس نواب" يصفق له

وتضمنت المكافآت التي وزعها "حزب الله" على حلفائه من السياسيين اللبنانيين جنرالات سابقين على أنواعهم، منهم من ساهم في انقسام "الجيش اللبناني" في زمن الحرب الأهلية، وتاليا تقويض سلطة الدولة اللبنانية، ومنهم من كان مسؤولا عن أمن البلاد أثناء عملية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في العام 2005.

هكذا أكدت الانتخابات اللبنانية سطوة "حزب الله" وسيطرته المطلقة على لبنان. ومن الآن فصاعدا، أصبح الحزب المذكور صاحب سلطة وصاية على لبنان وزعمائه، بقوتيه العسكرية والسياسية. وتحول شعار الحكومات المتتالية "الشعب والجيش والمقاومة"، وهو الشعار الذي يناقض الدستور اللبناني، ميثاقا وطنيا لبنانيا جديدا يمنح شرعية كاملة لميليشيا مسلحة لا سيطرة لدولة لبنان عليها.

اقرأ للكاتب أيضا: أكاذيب إيران النووية

وهكذا أيضا أكدت انتخابات 2018 المزيد من انخراط لبنان، "شعبا وجيشا ومقاومة"، في "منظومة الممانعة" الإقليمية، التي تديرها طهران، وهي منظومة شعارها المفترض مناصرة مستضعفي العالم في وجه الاستكبار، التسمية الإيرانية للإمبريالية، ولكنها في الواقع إمبريالية إيرانية تستعيد تاريخ الإمبراطوريات الفارسية وتحاول إعادة إحيائه.

والواقع أن إيران تحاول إعادة تكرار تاريخها بحذافيره، فهي لم تخلف في المساحات التي حكمتها عبر التاريخ آثارا فكرية أو لغوية أو مؤسساتية، بل تركت وراءها جنرالات محليين تسلطوا على شعوبهم باسم "ملك الملوك في إيران"، وهو الذي يتجلى اليوم على شكل "المرشد الأعلى".

"نحمي ونبني" هو الشعار الذي رفعته لوائح "حزب الله" الانتخابية في لبنان، وهو نفس الشعار الذي يرفعه "تحالف الفتح" الانتخابي العراقي، الذي يقوده زعيم الميلشيات العراقية هادي العامري.

أكدت الانتخابات اللبنانية سطوة "حزب الله" وسيطرته المطلقة على لبنان

وكما في لبنان، تسعى طهران لتكرار تجاربها السياسية والانتخابية في العراق بتقويضها نفوذ أي زعيم تسول له نفسه إمكانية التصرف كزعيم مستقل خارج عن إدارة طهران. بهذه الطريقة، أخرجت إيران ثلاثة رؤساء حكومة من الحكم وحولتهم إلى زعماء يستجدونها حتى تسمح لهم العودة إلى نعيم السلطة. أما الرسالة الإيرانية، التي صارت مفهومة في بيروت وبغداد، وقريبا في دمشق، فمفادها أن طهران لا تمانع الزعامات المحلية وبعض الاستقلال الذاتي لهم، لكنها تشترط أن ينخرط هؤلاء الزعماء في منظومة إيران العالمية لـ"مواجهة الاستكبار"، وأن يترك الزعماء المحليون للإيرانيين قرارات الأمن والسياسة الخارجية في بلدانهم.


في الأسابيع والأشهر والسنوات التي تلت اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في العام 2005، كرر زعيم "حزب الله" حسن نصرالله دعوته إلى الزعماء المحليين، ممن ثاروا على الحزب في حينه، وكان في طليعتهم عون والنائب وليد جنبلاط وسعد الحريري، للسير بتسوية خلاصتها أن الإنماء والإعمار لهم والأمن والدفاع لحزب الله. لم يوافق زعماء لبنان في حينه على عرض نصرالله، لكن بسبب ضيق أفقهم وشبقهم للسلطة ومنافستهم لبعضهم البعض، نجح "حزب الله" بتقليص أدوارهم الواحد تلو الآخر. فمن فهم منهم رسالة نصرالله ووافق عليها، مثل بري وجنبلاط، حافظ له "حزب الله" على زعامته، ومن خال نفسه ندا للحزب، مثل الحريري وباسيل، انتهى في موقع الضعيف المستجدي للحزب لبقائه في السلطة.

في انتخابات لبنان 2018، فازت إيران، واقتربت من تحقيق رؤيتها للبنان، وهي الرؤية المبنية على حكم أوحد بيد رجلها نصرالله، وخلفه "مجلس نواب" يصفق له.

الخميس، 3 مايو 2018

جولياني يفضح «أولى كذبات» ترامب: اشترى سكوت الممثلة الإباحية من ماله الخاص

واشنطن - من حسين عبدالحسين

ظهرت إلى العلن الكذبة الأولى على لسان الرئيس دونالد ترامب، بعدما أعلن صديقه ومحاميه عمدة نيويورك السابق رودي جولياني ان الرئيس كان سدد مبلغ 130 الف دولار لإسكات نجمة الافلام الاباحية ستورمي دانيالز، قبل الانتخابات الرئاسية في خريف 2016. 
وقال جولياني لشبكة «فوكس نيوز»: «لقد دفعوا المال من خلال شركة محاماة وسددها الرئيس. كانت تلك مبالغ دفعها محاميه كما كنت سأفعل، من أموال شركته للمحاماة أو أي أموال أخرى لا يهم. وسدد الرئيس ذلك المبلغ على مدى أشهر عدة»، مضيفاً ان المبلغ لم يشكل انتهاكاً لقوانين تمويل الحملة الانتخابية لأنه «لم يكن من أموال الحملة». 
وتزامن إعلان جولياني مع تعديل في الرواية من جهة ترامب، الذي صار فريقه يعتبر أن ادعاء دانيلز عن إقامة علاقة جنسية مع ترامب، قبل سنوات، هو محض افتراء.
وسبق لأحد مراسلي البيت الأبيض ان سأل ترامب إن كان يعرف أن محاميه مايكل كوهن قد قام بتسديد المبلغ المذكور لاسكات دانيالز، فأجاب ترامب بالنفي، وهذا يعني أن الرئيس بات في موقع الكاذب بعدما أكد تصريح جولياني أن مصدر المبلغ هو مال ترامب الشخصي.
وعلّق ترامب على تصريحات جولياني، في سلسلة من تغريداته الصباحية الشهيرة، أمس، بإعادة تقديم روايته حول ما وصفها بالادعاءات الكاذبة لدانيالز عن علاقة جنسية بينهما. 
ويخضع محامي ترامب الشخصي ومحامي شركته وعائلته مايكل كوهين للتحقيقات أمام مكتب التحقيقات الفيديرالي (اف بي آي)، بعدما اقتحم محققون من الجهاز الامن المذكور مكتب كوهن في برج ترامب في مدينة نيويورك، وصادروا كومبيوتره الشخصي ووثائق.
وكان فريق محامي ترامب، الذي يعد للدفاع ضد تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر في امكانية تورط المرشح ترامب أو العاملين في حملته مع عملاء الحكومة الروسية اثناء الانتخابات الرئاسية، قد شهد تغييرات تشي بأن الرئيس الاميركي لا ينوي الخوض في دفاع قانوني، بل يعمد إلى خوض مواجهة سياسية ضد مولر والتحقيق. 
في هذا السياق، خرج آخر محامي البيت الابيض تاي كوب، بشكل مفاجئ، معلناً تقاعده، ليتولى الفريق جولياني وايميت فلود، والأخير هو المحامي الذي ترافع باسم الرئيس السابق بيل كلينتون، يوم كان الأخير يتعرض لاجراءات خلع من منصبه على خلفيه تورطه في علاقة جنسية مع المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي في العام 1998.
وتزامناً، جدد ترامب حملته على التحقيق الذي يصفه، باستمرار بـ «صيد الساحرات»، معتبراً أنه في حال استمر الوضع على ما هو عليه، فإنه قد يضطر الى «استخدام الصلاحيات الرئاسية»، في تصريح يعد بمثابة تهديد رئاسي بطرد مولر والمسؤولين عن التحقيق في وزارة العدل. 
على ان التقارير من داخل البيت الابيض تشير الى ان مستشاري الرئيس عمدوا الى تحذيره مراراً من مغبة طرد مولر أو المسؤولين عنه، معتبرين أن مثل هذه الخطوة ستثير أزمة سياسية حادة في وجه الرئيس من دون ان ينجح في وقف التحقيق، الذي سيستمر بغض النظر عن هوية مسؤولي وزارة العدل. 
وفعلياً، تفرعت التحقيقات عن مولر، الذي عثر على تجاوزات أثناء تحقيقه، فلم يلاحقها لأنه غير مفوض بذلك، بل أبلغ الوزارة، التي أحالتها على المدعين الفيديراليين المعنيين. 
هكذا، أصبحت التحقيقات في موضوع دانيالز منفصلة عن عمل مولر، وغير خاضعة للتجميد في حال طرده أو وقف تحقيقه. 
بدوره، رد وكيل وزارة العدل رود روزنستاين، وهو المشرف على تحقيقات مولر بسبب تحييد الوزير جيف سيشنز نفسه، بعدما ثبت اتصاله بالسفير الروسي السابق في واشنطن، للحفاظ على حيادية التحقيق، بالقول انه على الرغم من التهديدات التي يصدرها بعض الاشخاص ضد وزارة العدل، الا ان «الوزارة لن تتعرض للابتزاز من أي نوع». وروزنستاين هو ممن عينهم ترامب في منصبه، وطالبه الرئيس بالولاء بسؤاله «في صف أي فريق تقف انت يا رود؟». إلا ان روزنستاين يبدو انه يسعى للحفاظ على مهنيته ومصداقيته، حتى لو تسبب ذلك بغضب رئاسي عليه.
سلسلة الاضطرابات القانونية والسياسية هذه التي يعاني منها ترامب دفعت عدداً كبيراً من المعلقين الى اعتبار ان الرئيس الاميركي سيسعى الى القيام بخطوات كبيرة ولافته للنظر في السياسة الخارجية، من قبيل التوصل لاتفاقية تاريخية مع كوريا الشمالية أو توجيه ضربة لايران، لتشتيت الانتباه عن التحقيقات والمصاعب التي تلاحقه في الداخل.
ومن هذا القبيل، كشفت وسائل الاعلام الاميركية ان ترامب تفاوض مع الحكومة الاوكرانية سراً، ووافق على تزويدها بصواريخ مضادة للآليات تساعد الجيش الاوكراني في تصديه للميليشيات الموالية لموسكو شرق البلاد، مقابل إقفال كييف ابوابها في وجه مولر وتحقيقاته. وفعلاً، قامت أوكرانيا بالتضييق على عمل مولر، وسمحت لبعض الشهود في قيام مسؤولين اوكرانيين سابقين بتسديد رشى لرئيس حملة ترامب السابق بول مانوفورت بالفرار الى موسكو، حيث يستحيل التحقيق معهم.

واشنطن تخطط لوضع «النووي الإيراني» على طاولة مجلس الأمن... من بوابة «إعادة التفتيش»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

علمت «الراي» من مصادر أميركية رفيعة أن واشنطن عملت على تطوير عدد من الخطط والسيناريوات لمواجهة «طموحات إيران النووية». 
وحسب المصادر، ستقوم البعثة الأميركية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمطالبة مفتشي الوكالة بالعودة إلى تفتيش أي من المواقع التي وردت في الوثائق الايرانية التي حازت عليها إسرائيل، حسب اعلان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، ولم يشملها «نظام التفتيش الدولي الذي سبق التوصل للاتفاقية النووية مع إيران».
ويبدو أن واشنطن تتوقع أن تعلن طهران بعض المواقع المطلوب إعادة التفتيش فيها بمثابة «مواقع سيادية إيرانية» عصية على التفتيش الدولي، وهو ما يدفع الخلاف إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يمكنه تخيير الايرانيين بين فتح المواقع أو عودة العقوبات. 
ويأتي التصعيد المرتبط بالملف النووي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد ايران في وقت تتسارع التقارير الاعلامية الاميركية التي تشير الى احتمال اندلاع حرب إيرانية - أميركية في الأراضي السورية. وفي هذا السياق، نقلت شبكة أخبار «ان بي سي»، عن مصادر رفيعة في ادارة الرئيس دونالد ترامب، ان اسرائيل وجّهت حتى الآن أكثر من مئة ضربة جوية الى أهداف تابعة لايران والميليشيات الموالية لها في سورية، وان هذه الضربات تسارعت بشكل كثيف في الاسابيع القليلة الماضية.
ورغم النفي الصادر عن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، بعد استقباله نظيره الاسرائيلي افيغدور ليبرمان، حول عدم التطرق الى «الموضوع الايراني»، إلا أن المصادر الاميركية لفتت الى ان الرجلين تطرقا الى «الموضوع السوري والدور الايراني فيه».
وما يقلق إسرائيل هو التسارع في وتيرة السلاح، خصوصاً النوعي منه مثل الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، التي تسعى ايران لايصالها للميليشيات المتحالفة معها في كل من سورية ولبنان، وهي قوافل ومخازن الاسلحة التي دأبت ايران على استهدافها منذ العام 2012.
على أن الاجواء المتوترة بين ايران من ناحية، والولايات المتحدة واسرائيل من ناحية ثانية، لا تشي بالضرورة باندلاع حرب شاملة بين الايرانيين والاسرائيليين، وهو ما قاله نتنياهو في اطلالته عبر شبكة «سي ان ان» الاميركية، أول من أمس، إذ اعتبر أن بلاده لا تسعى إلى حرب مع الايرانيين، وهو ما أوحى ان المواجهة بين الطرفين ستستمر على حالها: حرب ذات قواعد معروفة فوق الأراضي السورية، بالتزامن مع مواجهة ديبلوماسية ضروس في أروقة مجلس الأمن ومراكز القرار في عواصم القوى الكبرى.
في سياق متصل (وكالات)، أكد مسؤولون أميركيون أن إسرائيل هي التي ضربت المواقع العسكرية في شمال سورية، ليل الأحد - الاثنين الماضي، حيث يتواجد مقاتلون إيرانيون، مستخدمة مقاتلات «إف -15».
ونقلت شبكة «إن بي سي» الأميركية عن ثلاثة مسؤولين أميركيين قولهم: «إسرائيل باستخدام (إف -15) نفذت الضربة الجوية على قاعدة عسكرية بزعم أن إيران تسيطر عليها شمال سورية».
وأضاف المسؤولون ان إسرائيل تستعد في ما يبدو لصراع نشط وتسعى للحصول على مساعدات أميركية، مشيرين إلى أن الهدف من الغارة كان شحنة أسلحة واردة، تضمنت صواريخ أرض - جو تم توصيلها حديثاً من إيران.
وذكر موقع «تايمز أوف إسرائيل» أن عدد القتلى في الهجوم بلغ نحو 40 شخصاً بينهم عناصر إيرانيون، الأمر الذي نفته الجهات الإيرانية.
وذكر الموقع الإسرائيلي أن انفجاراً ضخما ترافق مع الغارة الجوية، وسجلت في أعقابه هزة أرضية بشدة 2.6 درجة على مقياس ريختر، نتيجة لانفجار ذخيرة الموقع، وليس بفعل القصف.
وكشفت شركة فضائية إسرائيلية عن الأضرار التي لحقت بالموقع، وأظهرت الصور الجوية أن ما لا يقل عن 13 مبنى قد تعرض للضرر في قاعدة حماة.

أكاذيب إيران النووية

حسين عبدالحسين

أمضت إيران سنوات المفاوضات التي سبقت التوصل للاتفاقية النووية بينها وبين المجتمع الدولي وهي تكرر أن على العالم أن يثق أنها لن تنتج السلاح النووي، فقط لأن مرشدها الأعلى علي خامنئي أفتى بحرمة هذا النوع من السلاح. العالم، بدوره، كان متهافتا على تصديق الإيرانيين، صدقوا أم كذبوا، فلم يذكر طهران بأنها حاولت الكذب على العالم ببنائها منشأة فوردو النووية سرا.

لم تكن "وكالة الطاقة الذرية الدولية"، المطلوب الركون إلى رقابتها النووية على إيران اليوم، هي التي اكتشفت فوردو، بل "منظمة مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة. قدمت المنظمة معلوماتها عن المنشأة إلى الاستخبارات الغربية، التي طابقت المعلومات مع صور الأقمار الاصطناعية ومصادر أخرى، وفي أيلول/سبتمبر 2009، أعلن الرئيس السابق باراك أوباما اكتشاف الخديعة الإيرانية، فأصرت إيران أن الهدف من منشأتها السرية كان مدنيا لا عسكريا. لم تقل إيران عندما بنت منشأة نووية محصنة تحت الجبال أن أهدافها غير عسكرية.

رفضت إيران، علنا، تعليق الجزء الثاني من برنامج تسليحها النووي

في المفاوضات النووية مع إيران، أصرت إدارة أوباما على التوصل إلى اتفاقية بأي ثمن. تم التحايل على مطلب المفتشين الدوليين دخول منشأة بارشين العسكرية، التي تعتقد استخبارات دول عدة أن إيران أجرت فيها تجارب على السلاح نووي، ووافقت إيران على دخول المفتشين في زيارة شكلية محدودة لرفع العتب وإقفال القضية.


تسعى إيران للحصول على سلاح نووي، وكل ما تقوله غير ذلك هو غير صحيح. اعتقد أوباما أنه بالتوصل لاتفاق مع إيران، وإعادة العلاقات الأميركية معها، يتحول السلاح النووي الإيراني إلى سلاح في يد حليف، وتنتهي المشكلة. على أن المشكلة لم تنته. خامنئي كان يدير إيران يوم كان أوباما لا يزال تلميذا جامعيا، وبان الفارق جليا بين دهاء المرشد وتواضع مواهب الرئيس الأميركي السابق في السياسة الدولية.

يوم أمس، اتهم رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو طهران بالعمل على مشروع سري لإنتاج أسلحة نووية، وفقا لأكثر من 100 ألف وثيقة إيرانية نجحت الاستخبارات الإسرائيلية في العثور عليها وإخراجها من إيران. من جهتهم، لم يتأخر المسؤولون الإيرانيون في الرد، فغرد وزير الخارجية جواد ظريف معتبرا أن "وكالة الطاقة الذرية الدولية" سبق أن كذبت هذه المزاعم، وأن الخطوة الإسرائيلية تم توقيتها لتسبق قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتدفعه لإخراج أميركا من الاتفاقية النووية مع إيران.

لكن ما تفادى قوله رئيس الديبلوماسية الإيرانية أدلى به نائبه عباس عراقجي، الذي وصف تصريحات نتنياهو بالألاعيب الصبيانية، مضيفا أنها اتهامات تشبه اتهامات "مجاهدي خلق" حول برنامج طهران للأسلحة النووية. عراقجي لا يتقن الكذب مثل رئيسه ظريف، إذ قام الأول بالربط بين معلومات نتانياهو ومعلومات "خلق" للدلالة على كذب المسؤول الإسرائيلي. لكن "خلق" لم تكذب، بل إيران هي التي كانت تكذب حول فوردو، وإذا ما ربطنا بين الكشف عن فوردو وكشف نتانياهو عن "مشروع عماد" الإيراني لصناعة السلاح النووي، لا بد لنا الاستنتاج أن نتانياهو صادق وإيران كاذبة.

تسعى إيران للحصول على سلاح نووي، وكل ما تقوله غير ذلك هو غير صحيح

تلاعبت إيران بأوباما والعالم. أوهمتهم أنها توصلت إلى تسوية معهم، فيما هي في الواقع تخلت عما هو مكشوف في برنامجها النووي، ورفضت الإفصاح عما هو سري. كما رفضت إيران، علنا، تعليق الجزء الثاني من برنامج تسليحها النووي، فالرؤوس النووية تحتاج إلى ما يحملها، واستمرار إيران بتجاربها على الصواريخ الباليستية، وهي تجارب تدينها عواصم العالم بأجمعها ثم تتمسك بالاتفاقية النووية التي تسمح بحصول هذه التجارب، هو الجزء المكمل لبرنامج إيران لصناعة سلاح نووي.

اقرأ للكاتب أيضا: المثقفون الشبيحة

لم تكد واشنطن تعلن تمردها على الاتفاقية النووية العرجاء مع إيران حتى أطل المهرجون من أنصار طهران، في إيران وفي العواصم الغربية ومنها واشنطن، ليهددوا بحتمية اندلاع الحرب في حال تمزيق الاتفاقية. لكن نهاية الاتفاقية، حسب مجلس الأمن الدولي، لا تعني الحرب، بل تعني العودة إلى العقوبات القاسية على طهران، والعودة إلى المفاوضات.

ثم حاول أنصار إيران الربط بين إمكانية انهيار الاتفاقية مع إيران وتأثير ذلك السلبي على الاتفاقية النووية المحتملة مع كوريا الشمالية. لم يلاحظ هؤلاء أن توقيع الاتفاقية مع طهران لم يثن بيونغ يانغ عن إجراء تجاربها الصاروخية والنووية، ولا أقنعت محاولة تمزيق الاتفاقية النووية مع إيران كوريا الشمالية بعدم جدوى المفاوضات. المساران الإيراني والكوري الشمالي منفصلان، وإمكانية التوصل لتسوية في كل منهما ضعيفة، كما إمكانية الذهاب إلى حرب. أما المطلوب، فتضامن عالمي لفرض عقوبات اقتصادية قاسية على هذين البلدين، وعلى كل حكومة تعتقد أن بإمكانها الكذب على العالم لصناعة صواريخ نووية تثبت طغاتها في الحكم إلى الأبد.

Since December 2008