الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

الإمارات والسعودية وإسرائيل للمستقبل.. وفلسطين للماضي

حسين عبدالحسين

في إكسبو دبي الدولي، قدمت الدول صورة عن نفسها: بعضها يسعى لمستقبل أفضل، وبعضها أسير ماضٍ لا ينقضي فيقضي على الحاضر وعلى المستقبل، وبعض ثالث لا ماض ولا مستقبل له، بل دعاية لحاكم مستبد وشعاراته وآرائه التافهة التي لا تولد إلا البؤس والشقاء.

في جناح الولايات المتحدة، تبدأ الجولة بشعار "من كثيرين واحد"، وإشارة إلى التعددية الأميركية، وعرض لمصحف الرئيس الراحل توماس جيفرسون، وإصرار على الديموقراطية والحرية الفردية التي سمحت للعبقرية الأميركية بأن تقدم للعالم أهم اختراعات القرنين - الأخير والحالي- من، غراهام بل، مخترع الهاتف إلى، ستيف جوبز، الذي أهدى البشرية عالم اللوحات الحاسوبية والهواتف الذكية. وفي نهاية الجناح الأميركي برنامج دراسة المريخ ومحاولة استيطانه، ثم يعلو صوت يذيع شعار استقلال البلاد، ولكنه معدلا هذه المرة من "الحياة والحرية والسعي للسعادة" الى "الحياة والحرية والسعي إلى المستقبل". 

ومثل الولايات المتحدة، تقدم دولة الإمارات المضيفة نبذة عن الإنجازات الباهرة لدولة يافعة تفوقت على معظم دول الإقليم بإقامتها اقتصادا مبنيا على المعرفة في أقل من خمسين سنة هي عمر الاتحاد الفدرالي الإماراتي. ومن نافل القول أن الإمارات المضيفة لم تكن بحاجة إلى جناح لاستعراض تفوقها، فالزائر حتى يصل معرض أكسبو لا بد له من المرور بمطار وشوارع ومترو أنفاق دبي، وكلها باهرة بتنظيمها وتألقها في اقتصاد رأسمالي رهيب لا يستكين الناس فيه. 

يجاور الإمارات جناح السعودية. هنا الفن المعماري بديع ويعتمد على مرايا في مدخل يقود الناس في جولة عالم افتراضي عن السعودية الجديدة الحديثة الساعية للانضمام إلى الاقتصادات المعرفية التي تعتمد السياحة والخدمات على أنواعها، التكنولوجية والتعليمية والطبية والهندسية والمصرفية. ويختلط العالم الافتراضي بتصاميم تعكس الفن العمراني عبر السعودية، من الحجاز وعسير غربا، إلى الإحساء شرقا، مرورا بنجد. 

وحتى لا يظن القارئ أننا نقدم دعاية مجانية للإمارات والسعودية بالإضاءة على تطورها السريع وانتقالها إلى اقتصاد المعرفة الذي تتسابق الحكومات الواعية لتبنيه، لا بد من القول أن جناحا الدولتين الخليجيتين يفتقران إلى أي إشارة إلى طبيعة الدولة والحكم أو الى الديموقراطية والحريات العامة. 

الحديث حول الديموقراطية في الخليج يحتاج إلى مساحة غيرة متوفرة في هذا المقال. لكن من نافل القول أنه بعد سلسلة التغييرات الجذرية التي طالت دول المنطقة، من حرب العراق التي أطاحت بحكم البعث إلى ثورات الربيع العربي التي انقلبت إلى خريف وحروب أهلية، صار من شبه المؤكد أن ثقافة البشر خارج كتلة الديموقراطيات الليبرالية الغربية غير قادرة على إنتاج ديموقراطيات، وهو ما يقلص خيارات الشعوب إلى دول غير ديموقراطية وناجحة، كالإمارات والسعودية، ودول غير ديموقراطية وفاشلة، بل غارقة في الفشل، مثل لبنان وإيران وسوريا والعراق واليمن والأراضي الفلسطينية.

ولأن الديموقراطية ليست في لائحة الخيارات في دنيا العرب وإيران، فلا فائدة من الإصرار على تقويض حكومات مستقرة ذات اقتصادات مزدهرة وأن غير ديموقراطية، مثل نظام شاه إيران، وانتظار ديموقراطية لا تأتي، فيملأ الفراغ إسلام سياسي ظلامي قاحل وفاشل.

وفي إكسبو دبي تعرض إسرائيل صورتها، ولا تتطرق إلى حكومتها الديموقراطية، بل تكتفي بالإشارة إلى التنوع الإثني والمذهبي لمواطنيها، ويعتمد جناحها على العالم الافتراضي ليقدم إنجازات الدولة العلمية، من تفوقها في تقنيات تحلية مياه البحر ومحاربة التصحّر إلى تصدرها الكوكب في قطاع إنتاج التطبيقات الإلكترونية على أنواعها. ويقدم جناح إسرائيل نفسه في أسلوب نادٍ ليلي لأن البلاد تتفاخر بحياة السهر الليلي التي تجتذب السكان والسيّاح على حد سواء.

وعلى غرار الولايات المتحدة، التي ترفع شعار "السعي الى المستقبل"، ترفع إسرائيل شعار "غدا أفضل".

أما جناح فلسطين، فلا مستقبل ولا غد، بل إصرار على الماضي ورسومات للقدس ولمسجد قبة الصخرة وبيّارات الليمون والبرتقال ومبنى تفوح منه رائحة الزعتر المشوي الجملية. فلسطين هذه تغرق في سياسات الهوية والإصرار على وطن ضائع ووهم أن الأرض تصنع المستقبل، فيما الأرض هي وسيلة لا يمكنها أبدا أن تكون غاية.

ومثل فلسطين جناحا لبنان وسوريا، الدولتان الفاشلتان اللتان موّلت جناحيهما حكومة الامارات، ربما شفقة منها أو حسنة. لبنان يستعرض بعض صناعات النبيذ. عدا عن ذلك، لا وجه ولا هوية، إذ كيف يمكن لدولة تجتاح شوارعها صور الأموات أن تنظر إلى المستقبل.

بدورها تعوّل سوريا على الفيديوات الدعائية المستوحاة في الغالب من شعارات رئيسها بشار الأسد. والأسد هذا، دمّر بمفرده سوريا على رؤوس من فيها، ثم راح يعدهم "سوا منعمرها"، وليته يعدهم بـ "سوا نحكمها". عل أن السوريين وباقي العالم يعلمون أن الرجل غير سوي، وأنه يتساوى في جنونه مع كبار طغاة العالم، من نيرون روما إلى صدام حسين العراقي.

ختاما الديكتاتوريات التي لا تقدم حريات ولا تستعيض عنها بازدهار ونجاحات، بل تضيف إلى مأساة طغيانها بشاعة فسادها، وتضخم حسابات قادتها المالية السرية، واغتيالها المعارضين. يتصدر هذا النموذج رئيس روسيا فلاديمير بوتين، الذي يحاول الاستعاضة عن ديكتاتوريته وحكمه الفاشل بتصوير نفسه ندا للغرب، ومحاولة تشتيت انتباه الروس عن بؤسهم بتزيينه لهم أنه يكفي الأمة الروسية فخرا أنها تصارع القوى العظمى، ما يجعلها عظيمة ويجعل الروس عظماء— عظماء وإنما فقراء.

هكذا، يقدم الجناح الروسي عرضا عن قوة العقل البشري، ويسعى لاستعراض قوة روسيا في العلوم، ويختتم بالقول أن وحده تعاون الدول يسمح باطلاق قوة هذا العقل. والتعاون الذي يقصده بوتين هنا هو بمثابة ندية تجبر الغرب الديموقراطي على السكوت عن فشل بوتين، في الحقوق والحريات كما في اقامة اقتصاد معرفي منفتح.

صور كثيرة تقدم دول المعمورة عن أنفسها في إكسبو دبي. أما المشاركون، فيحسدون من يسكن الخليج وإسرائيل وأميركا، ويمرّون مرور الكرام على دول لا ديموقراطية فيها ولا أزدهار، ولن يتذكرها التاريخ إلا في الهوامش والحواشي.

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

لغة عربية واحدة ذات فائدة بائدة

حسين عبدالحسين

احتفل العالم الأسبوع الماضي بيوم اللغة العربية، وتفنن عرب كثيرون في استعراض ما اعتبروه جمال هذه اللغة، وأشاروا الى أقصر الكلمات مثل قِ (بالكسرة)، وهي صيغة الأمر لفعل الوقاية، وعِ كصيغة أمر لفعل الوعي، ورِ كفعل أمر من الماضي رأى. وأشار البعض إلى خطبتي الإمام علي بن أبي طالب، واحدة بدون حرف الألف وثانية من دون أحرف منقطة، فيما وزّع البعض الآخر لقطات للأكاديمي الفلسطيني الراحل اداور سعيد وهو يشيد بجمال اللغة العربية ويقول إنها لغة الأديان السماوية، كالقرآن، ولغة مخطوطات كثيرة مثل مجلّد الرحّالة ابن بطوطة.

الألاعيب الكلامية كأفعال الحرف الواحد والخطب بدون ألف أو تنقيط مسلية. أما ابن بطوطة، فهو مات في العام 1377 ميلادية، وجغرافيته وباقي علوم العرب من الزمان الغابر أكل عليها الزمن وشرب ولم تعد صالحة الا كمصادر أولية للمؤرخين.

ومنذ ذلك الزمان، لم تشارك العربية في الاختراعات الحديثة، ولا توجد دوريات عربية علمية رصينة يتم الاستشهاد بها في المحافل الأكاديمية الدولية. ثم أن اللغة العربية محنطة بالكاد تتطور. في الماضي كان للعرب مجمعان لغويان يعملان على تعريب الكلمات المستحدثة مثل مقاتلة للطائرات الحربية ومروحية للهليكوبتر وهاتف للتلفون. لكن المجمعين صارا كمعظم أمة العرب، شعوب رثة صدئة منهمكة في ثارات الماضي الذي يشغلها عن اللحاق بالعصر الحديث.

وأسوأ ما في اللغة العربية أنها ليست لغة الأم لأحد. اللهجات العربية المحكية هي اللغة الأم التي يتحدثها أصحابها بسلاسة وبحد أدنى من الأخطاء. أما الفصحى، فبالكاد تستخدمها نسبة ضئيلة من المتحدثين بالعربية بطلاقة وبدون أخطاء في الصرف والنحو. حتى من قلّت أخطاؤهم بالفصحى يندر أن يتمتعوا بالبلاغة المطلوبة للخطابة أو للكتابة بسلاسة.

والعربية الفصحى غالبا ما تتأثر باللهجات المحكية، فمن يقرأ صحيفة مغربية أو تونسية سيرى أن مفرداتها وأسلوبها يختلفان عن العربية المصرية أو المشرقية أو العراقية.

ولأن المدارس من المحيط الى الخليج تفرض تعليم العربية الفصحى، يمكن لغالبية العرب فهمها، ولكن هذا لا يجعلها لغة الأم لأي منهم. أما من ترعرع في بلاد غير عربية وورث لهجة عربية محكية عن أهله، فيكاد يستحيل عليه فهم الفصحى، كما يصعب عليه فهم اللهجات العربية الأخرى غير التي ورثها. ومن ترعرعوا في لبنان، مثلا، يجدون صعوبة كبيرة في فهم المغربية أو العراقية.

إن فرض الفصحى في المدارس هو من باب العقائدية السياسية لشعب يسمي نفسه عربيا ولا يجد غير الإسلام كقاسم مشترك، وحتى الإسلام هذا يختلف في أشكاله بين تركيا الصوفية ومصر الأزهرية وغيرهما من الدول الأعضاء في جامعة الدول الاسلامية.

اللغة هي وسيلة في خدمة الناس وتقدم معارفهم. أما عندما ينتفي دور اللغة كوسيلة، وتتحول الى هوية مقدسة مفروض التمسك بها لأنها "لغة أهل الجنة"، أو لأنها لغة مضبوطة وفائقة الدقة، فتصبح لغة بائدة قليلة الفائدة.

ومقولة أن العربية هي "لغة أهل الجنة" أسطورة، إذ أن علم اللسانيات قادر على تحديد عمر اللغة العربية القديمة، ويعتبر أنها تعود الى العام 1500 قبل الميلاد، وأنها انفصلت عن الآرامية. أما لغة القرآن، فحديثة نسبيا، وتعود الى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، فيما العربية الفصحى الحالية بدأت مع زمن العباسيين في القرن التاسع الميلادي. هذا يعني أنه يستحيل أن تكون اللغة العربية "لغة آدم"، إلا إذ اعتبرنا أن آدم ظهر بعد 3900 عاما على ظهور أقدم حضارة معروفة، في مدينة عروق ما بين الرافدين.

كما أن التظاهر أن العربية متفوقة بدقتها هو أمر يجافي الحقيقية، فاللغة تفتقر إلى تعابير كثيرة مثل كلمة ليبرتي الإنكليزية، التي نقوم بترجمتها بكتابة "حرية فردية". كما لا تميز العربية بين كلمتي بوليسي وبوليتيكس الإنكليزيتين وتستخدم كلمة سياسة للاثنين. وهكذا، في العلوم السياسية كما في علوم بشرية متعددة، لم تشارك العربية في صناعة هذه العلوم أو تطويرها، فتراجعت.

يوم كان متحدثو اللغة العربية في ذروتهم الفكرية، قدموا للبشرية كلمات عربية ما تزال حيّة في معظم اللغات، مثل كلمة قمرة التي اخترعها العرب للتصوير، وهي عادت إلى العربية معرّبة على شكل كاميرا. ومثل ذلك كلمات متعددة نقلها العالم عن علوم العرب. اليوم، لم تعد العربية جزء من العلوم البشرية.

وإذا كانت العربية الفصحى ليست لغة العصر مثلما كانت يوما، ولا هي اللغة الأم لأي بشري، فما فائدة التمسك بها؟ وما قيمة الجمال الذي نتحدث عنه، والذي لا يداعب إلا مخيلة الضليعين في الصرف والنحو والبلاغة. أما عامة الناس، فبالكاد تفهم الفصحى، ناهيك عن الاعجاب بجمالها.

كل البشر يعشقون لغتهم التي فطرتهم عليها أمهاتهم ومجتمعاتهم، ويشعرون بالقدرة على التلاعب بألفاظها والتعبير عن أنفسهم باستخدامها، وفي حالة العرب، فان أفضل تعبير هو باللهجات المحكية، على غرار الشعر العامي للمصري أحمد فؤاد نجم وللبنانيين عمر الزعني وزغلول الدامور، وغيرهم من الشعراء الموصوفين بالشعبيين. أما الفصحى، فذوق مكتسب يعشقه عدد قليل من المتعلمين، ويتظاهرون وكأنه موسيقى تطرب كل العرب، وهذا غير صحيح.

اللغة وسيلة تواصل وتخزين معارف وتناقلها، واللغات الأكثر شيوعا هي الأكثر تداولا بسبب تصدر من يتحدثونها في المعارف والتجارة والاقتصاد وغيرها. أما من قلّت معارفهم، تقلّصت لغتهم، وتحجّرت، وفي حال العرب، تحوّلت الى لغة أرشيفية لماض مجيد ولى وعبر.

الخميس، 16 ديسمبر 2021

العرب والسيادة و"أم الصبي“

حسين عبدالحسين

"أم الصبي"، هي عبارة يرددها اللبنانيون في نقاشاتهم السياسية، غالبا للإشارة إلى حرص شخص أو مجموعة على سياسة ما أو موقف ما. مصدر العبارة هو رواية توراتية عن امرأتين، واحدة عاقر قامت بسرقة ابن امرأة غيرها. نشب خلاف بينهما فاحتكمتا إلى سليمان الحكيم بن داود، ملك إسرائيل وأحد الأنبياء عند المسلمين، فأمر سليمان بقطع الصبي نصفين وإعطاء كل امرأة نصف. رضيت إحداهما بينما سارعت الأخرى إلى التنازل عن طلبها تفاديا لقطع الولد. إذ ذاك عرف سليمان أن التي تنازلت هي أم الصبي الفعلية لأنها لم تحتمل قطعه، وآثرت التخلي عن حقها على رؤيته نصفين. هذه هي قصة "أم الصبي"، التي تتنازل عن حقها للحفاظ على ما هو ثمين على قلبها.

وفي ثقافة المشرق العربي حكم كثيرة عن ضرورة التخلي عن الحق، أو عن نصفه على الأقل، للحفاظ عليه. من هذه الحكم "اعط خبزك للخباز ولو أكل نصفه"، وهي حكمة مفادها أنه لو أراد صاحب العجين خبزه، لأحرق يديه ومعهما العجين، وهو ما يعني أن التنازل عن نصف العجين وتحويل نصفه الآخر إلى خبز هو الخيار الأفضل.

والثقافة العربية عموما تزخر بأمثلة وحكم حول ضرورة اللين والمساومة والتنازل والعملانية، وفي التراث الإسلامي أن إمام الشيعة الأول (الخليفة الرابع عند السنة) علي بن أبي طالب قال: "إن لم يكن ما تريد فرد ما يكون". 

كل هذه الحكم حول ضرورة التحلي بالواقعية فاتت غالبية بعض الشعوب العربية، خصوصا في موضوع طرد الاستعمار الأوروبي، ومناصبته العداء، والإصرار أن السيادة الوطنية هي هدف يستحق تضحية الغالي والنفيس في سبيله. ومرض الهوس بالسيادة لايزال يطارد هؤلاء العرب، ومعهم الفرس، حتى اليوم، إذ هم يتخيلون مؤامرات استعماراتية في كل خطوة فاشلة يخطونها. 

لكن الواقع هو أن أحوال هؤلاء العرب كانت أفضل بما لا يقاس في زمن الحكم الاستعماري الأوروبي. حتى لو اعتبرنا أن الأوروبيين حكموا العراق والمشرق طمعا في ثرواته الطبيعية وأسواقه، وحتى لو اعتبرنا أن الأوروبيين قاموا بسرقة هذه الثروات، فإن أرقام النمو البشري والاجتماعي والاقتصادي كانت أفضل يومها منها بعد الاستقلال وتحت الحكم الوطني. 

يعني حتى لو اعتبرنا أن الاستعمار الغاشم هو الخبّاز، وأن بلاد العرب هي الخبز، فلا ضير من إعطاء هذه البلاد للاستعمار لإدارتها حتى لو أكل نصفها، لأن الحكم الوطني نتائجه كمن وضع يديه في التنّور، فاحترقتا واحترق معهما الخبز والتنّور والقرية بأكملها. 

الأسبوع الماضي، أعادت الولايات المتحدة إلى العراق النقش الطيني التاريخي المعروف باسم "حلم جلجامش"، والذي يعود تاريخه إلى العام 1500 قبل الميلاد. وكانت السلطات الأميركية صادرت اللوح الذي كان معروضا في متحف أميركي اشتراه بأكثر من مليون ونصف دولا من مهربي السوق السوداء. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، فإن اللوح لم يصل الولايات المتحدة بعد غزوها العراق، بل هو اختفى من بغداد عام 1991، الأرجح كإحدى غنائم "السيد عدي" صدام حسين الكثيرة.

أدت إعادة أميركا للوح الطيني التاريخ إلى إشادة عراقية وعالمية، خصوصا من معادي الإمبريالية في الولايات المتحدة وحول العالم. على أن ما فات هؤلاء، هو أن عودة "حلم جلجامش" إلى السيادة العراقية محفوف بمخاطر جمّة في دولة فاشلة على طراز حكومة العراق، خصوصا أن العالم لم ينس بعد قيام تنظيم داعش القروسطوي بتدمير عشرات التماثيل والنقوش الأشورية والأكادية والسومرية بحجة أن الإسلام يأمر بتدمير الأصنام. ومثل ذلك قضى داعش على آثار تدمر السورية الجميلة التي يعود عمرها إلى ألفيتين، وتحمل في طيّاتها بيانات كثيرة ساعدت في تدوين التاريخ وشرحه. 

في الأسابيع التي كان إرهابيو داعش يضربون الآثار العراقية بمطارقهم في متاحف الموصل، زرت المتحف البريطاني في لندن والذي يحتوي مئات الآثار العراقية التي سرقها الانتداب البريطاني من الأراضي العراقية. 
تنفست الصعداء وأنا أطالع جناح "ما بين النهرين"، وأنا أقول في نفسي أننا محظوظون أن الانتداب البريطاني سرق هذه الآثار العراقية ويعرضها في مأمن عن السرقة والتدمير، فهذه الآثار هي تراث بشري مصدره "مهد الحضارات"، والحفاظ عليها أهمّ بكثير من السيادة عليها. هكذا تفكّر "أم الصبي"، التي يهمّها الحفاظ على التراث، بغض النظر عن سيادة من التي تحافظ عليه.

وهكذا على بعض العرب أن يتأملوا تفاهة إصرارهم على السيادة التي لم تعد عليهم إلا بالدمار والمآسي. لو أظهر هؤلاء العرب — في أي من تاريخهم أو حاضرهم اليوم — أنهم قادرون على تنظيم أنفسهم في حكومات مستقرة وناجحة ذات سيادة، كانت استعادتها الآثار من الاستعمار التركي والفرنسي والبريطاني والألماني واجبة. 

لكن بالنظر إلى الحكومات الفاشلة في بيروت ودمشق وبغداد وطهران ورام الله وغزة، لا يمكن المطالبة بتسليم هذه الزمر أراض ليحكموها، ولا حتى تراثهم التاريخي لأنهم لم يحافظوا عليه في الماضي، والغالب أنه سيضيع من بين أيديهم مجددا في المستقبل. 

والحال هذه، نعرّج على قضية فلسطين. حتى لو اعتبرنا أن الرواية الفلسطينية والأحقية في الأرض والمظلومية صحيحة بالكامل، لا يكفي ذلك حتى يتسلم الفلسطينيون أي شكل من السيادة ما لم يقدموا نماذج حكم يمكن الركون إليها غير النماذج المقرفة الحالية، إذ بدون حكومات مقبولة، لما الإصرار على استعادة أي أراض من إسرائيل؟ حتى تتحول إلى بؤر من القمامة على غرار وادي الحجير اللبناني، الذي يفاخر اللبنانيون أنهم استعادوه من الإسرائيليين، ليتحول اليوم إلى مكب ضخم للنفايات.

"أم الصبي" هي التي تحرص على النتيجة بغض النظر عن الوسيلة. لو يفهم بعض العرب ذلك، لتنازلوا عن سيادتهم واستجدوا الاستعمار ليعود لحكمهم، حتى لو أكل نصف خيراتهم.

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2021

لا تغيير في لبنان بلا تغييريين

حسين عبدالحسين

برامج وتصريحات وأقوال المطالبين بالتغيير في لبنان متشابهة، ومبنية على اعتبار أن التغيير حتمي لأسباب متعددة. 
أول تلك الأسباب، الفقر والبؤس الذي يصيب غالبية اللبنانيين ويدفعهم الى الاقتراع لوجوه جديدة في الانتخابات المقررة في 27 آذار مارس، وثانيها أن لدولة لبنان دستور وقوانين ومؤسسات يمكن التغيير من داخلها عبر الفوز بغالبية مقاعد البرلمان، وثالثها أن الجزء الأكبر من المأساة اللبنانية أسبابها خارجية ما يجعل حلولها خارج إرادة اللبنانيين (وهو ما يناقض جدوى الدعوة للاقتراع والتغيير).

على أن آراء التغييريين في لبنان خاطئة بمعظمها، غالبا بسبب فهم قاصر لطبيعة التنظيم الاجتماعي اللبناني وجمهوريته، فالشعب اللبناني لا يتألف من مواطنين مستقلين في آرائهم، بل من قبائل يرتبط أفرادها ببعضهم البعض عبر شبكات ريعية يديرها زعماء، بعضهم كبار، وبعضهم الآخر صغار، وفئة ثالثة بينهما.

والشبكة الريعية مبنية على تكافل وتضامن وولاء، ضمن تنظيم هرمي عمودي. يجلس على رأس الهرم أكثر أفراده قوة وتمويلا، ويحرص على تدبير أمر الرعية، سواء بدعمهم ماليا لتيسير أحوالهم ومعاشهم، أو بحمايتهم ضد استقواء أبناء العشائر الأخرى عليهم، أو عبر تأمين حصص لهم في الدولة على شكل وظائف وعقود. 

ولأموال الزعماء مصدران، إما السطو على موارد الدولة وأموالها، وأبرع من لجأ لهذا النموذج رئيس "مجلس النواب" الشيعي نبيه بري، أو بالولاء لقوى خارجية، غالبا إقليمية، واستلام أموال ضخمة لتمويل الشبكة الريعية، على غرار نموذجي "حزب الله" بزعامة الشيعي، حسن نصرالله، وراعيته إيران، و"القوات اللبنانية" برئاسة المسيحي، سمير جعجع، وراعيته السعودية. هكذا يتخذ الزعيم وشبكته مواقف موالية للمانح الإقليمي.

وفي لبنان نماذج هجينة ممن يسطون على بعض موارد الدولة ويتسلمون في الوقت ذاته بعض عطاءات المانحين الإقليميين، مثل الرئيس المسيحي، ميشال عون، وزعيم الدروز، وليد جنبلاط. 

الزعماء الخمسة المذكورون أعلاه شكلوا أركانا أولى لقاءات "الحوار الوطني" في 2006، يضاف إليهم زعامة آل الحريري السنية، التي تتلاشى اليوم وتترك الشبكة السنية بلا زعيم.

عملية السطو على موارد الدولة، إن كانت للإثراء الفردي أم لتمويل الشبكات الريعية العشائرية الطائفية، مقترنة بحروب "حزب الله" الدائمة والتي حوّلت لبنان إلى جبهة أبعدت عنها كل المستثمرين الخارجيين وقضت على قطاعات الخدمات كالسياحة والاستشفاء والتعليم، أفلست دولة لبنان، فتلاشت.

حتى مجلس الزعماء العشائري، أي "طاولة الحوار الوطني"، تبعثرت بعدما أثبت نصرالله أن كلمته هي العليا في البلاد، وأن لا قيمة لأي مقررات قد تخرج عن طاولة الزعماء العشائريين ولا تنال رضا النظام الإيراني أو موافقة نصرالله.

ما لا يدركه التغييريون اللبنانيون أنه عندما تنهار الدولة ويستشري الفقر والجوع، لا ينقلب الأزلام على زعمائهم، بل يتمسكون بهم أكثر فأكثر كحبل خلاص وحيد وأخير، أي أن اللبنانيين ممن يحلمون بالتغيير لن يغامروا بالاستغناء عن شبكاتهم الطائفية وزعمائها في سبيل دولة موعودة لم تتحقق يوما، ولا دلائل أنها ستتحقق عن قريب. 

حتى التغييريين، وبعضهم من المنبوذين من عائلاتهم الحاكمة وبعضهم من عائلات كانت حاكمة في الماضي وتسعى للعودة، يقدم عدد منهم وعودهم الإنقاذية مقترنة بتقديمات ريعية قبلية مشابهة للقائمة.

والتاريخ اللبناني يعجّ بأثرياء بنوا زعامتهم بتمويل شبكات ريعية من مالهم الخاص، كان أشهرهم رئيس الحكومة الراحل، رفيق الحريري، ونائبه، عصام فارس، والطامح لمنافسة الحريري، فؤاد مخزومي.

حتى أثرياء قطاعات الزراعات الممنوعة، من أمثال النائب السابق، يحيى شمص، اشتروا مقاعدهم النيابية من حاكم لبنان السوري الراحل، غازي كنعان، الذي ما لبث أن غضب عليهم لتأخرهم في سداد ثمن زعامتهم فرماهم في السجن.

على أننا حتى لو اعتبرنا أن الوعي انتشر في صفوف اللبنانيين فجأة وتحولوا إلى مواطنين يختارون ممثليهم بحسب الرؤية والكفاءة لا وفق قواعد المبايعة القبلية، لن تتمكن غالبية تغييرية في "مجلس النواب" اللبناني من فرض تغيير يذكر على ثقافة تسود فيها القبلية وتغيب عنها المدنية. 

ويكفي لأي متابع أن يستمع لتصريحات غالبية اللبنانيين، من المسؤولين الحاكمين والتغييريين الطامحين والمواطنين عموما، حتى يدرك أن المخيلة اللبنانية لا تتسع لمعنى دولة أو دستور أو مؤسسات، وهو ما يحصر فهم غالبية اللبنانيين لوطنهم بصور سطحية، مثل لبنان الأرزة والحياة الليلية والمآكل الشهية والدبكة.

عند الأميركي، مثلا، الوطن هو الدستور الذي يحمله في جيبه، وينصّ على حماية الحرية الفردية (liberty). أما عند اللبناني، فلبنان هو أفكار بدائية كالتزلج في الجبل والسباحة في البحر في نفس اليوم.

والضحالة بادية في تكرار البعض أن مشكلة لبنان هي "الاحتلال الايراني"، وهذا غير صحيح، لأن لا إيرانيين في لبنان، بل مرتزقة لنظام إيران يوالونه عشائريا، كعادة اللبنانيين منذ زمن الفينيقيين. 

وفي أوقات أخرى يغوص اللبنانيون في تحليلات دولية وإقليمية حول ما يريده "الأميركي" و"الإيراني" و"الإسرائيلي" (دائما بصيغة المفرد)، ويخلصون إلى أن مصير لبنان يرتبط بالمفاوضات النووية مع إيران، على الرغم من أن أميركا أقرّت قانون العقوبات على "حزب الله" بعد شهرين من توصلها للاتفاقية النووية مع إيران في 2015، والتزم الإيرانيون الصمت ولم يعتبروا أن العقوبات على أزلامهم اللبنانيين تعكّر صفو الاتفاق مع واشنطن. 

بكلام آخر، لبنان يحارب عن إيران في الحرب، ويتلقى الصفعات عنها في السلم، أي أنه في مأزق بغض النظر عن الوضع الدولي.

يحتاج اللبنانيون، الحاكمون والتغييريون وعامة الناس، إلى انتشار ثقافة المواطنية ومعنى الدولة وفلسفتها ودورها. حتى ذلك الحين، سيقتصر التغيير في لبنان على التبديل بين الحكام وبين رعاتهم الإقليميين (مع ملاحظة أن بعض الرعاة الإقليميين أكثر فائدة من الرعاة الثوريين التخريبيين)، فيما البلاد تواصل انهيارها الاقتصادي والاجتماعي، وتتلاشى.

الثلاثاء، 30 نوفمبر 2021

حرب غزة في كتاب يضعها في سياقها

حسين عبدالحسين

الحرب التي شنتها، في مايو الماضي، حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل لم تكن تتمة للصراع العربي الإسرائيلي المنحسر، على ما دأب الإعلام العالمي على تصويرها، بل هي شكّلت حلقة من حلقات الصراع المندلع بين إيران وإسرائيل، حسب الزميل في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" جوناثان شانزر، في كتابه "صراع غزة 2021"، الصادر هذا الشهر. 

يقدم الكتاب خلفية تاريخية موجزة حول تاريخ الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويشير إلى أن حماس نجحت في القضاء على عملية السلام، التي كانت بدأت في العام 1993، بين اسرائيل و"حركة التحرير" الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات، وهي عملية كانت تهدف إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. وأفضت المفاوضات إلى تسليم الإسرائيليين الفلسطينيين أراض كانوا سيطروا عليها في حرب 1967. 

لكن حماس، المنبثقة عن التنظيم العالمي لـ "الإخوان المسلمين"، كان لها رأي آخر، إذ شنت حملة هجمات انتحارية أوقفت العملية السلمية بالكامل، وأفضت في نهاية المطاف إلى "الانتفاضة الثانية" في العام 2000. على أنه في 2005، قام رئيس حكومة إسرائيل الراحل، آرييل شارون، بتجربة قضت بالانسحاب من قطاع غزة، وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية فيه، وتسليمه للسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس. اعتقد شارون أنه يمكن لحكومة فلسطينية الإمساك أمنيا بأي أراض تنسحب منها إسرائيل، وأن تقوم السلطة بحكم هذه الأراضي. 

لكن الفساد المدقع الذي تغرق به السلطة كلّفها سيطرتها على القطاع، الذي نفّذت فيه حماس انقلابا عسكريا تضمّن إعدام مئات مسؤولي السلطة العسكريين والمدنيين. ومنذ العام 2007، والقطاع تحت سيطرة حركة تعلن أن القضاء الكامل على إسرائيل هو هدفها، وتتسلح بعتاد إيراني وأموال، وهو ما يجعلها رهينة سياسة طهران تجاه إسرائيل. 

التجربة الإسرائيلية لإقامة دولة فلسطينية من جانب واحد فشلت بعد فشلها في غزة، وانتهت العملية السلمية، ولم يعد واردا أي انسحاب إسرائيلي من أي أراض في الضفة الغربية، لأن الانسحاب صار يعيد إلى الأذهان اكتساح حماس لأي أراض تتركها إسرائيل وتحولها إلى بؤرة عسكرية تهدد الاستقرار في إسرائيل بشكل متواصل. 

ويشير شانزر إلى أنه في ظل العداء القائم بين السلطة الفلسطينية وحماس، وسيطرة الأولى على الضفة الغربية والثانية على قطاع غزة، لم يعد ممكنا البحث في التوصل إلى حل الدولتين بين ثلاثة أطراف، هي: اسرائيل والسلطة وحماس، وهو ما يعني أن الأمور ستستمر على ما هي عليه حتى إشعار آخر.

في ظل الجمود القائم بين إسرائيل والفلسطينيين، ينقل شانزر عن المسؤولين الإسرائيليين اعتقادهم أن الوضع حاليا يمكن الإشارة إليه على أنه "الحرب بين الحروب"، أي حرب شبه باردة بين إسرائيل وايران تمتد على رقعة الشرق الأوسط والبحرين المتوسط والأحمر، وتقوم أثناءها إيران بمحاولة توسيع رقعة نفوذها وإقامة قواعد متقدمة داخل سوريا حتى تهدد أمن إسرائيل بشكل أكبر.

إسرائيل، بدورها، تخوض حربا سرية، استخباراتية وعسكرية وإلكترونية، تقوم خلالها باستهداف مواقع استراتيجية داخل إيران، كما داخل سوريا وفي عموم المنطقة. 

أما الرد الإيراني، فيأتي غالبا بمضاعفة رهانها على الميليشيات التي يمكنها تهديد إسرائيل، "حزب الله" شمالا وحماس جنوبا. وتسعى إيران دائما إلى تزويد هاتين المجموعتين، اللتين تصنفهما الولايات المتحدة وعدد كبير من دول العالم إرهابيتين، بأحدث الأسلحة والتقنيات الإيرانية، والتي يبدو أخطرها اليوم المسيرات (درون) المفخخة، والتي يمكن استخدامها في الجو وكذلك تحت الماء. 

ويشير شانزر إلى أن إسرائيل نجحت، أثناء حرب غزة في مايو، بتدمير عدد من مفخخات حماس البحرية التي كانت تستهدف منشآت إسرائيلية للطاقة في عرض المتوسط. كذلك، يقول الباحث الأميركي إن إسرائيل طورت أحدث التقنيات، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، من قبيل أنظمة الدفاع الجوي للتصدي للصواريخ والمسيرات، والتي أبلت بلاء حسنا في حرب غزة الأخيرة، وكذلك بناء سور تحت الأرض لمنع حماس من بناء أنفاق قامت في الماضي باستخدامها لشن هجمات داخل الأراضي الإسرائيلية. 

ولا ينسى الكاتب التطرق إلى أحداث العنف داخل إسرائيل التي رافقت حرب غزة، والتي بادر إلى القيام بها عدد من عرب إسرائيل، فواجهوا عنفا مضادا من يهود إسرائيل. ويعتبر شانزر أن مما لا شك فيه أن عرب إسرائيل يعانون من فقر وإهمال، ولكنه يعزو وضعهم هذا إلى رفضهم المشاركة في منظومة الحكم الإسرائيلية. وإلى أن شاركت كتلة "رعم" التي يقودها، منصور عباس، في الائتلاف الحاكم في إسرائيل اليوم، اقتصرت مشاركة العرب في الحياة السياسية في إسرائيل على انتخاب نواب ممن يرفضون المشاركة في أي ائتلافات حكومية، ويستخدمون مواقعهم في الكنيست الإسرائيلي غالبا لبث مواقف شعبوية معارضة لوجود إسرائيل برمتها. 

ختاما، يدعو شانزر الأميركيين، وخصوصا الإعلام الأميركي، إلى التحري بشكل أعمق حول خلفية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وعدم الاكتفاء بالكتابة عن الأمور بشكل سطحي كالسائد. كما يدعو الأميركيين، وخصوصا الكونغرس، إلى مضاعفة مراهنتهم على إسرائيل، في ظل الحديث عن انسحاب الولايات المتحدة بالكامل من منطقة الشرق الأوسط. 

ويختم شانزر القول إن قدرات إسرائيل العسكرية والتكنولوجية تسمح لها بأن تواصل حماية المصالح القومية للولايات المتحدة في المنطقة حتى بعد الانسحاب الأميركي، وهو ما يتطلب دعما متواصلا من الكونغرس والبيت الأبيض والأميركيين بشكل عام لإسرائيل ولتسليحها ودعمها ماليا ودبلوماسيا بشكل عام.

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021

مهزلة الانتخابات اللبنانية

حسين عبدالحسين

لم أسجّل نفسي كلبناني مغترب للاقتراع في الانتخابات اللبنانية المقررة في 27 آذار - مارس، ولن أزور لبنان للإدلاء بصوتي. أما هذه المقالة، فتعمدت أن أكتبها بعد مرور موعد تسجيل المقترعين اللبنانيين المغتربين حتى لا أؤثر في آراء أي مغترب لبناني قد يقرأ هذه السطور، فيمتنع عن التسجيل، مع أن أرقام تسجيل المغتربين جاءت متدنية أصلا. المغتربون اللبنانيون لا يرون التغيير ممكنا، وهم لو اعتقدوه كذلك، لكانوا على الأرجح عادوا إلى وطنهم الأم. 

الانتخابات أداة تغيير في الدول التي تستجيب أنظمتها للتغيير، ولبنان ليس منها، ما يعني أن الانتخابات اللبنانية ستلعب دورا معاكسا للذي يريده المطالبون بالتغيير، فتمنح المستبدين من حكام لبنان غطاء تبريريا لحكمهم، وتسمح لميليشيا "حزب الله" الشيعية الموالية لمرشد إيران، علي خامنئي، أن تشير إلى الانتخابات لتؤكد أن في لبنان حرية واختيار.

يأس اللبنانيين دفعهم إلى التنادي للاقتراع بكثافة لاعتقادهم أنه الخيار الوحيد المتاح للتغيير فيما الواقع هو أنه، في الوضع القائم، لا تغيير في لبنان، لا في انتخابات ولا في ثورات، بل إن التغيير الوحيد الممكن هو في أن يضعف نظام إيران – ربما في حال وفاة خامنئي والاضطرابات الممكنة التي سترافق عملية خلافته – وهو ما يؤدي لاهتزاز "حزب الله" وضعف قبضته الممسكة بلبنان.

بدون ضعف نظام إيران، لا تغيير يلوح في الأفق اللبناني، حتى لو افترضنا أن جبهة من الشباب المستقلين المعارضين للحزب وسلاحه فازت في الانتخابات، لا علاقة واضحة بين الحاق هزيمة بـ "حزب الله" انتخابيا وإضعاف قبضته كمقدمة للتغيير.

يعني حتى لو فاز أصدقاء من خيرة الناشطين في العمل السياسي، من أمثال، ميشال دويهي ومارك ضو وماريا مانوك ورنا خوري ونزار غانم ومصطفى فحص وأمل شريف، حتى لو فاز هؤلاء وأمثالهم وأصدقاؤهم بكتلة من 86 مقعدا، أي ثلثي "مجلس النواب" اللبناني، وهو ما يسمح لهم بانتخاب رئيسي جمهورية وبرلمان وتشكيل حكومة تفرض تصنيف "حزب الله" ميليشيا غير دستورية، لن يسمح "حزب الله" لهذه الكتلة أن ترى النور، أو أن تصل مبنى البرلمان، أو أن تقسم اليمين، أو أن تجتمع. ولن يتأخر الحزب المذكور عن تصفية أعضاء منها، ونشر مقاتليه في مناطق معارضيه لترهيبهم، وكلها نشاطات سبق للميليشيا الموالية لإيران أن قامت بها منذ مقتل رئيس الحكومة السابق، رفيق الحريري، في 2005، حيث اتهمت محكمة الأمم المتحدة قادة في "حزب الله" بارتكاب الجريمة.

في 2005، لم يفز تحالف "حزب الله" بغالبية برلمانية، ثم بعدما انتهت ولاية، أميل لحود، الرئاسية، أغلق الحزب البرلمان ليمنع الغالبية من انتخاب رئيس منها، وطارد النواب الذين اختبأوا في فندق تحت حماية مشددة. وعندما أصدرت حكومة لبنان قرارا بتفكيك شبكة الاتصالات الأرضية الخاصة بالحزب، شنت الميليشيا حربا أهلية في 7 أيار 2008، فسارع المجتمع الدولي لإعادة الاستقرار باجباره الغالبية على قبول مطالب الحزب ومشاركته في حكومة "وحدة وطنية" وانتخاب رئيس توافقي. حتى في "الوحدة الوطنية"، استبعد "حزب الله" رئيس الحكومة، فؤاد السنيورة، عن تشكيل حكومة ثانية، فالوحدة الوطنية لدى "حزب الله" يعني أن يسود رأيه وحده.

وعشية انتخابات 2009، كان الحزب واثقا من حتمية فوزه، فأدلى زعيمه، حسن نصرالله، بخطاب قال فيه أنه بموجب نتائج الانتخابات، ستحكم الغالبية وستعارض الأقلية. لكن تحالف "حزب الله" خسر الانتخابات، فتراجع نصرالله، وعاد إلى المطالبة بحكومة توافقية، وأقفل البرلمان في 2014 عامين، ليفرض انتخاب، ميشال عون، رئيسا، وهو ما يطرح السؤال التالي: ما قيمة الانتخابات اللبنانية، أو أي من المؤسسات، إن كان التوافق السياسي شرطا لعملها فيما غيابه يعطّلها؟ وإن لم يتم النقاش، وحسم رأي ضد آخر داخل المؤسسات، فأين يكون؟ عبر العنف في الشارع، وربما الحرب الأهلية؟ 

هذا هو تاريخ "حزب الله" منذ تسلمه الحكم في لبنان خلفا لنظام آل الأسد الذي كان يمسك بالبلاد منذ 1991، يطلّ نصرالله في خطابات يتمسكن فيها، ويعلن فيها أن حزبه لا يحكم، وأنه يتشاور ويتشارك، لكن الواقع هو أنه لا يمكن لأي شيعي أن يترشح في مناطق "حزب الله" ويقدم خطابا انتخابيا لا يوافق عليه الحزب، مثل المطالبة بنزع سلاح الميليشيا والتزام الحياد الإقليمي الذي ينادي به بطريرك المسيحيين الموارنة، بشارة الراعي. ومن نافل القول أنه لا يمكن لأي مرشح شيعي، تحت طائلة الإيذاء الجسدي، أن يترشح في دوائر يسيطر عليها "حزب الله" ويطالب بسلام إقليمي، بما في ذلك مع إسرائيل.

هذا هو شكل الانتخابات في لبنان، النقاش ينحصر في مواضيع يوافق عليها "حزب الله" سلفا. مع ذلك، يتظاهر المرشحون أنهم يقدمون برامج انتخابية وأفكارا خلاقة. ثم يقولون لك اقترع حتى تغيّر فيما المرشحون أنفسهم غير قادرين على قول كل ما في بالهم أو في بال ناخبيهم، خشية الإيذاء الجسدي الذي قد يلحقهم بسبب عنف "حزب الله".

اللبنانيون ممن يرون أن الانتخابات هي السبيل الوحيد للتغيير هم كمن يرى لبنان جثة ويعتقد أنه لو عانقها فستفتح عيونها. لبنان مات ولا خلاص للبنانيين إلا بإعادة تشكيل جمهوريتهم من جديد، وتشكيلها متعذر بدون تساوي المشاركين، والمساواة متعذرة بدون نزع السلاح الذي يفرض شكل أي حوار وطني ونتائجه.

الثلاثاء، 16 نوفمبر 2021

للأسياد مصلحتهم وللمرتزقة بئس المصير

حسين عبدالحسين

مفارقة الأسبوع الماضي ظهرت في قيام الإمارات بقطع علاقاتها الديبلوماسية مع لبنان، بسبب تصريحات وزير الإعلام اللبناني، جورج قرداحي، وهو أحد رجال الرئيس السوري، بشار الأسد، في لبنان، وفي نفس الوقت قيام الإمارات نفسها بالانفتاح على الأسد بزيارة قام بها وزير خارجيتها، عبدالله بن زايد، إلى دمشق. لم يتواسط الأسد لقرداحي ولا لبنان، إذ إن الرئيس السوري يستميت على تحسين صورته واستعادة عضويته في جامعة الدول العربية، أما لبنان، فأداة لا بأس من استخدامها ثم رميها.

ومثل علاقة الأسد بأزلامه اللبنانيين كذلك علاقة نظام ايران بمرتزقتها العراقيين. في بغداد، سرّبت الميليشيات الموالية لإيران إلى وكالة رويترز تبنيها عملية إطلاق مسيّرات مفخخة على منزل رئيس حكومة العراق، مصطفى الكاظمي، في محاولة لاغتياله. لكن الميليشيات نفسها أصرّت أنها قامت بالعملية من تلقاء نفسها وبدون علم طهران. على أن هذا الادعاء، الذي يهدف إلى تلميع صورة إيران الدولية على حساب صورة ميليشياتها، لا يتوافق وبنية الميليشيات الشديدة الانضباط، ولا يتوافق مع علاقة الميلشيات "الولائية" مع أسيادها في "الحرس الثوري الإيراني".

أسباب محاولة اغتيال الكاظمي بسيطة. اكتسب الرجل مصداقية وسمعة حيادية لأنه لم يترشح للانتخابات العراقية التي أقيمت الشهر الماضي. هذه الحيادية رفعت من مصداقية الانتخابات وحرمت الميلشيات العراقية "الولائية" إمكانية الطعن بالنتائج بعدما تكبدت هزيمة نكراء شهدت تقلّص عدد مقاعدها من 48 إلى 15 مقعدا في "مجلس النوّاب" العراقي. 

مصداقية الكاظمي وقفت حجر عثرة أمام تقويض النتائج، ما دفع إيران إلى محاولة التخلص منه، لكن نجاته من الاغتيال أكسبته تعاطفا دوليا ونقمة على الإيرانيين، ما دفع بطهران إلى محاولة التنصل من مسؤوليتها وإلقائها على مرتزقتها العراقيين. 

على أن إيران حرصت على توجيه تحذير مبطن للغالبية العراقية البرلمانية الجديدة التي جعلت من حلّ الميليشيات هدفها، فردد المسؤولون الإيرانيون ومثلهم أزلامهم في العراق من أمثال، نوري المالكي، وقيس الخزعلي، في معرض إدانتهم محاولة الاغتيال، أن تشكيل غالبية بدون أزلام إيران ثم حلّ الميلشيات سيؤديان إلى حرب أهلية عراقية، وهي حرب يعتقد جماعة إيران أنهم سيفوزون بها، وأن التسوية التي ترافق إيقافها هي التي تمنح أزلام إيران نصف الدولة، التي يمكنهم استخدامها للسيطرة على النصف الآخر مستقبلا.

نموذج أزلام إيران في العراق مطابق لنموذج "حزب الله" اللبناني، الذي خسر الانتخابات البرلمانية أمام غالبية معارضة لسلاحه في 2005 و2009، لكن بعد الهزيمتين، عمد الحزب إلى الأسلوب نفسه الذي تحاول الميلشيات "الولائية" في العراق تنفيذه عن طريق الاعتصام المفتوح والتظاهر وفرض إغلاق مؤسسات الدولة، وإن لم تنفع كل هذه الأساليب، يتم استخدام العنف ضد الخصوم. 

هكذا، أغلق "حزب الله" مجلس النواب اللبناني، ومنع انتخاب رئيس للجمهورية، وعندما تحركت حكومة الغالبية لتفكيك شبكة اتصالات الحزب، شن الأخير "حربا أهلية" في 7 أيار - مايو 2008، وتسبب العنف بمجهود دولي للتسوية نجمت عنه "اتفاقية الدوحة"، التي حرمت الغالبية اللبنانية الحكم وأجبرتها على مشاركته في إطار "وحدة وطنية".

وفي العام 2009، كان "حزب الله" واثقا من الفوز في الانتخابات إلى حد دفع زعيمه، حسن نصرالله، إلى التوجه إلى منافسيه بالقول إن الحكومة المقبلة ستتألف من الغالبية، وإن الأقلية ستعارض. ثم لقي الحزب هزيمة انتخابية فتراجع نصرالله عن وعده، وأصرّ على "حكومة وحدة وطنية"، معتبرا أن لبنان "ليس ديموقراطية، بل ديموقراطية توافقية". ثم أغلق "حزب الله" البرلمان اللبناني مجددا في 2014، ولمدة عامين، عندما فشل في فرض مرشحه، ميشال عون، للرئاسة، إلى أن أذعن معارضوه ووافقوا على انتخاب عون. منذ 2016 ولبنان تحت سيطرة "حزب الله" الكاملة.

السلطة القضائية أفلتت من أيدي "حزب الله". ربما هو لم يعتقد أنه سيحتاجها يوما. لكن بعد انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، قام القضاء اللبناني بتحقيقات قد تكشف نشاطات غير قانونية للحزب، فعمد "حزب الله" أولا إلى ترهيب القضاة، ثم ترهيب أنصار حكم الدولة في "غزوة الطيونة"، ثم إلى منع الحكومة من الانعقاد إلى أن ينال مناله بنسف العدالة في موضوع المرفأ.

كل التزوير الانتخابي وتعطيل الحكومات والعنف والاغتيالات والحروب الأهلية، في العراق ولبنان واليمن، كلها بهدف السيطرة على دول وتحويلها إلى قواعد صواريخ ومسيّرات مفخخة تعتقد طهران أنها في أي مواجهة عسكرية مع الغرب أو أميركا يمكنها إطلاق آلاف الصواريخ والمسيرات ضد أهداف تابعة لأميركا وحلفائها، وبذلك تعيق أي تحرك عسكري ضد النظام الإسلامي في إيران. هذا هو السبب الرئيس الذي يدفع إيران لتمويل وإقامة ميليشيات تابعة لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

لكن إقامة إيران لميليشيات بهدف تحقيق أهداف طهران في السياسة الدولية لا يعني أن النظام الإسلامي حريص على سمعة أو مصلحة هذه الميلشيات.

في العراق، لم تتوانى إيران عن توجيه أصابع الاتهام لميليشياتها في محاولة اغتيال الكاظمي للحفاظ على صورتها دوليا. وفي اليمن، لم تتوانى إيران عن قتل، علي عبدالله صالح، يوم لم يعد مفيدا لها.

حتى في لبنان، حيث حليف إيران الأقدم والأقوى "حزب الله"، لم تتوانى إيران عن تركه عرضة للعقوبات الأميركية في نفس الوقت الذي كانت إيران تتفق مع أميركا على رفع العقوبات عنها. ففي تشرين الأول أكتوبر 2015، توصّلت أميركا لاتفاقية نووية مع إيران قضت برفع عقوبات أساسية عن طهران مقابل تجميد النووي الإيراني ووضعه تحت مراقبة دولية. وجاء في الاتفاق أنه في حال فرضت أميركا عقوبات على إيران، يعتبر الاتفاق بحكم المنتهي.

بعد شهرين، أي في كانون الأول ديسمبر 2015، وافق الكونغرس بالاجماع على قانون عقوبات على "حزب الله" وقعه الرئيس السابق، باراك أوباما. لم تحرك طهران ساكنا ولا هي اعتبرت العقوبات على لبنان كافية لتعطيل الاتفاق النووي. طهران لا تتوانى عن توريط مرتزقتها العرب في حروب وتلطيخ سمعتهم ثم التخلي عنهم كيفما يتفق مع مصالحها.

هكذا هم المرتزقة، يعتقدون أنفسهم شركاء. أما أسيادهم، فلا يرونهم إلا أدوات يستخدمونها ويرمونها كيفما تقتضي مصلحة الأسياد.

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2021

الأردن بارقة أمل في المشرق العربي المظلم

حسين عبدالحسين

ما الذي يجعل المملكة الهاشمية في الأردن واحة استقرار ونمو اقتصادي يخالف الانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي السائد في باقي دول المشرق العربي- سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية- فضلا عن العراق؟ 

الإجابة معقدة، ولكن يمكن تبسيطها بالإشارة إلى أن الأردن هو الدولة الوحيدة التي هزمت "الفوضى الثورية" التي تجتاح المشرق والعراق منذ منتصف القرن الماضي، وهي الموجة التي اتخذت لنفسها وجها عروبيا علمانيا ناصريا في العقود الأولى، ما لبث أن انقلب إلى وجه إسلاموي يطلق على نفسه تسمية "محور الممانعة" أو "المقاومة" أو غير ذلك من التسميات الشعبوية المراهقة.

أثمر تفوق الملكية الهاشمية على الفوضويين الثورويين — عروبيين وإسلامويين — استقرارا انعكس إيجابا على الاقتصاد الأردني. وكان الأردن أول من رفع الشعار الوطني "الأردن أولا" يوم قام ملكه الراحل الحسين بحسم المواجهة ضد الفصائل الفلسطينية التي استباحت الدولة باسم "تحرير فلسطين". واستكمل الملك الحسين تقديمه المصلحة الأردنية على مصالح "الأشقاء العرب" بتوقيعه اتفاقية سلام مع إسرائيل، وهي اتفاقية عززت ثقة العالم ومستثمريه بالأردن، الذي نما اقتصاده بسرعة كبيرة على مدى العقد الأول من هذا القرن. 

وبسبب استقراره الأمني ونموه الاقتصادي، تحوّل الأردن وطنا بديلا، لا للاجئين العراقيين (منذ زمن الراحل صدام حسين) فحسب، بل للاجئين السوريين بعد ذلك، واليوم يفتح أبوابه للاجئين اللبنانيين. واللاجئون لا يسكنون جميعهم مخيمات الأمم المتحدة، بل منهم كثيرون من المتموّلين والتجار وحاملي الشهادات العليا. هكذا تضاعف عدد سكان الأردن من خمسة ملايين في العام 2000 الى 10 ملايين اليوم. 

هذا النوع من الزيادة السكانية السريعة غالبا ما يؤدي إلى اهتزاز الدول المضيفة، وأحيانا لانهيارها، والأردن ليس استثناء، بل هو يعاني من صعوبات، لكن اقتصاده ينمو بشكل يعكس قدرة التغلب على الأزمات، في وقت تستعين عمّان بشبكة صداقات دولية متينة سببها سياسة عدم الانحياز التي تتبناها المملكة منذ عقود. 

مثلا، يوم وقعت قطيعة بين قطر وباقي دول الخليج، سحب الأردن سفيره من الدوحة في خطوة حظيت بتغطية إعلامية، لكنه لم يقم بقطع العلاقات الديبلوماسية مع قطر.

وعلى طراز سياسة الكويت الخارجية، المعروفة بالإنكليزية بسياسة "السير على السور"، دأبت عمّان على الحفاظ على أكبر عدد من الصداقات، حتى بين الدول المتنافسة. ومن صداقات الأردن علاقة مع دولة إسرائيل تعود على الأردنيين بفوائد اقتصادية جمّة. 

وسياسة الحياد التي يتبناها الأردن والكويت هي التي ينادي بها بطريرك الموارنة كسياسة دولة لبنان، لكن لبنان يقع تحت لعنة "محور المقاومة"، وتتسبب له الحروب والانحيازات الإقليمية المتواصلة بانهيار اقتصادي مؤلم.

لكن على خلاف الكويت، الدولة الصغيرة صاحبة الاحتياط النفطي الضخم وصاحبة أكبر صندوق سيادي في العالم، لا يتمتع الأردن بطاقة للتصدير أو بمواد أولية يمكنها اثراء سكانه. مع ذلك، نجحت سياسات الأردن في التخفيف من قسوة الطبيعة الصحرواية القاحلة للبلاد على معيشة السكان، وهو ما أدى إلى نمو اقتصاد الأردن حتى صار حجمه أكبر من حجم اقتصاد سوريا ولبنان.

وفي وقت يعاني لبنان- بسبب انحيازه لإيران ضد دول الخليج- من إقفال دول الخليج والعالم أسواقها في وجه صادراته، التي بلغت بالكاد أربعة مليارات دولار في العام 2020، تعدت صادرات الأردن للعام نفسه عتبة الثمانية مليارات دولار. 

ويصدّر الأردن ربع صادراته إلى الولايات المتحدة، و10 في المئة منها إلى الهند، وتتضمن هذه الصادرات صناعات نسيجية، في دولة لا قطن فيها ومياهها شحيحة، وتبلغ قيمة الصادرات النسيجية أكثر من مليار ونصف المليار دولار، فيما تبلغ قيمة صادرات الأدوية المصنّعة في الأردن 700 مليونا. 

وإلى الصادرات الصناعية، نجح الأردن في تصدير الخدمات، إذ يحصد القطاع الصحي الأردني مليار دولار من 10 مليارات ينفقها عرب الخليج والعراق على "السياحة الاستشفائية"، كما حققت الخطوط الملكية الأردنية أرباحا سنويا بقيمة 160 مليون دولار في العام 2019، وذلك غالبا بسبب الرحلات المباشرة بين الأردن والولايات المتحدة وكندا (والمتعذرة على خطوط جو العراق وسوريا ولبنان لأسباب أمنية). وللمقارنة، تبلغ قيمة المساعدة التي سيقدمها المجتمع الدولي لشراء غاز مصري لتزويد لبنان بساعات قليلة من الكهرباء 200 مليون دولار سنويا.

ومن المشاريع الدولية كذلك إمكانية شراء العالم كهرباء أردنية للبنان لأن الأردن يتمتع بفائض، وهو ما يُظهِر الفارق بين عمّان، التي بنت بنى تحتية تنتج فوائض، مقارنة بالعراق وسوريا ولبنان، التي أنفقت أموالا طائلة لم ينجم عنها معامل إنتاج كهرباء تعمل بسبب الفساد المدقع.

ولأن الأردن يعاني شحّا في المياه وبعض التباطؤ الاقتصادي، أعلن وزيرا اقتصاد الأردن وإسرائيل توقيع اتفاقيات قضت بمضاعفة إسرائيل كمية المياه التي تزودها للأردن حتى تبلغ 50 مليون مترا مكعبا سنويا، كما قضت بزيادة صادرات الأردن إلى الضفة الغربية من 160 مليون دولار حاليا إلى 700 مليونا، وهو ما يعني زيادة نصف مليار دولار سنوية في إجمالي صادرات الأردن، أي نمو بنسبة ستة في المئة.

ومن شأن توقيع اتفاقيات السلام بين الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، من ناحية، وإسرائيل، من ناحية ثانية، أن يمنح الأردن فرصا اقتصادية أكبر كبوابة للتجارة والاستثمار بين إسرائيل وباقي الدول العربية. ولو أن العراق وقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل، لارتفع الناتج المحلي للفرد لكل من العراق والأردن وإسرائيل بنسب كبيرة. لكن العراق مشغول بالأساطير الثورية التي تُغرِقُه في الفقر والبؤس.

الأردن من الدول النامية اقتصاديا، وما زال يعاني من نسبة بطالة مرتفعة. لكن بالمقارنة بالدول الفاشلة المحيطة به- العراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية- يبدو الأردن واحة استقرار ونمو وبحبوحة، ويبدو بارقة أمل في منطقة مستقبلها قاتم أكثر من حاضرها. 

أما الدول الثورية في العراق ولبنان وسوريا، فما عليها إلا التشبه بالأردن وحذو حذوه، والتركيز على السلام والحياد والنمو الاقتصادي والمعرفي والاجتماعي، بدلا من حالات الانهيار واليأس التي تعيشها.

الثلاثاء، 2 نوفمبر 2021

اقتصاد السوق سيدفع السعودية لسلام مع اسرائيل

حسين عبدالحسين

أعلنت وزارة الاستثمارات السعودية، الأسبوع الماضي، موافقتها على افتتاح مقرات إقليمية لـ 44 من كبرى شركات العالم في المملكة. وأضافت الوزارة أن الهدف هو استقطاب مقرات مشابهة لـ 380 شركة عالمية مع نهاية العقد الحالي. وتسير السعودية على خطى الإمارات، وتتبنى اقتصاد السوق، وهو ما سيسمح لها دخول القرن الحالي، لا كصاحبة عائدات نفطية ضخمة، بل كإحدى أكثر الاقتصادات ديناميكية وإنتاجية وجاذبية للمستثمرين والمهاجرين.

والتحول الاقتصادي السعودي سيفرض تحولا فكريا، بما في ذلك في رؤية الرياض والسعوديين عموما للعلاقات الدولية وما يحركها، وسيتخلى السعوديون عن الرؤية القبلية العاطفية في اتخاذ مواقفهم السياسة المحلية والإقليمية، وسيستبدلونها برؤية واقعية تعلي المصالح على المشاعر، وهي نظرة تشبه نظرة شعوب دول العالم المتطور، كما في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. 

وسيفرض اقتصاد السوق على السعوديين النظر إلى الصراعات الإقليمية من وجهة نظر "المصالح القومية للمملكة العربية السعودية"، وهو ما يعني أن الرياض ستتبنى سياسات تخدم اقتصادها ونموه ونمو مداخيل السعوديين، وهو ما يعني حتما الانخراط مع إسرائيل، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، بالتساوي مع الإمارات، وخلف السعودية وتركيا.

هذا لا يعني بالضرورة أن الرياض ستسارع لتبادل السفارات مع إسرائيل، ولكن هذا يعني أن الشركات الدولية، التي تفتتح مقراتها الإقليمية في المملكة، ستحتاج إلى علاقات بين السعودية وكل القوى الاقتصادية الإقليمية، منها إسرائيل، وحتى مع إيران لو قررت الأخيرة أن تتحول من ميليشيا وعصابات إلى دولة ومصالح. 

مثلا، من الشركات الـ 44 التي افتتحت مقراتها في السعودية الأسبوع الماضي، كانت شركة سيمنز العملاقة، صاحبة الاستثمارات الضخمة في إسرائيل، حيث تموّل الشركة مراكز أبحاث وتجارب، وتستفيد من تفوق اليد العاملة الإسرائيلية في شؤون التكنولوجيا للتوصل لابتكارات جديدة وتحويلها إلى سلع تجارية ربحية. 

هذا يعني أن المقرّ الاقليمي لسيمنز في السعودية سيكون مضطرا للتواصل مع مركز أبحاث الشركة في إسرائيل، وسيقوم سعوديون ومقيمون يعملون في سيمنز السعودية بزيارات إلى مراكزهم في إسرائيل، وسيقوم الإسرائيليون — اليهود والعرب — من العاملين في مراكز سيمنز في إسرائيل بزيارة مقرّ الشركة الإقليمي في السعودية. 

ومثل سيمنز ستحتاج كبرى شركات العالم من التي تفتتح مقراتها الإقليمية في السعودية، فيما مراكز أبحاثها في إسرائيل — من أمازون الأميركية وعلي بابا الصينية، إلى مرسيدس الألمانية وسامسونج الكورية — إلى التواصل بين ذراعيها الإقليميين، وهو ما سيحتّم قيام علاقات تجارية ومالية واقتصادية بين السعودية وإسرائيل، حتى بدون علاقات دبلوماسية رسمية بينهما.

ومع مرور الوقت، ستجد كل من السعودية وإسرائيل نفسيهما بحاجة لافتتاح مكاتب رعاية مصالح لدى الطرف الآخر، وربما تتطور المكاتب إلى قنصليات وسفارات، ويتفرع منها علاقات سياحية مربحة، وربما ثقافية وتعليمية وغيرها.

النظام العالمي الحديث حوّل المعمورة إلى قرية صغيرة، تتسابق فيها الدول بحسب قوة اقتصادات المعرفة التي تبنيها. وتتضمن قائمة الدول المنخرطة في السباق، دولا اشتراكية، مثل الاسكندنافية، وشيوعية، مثل الصين. 

في الماضي القريب، دخلت الإمارات هذا العالم الحديث، وانعكس ذلك إلى نتائج باهرة على اقتصادها وعلى مستوى معيشة الناس فيها، واليوم تلحق السعودية بالإمارات في الانضمام لنادي الدول المتقدمة، حيث التنافس ليس حول الأرض أو الموارد الأولية، ولا عسكريا، بل التنافس معرفي لا حدود فيه للدول بالمعنى الذي اكتسبته على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين.

لكن ولوج نادي الاقتصادات التي تتنافس معرفيا ليس أمرا يسيرا، إذ ما تزال بعض أكبر دول العالم، بما فيها صاحبة أكبر احتياطات نفط مثل روسيا وإيران، خارج هذا النادي ويتعذر عليها دخوله. وبسبب بقائها خارجه، تواصل هذه الدول العمل بموجب القوانين البائدة بين الأمم، مثل التنافس الإمبريالي للسيطرة على دول أخرى، وعلى اقتصاداتها وناسها. 

لكن الدول المتقدمة لم تعد مهتمة بالسباق بشكله القديم المتخلف. لا يهم الولايات المتحدة إن سيطرت روسيا على سوريا أو ليبيا، فليس في سوريا أو ليبيا شراكات مالية أو اقتصادية ممكنة، ولا أسواق، ولا كفاءات عاملة للانخراط في سباق الابتكارات. كل ما في سوريا أرض شبه قاحلة فيها ملايين يتحاربون أو يعيشون في طغيان، وهو ما يجعل أولوية أميركا إبقاء حروب وفوضى السوريين داخل بلادهم، وكذلك في ليبيا أو أفغانستان أو لبنان أو أي من الدول الفاشلة حول العالم.

يوم أصدرت جامعة الدول العربية قرارات مقاطعة إسرائيل، ويوم أعلن العرب لاءاتهم الثلاثة من الخرطوم، كان عديد الناس ومواردهم الطبيعية ومساحة أراضيهم تؤثر في السياسة الدولية. اليوم، لم تعد المساحة ولا الموارد ولا عديد الناس عوامل ذات تأثير في العلاقات الدولية، وصار يمكن لدول صغيرة بمساحتها وعدد سكانها، لكنها متقدمة في علومها وتنظيمها وتجارتها — مثل سنغافورة الآسيوية أو سويسرا الأوروبية أو موريشيوس الأفريقية — أن تتصدر الاقتصاد العالمي وتقدم لناسها حياة تبقيهم في أراضيهم، بدلا من تدفق المهاجرين على الغرب من الصين وروسيا وإيران وسوريا ولبنان. 

ومن الدول الصغيرة، وإنما الناجحة، إسرائيل والإمارات. وتسعى السعودية للانضمام لهما ولعالم لا ينظر إلى الوراء لمواصلة حروب الماضي، بل يسعى لمستقبل زاهر ويعقد السلام لأجله. 

قد تبدو السعودية صحراء قاحلة ودولة جامدة، لكنها فعليا تصدرت التغيير بمراحله المتعددة، فيما فشلت نظيراتها في الاحتياطات النفطية في ذلك. السعودية، منذ انهمرت عليها عائدات النفط الضخمة قبل سبعين عاما، مرّت بمراحل تنمية اقتصادية متعددة سعت فيها جميعها للتحديث. في باكورة العهد النفطي، استخدم حكام السعودية عائداتهم لتمويل برامج اجتماعية ضخمة حوّلت البلاد الى أكبر مجتمع استهلاكي في العالم، مجتمع يستهلك فيه السعوديون من دون الحاجة للعمل والكسب. بعد ذلك، عكف السعوديون على إقامة مدن صناعية على شكل جزر نموذجية، وتمويل مشاريع تنموية، ومارسوا حمايات اقتصادية، مثل السعودة وغيرها.

اليوم، تسعى السعودية لدخول العصر القائم على المعرفة والتجارة والسلام. هي سياسة تبدو تخليا عن شعارات الماضي، لكن من لا يتغير يموت.

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

لبنان بين الحكواتية والمؤرخين

حسين عبدالحسين

كان معلمنا الراحل المؤرخ كمال الصليبي يبتسم في كل مرة نسأله فيها رأيه حول أعمال فؤاد أفرام البستاني، كاتب تاريخ لبنان بصيغته الرسمية، وصاحب الأفكار المؤسسة للقومية اللبنانية، التي يتبناها اليمين اللبناني ذو الغالبية المسيحية.

كان الصليبي يكتفي بالقول إن البستاني لم يدرس التاريخ، بل درس وعلّم الأدب العربي، ومع ذلك، فإن البستاني اكتسب شهرته بسبب نظرياته عن التاريخ العربي واللبناني.

وبحسب رواية "اليمين المسيحي"، لبنان دولة فينيقية سحيقة، ورد اسمه وشخصيات منه في التوراة، وهو ما يجعله حضارة سابقة وأكثر عراقة من حضارة العرب المسلمين، التي اجتاحت لبنان في القرن الميلادي السابع، وفرضت تعريبه وأسلمته وفصله عن محيطه المتوسطي الأوروبي.

وبنى اليمين المسيحي نظرياته على نصوص، بعضها مثير للضحك، مثلما ورد في القرن السابع عشر في كتاب البطريرك الماروني أسطفان الدويهي، من أن شفيع الطائفة القديس مارون، الذي عاش في القرن الميلادي الرابع، كان ابن اخت مؤسس فرنسا وألمانيا الملك شارلمان، الذي مات في القرن التاسع.

واعتبر "اليمين المسيحي" أنه على الرغم من تسلط المسلمين على الأقليات في شرق المتوسط، فان غير المسلمين من المسيحيين والدروز ناضلوا لإقامة إمارة مستقلة عن السلطنة العثمانية في جبل لبنان، قادها المعنيون الدروز وتلاهم الشهابيون المسيحيون. واعتبر "اليمين المسيحي" أن تلك الإمارة شكلت نواة "متصرفية جبل لبنان"، أساس قيام لبنان بشكله الحالي، أي أن لبنان لم يكن صنيعة الاستعمار الأوروبي بل سبقه.

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ربط "اليمين المسيحي" في لبنان نفسه بالغرب، أي أميركا وأوروبا، وراح أبطاله من أمثال بشير الجميل يشيدون باقتصاد السوق والحضارة الغربية، ويسخرون من "حضارة الجمال"، أي العربية، ويرتبطون بإسرائيل للتخلص من حكم الفلسطينيين للبنان.

وعلى نقيض "اليمين المسيحي" وصف "اليسار المسلم" الفينيقيين بالأسطورة، واعتبر أن الإماراتين المعنية والشهابية خيال، وأن حكامهما كانوا جباة ضرائب عملوا بإمرة السلطنة العثمانية، وأن دولة لبنان أسسها الفرنسيون كجزء من المشروع الاستعماري الأوروبي لتقسيم المنطقة وإضعافها وإخضاعها.

وعلى عكس "اليمين المسيحي" الرأسمالي، تبنى "اليسار المسلم" النظريات الاقتصادية الاشتراكية، خصوصا أسطورة "الاكتفاء الذاتي". واتهم أهل اليسار اليمين بالاحتكار، والإثراء غير المشروع، والفساد في الحكم، واستغلال موارد الدولة، وإفقار اللبنانيين.

ومن مدرسة "اليسار المسلم" في التاريخ والاقتصاد يبرز اليوم شارل حايك، الذي تحول إلى ظاهرة بين اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، مستفيدا من الأمية الثقافية المدقعة التي غرق فيها غالبية اللبنانيين، فقدم لهم روايات عن التاريخ مغايرة لتاريخ البستاني الذي درسه اللبنانيون في مناهجهم المدرسية، وزيّن حايك رواياته بالكثير من التأريخ الاجتماعي غير السياسي، المبني غالبا على ما دونه معاصرو أحداث الماضي.

ولم يحد الحايك، المسيحي المولد، عن التقليد اليساري السائد، فهو لا يعادي الأوروبيين ويصادق العثمانيين فحسب، بل هو يكره اقتصاد السوق ويكيل المديح للاكتفاء الذاتي، الذي يشير الى ممارسته في بلدة بيصور ذات الغالبية الدرزية في جبل لبنان الجنوبي، حسبما ورد في مقابلة لحايك عبر "برنامج سردة"، الشهر الفائت.

في لبنان، تتناقض روايتا التاريخ والاقتصاد بين "اليمين المسيحي" و"اليسار المسلم" لأسباب سياسية آنية أكثر منها بناء على دراسات أكاديمية حصيفة. ويتبنى اللبنانيون روايات تاريخية منقوصة، أولا بسبب آرائهم المسبقة وانحيازهم الموروث مجتمعيا، الذي يدفعهم في اتجاه رواية دون أخرى، وثانيا بسبب الكاريزما التي يتمتع بها الحكواتيون من أمثال البستاني، الذي لم يدرس التاريخ ولا يعرف القوانين التي تحكم كتابته أو تقديم الفرضيات الممكنة لكيفية حدوثه.

ومثل البستاني، يتمتع حايك بكاريزما ودماثة أخلاقية حسب من يعرفونه. وكذلك على غرار البستاني، تعاني الرواية التي يقدمها حايك من ثغرات واضحة في المنهجية، وتاليا في جودة الرواية نفسها.

مثلا، حتى يُقنع اللبنانيين باقتصاد "الاكتفاء الذاتي" بدلا من اقتصاد الخدمات، الذي تتبناه الإمارات المزدهرة والذي صممه الراحل رفيق الحريري وقبله "اليمين المسيحي" في لبنان، يستخدم حايك التاريخ بقوله إن لبنان يعتاش تقليديا على الزراعة، قبل أن يدمّر بعض الطمّاعين الاقتصاد الطبيعي باقتصاد إنتاج الحرير أواخر القرن التاسع عشر، فانهارت البلاد مطلع القرن العشرين.

ومن نافل القول إن لا الفينيقيين ولا أي من الأجيال اللبنانية المتعاقبة امتهنت الزراعة خارج الحاجة المحلية الضيقة، فعلى عكس حضارتي وادي النيل والرافدين الزراعيتين، تكاد تنعدم المساحة الزراعية في لبنان الجبلي.

إلا أن جبال اللبنانيين قدمت لهم أشجارا سمح طولها بإقامة سفن كبيرة، على عكس أشجار وادي النيل القصيرة التي لم تسمح ببناء أكثر من زوارق نقل. ثم أن ثروة الأشجار في سلسلتي لبنان الجبليتين قدمت للبنانيين حطبا للتعدين، وهو ما سمح للفينيقيين ببناء أقدم الأساطيل والاستيطان في حوض المتوسط وبعض سواحل الأطلسي الشرقية، مثل مدينة لشبونة عاصمة البرتغال، التي أسسها الفينيقيون وأسموها أخبونة، أي مختبئة. لم تكن نجاحات الفينيقيين بسبب اكتفائهم الذاتي، بل بسبب تجارتهم الدولية.

وموقع لبنان على طرق التجارة الدولية هو الذي دفع إمارة المعنيين اللبنانية الى الصدارة، إذ في سعيها للالتفاف على الطريق إلى الهند، الذي كانت تمسك به السلطنة وتقدمه حصرا لبريطانيا، حاولت الإمارات التجارية الإيطالية التحالف مع اللبنانيين لاستخدام مرافئهم لفتح طريق منافس للعثمانيين والبريطانيين إلى الهند، وهو مشروع لم ينجح، وانما قدم للبنانيين فرصة ممارسة بعض الحكم الذاتي، وبناء عائلات إقطاعية لا وجود لها في الولايات العثمانية الاخرى، مثل عكا أو القدس أو دمشق.

الحضارة الفينيقية عاشت قرابة ألفية ونصف، أي أكثر من عمر الإسلام اليوم، ولم تكن قصة قرية عابرة أو حكاية محلية. ولم يكن الفينيقيون دولة لبنانية واحدة، بل دويلات متنافسة انبثقت منهم إمبراطورية عاصمتها قرطاج في تونس. ولم يكن أمراء جبل لبنان حكاما مستقلين بالكامل عن السلطنة، ولكنهم في نفس الوقت لم يكونوا رعايا عثمانيين عاديين. الرواية الأصح هي مزيج من روايتي البستاني وحايك.

وعدا عن أن سكان جبال لبنان وساحله اعتاشوا على التجارة منذ فجر التاريخ، ومن الخدمات (مثل في بنائهم قوة بحرية للعراقيين لإلحاق الهزيمة بالإيرانيين)، ومن الارتزاق لإمبراطورية أو غريمتها، لم يعد في العالم اليوم دولة اقتصادها يكتفي ذاتيا. حتى الصين، مصنع العالم، بحاجة لاستيراد ضخم لتغطية حاجتها لعدد كبير من المواد الأولية والصناعات الأجنبية.

ثم أن روايات حايك تعاني من انحياز واضح للعثمانيين، فهو يسعى لتقليص مسؤوليتهم عن حدوث مجاعة في لبنان في الحرب العالمية الأولى، ويحاول عوضا عن ذلك إلقاء اللائمة على "النخبة" اللبنانية والمحتكرين، وعلى الأوروبيين لمحاصرتهم ساحل شرق المتوسط. لكن العثمانيين أنهوا حكم لبنان الذاتي إبان الحرب، وهو ما يعني أن مكافحة المحتكرين كانت مسؤولية السلطنة. ومن يعرف الفساد المستشري في السلطنة يعلم أن المحتكرين اللبنانيين كانوا شركاء الحكام العثمانيين، من ولاة وعسكر وموظفين حكوميين.

والحرب العالمية الأولى كان أبرز أسبابها السباق التجاري بين طريقي التجارة إلى الهند، بين خط قطار برلين بغداد الألماني العثماني وقناة السويس البريطانية.

ويقول الصليبي إن بريطانيا رعت انفصال الكويت عن ولاية البصرة العثمانية لحرمان القطار مرفأه إلى الهند، وهذا كان أحد أسباب اندلاع الحرب، التي جرّ العثمانيون المشرقيون اليها، ومضوا يجندونهم للقتال في حرب ليست حربهم.

كما استولى العثمانيون على محاصيل القمح لإطعام جيوشهم الحافية بسبب فساد ضباطها. كل هذا، ويقول حايك إن المشكلة الأكبر خلف مجاعة لبنان كانت محلية، مثل أزمة لبنان اليوم، التي يراها حايك محلية، ولا يرى أن كل دولة وصلها نفوذ إيران الإسلامية وميليشياتها تعاني من الشقاء نفسه، فيما الدول المتحالفة مع الغرب تعيش في وضع أفضل ودون اكتفاء ذاتي.

وفي ربط الماضي بالحاضر، أي محتكري الحرب الأولى مع المصرفيين الفاسدين ومحتكري البضائع في لبنان اليوم مشكلة منهجية كذلك، إذ هي تعيد التاريخ إلى وظيفة كانت مطلوبة منه في زمن ما قبل الحداثة، وهي اعتبار أن دوره هو تقديم العِبَر للتعلم من الأخطاء، وهذه مشكلة لا مجال للتوسع في نقدها هنا.

على أن المشكلة الأكبر تكمن في أن عددا كبيرا من اللبنانيين يأخذون الروايات التاريخية الخاطئة ويتبنونها كحقائق تخدم ما تتمناه أنفسهم، فيما الروايات التي تراعي المنهجية التاريخية تبقى وحيدة مع غبارها على رفوف المكاتب، وتبقى دوائر التاريخ في الجامعات اللبنانية والعربية خاوية، فيما ثرثرة اللبنانيين والعرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي حافلة.

الثلاثاء، 19 أكتوبر 2021

تدهور شعبية إيران بين العرب

حسين عبدالحسين

أثبتت نتائج الانتخابات العراقية ما كان يعرفه كثيرون عن تدهور شعبية نظام ايران الاسلامية بين صفوف العرب، خصوصا الشيعة منهم. في ”مجلس النواب“ العراقي كان للميليشيات الشيعية الموالية لمرشد جمهورية ايران علي خامنئي كتلة تتألف من 48 عضوا. في انتخابات العاشر من الجاري، تقلّص عدد أعضاء هذه الكتلة الى 15 فقط، ولحفظ ماء الوجه، أضافت هذه الكتلة الى صفوفها الفائزين من لائحة بابليون، وهم من الأقليات، ليصبح تعداد أعضائها 20 نائبا، من أصل 329 نائبا في البرلمان العراقي، وهو رقم ضئيل. 

وكما في العراق، كذلك في الأراضي الفلسطينية، أظهرت استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات، التي تم الغاؤها، أن حركة حماس الفلسطينية المتحالفة مع نظام ايران تتمتع بشعبية لا تتعدى ثلث عدد الناخبين، وهي شعبية توازي ما تحوزه حركة فتح. في الماضي، كانت حماس تتمتع بغالبية النصف، كما في آخر انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في 2006. 

وشعبية حماس تراجعت على الرغم من أطنان المال القطري الذي تنفقه على شبكتها الريعية، وعلى الرغم من الفساد الذي ينخر قيادة فتح والذي أدى الى تدهور شعبيتها. مع ذلك، تتساوى شعبية فتح — ”الفاسدة“ والمرتبطة باتفاقيات سلام وأمن مع اسرائيل — مع شعبية حماس واسلامها السياسي الذي يفترض أنه يكافح ضد الفساد ويسعى لتدمير دولة اسرائيل. 

في لبنان، يصعب معرفة حجم الشعبية التي يتمتع بها ”حزب الله“، التابع لنظام ايران، بين شيعة لبنان. من المؤكد أن شعبية الحزب المذكور في الحضيض لدى غالبية مسيحيي لبنان ودروزه والسنة اللبنانيين. حتى الماضي القريب، كان ”حزب الله“ يتمتع بشعبية مطلقة بين الشيعة، ولكن في الآونة الأخيرة، بدا أن هذه الشعبية اهتزت وأدت الى ذعر لدى قيادة الحزب. 

ويمكن التكهن أن عملية اغتيال الشيعي المعارض للحزب لقمان سليم هي جزء من خوف ”حزب الله“ من ضعف شعبيته وصعود المعارضين. لقد كان مقتل سليم أول اغتيال يطال شيعي في لبنان منذ الثمانينات، وهو اغتيال يشي بأن من يقفون ورائه صاروا يخشون من أي علامات تململ داخل الطائفة الشيعية، لأن شخصيات مثل سليم كان يمكنها قيادة انشقاق عريض ضد ”حزب الله“ بسبب تراجع شعبية الأخير، على خلفية الأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي تسببت بها سيطرة الحزب الموالي لايران على قرار الجمهورية اللبنانية. 

أما أسباب تدهور شعبية ايران والميليشيات الموالية لها في العراق والأراضي الفلسطينية، والأرجح لبنان، فيعود الى سلسلة من التصرفات التي يمارسها النظام الايراني ومثله ميليشياته العربية، وفي طليعتها العجرفة، فهذه التنظيمات تتحدث دائما وكأنها تتمتع بوصاية الهية، وكان رأيها هو الصائب بشكل دائم، ولا يحتمل المسائلة ولا المشورة ولا التغيير، تحت طائلة تخوين أي من يعارضها، وهو تخوين يصل أحيانا الى حد العنف والاغتيال، خصوصا في العراق، حيث قامت الميليشيات الموالية لايران باغتيال عدد كبير من الناشطين والمثقفين ممن كانوا يتمتعون بشعبية كبيرة. 

بعد العجرفة يأتي النفاق الذي تعاني منه الميلشيات العربية الموالية لايران. مثلا، تواصل كل من حماس وحزب الله والميليشيات العراقية هجومها الاعلامي على الامارات العربية المتحدة والبحرين بسبب قيام أبوظبي والمنامة بتوقيع اتفاقية سلام مع اسرائيل والعمل على تطبيع العلاقات معها. 

في الوقت نفسه، يكيل حزب الله وحماس المديح على ملك الأردن عبدالله الثاني، الذي كان أول زعيم عربي يلتقيه رئيس حكومة اسرائيل نفتالي بينيت، لأن عاهل الأردن قرر تطبيع العلاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد. ومثل مع الأردن، أغدقت حماس المديح على مصر، أول الدول العربية التي أقامت سلاما مع اسرائيل والتي استقبل رئيسها عبدالفتاح السيسي بينيت في قمة في شرم الشيخ. مصر هي شريان الحياة الوحيد لقطاع غزة، لذا، تتجاهل حماس علاقة مصر الممتازة باسرائيل، لكنها تهاجم الامارات بشكل متواصل وتتهمها بطعن الفلسطينيين في الظهر بتوقيعها سلاما مع اسرائيل. 

والنفاق نفسه في العراق حيث تمتعت الميلشيات العراقية الموالية لايران بدعم أميركي وغطاء جوي أثناء مشاركتها في حرب القضاء على داعش. في الوقت نفسه، تكرر هذه الميليشيات أكاذيب مفادها أن داعش صناعة أميركية وأن الميلشيات هي التي هزمته وحدها. 

الشيعة العرب ليسوا أغبياء، ويعرفون أن نظام ايران لا يهمه القدس ولا فلسطين ولا الأمتين العربية والإسلامية، بل أن جلّ ما يهم طغاة ايران هو بسط نفوذهم اقليميا لإرضاء غرورهم ولتشتيت انتباه الايرانيين عن فشل الملالي الذريع في الحكم وفي تأمين مستوى معيشة لائق للايرانيين من غير أقرباء أركان النظام والمحظيين. 

في مايو-أيار الماضي، أدلى وزير خارجية ايران أمير عبداللهيان، وكان ما يزال مساعدا لوزير الخارجية، بتصريحات الى صحيفة ”مهر“ الايرانية قال فيها أنه في صراع ايران ضد اسرائيل، ”كان يمكن أن يكون النظام الصهيوني داخل حدودنا، لكن حلفاءنا اليوم هم داخل حدود النظام الصهيوني، وهذا الترتيب هو من أجل سلامة البلاد (إيران) والمنطقة“. 

ولأن الصحيفة الايرانية تدرك حساسية هذه التصريحات عند العرب، قامت بنشرها في نسختها الفارسية وحذفتها من نسختها العربية. 

لكن العرب يسمعون ويقرأون الايرانيين، ويعرفون أن صراع ايران مع اسرائيل ليس لتحسين وضع العرب أو الفلسطينيين، بل صراع على الصدارة والنفوذ في الاقليم، يستخدم فيه النظام الايراني العرب وقودا في نار حربه مع الاسرائيليين. 

انهارت صورة نظام ايران كنظام ثوري حريص على حقوق المستضعفين، خصوصا المسلمين بمن فيهم العرب منهم، وبان النظام الاسلامي على حقيقته: متعجرف، منافق، يديره فاسدون لا يترددون عن قتل خصومهم، ولا يردعهم ضمير ولا دين.

الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021

ذكرى السادات.. لا ذكرى "حرب أكتوبر"

حسين عبدالحسين

مرّت الذكرى الأربعين على قيام الإسلام السياسي باغتيال رئيس مصر أنور السادات دون أن يتوقف المصريون عندها كثيرا.

إعلام مصر ورئيسها عبدالفتاح السيسي احتفلوا بالذكرى الثامنة والأربعين لـ "نصر أكتوبر"، أي حرب 1973 التي شنتها مصر وسوريا ضد إسرائيل، لكن المصريين لم يتذكروا السادات خارج إطار الحرب المذكورة، وعندما فعلوا ذلك، استفاضوا في وصف الانتصار المزعوم، ولم يتذكروا السادات صاحب أول اتفاقية سلام عربية مع دولة إسرائيل.

على أن "نصر أكتوبر" لم يكن نصرا بأي معيار، بل كان هزيمة محققة لمصر وسوريا أمام إسرائيل. صحيح أن الأيام الأولى للحرب شهدت انتصارات مصرية باهرة، خصوصا اختراق خط بارليف الإسرائيلي المحصّن وعبور قناة السويس، إلا أن الحرب انتهت بتوقيع جيش السادات على اتفاقية وقف إطلاق نار في "الخيمة 101"، وهي خيمة نصبت حيث توقفت الدبابات الإسرائيلية عن التقدم داخل الأراضي المصرية، بعد استعادتها كل ما حرره المصريون وتوغلها باتجاه القاهرة.

أما الاسم "101" فكان نسبة إلى المسافة التي كانت تفصل الإسرائيليين عن القاهرة، ولو لم يتوقف الإسرائيليون، لكانت أبواب القاهرة مفتوحة أمام اجتياحهم.

أما الجبهة السورية، فهي أبلت بلاء أسوا من المصرية، اذ تعثر جيش الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بعد أيام قليلة على بدء الاجتياح العربي على جبهتين، ولم يلبث الإسرائيليون أن قلبوا تراجعهم تقدما، وصارت دمشق تحت رحمة مدفعيتهم.

واتصل الأسد بالسادات مرارا، وأصرّ على تقدم المصريين في سيناء جنوبا لتخفيف الضغط الإسرائيلي على الجبهة السورية شمالا.

واتصل السادات بقيادة أركان الجيش المصري، وطلب منهم التقدم حسب طلب الأسد، لكن الضباط ترددوا في ذلك، لأن الخطة الهجومية المصرية كانت مصممة على قبول تفوق إسرائيل في الجو، وتاليا، بقاء القوات البرية محمية بمظلة صواريخ سام الروسية المضادة للطائرات، التي أبطلت قوة سلاح الجو الإسرائيلي وحيدته من المعركة.

لكن السادات أصر، وأصدر لجيشه أوامر سياسية بالتقدم لتلبية طلب الأسد، فتقدم الجيش المصري خارج المظلة الصاروخية الدفاعية، فتلقف سلاح الجو الاسرائيلي الفرصة، وصب حمم نيرانه على المصريين على الأرض، فضعضع صفوفهم، وصار اختراقه لهم ممكنا.

وقاد الجنرال، رئيس الحكومة فيما بعد، أرييل شارون محاصرة الجيش المصري الثالث في سيناء. وقاد العبور الإسرائيلي المعاكس لقناة السويس، ومضى ودباباته نحو القاهرة لو لم يوافق السادات على وقف إطلاق نار غير مشروط.

حرب 1973 هذه، التي يسميها العرب "حرب أكتوبر"، ويطلق عليها الإسرائيليون اسم "ملحمة يوم كيبور (الكفارة أوالغفران)"، شهدت انتصارات عربية في ساعاتها وأيامها الأولى، لكن نتيجتها كانت هزيمة ساحقة ماحقة للعرب أمام إسرائيل.

على أنهم على عادتهم، مثل في حرب "حزب الله" اللبناني ضد إسرائيل في 2006، وحروب حماس المتكررة مع إسرائيل في قطاع غزة الفلسطيني، يطلق العرب على هزائمهم تسمية نصر أو انتصار، ويقومون باجتزاء سياق الحرب واختيار لحظات تفوقوا فيها على إسرائيل، مثل عبور مصر القناة أو ضرب "حزب الله" سفينة حربية إسرائيلية، ويصورونها إعجازا، مع أن الحروب العربية الإسرائيلية انتهت دائما بخسائر عربية تكون أضعافا مضاعفة لخسائر إسرائيل، دون أي تغيير ينجم عن الحرب.

على أن ما تفوق فيه السادات على سلفه جمال عبدالناصر، صاحب هزيمة 1967 أمام إسرائيل، وعلى ميليشيات "المقاومة" مثل "حزب الله" وحماس، فكان في إدراكه أن الحرب وسيلة وليست غاية، وأنه إن لم تدرك الحرب أهدافها، فلا بد من قبول السلام.

أدرك السادات أن نتيجة هزائم العرب العسكرية هي الاعتراف بإسرائيل وتوقيع سلام معها، لا المكابرة والعيش في شقاء اقتصادي واجتماعي وعلمي سببه حالة "اللا حرب واللا سلم" التي يعيشها أمثال عبدالناصر و"حزب الله" وحماس.

السادات أدرك أن الحرب وسيلة تنتهي صلاحيتها بغض النظر عن نتيجتها، وأن أسوأ ما قد يحصل لأي شعب أو دولة أو مجتمع أن يعيش في حالة حرب مفتوحة، وتأهب دائم، وعسكرة لا آخر لها.

في وقوفه وحيدا، وإصراره على السلام الذي رأى فيه مصلحة مصر والعرب، أظهر السادات فهما استراتيجيا قلّ نظيره، وأظهر الرئيس المصري الراحل أنه لا يحكم شعبويا لإرضاء أقرانه أو مناصريه، بل يحكم كقائد يقود الناس في اتجاه مصالحهم ومصالح الدولة، حتى عندما لا يرى الناس ذلك.

وتفوّق الرؤية الاستراتيجية للسادات أثمرت اقتصاديا قبل اغتياله، اذ ارتفعت نسبة نمو الناتج المحلي المصري في السنوات التي تلت توقيعه اتفاقية كامب دافيد للسلام مع إسرائيل في عام 1979. وفي السنوات الثلاثة التي فصلت بين توقيع الاتفاقية واغتيال السادات، سجّل الاقتصاد المصري نموا اقتصاديا بمعدل 9 بالمئة سنويا، وهو من الأعلى في التاريخ المصري الحديث. وكان ذلك بسبب موجة التفاؤل التي عمت مصر واسرائيل، واعتقاد المستثمرين حول العالم أن السلام سيفتح أبوابا اقتصادية كانت موصدة، وهو ما حصل فعليا.

لكن الإسلام السياسي، القوة المدمرة للشعوب وللدول ولنفسها، التي تعيش في أساطير قروسطوية تخالها برامج حكم يمكن تطبيقها اليوم، كان لها رأي آخر في السادات، فاغتالته، وهو ما هزّ ثقة العالم بمصر، فهرب المستثمرون مع اندلاع حرب بين الدولة المصرية والإرهاب الذي يمارسه الاسلام السياسي، وتدهورت نسب نمو الاقتصاد المصري.

بعد 40 عاما على اغتياله، لا تزال مآثر السادات بادية، فالاقتصاد المصري اليوم هو الأقوى بين دول الطوق، أي التي تحيط بإسرائيل وانخرطت في حروب معها، ولو لم يقم السادات بخطوته الاستثنائية للسلام، وهو السلام الذي يبني عليه السيسي نهضة اقتصادية مماثلة، لكانت مصر اليوم على شكل "حزب الله" وحماس و"انتصاراتهما" المتواصلة، وعيشهما وشعوبهما في فقر وشقاء.

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2021

حسين عبد الحسين، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، في حوار مع السياق حول العلاقات السعودية الأمريكية

 


من يعارض تحسين أوضاع الفلسطينيين؟

حسين عبدالحسين

في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، وفي صحيفة "فلسطين" التابعة لحماس في غزة، كتب كاتبان واحد إسرائيلي والآخر فلسطيني، مقالين يكادان يتطابقان في المضمون، ويرفض كل منهما السياسة الإسرائيلية الجديدة تجاه الفلسطينيين، القاضية بـ "تقليص الصراع"، ورفع مستوى معيشة الفلسطينيين، وتحسين اقتصادهم.

ويتمسك الكاتبان، الإسرائيلي حاغاي العاد والفلسطيني سمير حمتو، ببقاء الأمور على ما هي عليه، لأن ذلك يعني مواصلة الصراع حتى التغلب على إسرائيل.

ومن الأفكار المشتركة بين المقالتين تصور كل من الكاتبين أن موقفهما هو "الجهة الصحيحة" من التاريخ، وأن التاريخ يسير حتميا بالاتجاه الذي يتخيلونه، وأن من يعارض ما يتخيله الكاتبان اليوم سيجد نفسه مخطئا وظالما مستقبلا، يوم لا يصح إلا الصحيح.

وتكمن المفارقة في أن العاد ينتمي إلى أقصى اليسار الإسرائيلي، فيما ينتمي حمتو إلى أقصى اليمين الفلسطيني، ويتشارك الاثنان فكرة أن الحل هو إما دولة واحدة من النهر إلى البحر، أو لا حل. على أن هذا الموقف هو الوحيد المشترك بين الاثنين، فالعاد، الناشط في الدفاع عن حقوق مثليي الجنس، قد يجد نفسه هاربا من وجه العدالة لو تحوّلت دولة إسرائيل إلى فلسطين، وذلك بسبب ميوله ومواقفه في المواضيع الاجتماعية والجنسية.

لكن ما سبب رفض أقصى اليسار الإسرائيلي والعالمي، وأقصى اليمين الفلسطيني والعربي، لحل مرحلي مؤقت للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في غياب إمكانية التوصل إلى حل دائم؟

الأرجح أن معارضي "تقليص الصراع" يعتقدون أن أنصاف الحلول تضيّع حقوق الفلسطينيين، وتقلّص في الوقت نفسه الضغط الدولي على إسرائيل للانصياع بشكل كامل إلى الحل كما يتصوره الكاتبان، ويقضي بأن تفكك إسرائيل نفسها وتسلّم مفاتيح الدولة إلى الفلسطينيين، أي على طراز ما حصل في جنوب أفريقيا مع نهاية نظام الفصل العنصري، أو ما حصل، الشهر الماضي، في أفغانستان، حيث تسلم الحكام المحليون، وأن من المتطرفين، الحكم بعد انسحاب الجيش الأميركي من البلاد بعد عقدين من تواجده فيها.

لكن إسرائيل ليست جنوب أفريقيا ولا أفغانستان، بل أن إسرائيل دولة تعترف بها الأمم المتحدة والقانون الدولي وأكثر من 160 دولة في العالم، وهي دولة فيها اليهود غالبية تبلغ قرابة 80 بالمئة. أما الضفة الغربية والقدس الشرقية، فهي موقع جدال، ويصنفها القانون الدولي بمثابة أراض فلسطينية خاضعة لاحتلال عسكري إسرائيلي.

إسرائيل، بدورها، تقول إنها مستعدة للانسحاب من أراضي الفلسطينيين في الضفة (لا احتلال إسرائيلي في قطاع غزة على الرغم من البهلوانيات القانونية والاجتهادات). على أن المشكلة تكمن في أنه لا يمكن لإسرائيل تسليم الأراضي التي تنسحب منها إلى دولة فلسطينية لا تضمن العيش بسلام مع الإسرائيليين، فلا السلطة الفلسطينية قادرة على ضبط الأراضي الفلسطينية في حال انسحاب إسرائيل منها، فيما حماس قادرة على ذلك، ولكنها لا تريد العيش بسلام مع إسرائيل.

ويزيد من معضلة إمكانية انسحاب إسرائيل لقيام دولة فلسطينية مشكلة أن الإسرائيليين، مثل الفلسطينيين، ينقسمون في آرائهم حول كيفية التعامل مع هذه الأراضي، مع ميل يميني للاحتفاظ بها، بل ضمّها، ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا يكون في حالة اتحاد كونفيدرالي مع إسرائيل، في وقت يعتقد يسار الوسط الإسرائيلي أن قيام دولة بموجب تسوية الدولتين هو الحلّ الأمثل الذي يخلّص إسرائيل من معضلة حكمهم فلسطينيي الضفة عسكريا، كما هو الوضع حاليا. أما أقصى اليسار الإسرائيلي، فيتبنى حلولا متطرفة، مثل تسمية إسرائيل بـ "أبارثايد"، والمطالبة بدولة ثنائية القومية من النهر إلى البحر.

الانقسامات، على الجهتين الإسرائيلية والفلسطينية، تعرقل حلول السلام وتطيل أمد الوضع القائم، وهو وضع يفرض بؤسا على الفلسطينيين ويلطخ صورة إسرائيل دوليا. لذا، استنبط بعض الإسرائيليين حلولا وسط هي التي يتبناها رئيس حكومة إسرائيل نفتالي بينيت اليوم، وهي التي يعارضها الفلسطينيون بشبه الإجماع، ويعارضها الإسرائيليون من أمثال العاد.

لكن إلى أن تتغير الأوضاع، ويتغير الرأي العام من الجهتين، لا يعقل أن يبقى الفلسطينيون عالقون في بؤسهم، على غرار فلسطينيي لبنان، الذين أبقتهم العنصرية اللبنانية في مخيمات الشقاء، دون أي حقوق مدنية، على مدى 70 عاما، وواجهت أي دعوات بمنح هؤلاء الفلسطينيين حقوقا للعمل اتهامات ضد الداعين بأنهم يرغبون في توطين الفلسطينيين حتى ينسوا وينسى العالم قضيتهم وقضية عودتهم.

لم يطلب أحد يوما أن يمنح لبنان اللاجئين الفلسطينيين الجنسية اللبنانية، فقط حقوقا مدنية تخولهم العمل والعيش بكرامة ومساواة مع اللبنانيين، دون حقوق ترشح وانتخاب، إلى أن يتم التوصل إلى تسوية لأوضاعهم، إن بعودتهم إلى دولة فلسطينية، أو بإعادة توطينهم في دول أخرى.

ولكن إبقاء فلسطينيي لبنان مثل الأسرى في مخيمات الشقاء، حتى لا ينسوا ولا ينسى العالم قضيتهم، فهو من باب التطرف الذي يتطابق مع ما يدعو إليه السيدان العاد وحمتو.

لا أحد في حكومة إسرائيل اليوم يطالب الفلسطينيين بنسيان مطالبهم أو توقيع أي وثائق للتنازل عن أي شيء. كل المطلوب أن يعيش الفلسطينيون بكرامة، حتى لو من دون حقوق سياسية داخل إسرائيل، ريثما يتغير الزمن وتلوح تسوية نهائية في الأفق ترضي الطرفين.

لكن حتى تلوح أي تسوية في الأفق، وحتى يتغير الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني، من غير الأخلاقي إبقاء الفلسطينيين في الوضع المزري الذي يعيشونه، إن في لبنان أو في الأراضي الفلسطينية، ولا شك أن تحسين أوضاعهم اقتصاديا سيؤدي إلى تحسن معاشهم، على الأقل إلى أن يتغير الزمن ويقدم فرصة تسوية سلمية تامة وقيام دولة كما يشتهيها الفلسطينيون، لا تكون مصدر قلق للإسرائيليين ودولتهم.

الثلاثاء، 28 سبتمبر 2021

حرب العراق لم تفشل.. العراقيون فشلوا

حسين عبدالحسين

أصدرت محاكم بغداد قرارا بالقبض على 300 عراقي شاركوا في مؤتمر دعوا فيه للسلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والقرار أحد أكثر الدلائل وضوحا على سبب الانهيار والفشل في بناء دولة حديثة في العراق، منذ نهاية الحكم العثماني له قبل قرن وحتى اليوم.

يوم اجتاحت الولايات المتحدة العراق، لم تكن تدرك عمق الأمية السياسية التي يغرق بها العراقيون، ولم تقدّر فداحة غياب ثقافة الديمقراطية والحرية. اعتقدت إدارة الرئيس السابق جورج بوش أن تخليص العراقيين من طاغيتهم الدموي صدام حسين كفيل بتقديم فرصة لبناء عراق جديد وحديث وديمقراطي.

ما لم يفهمه الأميركيون يومذاك أن صدام لم يكن استثناء عراقيا، بل كان عراقيا أصيلا، وكان نتيجة لثقافة تسودها العنف، وينعدم فيها فهم تباين الرأي، وضرورة احترام رأي الآخر.

اعتقدت الولايات المتحدة أن دولة لديها عائدات نفطية مثل العراق كانت ستستغل فرصة انهيار نظام صدام لبناء دولة تعيش في بحبوحة ويتمتع مواطنوها بحرية التعبير.

لكن واشنطن كانت مخطئة. الحرية والديمقراطية لم تغيبا عن العراق بسبب صدام، بل أن صعود صدام كان بسبب انعدام الوعي في العراق. لذا، ذهب صدام ولم تنته معاناة العراق والعراقيين.

في أربيل، تداعى عراقيون، منهم من شيوخ العشائر السنية التي شاركت في قوات الصحوات التي ساهمت في القضاء على التنظيمات الارهابية، وحضر شيعة وغيرهم. لم يقُل المؤتمرون الكثير، بل اعتبروا أن لا سبب للبقاء في حال عداء مع دولة إسرائيل.

وقدم بعض المشاركين مطالعات مقنعة حول الفوائد، خصوصا الاقتصادية، التي يمكن للعراق أن يجنيها من تطبيع علاقاته مع إسرائيل، ومن الإفادة من إمكانية عودة يهود عراقيين، إما للسكن والاستثمار أو للزيارة.

لم يدّع العراقيون المطالبون بالسلام أنهم يمثلون الموقف العراقي الرسمي، ولا شارك إسرائيليون في المؤتمر (بشكل يخالف القوانين العراقية المرعية الإجراء)، ولا زار أي من العراقيين المؤتمرين إسرائيل. بكلام آخر، لم يرتكب العراقيون المطالبون بالسلام مع إسرائيل أي مخالفة قانونية. مع ذلك، قامت الحكومة بالادعاء عليهم واعتقالهم.

بعد اعتقال البعض وتهديد ميليشيات إيران العراقية البعض الآخر بالتصفية الجسدية، تراجعت غالبية الحاضرين، وأدلى أبرزهم، الشيخ وسام الحردان، ببيان بدا وكأنه يدلي به تحت ضغط وتهديد، تراجع فيه عن مطالبته بالسلام. هكذا هو العراق الديمقراطي، يشبه العراق الصدامي، ويتراجع الناس فيه عن آرائهم، ويقبلون الذلّ لحماية حياتهم.

بعد قرابة عقدين على "عراق ما بعد صدام"، لا يزال العراقيون بغالبيتهم ودولتهم، لا يفهمون الدستور ولا القوانين، وهو أمر جلي في مواضيع متعددة، من الفساد المستشري في الحكومة إلى الميليشيات الولائية التي تسدد رواتبها وزارة الداخلية العراقية، واسمها الولائية لأنها تقسم الولاء لمرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي.

ما زال العراقيون، ومعهم غالبية العرب، يعتقدون أن القانون يتم تطبيقه بحسب الرأي السياسي، فإذا كانت الميليشيات الولائية ضد التطرف والإرهاب، لا ضير من تعديها على الوظيفة الأساسية للحكومة المنتخبة وقواتها الأمنية، والقاضية بحصر استخدام العنف بأيدي القوات الرسمية.

أما أن عبّر مواطنون عراقيون، من دون ان يتجاوزوا أي قوانين، عن رأيهم، وطالبوا بسلام مع دولة يعاديها العراق، يجيز رأيهم المخالف للرأي الرسمي اعتقالهم ومحاسبتهم.

هذا التخلّف الحضاري يصيب الأمتين العربية والإسلامية، ولا يمكن تجميل هذه الصورة أو مراعاة شعور العرب والمسلمين. وهذا التخلّف، لا الإمبريالية ولا التدخلات الخارجية، هو السبب الرئيسي في حالة الانهيار الدائم التي تعيشها دول مثل العراق ولبنان وإيران واليمن وسوريا وأفغانستان.

لن تخرج هذه الدول من دوامتها قبل اجتثاث الثقافة الصدامية التي تحرّم الرأي المخالف، ولا خروج من هذه الدوامة من دون احترام تام للدستور والقوانين، التي تكفل بدورها حرية الرأي والتعبير وعقد المؤتمرات والمطالبة بسلام، إن مع اسرائيل أو إيران أو أي دولة في العالم.

ثم أن الدولة العراقية، التي ترفع شعار الحياد الإقليمي عنوانا لسياستها وترفض أن تكون ساحة تصفية حسابات أميركية إيرانية، لا ضير أن وسّعت حيادها هذا ليشمل الصراع العربي الإسرائيلي، فالسلام والتجارة والعلاقات الجيدة مع كل دول الإقليم هي مصلحة خالصة، ولا سبب لاستثناء إسرائيل من دائرة الدول التي يسعى العراق إلى صداقتها.

من المحيّر كيف تنتقل الضحية إلى لعب دور الجلاد. رئيس العراق برهم صالح، الذي أدان المؤتمر، كان نفسه منفيا في زمن صدام بسبب رأيه. مقتدى الصدر، الذي قتل صدام والده محمد محمد صادق بسبب آرائه التي كان يدلي بها في خطب الجمعة، طلب من الدولة العراقية محاسبة واعتقال كل المشاركين في المؤتمر. ومثل صالح والصدر، انبرى معظم ضحايا صدام إلى الدعوة لمعاقبة عراقيين آخرين، فقط بسبب اختلافهم في الرأي.

لولا حرب أميركا التي أسقطت صدام، لكان برهم صالح لا يزال منفيا يستجدي مراكز الأبحاث إنقاذ العراقيين من مخالب صدام، ولكان رئيس الحكومة السابق نوري المالكي لا يزال بائعا للمسابح أمام مقام السيدة زينب في دمشق، ولكان رئيس الحكومة الحالي مصطفى الكاظمي لا يزال مرتميا في أحضان المعارضين العراقيين من أصدقاء إسرائيل، ومشاركا في العمل على توثيق جرائم البعث العراقي.

لولا أميركا لكان الصدر لا يزال شخصية تتفادى السياسة خوفا من غضب صدام، ولكان الصدر لا يزال يحمل لقبه "ملا أتاري"، نسبة إلى لعبته الإلكترونية المفضلة.

صدام مات وبقيت الصدامية منتشرة في العراق، وصارت الدعوة للسلام جريمة، وصارت الدعوة للحرب المفتوحة والميليشيات بطولة ووطنية.

الثلاثاء، 21 سبتمبر 2021

الشرق الأوسط الجديد 2.0

حسين عبدالحسين

مرّت الذكرى الثامنة والعشرين لاتفاقية أوسلو للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، في وقت سابق من الشهر الجاري، مرور الكرام، ولم يحتف بها أحد، بل أن وسائل إعلام الإسلام السياسي بفرعيه، الشيعي في إيران ولبنان، والسني في حماس غزة، شنت حملة تقذيع ضد الاتفاقية، معتبرة أنها لم تعود على الفلسطينيين بأي فوائد، بل أنها فاقمت من بؤسهم.

طبعا لا تذكر حماس أنها لم تعط السلام ولا فرصة واحدة، وأن عملياتها الانتحارية بدأت منذ اليوم الأول الذي جلس فيه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للتوصل لسلام.

الإسرائيليون رفضوا التفاوض مع عرفات ما لم يضبط عرفات حماس، فيما واصل عرفات بهلوانياته، فألقى بلائمة العنف على الإسرائيليين، على الأرجح لانعدام قدرته على ضبط الفلسطينيين.

على أن الولايات المتحدة، راعية النظام العالمي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، رمت بثقلها خلف السلام العربي الإسرائيلي، وصار للفلسطينيين مطارا دوليا في غزة، ومرفأ، ومنتجعا مع كازينو.

اعتقدت أميركا أن الديمقراطية تؤدي الى بحبوحة اقتصادية وأن الأخيرة تدفع إلى التعاون بين الشعوب بسبب المصالح المالية والتجارية المتبادلة، فتتقلص الحروب. ولخّص المعلّق في صحيفة "نيويورك تايمز" توماس فريدمان التفكير الأميركي يومذاك بالقول إن أي دولتين فيهما مطعم "ماكدونالدز" الأميركي لا تتحاربان.

وانضم الإسرائيليون إلى قافلة القائلين إن الديمقراطية مفتاح البحبوحة، وأن البحبوحة مفتاح السلام، وأصدر رئيس حكومة إسرائيل، رئيس الدولة فيما بعد، الراحل شمعون بيريز كتابا بعنوان "الشرق الأوسط الجديد". وتوسّعت فكرة نشر الديمقراطية كمفتاح للسلام والبحبوحة، فطالت روسيا ودول أوروبا الشرقية، واكتسحت أفغانستان والعراق فيما بعد.

لكن شعوب الدول التي كانت هدفا للديمقراطية الغربية لم تر قيمة لهذا المفهوم، وأجابت عراقية على سؤال حول شعورها بنهاية عهد صدام حسين والديمقراطية التي خلفته بالقول: "أين هي الديمقراطية؟ كهرباء ماكو (أي لا كهرباء). بنزين ماكو. فلوس ماكو".

ولاحظ الإسلام السياسي أنه يمكن للفقر وعدم الاستقرار أن يجهض مشروع نشر الديمقراطية، فراحت إيران والميليشيات التابعة لها في عموم المنطقة تنشر العنف، وتربط الديمقراطية بالغرب والفوضى، بالتزامن مع إرهاق أصاب الغرب، وخصوصا الأميركيين، من مشروع نشر الديمقراطية المتعثر. هكذا مات "الشرق الأوسط الجديد".

لكن الاستقرار والبحبوحة التي فشل رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري في نشرها في لبنان، ومثله فشل رئيس حكومة السلطة الفلسطينية سلام فيّاض في نشرها في الأراضي الفلسطينية، نجحت في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت قبلة الشعوب التي تغرق دولها في فوضى وفقر.

أظهر نجاح النموذج الإماراتي أن الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يسمو على الديمقراطية، خصوصا في الدول التي لم تتبن غالبية المواطنين فيها أفكار التنوير الأوروبي، فالديمقراطيات تموت في مجتمعات ما قبل الحداثة التي تنتشر فيها الثقافة الأبوية والقبلية، كما أن الديمقراطيات تموت في المجتمعات التي ينتشر فيها الإسلام السياسي.

أما لو حصل نمو اقتصادي وبحبوحة في المجتمعات المتأخرة عن الحداثة، مثل في الأراضي الفلسطينية، فيمكن أن يؤدي ذلك لانتشار الديمقراطية، أي على غرار تجربة كوريا الجنوبية، التي قادها الحكم العسكري إلى نمو اقتصادي أولا، وأعقب ذلك الانتقال إلى حكم ديمقراطي.

هذا التفكير هو السائد اليوم في الولايات المتحدة ولدى الحكومات المتحالفة معها، العربية منها وإسرائيل. وبموجب هذه السياسة، تعمل أميركا وحلفاؤها على تحقيق رخاء للفلسطينيين، بغض النظر عن وضع المفاوضات السياسية أو مصير الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها.

في ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، اعتقد صهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر أن تحقيق الرخاء للفلسطينيين يجب أن يكون ثمنه توقيع الفلسطينيين وثيقة إنهاء صراع والتخلي عن أي مطالب لهم.. "خطة كوشنر" هذه واجهت معارضة غير مسبوقة بين صفوف الفلسطينيين وبعض العرب.

خرج ترامب وكوشنر، ومعهما رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو، من الحكم، وخالف نفتالي بينيت نتانياهو.

وبينيت يميني يرفض قيام دولة فلسطينية، لكنه يفترق عن نتانياهو في اعتباره أن أفضل السبل للتعامل مع أزمة الفلسطينيين تقضي بتحسين مستوى معيشتهم، بغض النظر عن المفاوضات السياسية معهم.

نظرية التعاون العربي مع اسرائيل للنمو اقتصاديا أثبتت نجاحا باهرا مع توقيع اتفاقيات إبراهيم للسلام. في السنة الأولى التي تلت الاتفاقية بلغت التجارية الثنائية بين الإمارات واسرائيل 712 مليون دولار، فيما تبلغ التجارة بين مصر وإسرائيل، بعد 40 عاما من السلام بينهما، 267 مليونا فقط.

هذا التباين يبدو أنه دفع رئيس مصر عبدالفتاح السيسي، الذي جعل من نمو بلاده الاقتصادي أولى أولوياته، إلى استقبال رئيس حكومة إسرائيل علنا، في زيارة كانت الأولى من نوعها منذ 10 سنوات.

وتزامنت القمة المصرية الإسرائيلية مع إعلان الطيران المصري نيته تسيير رحلات علنية إلى مطار بن غوريون، وتلت اجتماعا لأكثر من 60 من رجال الاعمال من البلدين في مارس.

وفي سياق تحويل النمو الاقتصادي إلى أولوية، بما في ذلك للفلسطينيين، كتب في صحيفة "فاينانشال تايمز" وزيرا خارجية الإمارات عبدالله بن زايد، وإسرائيل يائير لابيد، مقالا مشتركا جاء فيه أن "اتفاقيات إبراهيم أكدت أنه حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل، فإن الظروف الأفضل للفلسطينيين هي مصلحة مشتركة لنا جميعا"، وأضافا: "يجب أن يساعد التطبيع (العربي الإسرائيلي) في تسهيل زيادة الاستثمار والتجارة والتبادلات بين الفلسطينيين والعالم العربي".

وعن تحسين ظروف الفلسطينيين، بغض النظر عن السياسة، كتب الإسرائيلي ميخا غودمان بالتفصيل في كتابه "عقدة 67" عن استحالة التوصل لاتفاقية ليست بين الإسرائيليين، من ناحية، والفلسطينيين، من ناحية ثانية، بل بين الإسرائيليين أنفسهم والفلسطينيين أنفسهم حول شكل التسوية المقبلة.

ولأنه لا توافق داخليا لدى الجانبين حول شكل السلام، ولا توافق بين الجانبين حول معظم النقاط العالقة، يعتقد غودمان، الذي يعمل اليوم مستشارا لدى بينيت، أن الحل الأفضل المتاح هو رفع مستوى معيشة الفلسطينيين إلى أقصى حد ممكن، وهي السياسة التي يبدو أن إسرائيل وبعض الدول العربية عاكفة على تنفيذها.

هذا هو "الشرق الأوسط الجديد 2.0" المنشود: يتجاهل السياسة والخلافات التاريخية، ويستبدلها بسياسات فورية لتحسين حياة الفلسطينيين وباقي العرب، فتبنّي الحداثة والديمقراطية في دنيا العرب قد يكون أيسر مع بطون مليئة منه في مواجهة أفواه جائعة.

Since December 2008