السبت، 29 يوليو، 2017

دفاعا عن قطر والسعودية والموضوعية

حسين عبدالحسين

في مطلع نشراتها الاخبارية الاسبوع الماضي، قامت فضائية عربية ببث خبر عن ندوة عقدها احد مراكز الابحاث الاميركية اليمينية للحديث عن الأزمة الخليجية. خلصت الندوة، حسب التقرير الاخباري، الى ان قطر تدعم الارهاب، وان عليها التخلي عن الازدواجية في سياستها الخارجية.

لم يكن أي من المتحدثين في الندوة من المسؤولين الحاليين أو السابقين في الحكومة الاميركية، وهو ما يقلل من القيمة الخبرية للفعالية. كان المتحدثون ثلاثة. باحثة سعودية تعمل في جمعية سعودية في واشنطن، وباحث سعودي يعمل في برنامج تموله دولة الامارات في مركز ابحاث أميركي. أما المتحدث الثالث، فأميركي من مركز الابحاث المضيف، وهو سبق أن عمل مقاتلاً في العراق.

المشكلة تكمن في أمرين: الأول، محاولة الفضائية العربية المذكورة تحويل ندوة لا تكتسب اهمية كبيرة في واشنطن الى خبر تصدر نشرات أخبارها. والثاني، لا مهنية مركز الابحاث المذكور الذي عقد ندوة حول الخلاف بين السعودية والامارات، من جهة، وقطر من جهة ثانية، من دون أن يدعو الى المناظرة من يمكنه تقديم وجهة النظر القطرية، أو على الأقل متخصص يمكنه تقديم رأي محايد.

هكذا، تحولت فعالية مركز الابحاث الى حفلة ردح ضد قطر، وتلقفت الفضائية العربية المناسبة، وحولتها إلى الخبر الاول في نشراتها الاخبارية، لتعطي انطباعاً مفاده أن النقاش في واشنطن يشتعل ضد الدوحة وسياساتها، فيما الواقع هو ان الندوة، والمتحدثين، والتغطية الاعلامية، كلها عبارة عن عملية متناسقة هدفها تقديم صورة مغايرة للواقع الاميركي، الذي يسوده مزاج يتراوح بين الحياد وعدم الاهتمام بأزمة الخليج.

مطلع العام الماضي، يوم اعدمت الرياض مجموعة سعوديين كان منهم رجل دين، وثارت ايران اعتراضاً، عقد مركز ابحاث يتلقى تمويله بالكامل من دولة الامارات ندوة عن الموضوع. تلقيت دعوة، فراسلت المسؤول عن تنظيم اللقاء، وهو صديق عزيز من الفلسطينيين الاميركيين، واعترضت أن كل المتحدثين الثلاثة كانوا من المعروفين بعدائهم للسعودية، وإن المناظرة ستكون منحازة لمصلحة طهران ضد الرياض، وأن عليه اضافة متحدث ممن يقدمون وجهة نظر مخالفة بهدف التوازن. أجابني الصديق أنه هو الذي سيدير المناظرة، ما يعني انه لن يسمح لها بالانحياز، ودعاني للحضور للتأكد من ذلك، ففعلت.

تحولت المناظرة الى حفلة قاربت الشتائم بحق السعودية. الباحثة التي تزور ايران بانتظام ومعروفة بقربها من اللوبي الايراني في واشنطن، أسهبت في المقارنة بين الحضارة الايرانية العريقة وحضارة العرب البدوية الصحراوية البربرية. باحث آخر، وهو من زوار الرياض، قال إن السعودية تخشى الاتفاقية النووية مع ايران لانها تخشى عودة ايران الى المنظومة الدولية وتهديد زعامة الرياض للاقليم. 

في فترة الاسئلة، طلبت السؤال الاول، وقفت وحملت المايكروفون، وقلت إن الندوة منحازة، وإنه كان الاجدر بالمنظمين إضافة باحث يقدم وجهة نظر الرياض. ثم تابعت ان السعودية كانت تتمتع بصداقة متينة مع ايران في زمن الشاه ولا تخشى زعامة طهران، وان مشكلة الرياض ان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وعدها بأن الجمهورية الاسلامية في ايران ستتحول من ثورة الى دولة، لكن ذلك لم يحصل. وختمت بالرد على احدى المقولات التي اتهمت الرياض باصرارها على الاعدام على الرغم من علمها ان خطوتها ستثير غضب الايرانيين، وقلت إنه -على الرغم من معارضتي للاعدام ككل- كان تراجع السعوديين أمام أي اعتراض ايراني سينتقص من سيادة السعودية، وسيفتح الباب لايران لفرض املاءات اخرى مستقبلا عليها، تحت طائلة غضب ايراني جديد.

في الفعاليتين، في ندوة الاسبوع الماضي ضد قطر وفي ندوة العام الماضي ضد السعودية، وقع ظلم غير مبرر وانحياز غير مقبول. في الحالتين، ليس مبرراً تحويل المنابر الفكرية الى جبهات وحملات دعائية، والمطلوب الموضوعية والدفاع عن الغائب، ولو اختلفت آراؤنا مع من ندافع عنهم، مثل في حالة معارضتنا لمبدأ الاعدام.

الوقوف في صف العدل، وقول ما يمليه الضمير، ورفض الاستغابة، والاصرار على الدفاع عن الغائب، كلها مبادئ في صميم العمل العام الشفاف والصادق، ولا سبب للتخلي عن هذه المبادئ، خصوصاً بين الصحافيين والباحثين. أما تخلي بعض هؤلاء عن موضوعيتهم، فيعني حكما الانتقاص من مصداقيتهم، وتحويل أنفسهم إلى أدوات دعائية لا أكثر.

العتيبة: الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين تريد رؤية حكومات علمانية في الشرق الأوسط

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

عشية الاجتماع التشاوري بين وزراء خارجية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر، المقرر عقده في المنامة اليوم وغداً، لبحث تطورات الموقف من العلاقات مع قطر، أعربت واشنطن عن قلقها لوصول الأزمة مرحلة الجمود، لكنها أكدت في المقابل، «دعمها لجهود سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للتوسط في حل الأزمة ونتقدم لسموه بالشكر على هذا الدور».

وفي موقف لافت، قال سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، إن رؤية قطر لمستقبل الشرق الأوسط تختلف في شكل كبير عما تريده الدول المقاطعة، مؤكداً أن الإجراءات التي اتُخذت ضد الدوحة ليست وليدة اللحظة. وأضاف السفير العتيبة، في برنامج حواري على قناة «بي بي إس» الأميركية: «إن سألت الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين ما هو الشرق الأوسط الذي يريدون رؤيته بعد 10 سنوات من الآن، فسيكون متعارضاً في الأساس لما أعتقد أن قطر تريد رؤيته بعد 10 سنوات من الآن. ما نريد أن نراه هو حكومات علمانية مستقرة مزدهرة وقوية».

وسئلت الناطقة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت في لقاء اعلامي مساء أول من أمس عن تفاصيل اللقاء بين وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ونظيره القطري محمد بن عبدالرحمن، فأجابت: «في بعض الأحيان لا نقدم تفاصيل عما يدور في الاجتماعات لأنها محادثات ديبلوماسية خاصة وحساسة».

وأضافت أن الوزيرين «تحدثا كثيرا عن الوضع كما يتكشف هناك. نعتقد الآن أن النزاع متوقف. لقد مررنا بفترات قلنا فيه إنه وصل لطريق مسدود في مرحلة ما ثم كان هناك بعض التحرك، والآن يبدو في حالة جمود وهذا يشعرنا بالقلق».

وتابعت: «نحن نحض على إجراء محادثات مباشرة بين جميع الأطراف لأننا نعتقد أنه من أجل حل الموقف، وهو يحتاج بالفعل إلى حل، عليهم أن يجلسوا معا لإجراء حوار مباشر. ونحن مستعدون للمساعدة وندعم جهود وساطة أمير الكويت ونأمل أن تجتمع هذه الدول لبدء محادثات».

ورأى مدير مكتب الاتصال الحكومي في قطر الشيخ سيف بن أحمد آل ثاني، أن السعودية والدول المتحالفة معها تسعى عبر الأزمة القائمة مع الدوحة إلى التحكم بقراراتها في ما يتعلق بسياساتها الخارجية «وهو ما لن نقبله على الإطلاق».

وفي القاهرة، أكدت الخارجية المصرية، أن اجتماع المنامة يعقد تنفيذاً للاتفاق الذي تم التوصل إليه بين رؤساء ديبلوماسية الرباعي العربي خلال لقائهم في القاهرة في 5 يوليو الجاري، بأن يعقدوا اجتماعهم التشاوري اللاحق في البحرين في نهاية يوليو.

وأضافت أن هذه الاجتماعات تعكس «اهتمام الدول الأربع بتنسيق مواقفها وتأكيد مطالبها من قطر وتقييم مستجدات الوضع ومدى التزام الدوحة بالتوقف عن دعم الإرهاب والتدخل السلبي في الشؤون الداخلية للدول المقاطعة».

الجمعة، 28 يوليو، 2017

دراسة أميركية تشيد بسمو الأمير: باني الكويت بعد الغزو وصانع ديبلوماسيتها

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أشادت دراسة أميركية بسمو الأمير الشيخ صباح الاحمد، لجهود الوساطة الخليجية التي يقوم بها، ووصفته على أنه واحد من حكماء منطقة الشرق الاوسط، وانه صاحب خبرة طويلة. وقالت ان الولايات المتحدة ادركت دور الكويت، ولذلك اتخذ منها وزير الخارجية ريكس تيلرسون مركزه اثناء قيامه بجهود ديبلوماسية بين العواصم المتخاصمة.

وفي مطالعة اعدتها الباحثة في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الادنى» لوري بوغاردت، قالت ان سمو الأمير أمضى عقودا في العمل الديبلوماسي والوساطات، التي كانت آخرها بين الاطراف الخليجية نفسها في العام 2014. واضافت ان سموه ساهم في بناء الكويت بصورتها الحالية بعد التحرير من الاحتلال العراقي في العام 1991.

وقالت بوغاردت ان الاجتياح العراقي، الذي تصادف ذكراه السابعة والعشرون في الثاني من الشهر المقبل، استغرق يومين لاتمامه، واستمر سبعة اشهر، نهب اثناءها الجنود العراقيون الكويت، وأحرقوا 700 بئر نفطية فيها قبل رحيلهم.

واعتبرت بوغاردت ان الاجتياح العراقي للكويت ساهم في تشكيل الوعي الوطني لدى الكويتيين، وان تلك التجربة ساهمت في صناعة السياسة الكويتية في المنطقة، بعدما ادرك الكويتيون خطورة العيش كدولة صغيرة غنية بالموارد، بين جيران كبار، في منطقة تعاني من اهتزازات متواصلة.

هذه التجربة، وفقا للدراسة، هي التي صقلت المقاربة الكويتية تجاه الأزمة الخليجية المندلعة بين السعودية والامارات والبحرين ومعها مصر، من جهة، وقطر من جهة اخرى، وهي مقاربة بادرت بموجبها الكويت بوساطة ولكن بحذر.

وأضافت بوغاردت ان الكويت تتمسك بسياسة حيادية تجعلها في منأى عن ردات فعل محتملة لدى جيرانها، لكن بوغاردت تابعت ان النظام السياسي في الكويت، والذي يتمتع بحرية اعلامية وسياسية وبرلمانية لا مثيل لها في المنطقة، قد يؤدي الى ضغوطات خارجية ممن لا يؤيدون نظاما سياسيا حرا على هذا الشكل.

وتنقل بوغاردت عن الباحث في «معهد الراي للدراسات الاستراتيجية» الزميل عبدالله الحنيني قوله، ان الوساطة الكويتية شهدت التفافا شعبيا حول هذا الدور الكويتي في الخليج، وان الاحداث في المنطقة جعلت الكويتيين يشعرون بالمزيد من الفخر، بأن دستورهم يكفل لهم حرية التعبير، بما في ذلك تأييد أي وجهة نظر خارجية، من دون الخوف من ردود فعل أو ملاحقات من السلطات.

الخميس، 27 يوليو، 2017

ما هي سياسة لبنان الخارجية؟

حسين عبدالحسين

يروي اصدقاء يعملون في الكونغرس، انه في احدى الجلسات التي تطرق فيها الاعضاء الى موضوع الدعم المالي الاميركي للجيش اللبناني، حاول مشرعون من “اصدقاء لبنان” الاشارة الى اهمية دعم هذا الجيش لأنه يعزز استقلالية دولة لبنان في وجه اي ميليشيات قد تحاول تقويض سيادتها، فرد عليه زميل من المشرعين بالقول: “اذا كانت السعودية سحبت هبتها المالية للجيش اللبناني لأنها تعتقد ان هذا الجيش بأيدي ايران، فلماذا نستمر نحن بدعمه؟” 

الدعم المالي الاميركي للجيش اللبناني شحيح اصلا، ويأتي على شكل معدات عسكرية قديمة، بسبب خوف واشنطن من امكانية استيلاء “حزب الله” على اي معدات عسكرية حديثة قد تزودها اميركا لبيروت. مع ذلك، خصص رئيس الحكومة سعد الحريري حيزاً لا بأس به من زيارته لاقناع المسؤولين في واشنطن بالابقاء على الدعم الاميركي شبه الرمزي لجيش لبنان. 

الجزء الآخر من زيارة الحريري واشنطن تم تخصيصه لاقناع واشنطن بابعاد الكأس المرة عن القطاع المصرفي اللبناني وتجنيبه اي عقوبات مقررة على “حزب الله”. وفي هذا السياق، شارك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الوفد اللبناني في واشنطن. لكن هذا التخوف اللبناني ليس مبرراً، فالولايات المتحدة يندر ان فرضت عقوبات شاملة، بل هي دائما حريصة على استهداف اشخاص او كيانات مرتبطة مباشرة بحكومة ايران. 

ويسود الاعتقاد في واشنطن ان طهران اعتمدت بشكل رئيسي للافلات من العقوبات التي كانت مفروضة عليها، لا على بيروت ومصارفها، بل على بغداد، التي ما يزال مصرفها المركزي يبيع النقد الاميركي في مزادات يشارك فيها مصرفيون ايرانيون وسوريون، الى حد دفع واشنطن لتهديد بغداد بالتوقف عن تزويدها بالنقد الاميركي، وهو ما يهدد استقرار الدينار، خصوصا بعد تراجع الاحتياطي الاجنبي في العراق من قرابة 80 مليار دولار الى حوالي 30 مليارا فقط.

مع رمزية موضوع دعم اميركا لجيش لبنان، ومع هامشية دور مصارف لبنان في مساعدة ايران و”حزب الله” على التملص من العقوبات الدولية والاميركية، لا يبقى في جعبة الحريري في زيارته الى الرئيس الاميركي دونالد ترامب الكثير، وهو ما حدا بالبعض الى التندر ان ترامب لا يعرف ما هو “حزب الله”، وانه قال عن طريق الخطأ ان حكومة لبنان في الخط الاول في مكافحة “حزب الله”.

لم يخطئ ترامب، بل قال ما قاله عن قصد، فزيارة الحريري مصممة لهذه الغاية، على الرغم من التناقض الرهيب بين تصريح ترامب وواقع ان الحريري هو رئيس حكومة “الشعب والجيش والمقاومة”، التي يشارك فيها “حزب الله” وحلفاؤه. 

وان كان ترامب إستفاد من تظاهره انه والحريري يحاربان “ارهاب حزب الله”، فان الحريري لم يجن غير الصورة مع فريقه في غرفة “روزفلت” التي تعقد فيها الحكومة الاميركية اجتماعاتها. لكن حتى هذه الصورة، التي جمعت الحريري وفريقه بترامب وصهره جارد كوشنر، لا تبدو مقنعة، فترامب مهتز، وكوشنر امام تحقيقات، وامضى الرئيس الاميركي جزءاً كبيرا من مؤتمره الصحافي مع الحريري يصفي حسابات داخلية مع وزرائه واركان الدولة الآخرين.

بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، أطل امين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله مرارا ليقدم رؤيته للبنان ما بعد الحريري، وتوجه الى “14 آذار” بالقول، انتم خذوا الانماء والاعمار ونحن نتولى المقاومة، اي السياسة الخارجية والشؤون الامنية. لم يتراجع الحريري وحلفاؤه الا بعد خراب البصرة، وفي التراجع الاول، اطاح الحزب بالحريري باستخدام الثلث المعطل، وكان ذلك في آخر زيارة للحريري الى واشنطن رئيسا للحكومة للقاء الرئيس السابق باراك أوباما.

هذه المرة، يبدو ان الكل يعرف دوره. يقول ترامب انه والحريري يحاربان “حزب الله” الارهابي. يتصرف الحريري وكأن الأمر لا يعنيه، وكذلك يفعل “حزب الله” الذي لا يكترث لترامب او لصغائر الأمور. سياسة لبنان الخارجية هي مقاومة الاستكبار العالمي. اما زيارة الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل الى واشنطن، فهي لا تمت الى سياسة لبنان الخارجية بصلة، بل هي في صميم سياسات لبنان الداخلية.

واشنطن تدرس نزع الجنسية الأميركية عن السفير اللبناني الجديد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

علمت «الراي» من أوساط رفيعة في الإدارة الأميركية أنها تدرس إمكانية نزع الجنسية الأميركية عن السفير اللبناني المعين في واشنطن غابريال عيسى، عملاً بأحكام القانون الأميركي الذي يحظر قيام مواطنين أميركيين بشغل مناصب حكومية لدى بلدان أخرى، خصوصاً في السلك الديبلوماسي أو الوكالات الأمنية.

وأكدت المصادر أن لا استثناء في قانون الجنسية الأميركي، حتى لأقرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل إسرائيل، التي اضطر آخر سفيرين لها في واشنطن، مايكل أورن ورون ديرمر، إلى التخلي عن جنسيتيهما الأميركية يوم شغلا منصب سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، علماً أن أورون وديرمر أميركيا الجنسية بالولادة، الأول ولد في ولاية نيويورك، والثاني في ولاية فلوريدا.

أما السفير اللبناني في واشنطن المعين حديثاً غابريال عيسى فهو من المهاجرين اللبنانيين إلى الولايات المتحدة، ويسكن في ولاية ميتشيغن في الوسط الشمالي، وهو من أصدقاء ومناصري رئيس لبنان ميشال عون منذ زمن بعيد، كما أنه عضو منتسب في «الحزب العوني» المعروف بـ «التيار الوطني الحر»، وسبق أن ساهم في تنظيم صفوف «التيار» في أميركا ولبنان، وفي تنظيم حملات تبرعات بين المغتربين لدعم «التيار».

ولا يتعارض النشاط السياسي لأي مواطن أميركي في دول أخرى، طالما أن الأميركي لا ينخرط في مهام رسمية حكومية. أما إن تقاضى الأميركي أموالاً من حكومات أخرى، فيفرض القانون عليه تسجيل المبالغ التي تقاضاها في بيانات يقدمها بصفته «عميل دولة أجنبية»، تماماً كما أجبر القانون مايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق لدى الرئيس دونالد ترامب أن يصرّح عن الأموال التي تقاضاها من روسيا بصفته «عميلاً أجنبياً»، تحت طائلة الملاحقة القانونية في حال عدم تصريحه عنها.

ويسمح القانون الأميركي للمواطنين حيازة أكثر من جنسية، إلى جانب الأميركية، شرط أن تكون الجنسيات الأخرى إما سابقة للأميركية، أي قبل حيازة المواطن جنسيته الأميركية، وإما مكتسبة بالوراثة عن طريق الأهل، وهو ما يسمح ليهود الولايات المتحدة أن يحصلوا على جنسيات إسرائيلية من دون التخلي عن الأميركية، على اعتبار أن كل اليهود أصلاً من اسرائيل.

أما أسباب خسارة الأميركي جنسيته فتتضمن قيامه بالحصول على جنسية بعد الأميركية، عن طريق التوطين في بلد أجنبي أو عن طريق الزواج من غير أميركية. كذلك، تتضمن أسباب نزع الجنسية الأميركية عن المواطنين قيام أي مواطن بالعمل لدى حكومة دولة أخرى كموظف، مثلاً سفير أو ضابط في الجيش أو الاستخبارات.

وتبرر السلطات الأميركية نزعها الجنسية عن مواطنيها ممن يعملون في السلك الديبلوماسي أو في القوى الأمنية لدى حكومات أخرى بأن كل مواطن أميركي يقسم يمين الولاء للولايات المتحدة، وأن العمل لدى حكومات أخرى يعني أن الأميركي سيقسم الولاء لدولة اجنبية، وهو ما يتنافى مع أميركيته.

الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

أوساط تيلرسون تنفي نيته الاستقالة

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

نفت أوساط وزير الخارجية الأميركي ريكس تيرلسون ما تردد عن نيته الاستقالة من منصبه، مؤكدة أن الأنباء التي تناقلتها بعض وسائل الاعلام الاميركية لا أساس لها من الصحة، وأن «الوزير مستمر في عمله»، و«سيقوم بأي أدوار يطلبها منه الرئيس (دونالد) ترامب أو تلك التي يقتضيها واجبه الوطني».

وبعد يوم كامل بثت خلاله شبكات أميركية تقارير نقلت عن مقربين من تيلرسون نيته الاستقالة، عادت الشبكات نفسها وبثت تقاير اضافية أوضحت فيها انه ربما كان الوزير «يفش خلقه» (يُنفّس عن غضبه) أمام أصدقاء له، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نيته الخروج من الحكومة.

وجاءت الأنباء عن استقالة تيلرسون في أحلك الظروف التي تعيشها إدارة ترامب، خصوصاً في ضوء استقالة الناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر، ووسط الهجوم الذي يشنه ترامب ضد وزير العدل جف سيشنز، على خلفية تنحي الأخير عن ملف التحقيقات في موضوع تورط أفراد من حملة ترامب الرئاسية مع مسؤولين روس.

ويعتقد المراقبون أن ترامب يحاول دفع وزير العدل إلى الاستقالة حتى يعين بديلاً يقوم بالإمساك بتحقيقات روسيا وتعطيلها، وربما طرد المحقق الخاص مدير مكتب التحقيقات الفيديرالية (اف بي آي) السابق روبرت مولر، الذي عينه وكيل الوزراة رود روزنستين ويشرف على عمله. وعلى الرغم ان ترامب هو من عين روزنستين، لكن يبدو أنه غاضب عليه كذلك، ويرغب في تعيين وزير عدل بديل ينتزع من روزنستين التحقيقات في موضوع تورط ترامب وعائلته مع روسيا.

وسرّب في هذا السياق فريق ترامب أن الرئيس ينوي طرد وزير العدل واستبداله بعمدة مدينة نيويورك السابق وصديق الحملة الرئاسية رودي جولياني، الا ان الأخير نسف التكهنات بوقوفه الى جانب سيشنز، وقوله ان الاخير أصاب عندما نأى بنفسه عن التحقيقات في موضوع روسيا، إذ إن هناك تضارباً واضحاً في المصالح، فسيشنز نفسه كان من أركان الحملة، وقد تطوله التحقيقات، لذا من المفضل ابتعاده عن إدارتها.

ومع أنباء نية تيلرسون الرحيل، وبعد استقالة سبايسر، ومع تكرار ترامب نيته طرد سيشنز، ومع تخلي جولياني عن إدارة ترامب ووقوفه الى جانب سيشنز، تبدو الإدارة مهتزة بالكامل، ويترافق ذلك مع هبوط حاد في ارقام استطلاعات الرأي، التي تشير الى ان تأييد ترامب يكاد يقارب 30 في المئة فقط، وهو الادنى بالنسبة لرئيس في الأشهر الستة الاولى من ولايته.

ولا يساعد ترامب إمعانه في تغريداته، التي كتب في آخرها ان واشنطن ليست مستنقعا ينبغي تجفيفه، بل هي حفرة صرف صحي، وهو ما استدعى رداً من كبير أعضاء لجنة الاستخبارات في الكونغرس الديموقراطي آدم شيف الذي توجه إلى الرئيس الجمهوري بالقول: «ارتقِ حضرة الرئيس، وقدِّم خطاباً يليق بمقام الرئاسة».

الأحد، 23 يوليو، 2017

تباين حول النمو الاقتصادي بين فريق ترامب وخبراء أميركيين

واشنطن - حسين عبدالحسين

لم تنجح بعض الواقعية المستجدة، التي اتسم بها أخيراً الفريق الاقتصادي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إقناع غالبية الخبراء والاقتصاديين الأميركيين بأن خطة ترامب قادرة على دفع النمو إلى معدل ٣ في المئة سنوياً.

وكان ترامب وعد أثناء حملته الانتخابية، بدفع النمو إلى معدل ٤ في المئة سنوياً، النسبة التي لم تشهدها البلاد منذ ستينات القرن الماضي.

وترتبط أهمية تقديم نسبة واقعية للنمو بالطروح الاقتصادية الأخرى لترامب، فاعتبار أن النمو سيسجل ٣ في المئة سنوياً يسمح للفريق الرئاسي بتنفيذ اقتطاعات ضريبية واسعة، من دون التزام خفضات في الإنفاق، ومن دون أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع في العجز السنوي للموازنة.

وفي الوقت ذاته، تفرض معدلات نمو أدنى ضرائب أعلى وإنفاقاً أقل، ضمن سياسة السعي إلى تقليص العجز، وربما تحقيق فائض، وهو وعد آخر من وعود ترامب الاقتصادية.

ووفقاً لحسابات ترامب، المبنية على اعتبار أن الاقتصاد الأميركي سيحقق معدلات نمو نسبتها ٣ في المئة سنوياً، سيتقلص عجز الموازنة الفيديرالية من ٦٠٣ بلايين دولار سنوياً في شكل تدريجي، حتى ينقلب إلى فائض مقداره ١٦ بليون دولار بحلول عام ٢٠٢٧. ووفقاً للحسابات ذاتها، يتوقع فريق ترامب أن يتوسع حجم الاقتصاد الأميركي من نحو ٢٠ تريليون دولار حالياً، إلى ٣٠ تريليوناً عام ٢٠٢٧.

ولكن مكتب موازنة الكونغرس، وهو هيئة مستقلة يرأسها اقتصادي معروف بتأييده الطروح الاقتصادية التي يتبناها حزب ترامب الجمهوري، نسف التوقعات الرئاسية عن بكرة أبيها، واعتبر أن نمو الناتج المحلي السنوي سيحافظ على نسبته الحالية البالغة 1.8 في المئة سنوياً.

ويعني ذلك، وفقاً لحسابات المكتب المذكور، أن من المتوقع تقلص العجز السنوي للموازنة من ٦٠٣ بلايين دولار سنوياً إلى ٧٢ بليوناً، أي أن الخزينة ستراكم عجزاً قيمته ٧٢٠ بليون دولار خلال 10 سنوات، من دون أن تنجح في تحقيق توازن أو فائض، وفقاً لوعود ترامب.

وينعكس خفض نسبة النمو المتوقعة على واردات الخزينة الفيديرالية، فتنخفض 3.4 تريليون دولار خلال العقد المقبل، عن الواردات المتوقعة وفق موازنة فريق ترامب، الذي توقع أن تحقق الحكومة الفيديرالية عائدات ضريبية قيمتها 6.9 تريليون دولار.

وواضح أن خفض نسبة النمو المتوقعة يعني أن مكتب الموازنة يتوقع أن يبلغ حجم الناتج المحلي الأميركي نحو ٢٨ تريليون دولار بحلول عام ٢٠٢٧، أي أقل بنحو ٣ تريليونات دولار عن توقعات الفريق الرئاسي.

ولم تعجب توقعات مكتب الموازنة البيت الأبيض، فانبرى خبراء الرئيس الاقتصاديون للردّ على الردّ، وقالوا إن المكتب كان توقع إقبالاً كبيراً على انخراط الأميركيين في «قانون الرعاية الصحية» المعروف بـ «أوباما كير»، إلا أن تلك التوقعات خابت. وقدم خبراء الرئيس خطأ توقعات المكتب للدلالة على أن توقعاته لا تصيب دائماً.

ولكن بعيداً من السجال بين البيت الأبيض ومكتب الموازنة، وفي سياق مشابه، عقد «معهد بيترسون» للبحوث الاقتصادية ندوة شارك فيها عدد من الخبراء والمعنيين، حيث سجل شبه إجماع على أن الاقتصاد العالمي اجتاز الأزمة العالمية التي اندلعت عام ٢٠٠٨، وأنه ماض في النمو.

وتوقع الخبراء نمواً ملحوظاً في الهند يتجاوز 7.5 في المئة العام المقبل، وفي منطقة الاتحاد الأوروبي بمعدل 1.8 في المئة.

ولكن الخبراء أنفسهم توقعوا أن تعاني الصين من بعض الاهتزاز الذي يؤدي إلى تراجع النمو إلى 6.2 في المئة العام المقبل، وهو توقع قد لا يصيب، خصوصاً في ضوء تحقيق بكين نسب نمو تقارب ٧ في المئة خلال العام، ما يتوافق مع الأهداف التي سبق أن حددتها الحكومة الصينية.

وفي الولايات المتحدة، لم يتوقع الخبراء نمواً يصل إلى ٣ في المئة سنوياً كما يزعم فريق ترامب الاقتصادي، بل توقعوا أن يصل إلى 2.2 في المئة العام المقبل، وهي نسبة أعلى قليلاً من المعدل السنوي للعقدين الماضيين، وأعلى في شكل طفيف مقارنة بتوقعات مكتب الموازنة.

ومع الأخذ في الاعتبار نسبة النمو التي قدمها «معهد بيترسون» عن الاقتصاد الأميركي وسائر التوقعات الاقتصادية للعقد المقبل، يصبح من المتعذر أن تحقق الموازنة الفيديرالية عائدات ضريبية أو فائضاً سنوياً كالذي يتمسك به فريق ترامب، ما يشي بأن دراسات الفريق الرئاسي تتأثر أكثر بالواقع السياسي والوعود الانتخابية التي قدمها ترامب إلى مؤيديه، منها بالوقائع الاقتصادية أو إجماع الخبراء.

دفاعا عن الاصول لا عن “الاخوان”

حسين عبدالحسين

على مدى العقد الماضي، وفي اكثر من الف مقالة كتبتها، تمسكت بالتسمية الاكثر قانونية لاسماء الرؤساء والشخصيات، فلم استخدم تسميات راجت، مثل الرئيس المقبور او بشار الكيماوي، بل التزمت تسميات الرئيس العراقي السابق صدام حسين، واستبدلتها في ما بعد بالرئيس الراحل، ومازالت حتى اليوم اتمسك بكتابة الرئيس السوري بشار الأسد.

وسبب تمسكي بالتسمية القانونية ليس مصدره اعجابي او تقديري لأي من الشخصيتين، بل لمصداقية الكتابة، وهذا في اساس مدارس الصحافة.

في الايام القليلة الماضية، بثت فضائية عربية تقريرا يتهم قطر بالارهاب، ورد فيه ان الدوحة تأوي 12 تنظيماً و59 فردا ارهابيا. هذا الاستخفاف المهني يطعن في مصداقية التقرير والفضائية. من اسبغ صفة الارهاب على هذه التنظيمات والافراد؟

الارهاب، بتعريفه، هو عنف عابر للحدود تمارسه منظمات غير حكومية. على هذا الاساس، تدرج الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة تنظيمات وافراد على لوائحها للارهاب. ولا يقيم اي من التنظيمات او الافراد المدرجين على هذه اللوائح في قطر، باستثناء حفنة قياديين منفيين في الدوحة بطلب من واشنطن.

من يتهمون قطر لا تهمهم الدقة القانونية، بل يقفزون للقول ان “الاخوان المسلمين” تنظيم ارهابي، ويطلبون من الدوحة حظره وترحيل قياداته، ويستدلون احيانا على عنف التنظيم بالاشارة الى شعاره المستوحى من الآية القرآنية “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، او يدللون على بيانات تصدرها قيادة التنظيم يعتبرونها “اسلامية” او “عدوانية”.

لكن رمي تهمة الارهاب على فرد او مجموعة هي عملية لا تبنى على الشعارات او الكلام العاطفي. اما ان يكون “الاخوان المسلمون” متورطين في دعم وتمويل اعمال عنفية، او لا يمكن ادراجهم على اي لائحة ارهابية. والغالب ان لا ارتباط للاخوان بعمليات عنف، وهو ما ابقاهم خارج لوائح الارهاب في الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. حتى جامعة الدول العربية لا تعتبر الاخوان تنظيما ارهابيا.

هذا ما يجعل مساواة استضافة قطر لقادة في تنظيم “الاخوان المسلمين” مع ايواء او دعم الارهاب اتهاما سياسيا من دون اسس قانونية، فان كان “الاخوان” تنظيما ارهابيا فعلا، لكان المطلوب حظره في الدول العربية الاخرى، واخراج قادته من برلمانات لبنان والكويت والعراق وتونس وغيرها، اذ من غير الممكن حظر التنظيم واعتباره ارهابيا في دول، والسماح لبعض قادته المشاركة في برلمانات دول اخرى.

الاتهام السياسي لقطر بـ “ايواء تنظيم الاخوان المسلمين الارهابي”، دفع الدوحة الى الطلب لمتهميها بالتوصل الى اتفاق حول تعريف الارهاب وتحديد اسسه القانونية، لا رمي اسماء تعتقدها هذه الحكومة او تلك ارهابية، في خطوة لا تلقى اي اجماع اقليمي او غربي او اممي.

ربما يعتقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ان “الاخوان المسلمين” اصبحوا تنظيما ارهابيا، وهم لم يكونوا كذلك برأيه يوم وقف امام سلفه محمد مرسي واقسم اليمين الدستورية وزيرا للدفاع. ويمكن للسيد السيسي ان ينقلب في رأيه حول “الاخوان” بحسب مصالحه السياسية داخل مصر، لكن لا يمكن للرئيس المصري ان يقلب العالم حسب تقلباته، فهو لم يسأل العالم رأيه يوم دخل في حكومة الاخوان في مصر، ولم يسأل العالم يوم انقلب على الاخوان، وكما يصرّ السيد السيسي على حقه السيادي في حرية تعاطيه مع هذا التنظيم، لا بد له من احترام الحقوق السيادية لحكومات العالم في كيفية التعامل مع التنظيم ايضا، طالما انه ليس مدرجا على اي من اللوائح العالمية للارهاب.

الليبراليون، مثل كاتب هذه السطور، لم يوافقوا الاخوان (او المرجع الشيعي العراقي على السيستاني) الرأي ان الغالبية الشعبية او البرلمانية تكفي لتغيير طبيعة الدولة او نظامها، فالديموقراطية تسمح للغالبية بتحديد سياسات الحكومات ورسمها لمدة معلومة، قبل ان يعود الشعب لاختيار حكومته مجددا، وربما في الدورات المقبلة يخسر الاسلاميون الحكم ويحل في مكانهم قوى اخرى، ليبرالية او يمينية او غير ذلك. ثم ان الوصول الى الحكم عن طريق الديموقراطية، ثم تعديل اصولها، هو أمر معقد وحتى متعذر، فالدساتير — في تعديلاتها — تحتاج الى اكثريات ساحقة في البرلمان وفي الاستفتاءات الشعبية.

على ان الاختلاف مع “الاخوان المسلمين” في السياسة وفي صناديق الاقتراع شيء، واتهامهم بالارهاب ومحاولة الغائهم شيء آخر، فالسياسة تولّد سياسة، اما الالغاء فيولّد الغاءً مضاداً ودماءً وعنفاً.

ذعرٌ واستقالات... في البيت الأبيض

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تتسارع الأحداث في العاصمة الاميركية، حيث تتصاعد الشبهات بتورط الرئيس دونالد ترامب مع «المافيا» الروسية، ويدب الذعر في البيت الأبيض من التحقيقات التي تجري في موضوع التواطؤ مع مسؤولين روس.

ويبدو أن الفريق الرئاسي بدأ يتداعى أمام ضغط التحقيقات، فاستقال ثلاثة من العاملين فيه خلال أقل من 24 ساعة، كان أبرزهم الناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر، ورئيس فريق محامي الرئيس والناطق باسم فريق المحامين المولج بالدفاع عن الرئيس في وجه هذه التحقيقات، فيما تواترت التقارير عن تواري مستشار الرئيس للشؤون الاستراتيجية المتطرف ستيفن بانون، الذي كان كثيرون يعتبرونه الأكثر نفوذاً لدى ترامب، ليتضح أنه يغيب هذه الايام عن التطورات في فترة تبدو عصيبة على الرئيس ومجموعته.

واستقال سبايسر الذي كان يطمح لتولي منصب مدير الإعلام في البيت الأبيض، بعد تعيين أنطوني سكاراموتشي، الآتي من «وول ستريت»، في المنصب، فيما تم تعيين سارة هاكابي ساندرز، مساعدة سبايسر، بدلاً منه.

وأدت المقابلة التي أجراها ترامب مع صحيفة «نيويورك تايمز»، وهاجم فيها بضراوة وزير العدل جف سيشنز، الى المزيد من «الضعضعة» في الفريق الرئاسي، فترامب اعتبر ان وزير العدل خدعه بإعلانه تنحيه عن الاشراف على التحقيقات المتعلقة بروسيا.

وقال الرئيس الاميركي انه لو كان يعرف ان سيشنز لم يكن قادراً على تولي التحقيقات في الموضوع الروسي، لكان اختار بديلاً عنه. كما شمل هجوم ترامب وكيل وزارة العدل رود روزنستين، وهو أيضاً ممن عينهم ترامب في منصبهم، إذ اتهمه الرئيس بأنه من «جمهوريي بالتيمور»، وهي مقاطعة في ولاية ميريلاند تبعد قرابة ساعة شمال واشنطن ويعيش فيها غالبية من مؤيدي الحزب الديموقراطي، ما يعني أن ترامب بات يطعن بولاء روزنستين للجمهوريين، أو ربما بولائه للرئيس شخصياً.

واختتم الأميركيون الاسبوع مع أنباء أفادت أن ترامب عقد لقاءات مع الخبراء القانونيين للاطلاع على مدى صلاحياته، خصوصاً في سياق قدرته على إصدار إعفاءات ضد أي إدانات قضائية في حق أفراد عائلته ممن تطاردهم التحقيقات أو حتى في حق نفسه. واندلع بذلك جدال بشأن إن كان يمكن لرئيس الولايات المتحدة إصدار عفو بحق نفسه يمنع بموجبه عن نفسه أي تحقيقات مستقبلية أو عقوبات قضائية.

ويمنع الدستور الاميركي محاكمة أي رئيس اثناء ولايته، وهو ما ينيط محاكمة الرؤساء بالكونغرس، خصوصاً مجلس الشيوخ، الذي يتحول الى محكمة يترأسها رئيس المحكمة الفيديرالية العليا، ويتحول فيها الشيوخ الى هيئة محلفين تؤدي أصواتهم الى إدانة الرئيس او تبرئته.

لكن لم يسبق أن أصدر أي رئيس في التاريخ الاميركي عفواً بحق نفسه، وهو ما يعني أنه في حال أقدم ترامب على ذلك، فإن قراره سيذهب الى المحكمة الفيديرالية العليا، أعلى سلطة قضائية في البلاد، للنظر في الموضوع وإثبات صحته أو بطلانه قانونياً.

وسط هذه الأجواء، يحبس البيت الأبيض أنفاسه في انتظار جلسة الاستماع المقررة الأربعاء المقبل، وهي الأولى من نوعها، وسيستضيف فيها الكونغرس صهر الرئيس ومستشاره جاريد كوشنر، وكذلك نجل الرئيس دونالد جونيور، والذي شغلت البلاد المعلومات التي كشف النقاب عنها عن عقده لقاء مع روس مقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في نيويورك، أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية لوالده.

ويخشى البيت الابيض من دقة الموقف، فالشهود أمام الكونغرس يقسمون اليمين قبل إدلائهم بالشهادات، ثم يتعرضون لحملة من الأسئلة من المشرعين، وفي حال ثبت تقديمهم إجابات كاذبة، يواجهون تهمة «الكذب تحت القسم». ومن المرجح أن يعتصم كوشنر وترامب الابن بالتعديل الخامس من الدستور، الذي يجيز لأي مواطن الامتناع عن الاجابة عن أي سؤال يعتقد أن المعلومات قد تؤدي الى ادانته.

وعلى مدى الأسبوع الماضي، سرت أنباء أن المحقق المكلف قضية تورط ترامب وعائلته مع الرئيس روبرت مولر انخرط في تحقيقات بالملفات المالية التابعة لترامب وعائلته، وهو ما أثار حفيظة الرئيس، الذي ارسل تهديدات ضمنية بإمكانية الاطاحة بمولر في حال اجتاز الأخير «الخط الأحمر» واطلع على بيانات ترامب المالية.

تقرير «الخارجية» الأميركية وجه صفعة للمحرضين على الكويت

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، سعت دوائر، في العاصمة الأميركية، مرتبطة بجهات محلية وخارجية مختلفة إلى اتهام حكومة الكويت بالتراخي في مواجهة تمويل الإرهاب وعدم القيام بما يلزم لمحاربته. ومع اندلاع الأزمة الخليجية قبل أسابيع، عمدت الدوائر نفسها إلى الزج باسم الكويت بين الحكومات المتهمة بالتغاضي عن تمويل إرهابيين.

لكن وزارة الخارجية الأميركية أشادت، في تقريرها السنوي عن الارهاب، بالخطوات التي اتخذتها الكويت في سياق مكافحة الإرهاب وتمويله، وهو ما بدد الاتهامات بحق الحكومة الكويتية.

ومن يعرف كيفية إعداد التقرير، يدرك أنه عادة يغطي السنة الماضية، أي أن واشنطن تعتقد أن الكويت أبلت بلاء حسناً في تحسين قدراتها على مواجهة الإرهاب وتمويله على مدى العام 2016 وما بعده، وهو ما يعني أن من عادوا إلى توجيه اتهامات للكويت، غالباً في جلسات بالكونغرس يعقدها متطرفون، كانوا يفعلون ذلك إما عن جهل وإما عن سوء نية.

وكان التقرير السنوي الصادر عن الوزارة أكد أن الكويت «اتخذت خطوات مهمة لبناء قدراتها في مكافحة تمويل الإرهاب»، وأن 11 وزارة ووكالة حكومية كويتية، بما فيها وزارة الخارجية، انخرطت في هذا المجهود.

أما هوية المتحاملين على الكويت والساعين لاتهامها بتمويل الارهاب فليست واضحة بالكامل، بل هم عبارة عن خليط من بعض الشخصيات الأميركية المعادية للاسلام والمسلمين، وبعض من كانوا يسعون لاتهام دول خليجية اخرى، فزجوا باسم الكويت معها. كذلك، يبدو أن من المشاركين في الزج باسم الكويت أطرافاً لا يعجبها الدور الحيادي الذي تلعبه الكويت في المنطقة، وهذه الأطراف تحاول دفع الكويت الى الإقلاع عن حيادها واختيار الدخول في الاصطفافات السياسية المتناحرة.

لهذا السبب، سعى بعض المحرضين إلى اتهام الجمعيات الخيرية في الكويت بالاستمرار في تمويل الارهابيين حتى رمضان الماضي. لكن تقرير الخارجية الاميركية قطع الشك باليقين، بتأكيده أن الكويت وسعت جهودها على صعيد «مكافحة العنف المتطرف»، وفرضت تدقيقاً إضافياً على المعاملات المالية التي تقوم بها الجمعيات الخيرية.

وعن نشاطات جمع التبرعات التي تقوم بها الجمعيات الخيرية، ذكر التقرير أن الحكومة الكويتية أخضعت هذه النشاطات لمراقبة مكثفة من وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل والخارجية. وفي شهر رمضان، حسب التقرير، «سمحت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بجمع التبرعات الخيرية عن طريق بطاقات الائتمان او التحويلات الالكترونية، بدلاً من التبرعات النقدية، وذلك بهدف مراقبة التحويلات المالية ومنع تبييض الأموال وتمويل الإرهاب».

وأضاف التقرير أن الكويت استخدمت نظام تعريف الهوية البيولوجي في كل المراكز الحدودية في البلاد، و«قامت بالتحقق من هويات الداخلين عن طريق مقارنة هوياتهم بالقاعدة البيانية التي تملكها السلطات الكويتية عن الإرهابيين».

ونقل عن مسؤولين كويتيين قولهم ان غياب قاعدة بيانية موحدة لهويات الارهابيين بين دول مجلس التعاون الخليجي أعاق جهود معرفة هوية المقاتلين الارهابيين واعتقالهم قبل دخولهم البلاد.

ومن الشهادات الإيجابية التي قدمها التقرير بحق الحكومة الكويتية إشارته الى أن الكويت قامت بمجهود واسع هدفه رفع أمن مطار الكويت الدولي، وجعله متطابقاً مع مواصفات الأمن المعترف بها عالمياً.

الخميس، 20 يوليو، 2017

«حل وسط»... مع قطر؟

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

استمراراً لآلية الحل التي انفردت «الراي» بنشرها، خصوصاً لجهة عودة الأطراف الخليجية إلى اتفاق الرياض 2014، أكدت السعودية أمس أن قبول «مبادئ ستة» بدل المطالب الـ 13 التي قدمتها في البداية الدول الأربع المقاطعة لقطر، يجب أن يكون «أمراً سهلاً» بالنسبة للدوحة، فاتحة الباب أمام «حل وسط» في «تكتيك» و«آليات» تطبيق المبادئ. فيما ذكرت مصادر في وزارة الخارجية الأميركية لـ «الراي» ان وزير الخارجية ريكس تيلرسون يأمل ان يعقد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي اجتماعاً قريباً في الكويت يضع النقاط الأولى لاتفاق يعرض لاحقا أمام قادة الخليج.

ففي إيجاز صحافي نظمته الإمارات لمجموعة صحافيين في مقر الأمم المتحدة، ليل أول من أمس، أكد سفير السعودية لدى الأمم المتحدة عبدالله المعلمي تمسك السعودية والإمارات والبحرين ومصر بالمبادئ الستة، التي تم الاتفاق عليها خلال لقاء وزراء خارجية الدول الأربع في القاهرة في 5 يوليو الجاري، معرباً عن أمله أن تدعم الدوحة هذه المبادئ أيضاً.

وشدد على أن تطبيق هذه المبادئ واستحداث آلية للرقابة يجب أن يكون من العناصر المحورية للتسوية وهو غير قابل للمساومة. لكنه أقر بأنه يمكن لطرفي الخلاف أن يناقشا تفاصيل «التكتيك» و«الآليات» لتطبيق المبادئ، قائلاً: «في هذا المجال يمكننا أن ننخرط في مناقشة وأن نقبل حلاً وسطاً».

وأشار في هذا السياق إلى أن وقف التحريض على العنف يعد مطلباً أساسياً، أما إغلاق قناة «الجزيرة» فربما لن يكون أمراً ضرورياً.

وقال «إذا كانت الطريق الوحيدة لتحقيق ذلك (إيقاف التحريض على العنف) تتمثل بإغلاق قناة (الجزيرة)، فإنه أمر جيد. لكن إذا كان بإمكاننا تحقيق ذلك دون إغلاق (الجزيرة) فإنه أمر جيد أيضاً. الشيء الأهم هو الهدف والمبدأ المعتمد».

وأضاف المعلمي: «نحن نعول على الجهود الكريمة التي يبذلها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، وأعتقد أن جهود الكويت فيها الخير والبركة وأي جهود أخرى ينبغي أن تصب وتساند جهود الكويت».

وحضر الإيجاز الصحافي ديبلوماسيون من البحرين ومصر والإمارات، أشاروا أيضاً إلى استعداد دول المقاطعة للتحلي بالمرونة في التعامل مع الأزمة القطرية، وقال ديبلوماسيون سعوديون وإماراتيون وبحرينيون ومصريون إن دولهم ترغب في حل الأزمة ودياً، وتريد من قطر أن تلتزم بستة مبادئ عامة، تشمل مكافحة الإرهاب والتطرف وإنهاء الأعمال الاستفزازية والتحريضية.

يشار إلى أن المبادئ الستة التي حددتها الدول الأربع في اجتماع القاهرة في 5 يوليو الجاري هي:

1- إيقاف كافة أعمال التحريض وخطاب الحض على الكراهية والعنف.

2- الالتزام بمكافحة التطرف والإرهاب بكافة صورهما ومنع تمويلهما أو توفير الملاذات الآمنة.

3- الالتزام بكافة مخرجات القمة العربية - الاسلامية - الأميركية التي عقدت في الرياض في مايو الماضي.

4- التعاون مع المجتمع الدولي في مواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب بوصفهما يمثلان تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

5- الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم الكيانات الخارجة عن القانون.

6- الالتزام بكامل اتفاق الرياض العام 2013 والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية العام 2014 في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

واشنطن وتل أبيب: هدنة الجنوب السوري لن تصمد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

باستثناء الرئيس دونالد ترامب، الذي حاول استعراض مهاراته الديبلوماسية بالاشارة إلى نجاح الهدنة التي توصلت إليها بلاده مع روسيا في ثلاث محافظات سورية جنوبية هي القنيطرة والسويداء ودرعا، لا يعتقد أي من الاميركيين المتابعين للتطورات في سورية أن الهدنة المذكورة ستصمد، ويعكفون على إعداد خطط بشأن كيفية التعامل مع الجنوب السوري عندما تستأنف الأطراف المتنازعة القتال فيه.

ويتشارك الأميركيون تشاؤمهم مع نظرائهم الاسرائيليين، الذين يقلقهم الجنوب السوري أكثر من غيره في عموم البلاد الغارقة في الحرب منذ العام 2011. ويعتقد الاسرائيليون أن إيران والميليشيات المتحالفة معها تسعى لإقامة بنية تحتية عسكرية في الاراضي المتاخمة للجولان السوري الذي تحتله إسرائيل، بهدف تهديد الشمال الاسرائيلي، بعدما أدت حرب يوليو 2006 بين اسرائيل و«حزب الله» إلى إغلاق تام للحدود اللبنانية - الإسرائيلية، تحت طائلة قيام اسرائيل بتدمير أحياء مناصري «حزب الله» عن بكرة ابيها، بموجب الخطة العسكرية التي تطلق عليها اسرائيل اسم «عقيدة الضاحية».

وترى دوائر الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية أن هدنة الجنوب السوري لن تصمد، وان الاختراقات كانت واضحة على مدى الاسبوع الذي تلا إعلانها، وان الايرانيين غير موقعين عليها، وهو ما قاله علناً المسؤولون الايرانيون، الذين أكدوا أنهم غير معنيين بوثيقة وقعتها واشنطن وموسكو.

وتعتقد هذه الدوائر أن الاستقرار الأمني في سورية من أولويات الولايات المتحدة، إذ إن إلحاق الهزيمة بتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في مناطق شرق الفرات يتطلب الاستقرار في بقية أنحاء سورية، إذ من دون هذا الاستقرار، يمكن لعناصر التنظيم الفرار من مناطق «الدولة» والتغلغل في عموم سورية، ثم القيام بشن هجمات من مخابئهم.

ويبدو أن ما يقلق المتابعين الأميركيين هو الفراغ في الجنوب السوري، وهو فراغ يفتح الباب أمام التغلغل الإيراني. ولأن الدول المعنية بالجنوب، أي إسرائيل والأردن والولايات المتحدة، لا تنوي نشر قوات برية في المحافظات السورية الثلاث، يبقى موضوع الامساك بهذه المناطق عرضة للأخذ والرد، مع أفضلية لإيران وميليشياتها، المتأهبة لاختراق هذه المحافظات ومحاولة السيطرة عليها، فور انتهاء مفاعيل الهدنة الاميركية - الروسية.

وفي هذا السياق، اعتبرت مؤسسة «ستراتفور» الأميركية للأبحاث، المعروفة بقربها من وكالات الاستخبارات، انه «في أحسن الاحوال، حتى لو صمدت الهدنة المحلية، يتمثل التحدي الأكبر في ترجمة هذه الهدنة الى اتفاقية سياسية استراتيجية»، خصوصاً أن «الحكومتين الايرانية والسورية غير مستعدتين لتقديم تنازلات من أجل قيام حكوم انتقالية جامعة مطلوبة من اجل تثبيت الوضع في البلاد».

وأضافت المؤسسة، في تقرير، انه «بالنظر إلى معطيات أرض المعركة والاندفاع، ستحاول طهران ودمشق التمسك بمطالب قصوى تسعى من خلالها للسيطرة على أوسع رقعة ممكنة من الارض». لهذه الاسباب، لا تعتقد «ستراتفور» أن هدنة الجنوب السوري ستؤثر في مجريات الاحداث في سورية، وان البلاد ماضية في تقسيم أمر واقع حيث يسيطر كل فصيل محلي على الأرض، وهو انقسام لا يساعد في ابقاء تنظيم «داعش» خارج المناطق السورية غرب الفرات، بعد أن يتم طرده من المناطق السورية شرق الفرات.

الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

الأسد شيطان نعرفه

حسين عبدالحسين

أكدت تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون حول "تغيير فرنسا عقيدتها" تجاه الرئيس السوري بشار الأسد ومصيره في الحكم، أن العواصم الغربية تشهد تغييراً ملحوظاً في موقفها من الحرب السورية المندلعة منذ العام 2011.

وبرر ماكرون التغيير في موقف بلاده من الأزمة السورية بالواقعية، معتبراً أن التمسك برحيل الأسد في الماضي لم يفض الى النتائج المرجوة، وأن على العالم العمل من اجل تثبيت الوضع السوري بانهاء الحرب والالتفات الى مرحلة "ما بعد الصراع".

والواقعية هي عنوان يطلقه الغرب عادة لتبرير تجاوزه مبادئ التنوير التي ينادي بها، إلى حد أن الواقعية صارت تعني فعلياً الالتفاف على مبادئ الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، وصارت تعني أيضاً تخلي الغرب عن مبادئه، وتمسكه بقاعدة أن "الغاية تبرر الوسيلة"؛ فإن كانت الغاية تثبيت الأمن في مناطق النزاع حول العالم، فلا ضير من التغاضي عن الوسيلة، اي اطلاق ايدي الطغاة ممن يمكنهم تثبيت الأمن في بلادهم وتأمين مصالح الغرب.

ولا يتحرج الغرب الديموقراطي بعلاقته مع الطغاة. ويردد بعض الاميركيين المقولة الشهيرة لوزير الخارجية الاميركية الأسبق هنري كيسنجر، الذي أجاب عن سؤال حول لا مبالاة اميركا في علاقاتها مع "أبناء الكلبة" من الطغاة حول العالم بقوله "صحيح انهم ابناء كلبة، ولكنهم ابناء كلبتنا نحن".

والرئيس الفرنسي ماكرون يشبه الى حد بعيد الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما، فالاثنين وصلا سدة الرئاسة على ظهر موجة شعبية عارمة بسبب الكاريزما التي يتمتعان بها، والاثنين يعانيان من صغر السن وقلة الحنكة في الحكم، خصوصاً في السياسة الخارجية، والاثنين يعتقدان انهما قادران على تقديم بعض الافكار الجديدة الخارجة عن المألوف، والواقعية في الوقت نفسها، للتوصل الى حلول لمشاكل العالم.

هكذا انهار العراق على أيدي أوباما وولد تنظيم "الدولة الاسلامية"، وهكذا توصل أوباما الى تسوية نووية مع ايران حررت طهران من اقسى العقوبات الدولية واطلقت أيدي ميليشياتها في المنطقة، وهكذا حاول أوباما "الانخراط مع الأسد" لولا ان السوريين انتفضوا على اربعة عقود من الحكم الدموي لآل الأسد، توجها الأسد الابن بإثبات دموية عائلته وقصفه السوريين بأسلحة كيماوية محظورة دولياً.

وكما أوباما، المغرور بآرائه في الشؤون الدولية على الرغم من عبطه، كذلك ماكرون، الذي يعتقد انه عثر على ضالة العالم للتوصل الى حل سوري، بتبنيه مقولة ان رحيل الأسد ليس شرطاً للتسوية، وانه لا بد من الانخراط مع الأسد في حوار يهدف الى تثبيت الوضع السوري واعادة الأمن.

ولأنه حديث السن في السياسة، لا يدرك ماكرون انه يقدّم ما يعشقه الطغاة لناحية وضع الأمن في مواجهة مع الحريات، وتخيير العالم بين طغيان دموي او انفلات امني. في لبنان، هدد نظام الأسد مراراً بأن خروج قواته من "القطر الشقيق" يؤدي الى حرب اهلية، وفي سوريا ردد مناصرو الرئيس السوري "الأسد أو نحرق البلد"، وفي مصر برر وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي انقلابه العسكري على الرئيس محمد مرسي بالقول إنه لولا تحرك الجيش لدخلت مصر في اتون الحرب الاهلية ولوصل الدم الى الركب.

ومثل الأسد والسيسي، هدد بوتين الروس، يوم خرجوا بعشرات الالاف للاعتراض على رئاسته المستمرة منذ اكثر من عقد ونصف العقد، بأن التظاهرات في دول "الربيع العربي" افضت الى نتائج دموية واضحة، كما في سوريا وليبيا واليمن.

بتغييره عقيدة فرنسا، وربما أوروبا بأكملها وأميركا، يطلق ماكرون إشارات مفادها ان الغرب لا يأبه لمبادئ الديموقراطية والحرية، بل إنه يولي مصالحه اولوية على مبادئه، ويفضل أن يعود الأسد للامساك بسوريا، وإن بالحديد والنار، فالأسد -حسب المقولة الاميركية- هو "الشيطان الذي نعرفه"، وهذا دائماً خير من "الشيطان الذي نجهله".

قد يكون ماكرون على حق. ربما بقاء الأسد افضل من رحيله، إذ إن في بقاء الأسد، يموت السوريون بكرامتهم تحت انقاض بيوتهم. أما في محاولة الاطاحة بالأسد، يموت السوريون في قعر البحر الابيض المتوسط وهم يستجدون اللجوء الى اوروبا، التي اقفلت ابوابها واعلنت أن انسانيتها، التي تتغنى بها منذ قرنين أو اكثر، هي مادة للكراسات فقط ولا تصلح للواقع.

الاثنين، 17 يوليو، 2017

الخارجية الأميركية تؤكد معلومات «الراي»: ... هذه هي «خريطة طريق» تيلرسون



| واشنطن - من حسين عبدالحسين القاهرة - «الراي»|

أكدت مصادر في وزارة الخارجية الأميركية صحة المعلومات التي نشرتها «الراي»، أمس، في شأن مضمون «خريطة الطريق» التي اقترحها وزير الخارجية ريكس تيلرسون، لحل الخلاف بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة ثانية، مشيرة الى ان نهار أمس «انقضى ايضا من دون ان تقدم الدول الاربع مطالب جديدة تأخذ في الاعتبار اقتراحات تيلرسون باجراء تعديل على المطالب ال13 السابقة والتركيز على أمور قابلة للتحقيق». 

وقالت المصادر لـ «الراي» إن خريطة الطريق تنص على «تجميد الحملات الإعلامية المتبادلة، والعودة إلى ما قبل الاشتباك، والتفاوض المباشر على مستوى وزراء الخارجية بحضور كويتي، وإعادة العمل باتفاقية الرياض لعام 2014، والتزام الأطراف بحل النزاعات داخل مجلس التعاون الخليجي». وأوضحت المصادر أن البند الأخير «جاء بناء على طلب دولة خليجية لتأكيد عدم حل الخلافات علناً عبر الاعلام»، متوقعة ان يأخذ الحل وقتا طويلا.

وتأكيداً لمعلومات «الراي» أيضاً، ألمحت الإمارات إلى احتمال العودة إلى اتفاقية الرياض لعام 2014 كأساس لحل الأزمة.

ففي خطاب ألقاه بمعهد تشاتام هاوس البريطاني في لندن، صباح أمس، أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش أن المطالب الموجهة إلى قطر لا تختلف عن الشروط التي فرضتها اتفاقية الرياض، التي وقعت عليها الدوحة 2014.

ونفى أن يكون سبب الخلاف مع قطر هو موقفها المغاير لمواقف الدول الخليجية الثلاث، مشيراً إلى أن الكويت وسلطنة عُمان مثلاً لديهما مسارات ديبلوماسية مستقلة اتخذتهما من دون إحداث أزمة.

وأكد أن الدول المقاطعة للدوحة لا تسعى إلى تغيير نظامها وإنما سلوكها، قائلاً «لقد وجهنا رسالة إلى قطر. قلنا إننا لا نريد التصعيد، ولا نسعى إلى تغيير النظام، وإنما إلى تغيير السلوك، ليس في سياستكم المستقلة، وإنما في تأييدكم للتطرف والإرهاب. نحتاج لأن يحصل هذا... وما إن يحصل، عودوا ويمكننا العمل معاً».

وقال قرقاش إن مجلس التعاون الخليجي «في حالة أزمة»، وإخراج قطر من المجلس «لا يخدم أهدافه»، مضيفاً «ما نريده فعلاً هو إما التوصل إلى اتفاق وتغيير مواقف قطر، وإما أن تتدبر قطر أمورها كما تشاء ويمكننا المضي نحو صياغة علاقة جديدة. لا يمكن أن يكون بيننا عضو يضعفنا ويدعم التطرف».

ونفى الأنباء التي تحدثت عن طلب بلاده و5 دول عربية أخرى سحب مونديال 2022 من دولة قطر، كما نفى أنباء عن وقوف الإمارات وراء اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية وردت في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست».

بدوره، نفى السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، في بيان، صحة المعلومات، ووصفها بـ «الكاذبة»، مؤكداً أن «الإمارات لم يكن لها دور على الإطلاق في القرصنة المزعومة التي تحدث عنها المقال».

وكانت «واشنطن بوست» نقلت عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية «سي آي إي»، طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، انهم «علموا، الأسبوع الماضي، أن المعلومات التي تم تحليلها حديثاً، والتي جمعتها وكالات الاستخبارات الأميركية، أكدت أنه في 23 مايو (الماضي)، ناقش كبار أعضاء حكومة الإمارات العربية المتحدة الخطة وتنفيذها»، فيما تم اختراق الوكالة في اليوم التالي في 24 مايو الماضي، وجرى نشر تصريحات لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

من جهتها، عبرت قطر عن الأسف لـ «ضلوع الإمارات ومسؤولين كبار فيها» في اختراق موقع «قنا»، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات القانونية الضرورية في هذا السياق.

وقال مدير مكتب الاتصال الحكومي سيف بن أحمد بن سيف آل ثاني إن المعلومات التي نشرتها «واشنطن بوست» تفيد بارتكاب هذه «الجريمة» من قبل دولة خليجية، ما يعد «خرقاً وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي».

وفي القاهرة، أعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد، عن تقديره للمساعي الحميدة والجهود التي تقوم بها الكويت بقيادة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، والتي تؤكد حرصها على تعزيز التضامن والتوافق العربي.

وأوضح السيسي أن «ثوابت سياسة مصر الخارجية تقوم على مبادئ عدة منها عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة... وفي المقابل فإنها لا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها».

وفي واحدة من إفرازات الأزمة، قررت مصر فرض تأشيرة على القطريين الراغبين بدخول أراضيها اعتباراً من الخميس المقبل.

وأوضحت مصادر أمنية أن «تعليمات وصلت إلى مصلحة جوازات مطار القاهرة والموانئ المصرية بتطبيق النظام الجديد»، مشيرة إلى أن «التأشيرة المسبقة سيتم استخراجها من السفارات المصرية بالخارج، وسيتم فرضها ليس فقط على المواطنين القطريين العاديين، وإنما أيضاً على حاملي الجوازات الخاصة والديبلوماسية والمهمة».

ولفتت إلى أن «التعليمات تضمنت استثناءً لأزواج المصريات وزوجات المصريين وأبنائهم وبناتهم، وكذلك الطلاب القطريون الذين يتابعون دراساتهم في الجامعات الحكومية المصرية».

وأضافت ان «الاستثناء يتضمن السماح لهم بالدخول إلى مصر بتأشيرة سياحية تستخرج من مطار القاهرة لمدة 3 أشهر، على أن يقوموا بترتيب أوضاعهم مع مصلحة الجوازات».

يشار إلى أن القطريين كانوا يدخلون إلى مصر من دون تأشيرة، تماماً كبقية دول الخليج قبل اندلاع الأزمة.

السبت، 15 يوليو، 2017

كم يصمد ترامب في البيت الأبيض؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لم تعد مسألة بقاء الرئيس دونالد ترامب في منصبه موضوع تساؤل، بل طغى على ألسنة غالبية الأميركيين السؤال عن موعد خروج الرئيس من البيت الابيض، بعد تكاثر الأدلة التي تشير، بشكل قطعي، إلى تورطه ومساعديه مع الاستخبارات الروسية، على الأقل في محاولة سرقة معلومات من الحزب الديموقراطي المنافس واستخدامها لإلحاق الأذية بمرشحة الديموقراطيين للرئاسة هيلاري كلينتون.

آخر تطورات تورط ترامب مع موسكو ترتبط باللقاء الذي عقده نجله دونالد جونيور مع ناتاليا فاسيلنتسكايا، المحامية الروسية المقرّبة من الكرملين، للحصول منها على معلومات «فضائحية» ضد كلينتون. انكشاف أمر اللقاء، الذي كان أول من أوردت تفاصيله صحيفة «نيويورك تايمز»، وكيفية تعامل ترامب الاب والابن مع التقارير الاعلامية حول اللقاء - الفضيحة، يشي بأن ترامب أصبح في موقف ضعيف جداً، خصوصاً أمام القانون الاميركي.

ويشي خروج تفاصيل لقاء ترامب الابن والمحامية الروسية إلى العلن، تباعاً، بأن إحدى وكالات الاستخبارات الأميركية تقف وراء التسريب، الذي بدا ممنهجاً ومعتمداً على ردود فعل البيت الأبيض وترامب الابن. للوهلة الأولى، نفى ترامب الابن حدوث اللقاء، ثم حاول التقليل من أهميته وقال إنه لم يكن يعرف هوية المحامية، ثم اضاف انه لم يحصل على أي معلومات منها على كل حال.

لكن في ردوده المرتبكة، ظهر ترامب الابن وكأنه يحاول التستر على تفاصيل اللقاء. ثم يبدو أن البيت الأبيض تبنى الحكمة «الواشنطونية» القائلة إنه في حال انتشار أخبار فضيحة ما، فإن أفضل ما يمكن لصاحب الفضيحة القيام به هو إغراق الإعلام بكل التفاصيل الممكنة، وهو ما فعله ترامب الابن، الذي نشر المراسلات التي تم التحضير بموجبها للقاء.

وأظهرت المراسلات انه على عكس ما ادعى سابقاً، كان ترامب الابن يعلم أن المحامية روسية، وانها مرتبطة بالكرملين، ومع ذلك وافق اللقاء بها، في خطوة تبدو وكأنها «تآمر» من مواطن أميركي مع مواطنين غرباء ضد أبناء جلدته من الأميركيين.

ثم أطل ترامب الابن، في مقابلة عبر قناة «فوكس نيوز» اليمينية المتطرفة قدمها أحد المقربين جداً من ترامب الاب الاعلامي شون هانيتي، الذي فتح بدوره الأثير لترامب الابن ليبرر اللقاء ويقدم كل التفاصيل الممكنة. لكن يبدو أن الوكالات الأمنية تلاعبت بشكل بارع بترامب والبيت الابيض، فبعد أن فرغ ترامب الابن من تقديم كل التفاصيل التي ادعى انها بجعبته، حصلت شبكة «ان بي سي» على تسريب مفاده ان الحاضرين في اللقاء لم يقتصروا على ترامب الابن والمحامية وصهر الرئيس جاريد كوشنر ومدير حملته بول مانوفورت، بل ان من الحاضرين كان رينات اخمتشين، وهو مواطن روسي - أميركي حاصل على رخصة مزاولة مهنة «اللوبي»، وهو يعمل بالتعاون مع المحامية لمصلحة الكرملين.

وذكرت التقارير الأميركية أن اخمتشين سبق ان خدم في الجيش السوفياتي، وانه معروف لدى وكالات الاستخبارات الأميركية على انه «عميل خارجي».

هكذا، في أقل من أسبوع، بث ترامب الابن كذبتين: الأولى قال فيها انه لم يكن يعرف هوية المحامية الروسية، وهو ما اتضح بطلانه، والثانية تغاضى فيها عن كشف هوية كل الحاضرين، خصوصاً عميل الاستخبارات الروسية اخمتشين.

وتالياً، أصبح ترامب الابن عرضة للمساءلة القانونية وربما المحاكمة، بتهمة التعامل مع مواطنين وحكومات أجنبية للتآمر ضد مواطنين أميركيين، في وقت أدى انكشاف التفاصيل التي حاول ترامب الابن سترها إلى إظهاره «متآمراً» في عيون غالبية الأميركيين.

وترافق ارتباك ترامب الابن مع قيام كوشنر، قبل أسبوعين من خروج تفاصيل اللقاء إلى العلن، بتعديل بيان لقاءاته الذي يقدمه للأمن الاميركي من اجل الحصول على رخصة الاطلاع على أسرار الدولة. وسبق لكوشنر أن أغفل ذكر اللقاء، قبل أن يقوم قبل أسبوعين بتعديل بياناته لاضافة اللقاء المذكور، في خطوة اعتبرها البعض وكأن كوشنر إما متآمر على ترامب الابن وقام بتسريب أخبار اللقاء لإنقاذ نفسه، وإما أنه يحاول القفز من سفينة عائلة ترامب، التي يبدو بشكل مؤكد أنها في طريقها للغرق.

في هذه الأثناء، لفت المراقبون الأميركيون إلى أن ترامب الأب عدّل من نبرته، وتخلى عن وصف الاعلام الاميركي بالمزيف، ويحاول أن يبدو على أنه الرئيس الرصين الذي يتصدى للأزمات بهدوء.

وكان ترامب حاول، الأسبوع الماضي، الظهور بمظهر الرئيس الاميركي الذي التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين وأنّبه وفتح صفحة جديدة معه بإعلان نيتهما إقامة لجنة للأمن الالكتروني مشتركة. إلا أن ردة الفعل العنيفة من المشرعين الجمهوريين حملت البيت الأبيض على التراجع عن فكرة اللجنة، ونفي أنه تم التطرق اليها.

ومع تقهقر ترامب، ساد الحديث بين الأميركيين عن موعد وكيفية خروجه، وصار الحديث عن خلعه متداولاً عبر غالبية القنوات التلفزيونية وشبكات الراديو. ويعتقد بعض الأميركيين أن الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ستصوت لخلع ترامب إذا بدأت شعبيته تتراجع في دوائرهم الانتخابية.

ورجح بعض المراقبين ألا يعمد مجلس الشيوخ إلى خلع ترامب، لكن ذلك سيكلف الجمهوريين الغالبية في الكونغرس في الانتخابات النصفية العام المقبل، وهو ما يعني انه إما يخلع الكونغرس المقبل الرئيس الحالي، وإما ينتظر حتى يستبدله الأميركيون برئيس جديد في العام 2020.

الجمعة، 14 يوليو، 2017

تيلرسون: أزمة الخليج طويلة

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

رغم إبدائه تفاؤلاً حذراً بإمكانية تحقيق اختراق في جدار الأزمة الخليجية عبر حوار مباشر بين أطرافها، كشفت مصادر أميركية رفيعة لـ«الراي»، أمس، أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أعطى تعليمات للجهات الحكومية بالتعامل مع الأزمة «وكأنها ستطول لمدة أشهر أو سنوات».

وقالت المصادر الرفيعة، نقلاً عن مسؤولين عاملين في وزارة الخارجية، إن تيلرسون «أعطى تعليمات بإعداد الوكالات الحكومية للعمل وكأن الخلاف الخليجي دائم لأشهر أو سنوات»، مشيرة إلى أن «الوكالات الأميركية ستجتمع لرسم سياسة جديدة في ظل تواصل الأزمة»، وأن «الأولوية الاميركية هي الحؤول دون انزلاق قطر باتجاه روسيا أو إيران».

وفي تصريحات أدلى بها للصحافيين المرافقين له، خلال رحلة عودته من الدوحة إلى الولايات المتحدة، أول من أمس، بعد قضائه أربعة أيام في الخليج، أجرى خلالها جولات مكوكية بين الكويت وجدة والدوحة، قال تيلرسون إن المحادثات الديبلوماسية التي أجراها في الخليج قد تكون حققت إمكانات قوية لحوار مباشر بين أطراف الأزمة (قطر من جهة والسعودية والإمارات ومصر والبحرين من جهة ثانية)، وهو ما يجب الوصول إليه في أقرب وقت، لكنه لفت إلى أن إيجاد حل قد يستغرق مدة من الزمن.

وقال «في رأيي، هناك تغيّر في حجم الاستعداد لحل الأزمة، على الأقل الانفتاح لمحادثات مباشرة، ولم تكن هذه هي الحال قبل مجيئي»، مشيراً إلى أنه طرح وثائق عدة مع الأطراف التي التقى معها، وهي الوثائق التي تحدد بعض الطرق التي يمكن من خلالها إحراز تقدم.

وإذ أشار إلى أن بعض الجوانب الخلافية بين الأطراف «معقدة»، ما يجعل الحل النهائي والدائم يأخذ وقتاً، قال الوزير، الذي تدعم بلاده الوساطة الكويتية بقوة، إن الأطراف لا تتحدث مع بعضها في أي مستوى، وبالتالي «فالرهان الآن هو تمكينهم من أن يكونوا وجهاً لوجه خلال النقاش حول المسائل الكثيرة التي تهمهم»، مضيفاً ان بلاده قدمت بعض الإرشادات في ما يخصّ التعامل مع هذه المسائل التي تبدو «عاطفية في بعضها»، على حد وصفه.

وعن جولاته المكوكية، قال تيلرسون «أنا متعب، أنا متعب، كانت رحلة طويلة جداً».

وأشار إلى الاختلاف بين عمله وزيراً للخارجية ورئاسته «اكسون موبيل»، إحدى أكبر شركات النفط في العالم، قائلاً «إن الأمر هذه المرة مختلف جداً عن أن تكون رئيساً لشركة (اكسون موبيل) لأنني هناك كنت صانع القرار الوحيد... وهو ما يجعل الحياة أسهل».وأوضح الوزير الأميركي أنه ليس وسيطاً مباشراً، لكنه يدعم دور الكويت في بناء الجسور لإنهاء الأزمة. وفي هذا السياق قال وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش: «إننا بعيدون كل البعد عن الحل السياسي المرتبط بتغيير قطر لتوجهها، وفِي ظل ذلك لن يتغير شيء وعلينا البحث عن نسق مختلف من العلاقات».

من جهتها، قالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت، إن تيلرسون يعتقد، استناداً إلى اجتماعاته في المنطقة، أن حمل الأطراف على الحوار المباشر سيكون خطوة مقبلة مهمة، مضيفة «نأمل أن توافق الأطراف على ذلك، وسنواصل دعم سمو أمير دولة الكويت (الشيخ صباح الأحمد) في جهوده للوساطة كما نجدد شكرنا لدولة الكويت على العمل الدؤوب الذي بذلته للتوفيق بين الأطراف كافة».

في موازاة ذلك، استبعدت أنقرة والدوحة إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، وذلك عقب محادثات بين وزيري خارجية البلدين التركي مولود جاويش أوغلو والقطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي قال في مؤتمر صحافي مشترك إن هناك وساطة واحدة بقيادة سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، تلقى الدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول الأخرى ومن ضمنها تركيا.

وأكد موقف بلاده الواضح والمثمن جداً لسمو أمير الكويت الذي يعتبره أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وكل الشعب القطري والداً لهما.

إلى ذلك، بعث أمير قطر الشيخ تميم أمس، برقية تعزية إلى خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، في وفاة شقيقه الأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز.

وأفادت وكالة الأنباء القطرية الرسمية «قنا» أن الأمير تميم بعث برقية تعزية إلى الملك سلمان وإلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

الخليج متهماً بالارهاب

حسين عبدالحسين

أظهرت جلسة استماع انعقدت في “لجنة الشؤون الخارجية” في مجلس الشيوخ الاميركي انه يخطئ في الخليج من يعتقد أن بإمكانه الاستعانة بالولايات المتحدة على أشقاء له في الخليج نفسه، كما في الأزمة الخليجية المندلعة منذ أسابيع.

الجلسة المذكورة ترأسها السناتور الجمهوري بوب كوركر، وتحدث فيها اليهوديان الاميركيان: اليوت ابرامز، وهو مسؤول سابق في ادارتي ريغان وبوش الابن، ودان شابيرو، وهو مسؤول سابق في إدارة باراك أوباما وسفير الاخير الى اسرائيل. وتمحور النقاش حول ضرورة مصادقة الكونغرس الاميركي على مشروع قانون يقضي بتعليق التمويل الاميركي للسلطة الفلسطينية، بسبب قيام الاخيرة بتمويل تعويضات ورواتب افراد أسر الفلسطيينيين الراحلين ممن يثبت تورطهم في هجمات ضد اسرائيل.

لا يكترث المشرعون الاميركيون ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته يتلقيان الجزء الاكبر من تمويلهما من عواصم خليجية غير الدوحة، بل أسهب هؤلاء المشرعون في ضرورة تجفيف مصادر تمويل السلطة الفلسطينية، بتهمة ان الاخيرة تموّل عائلات إرهابيين بعد مقتلهم.

ولم تقتصر اتهامات المشرعين الاميركيين لعباس وسلطته بتمويل الارهاب، بل انقض المشرعون على عواصم خليجية غير الدوحة، وقالوا ان هذه العواصم تموّل التطرف والارهاب، بل ان الخليج بأكمله يموّل الارهاب.

لا تعرف غالبية الاميركيين، بما في ذلك اعضاء الكونغرس، الفارق بين قطر والامارات او السعودية. بالنسبة للغالبية الاميركية، كل الخليجيين عرب، يرتدون زيا تقليديا، ويعيشون في الصحراء، التي يعيش فيها الكثير من الجمال.

هذه الصورة النمطية الاميركية، الغالبة عن الخليج، تمنع واشنطن من الاصطفاف الى جانب فريق خليجي ضد آخر، على الرغم من العلاقات الوثيقة التي قد تربط واشنطن بعاصمة خليجية اكثر من اخرى. بالنسبة لغالبية المشرعين الاميركيين، تشكل الأزمة الخليجية تأكيدا للاعتقاد الاميركي بأن الخليجيين، كل الخليجيين، متطرفون، وأن دينهم يأمرهم بالتطرف، وان ثراء الخليجيين يسمح لهم بتمويل الارهاب حول العالم، في هجمات 11 أيلول سبتمبر، وقبلها وبعدها، وفي غزة كما في الضفة الغربية، وفي العراق كما في سوريا ام مصر ام ليبيا.

عززت الأزمة الخليجية الانطباعات الاميركية الخاطئة عن الخليج، والصقت بأهله تهمة تمويل الارهاب، فتكرار ان بعض الدول تطالب قطر بوقف تمويلها للارهاب لا يعني ان الاميركيين يعون الفارق بين هذه الدول والدوحة، بل ان هذه المطالب صادقت على اعتقاد اميركي مفاده أن كل الخليجيين يمولون الارهاب، وان اتهام خليجيين للدوحة بتمويل الارهاب هو بمثابة “شهد شاهد من اهله”.

في جلسة مجلس الشيوخ عن منع الاموال الاميركية عن السلطة الفلسطينية الممولة للارهاب ساد انطباع عام بأن كل العرب يمولون الارهاب، وانه لا يحق لبعض العرب اتهام عرب آخرين بتمويل هذا الارهاب، لأنهم اما شركاء في التمويل، ام متورطون اكثر ممن يتهمونهم.

يوم وقف الرئيس دونالد ترامب في الرياض يحثّ كل العرب على طرد الارهابيين من دورهم ومجتمعاتهم ودور عبادتهم، لم يوجّه اتهاماته لقطر، بل هو وجهها لكل العرب الحاضرين. بعدها بايام، حاول ترامب التلاعب بالقول ان الأزمة الخليجية صادقت على صحة خطابه، وألمح — غالبا عن طريق مقربين منه أطلوا عبر قناة فوكس اليمينية المتطرفة — ان زيارته الى السعودية أدت الى توبة بعض الخليجيين، وأدت الى انقلابهم على انفسهم والى محاولتهم طرد الارهابيين من بينهم، وانه في هذا السياق جاءت الحملة ضد قطر.

في التراث العربي حكم متعددة تدعو الى تضامن الاخوة ونبذ الفرقة، وتحذر من مغبة الانقسام بين الاشقاء، من ذلك قول المثل ان “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”. وفي حالة الأزمة الخليجية، يبدو ان من حفر لأخيه، وقع هو وأوقع اخيه فيها.

في الأزمة الخليجية المندلعة بسبب مكافحة الارهاب المزعوم، ألبس بعض الخليجيين أنفسهم وأشقاءهم تهمة لطالما سعى الخليج وسائر العرب الخروج منها على مدى العقدين المنصرمين.

الثلاثاء، 11 يوليو، 2017

بقاء الأسد في السلطة

حسين عبدالحسين

التقرير الذي نشرته “ذا دايلي بيست” ونقلت فيه، عن مصادر اميركية، قبول واشنطن بقاء “الدكتاتور بشار الأسد في السلطة” يعكس بدقة موقف ادارة الرئيس دونالد ترامب، وهو موقف يبني على سياسة سلفه باراك أوباما، لناحية الحرب على تنظيم “الدولة الاسلامية”، مع اضافة تعديلات ترتبط بالوضع في الجنوب السوري، قدمتها اسرائيل، التي تتمتع اليوم بنفوذ غير مسبوق في البيت الابيض.

الشق الاميركي من سياسة ترامب في سوريا مازال يتمحور حول مسألة “اليوم التالي” لالحاق الهزيمة بداعش، وتحديد القوات التي ستمسك بالأرض السورية، شرق الفرات، بعد استعادة هذه الارض من التنظيم. واشنطن ترفض تسليم هذه الاراضي الى قوات الأسد وحلفائها، ربما تحت ضغط تركي بسبب خشية انقرة من العلاقة الايرانية مع الميليشيات الكردية المعادية للاتراك. ولطالما اتهم المسؤولون الاتراك طهران بتحريك المجموعات الكردية ضد انقرة، بما في ذلك قيام هذه المجموعات بشن عمليات انتحارية داخل تركيا.

هذه الاعتبارات دفعت واشنطن الى محاولة تشكيل قوة هجينة من الكرد والعرب. لكن يبدو ان هذه القوة المذكورة ماتزال غير قادرة على تثبيت شرق الفرات، وهو ما ادى الى تأخير الحسم ضد داعش، على الرغم من ان التنظيم يبدو مهتزاً الى درجة لا تتطلب الكثير من القتال او المجهود العسكري للقضاء عليه داخل سوريا. كذلك تخشى واشنطن من قيام قوات الأسد وايران باجتياح شرق الفرات، بعد القضاء على داعش، وهو ما يجبر أميركا على التريث والبحث عن ضمانات تكفل عدم قيام الأسد وايران باجتياح المناطق المذكورة.

هذه الضمانات يرجو الاميركيون الحصول عليها من الروس، الذين تبدو خطتهم لوقف القتال في سوريا هي الأمثل للأميركيين لمنع قوات الأسد وايران من اجتياح شرق الفرات بعد انهيار داعش، وهي ضمانات مبنية على نشر موسكو “شرطة عسكرية” تؤكد تثبيت حدود “مناطق خفض التصعيد”، وعدم قيام القوات المتحاربة باجتياح مناطق بعضها البعض.

تثبيت مناطق السيطرة والنفوذ في سوريا هو في صلب الشق الاسرائيلي للسياسة الاميركية تجاه سوريا، وخصوصا في الجنوب، اذ يأمل الاسرائيليون ابعاد قوات ايران عن الجولان السوري المحتل، وربما في مرحلة لاحقة اعادة قوات الأسد الى هذه المناطق لحراستها وضمان تثبيت أمنها، وهو ما برع به نظام الأسد على مدى العقود الاربعة الماضية. لذا، لا بد من بقاء” الدكتاتور بشار الأسد”، لعل وعسى ينجح في ابقاء قوات ايران بعيدة عن اسرائيل في سوريا، على الرغم من التماس بين القوات الايرانية واسرائيل على الحدود اللبنانية، وهو تماس يجزم الاسرائيليون انه سيبقى باردا في ظل “عقيدة الضاحية”، التي تملي قيام اسرائيل بايذاء مناصري “حزب الله” ومناطقهم، لردع الحزب اللبناني عن شن اي هجمات ضدها.

الأسد باق في السلطة في سوريا، او في الغالب في جزء منها، لكنه لن يعود الى سابق عهده، بل سيبقى على شكل فرانكنشتاين، المسخ الذي عاد الى الحياة حسب الاسطورة الغربية، لكنه مسخ كاف لعودة بعض المراهنات العربية عليه، منها بدء حكومة لبنان في التباحث في اعادة النازحين السوريين الى انقاض ديارهم.

حتى تنقلب ظروف العالم وتتحول، من غير المرجح ان تخرج سوريا من حربها الاهلية، بل ستمر هذه الحرب في فترات انحسار واستئناف، وستعيش هدنات تليها معارك، وسيعود النازحون الى انقاض ديارهم ويرحلون عنها مرارا وتكرارا. هي حرب عبثية تشبه الحرب اللبنانية، تعتاش على نظام بائد لا يموت، وعلى اوهام دولية، مثل مكافحة المد الشيوعي في الحالة اللبنانية، ومكافحة الارهاب في الحالة السورية، والحالتان عبث في عبث، ودماء وموت ودمار.

الجمعة، 7 يوليو، 2017

دفاعا عن رضوان زيادة

حسين عبدالحسين

يتعرض الصديق رضوان زيادة لظلم كبير من الحكومة الاميركية التي رفضت طلب لجوئه السياسي. وتتهم السلطات الاميركية ضمنيا زيادة بالعمل مع، او ربما العضوية في “الاخوان المسلمين”، التنظيم الذي لا تضعه وزارة الخارجية الاميركية على لائحتها للتنظيمات الارهابية الاجنبية، ولكنها مع ذلك تتعامل معه بصورة متذبذة تتراوح بين اتهامه سياسيا ومهادنته قانونيا. 

على انه لو كان رضوان عضوا في “الاخوان المسلمين”، لكان ذلك شهادة امتياز للتنظيم نفسه، لا وصمة عار للرجل، فمن يعرف رضوان، يعرف انه يتمتع باخلاق عالية، وصدق، ويعرف ان الرجل يجتهد في عمله، وانه يقدم كتابات ذات مستوى عال، من كتابه حول سوريا الأسد، الى دراساته المتعددة الصادرة في مراكز الابحاث الاميركية والاوروبية المعروفة، وكلها كتابات تأتي غالبا على شكل اعمال لافتة ذات اراء ثاقبة ومعلومات دقيقة.

رضوان زيادة، طبيب الاسنان بالدراسة، كان معارضا للرئيس السوري بشار الأسد قبل ان تندلع الثورة السورية بقرابة عقد. ربما صدّق رضوان ان “رجل الانترنت” بشار الأسد، الذي ورث رئاسة سوريا عن ابيه الراحل حافظ، قابل للانفتاح والقيام باصلاحات، بما فيها اصلاحات سياسية تمنح السوريين هامشا من الحرية، او على ما كان يردد العزيز الراحل صادق جلال العظم ان الحركة السورية المعارضة للأسد ترضى بهامش حرية، وان كان في حدود 20 في المئة افضل من السائد.

او ربما لم يصدّق رضوان خزعبلات الأسد الابن عن سوريا الجديدة في عهده، وربما عرف رضوان ان سوريا بشار الأسد هي نفسها سوريا حافظ الأسد، مع فارق ان لسوريا الجديدة مجتمعاً مدنياً تملكه زوجته اسماء الأسد، وان سوريا الجديدة مفتوحة للاعمال التجارية، التي تقتصر على ابن خال بشار الأسد رامي مخلوف. ربما كان رضوان يدرك ذلك ويحاول في الوقت نفسه استغلال اي ثغرة ممكنة في نظام الأسد، الذي يحكم سوريا بالحديد والنار منذ اربعة عقود.

تزاملت ورضوان زيادة في مركز باحث زائر في معهد تشاتهام هاوس البريطاني صيف2009. كانت “الثورة الخضراء” الايرانية في ذروتها، وكان لبنان يصارع نظام الأسد، الذي كان قد تحول الى وحش جريح رافض لقبول أفوله في لبنان، فلم تنحسر سيطرته على اللبنانيين الا بعدما أثخنهم بالجراح. منذ ذلك الحين ونحن نتحاور، ندردش. نتشارك في بعض هموم الديكتاتورية والأمل بالحرية. 

في قرابة العقد الذي عرفت فيه رضوان، لم اسمع منه يوما ما قد يتعارض مع مبادئ الحرية او الديموقراطية. لم يرض الرجل يوما بالواقع او بانصاف الحلول. بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011، كان من أول الناشطين وابرزهم واكثرهم حماسة. وبعدما فرض الأسد على الثوار مواجهة عسكرية أدماهم فيها وحول منازلهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم الى ركام على رؤوسهم، ظل رضوان متمسكا بأمله، على الرغم من حزنه على ضحايا سوريا ودمارها. كان يائسا بعض الشيء، لكنه كان يدرك ان البديل الوحيد لوقف السوريين نضالهم يتمثل، لا بعودتهم الى العيش في الذلّ تحت اقدام النظام فحسب، بل في عودتهم للعيش مع قاتل اخوانهم وابنائهم وازواجهم واطفالهم.

لا يستحق رضوان زيادة الظلم الذي تنزله به حكومة الولايات المتحدة، فالرجل تنطبق عليه مواصفات اللاجئ السياسي بامتياز، بل يمكنه الفوز بلقب عميد اللاجئين السوريين بسبب غربته القسرية منذ سنوات طويلة. كذلك، من المعيب ان تمنع الحكومة الاميركية، القائمة على اساس ان البلاد هي ملجأ المضطهدين، منذ فرار الاصلاحيين البروتستانت من ظلم الكنيسة الكاثوليكية الاوروبية، ومنذ فرار الكاثوليك من ظلم الكنيسة الانكليزية البروتستانتية، لجوء شخص مثل رضوان اليها.

رضوان زيادة مواطن سوري هجر بلاده التي ضاقت عليه بسبب جور حكامها، والولايات المتحدة هي ارض اللاجئين المظلومين، ولا سبب للتآمر السياسي على رجل صار الآن يعاني ظلما على ظلم.

الأربعاء، 5 يوليو، 2017

من يوقف الأسد؟

حسين عبدالحسين

باستثناء تصريح وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، والذي قال فيه إن الرئيس السوري بشار الأسد ارتكب جرائم حرب يجب ان يحاسبه العالم عليها، لم يعكّر صفو مزاج الأسد أي من تصريحات او سياسات عواصم العالم حول الأزمة السورية. 

في الولايات المتحدة، يسود الانقسام حول كيفية التعاطي مع ايران. البيت الابيض واصدقاء اسرائيل يسعون لزيادة الضغط على إيران، ويأملون في استخدام القوة الاميركية لطرد الميليشيات الايرانية المقاتلة الى جانب قوات الأسد. ووفقاً لتقديرات مستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر، تشكل الميليشيات الموالية لطهران 80 في المئة من إجمالي تحالف الأسد وايران وروسيا، ويشكل إضعاف هذه القوة فرصة لتقليص النفوذ الايراني المقوض لمصالح واستقرار الدول العربية.

وفي سياق الضغط على ايران نفسها، قالت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نكي هايلي، إن بلادها تجري مراجعة شاملة للاتفاقية النووية مع ايران، بحثا عمّا من شأنه أن يشكل اختراقاً للاتفاقية، وتالياً يبطلها ويعيد العقوبات الدولية عليها. 

لكن أفعال أميركا تناقض تصريحاتها، فالرئيس دونالد ترامب سبق أن مدد إعفاءات سلفه باراك أوباما على العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، ولم يحاول عرقلة توقيع شركة بوينغ عقدا بأكثر من 3 مليارات دولار مع شركات طيران ايرانية، فيما قال ماكماستر في اطلالته نفسها أن سياسة أميركا في العراق وسوريا تقضي بالقضاء على تنظيم "الدولة الاسلامية" حصراً، وهو ما أكده وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي قال إن بلاده لا تسعى إلى مواجهة مع قوات الأسد وايران في سوريا.

وإذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدة لمواجهة الايرانيين بأكثر من تصريح من هنا أو هناك، فإن المسؤولين الاميركيين لم يطلقوا أي تصريح يطالب الأسد بكبح عملياته العسكرية بحق المدنيين السوريين. وعلى الرغم من اتهام البيت الابيض للأسد بتحريك ترسانته الكيماوية في ما كان يبدو نيته لاستهداف معارضيه بأسلحة الدمار الشامل، لم تؤد الاتهامات الاميركية للنظام السوري الى عواقب، ديبلوماسية على الأقل، فالأسد تخلى عن ترسانته الكيماوية بموجب اتفاقية تم تكريسها في قرارات مجلس الأمن، ما يجعل من الأسد في تعارض مع قرارات هذا المجلس، وما يفرض استخدام القوة العسكرية ضده بغطاء دولي. ولا يبدو أن عواصم العالم الفاعلة ترغب في ايقاف الأسد وسلاحه الكيماوي ودمويته بحق السوريين.

حتى لو أن البعض في واشنطن يتمنى خروج ايران من سوريا، فإن غالبية المسؤولين الاميركيين يرغبون في بقاء الأسد، وإن كان بقوة 20 في المئة من قوته الحالية في حال خروج الميليشيات الايرانية. أما الرغبة الاميركية في بقاء الأسد، أو حتى تمدد قوته، فتجلّت في تصريح الناطق باسم التحالف الدولي في بغداد العقيد ريان ديلون، الذي قال إنه "لو ارادت قوات الأسد قتال تنظيم الدولة في البوكمال، وهي لديها المقدرة على ذلك، فهم مرحب بهم". واضاف ديلون ان أميركا لا تسعى للاستيلاء على اراض، بل تسعى حصراً إلى قتل تنظيم الدولة، وأنه لو أراد الأسد قتال الدولة في البوكمال أو ديرالزور أو أي مناطق أخرى "هذا يعني أنه لن يكون علينا نحن (الأميركيين) القيام بالقتال".

ويترافق تواطؤ أميركا مع ايران وتأييدها استعادة الأسد "البوكمال أو ديرالزور أو مناطق اخرى" مع محاولة بعض العواصم الشرق أوسطية تعزيز رواية الأسد القائلة إن الصراع في المنطقة ليس بين ديكتاتوريات وشعوب منتفضة، بل بين الأمن والارهاب، وهي مقولة قديمة يلّوح بها الطغاة دائماً لتخويف الغرب وافهامه ان السبيل الوحيد لانهاء الارهاب في المنطقة، والذي يتمدد الى اوروبا و اميركا، يكمن بإطلاق ماكينات القمع الدموية لدى الديكتاتوريات، ومنح الطغاة حرية القضاء على شعوبها، ارهابية ام لا.

الغضب العالمي ضد الظلم والقمع والتنكيل والمجازر والسجون والتعذيب واستخدام الأسلحة الكيماوية هو غضب تلاشى، وتم استبداله بفزاعة الإرهاب، وهو جو ملائم جداً للأسد، الذي مازال متمسكاً وعاكفاً على تطبيق شعاره منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية في العام 2011: "الأسد او نحرق البلد".

Since December 2008