السبت، 20 ديسمبر، 2014

الحرب الباردة تتقدم فجأة على أزمات الشرق الأوسط في واشنطن


فيما كان من المتوقع ان تسيطر أزمات الشرق الأوسط على الديبلوماسية الأميركية التي انهمكت بها اثناء المفاوضات النووية مع إيران في جنيف وفي لقاء وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في روما، تقدمت فجأة ملفات عالقة من سنين الحرب الباردة الى الصدارة لتحتل المشهد السياسي في العاصمة الأميركية.

أولى الملفات التي اعادت الحرب الباردة الى الاذهان كان الانخفاض الهائل في سعر صرف العملة الوطنية الروسية، الروبل، والذي بلغ انحداره، على مدى الشهور القليلة الماضية وحتى الأمس، مئة في المئة امام الدولار. والأزمة الروسية مدفوعة جزئيا بالعقوبات الأوروبية والأميركية على موسكو بسبب دورها السلبي في أوكرانيا، وجزئيا بسبب الانخفاض الكبير في سعر النفط العالمي.

لكن في المحصلة، أظهرت الأزمة الاقتصادية الروسية فشلا ذريعا لسنوات من محاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اظهار وكأن بلاده عادت لتلعب دور القوة العظمى، فاذ بالأزمة تظهر روسيا على حقيقتها: أي انها دولة تعيش بشكل أساسي من ريع مبيعاتها النفطية.

وعلى رغم ان بوتين سعى لعقد اتفاقات بيع طاقة بأسعار مخفضة مع الصين للالتفاف على العقوبات الغربية، ثم سعى مع مجموعة دول بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا) الى انشاء مؤسسات تنافس العالمية، مثل بنك كان مقررا ان ينافس البنك الدولي، الا ان أحلام بوتين يبدو انها تحطمت.

وبدلا من ان تعود أميركا وروسيا الى زمن الحرب الباردة، اعادت أزمة روسيا الاذهان الى عقد التسعينات الذي تلى انتهاء هذه الحرب بفوز أميركا على روسيا. وليزيد الرئيس باراك أوباما من مشاكل غريمه بوتين، قال أوباما ان بلاده تنوي فرض مجموعة جديدة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، في وقت تراجع بوتين وفتح قنوات اتصال سرية مع نظرائه الاوروبيين، وابدى استعدادا للتوصل الى حل في أوكرانيا، وهو ما بدا جليا في وقف انفصاليي أوكرانيا إطلاق النار واعلانهم الاستعداد للدخول في مفاوضات مع كييف.

ولم يكد أوباما يظهر زهوه بانتصار سياسته على عناد بوتين حتى أعلن البيت الأبيض مفاجأته حول انهاء أكثر من نصف قرن من القطيعة والعداء مع الجارة كوبا، وحول قرب عودة العلاقات الديبلوماسية والتجارية بين البلدين.

وكوبا لا تتمتع بثقل دولي يذكر في الاميركيتين غير المشاكسة الديبلوماسية والإعلامية، فحجم ناتجها المحلي السنوي هو بحجم ناتج سورية، وعدد سكانها لا يتجاوز 12 مليون نسمة. وبعد نهاية الحرب الباردة والتهديد الذي كان يمكن ان تشكله كوبا كشوكة شيوعية في الخاصرة الأميركية وكمنصة إطلاق صواريخ ضد الولايات المتحدة، تراجعت أهمية كوبا واستمر الحصار الأميركي المفروض عليها بسبب المجهود الكبير الذي قام به اللوبي الكوبي المعادي لنظام كاسترو الحاكم، خصوصا ان ولاية فلوريدا – حيث للكوبيين المهاجرين ثقل انتخابي وازن – هي من الولايات المتأرجحة انتخابيا والتي يشتبك الحزبان الديموقراطي والجمهوري فيها كل سنتين في معارك انتخابية ضارية.

لكن اللوبي الكوبي لم ينجح في وقف أطماع الشركات الأميركية في العودة الى السوق الكوبية، ولا في وقف السياح الأميركيين الذين دأبوا على زيارة الجزيرة الجارة التي تتمتع بشواطئ دافئة سرا بسبب حظر القانون الأميركي على المواطنين السفر الى كوبا او شراء أي منتوجات كوبية، منها السيجار الكوبي الشهير.

وكوبا هي ثان ديكتاتورية يعيد معها أوباما العلاقات الديبلوماسية، بعد بورما، في وقت كرر المقربون من الإدارة – عبر الوسائل الإعلامية المختلفة – القول ان المصالحة الأميركية مع كوبا وبورما يجب ان تبرهن لإيران جدية إدارة أوباما في طوي واشنطن لصفحات الماضي وفتح صفحات جديدة مبنية على إعادة العلاقات، الديبلوماسية منها وخصوصا التجارية.

وبين أزمة روسيا وانفراج كوبا أطلت أزمة أقل جدية مع كوريا الشمالية الشيوعية، التي قام «هاكرز» تابعون لها باختراق حسابات شركة «سوني» الهوليوودية العملاقة للإنتاج السينمائي، حسبما أعلنت الحكومة الأميركية.

وفي التفاصيل ، ان «سوني» كانت تنوي عرض فيلم «المقابلة»، وهو فيلم فكاهي يحكي قصة شابين منحهما زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون فرصة لإجراء مقابلة معه، فطلبت منهما «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي ايه) القيام بمحاولة اغتياله.

وقام «الهاكرز» الكوريون بنشر مراسلات داخلية لشركة «سوني» أظهرت بعضها ان الشركة عرضت الفيلم على موظفين في وزارة الخارجية الأميركية، الذين أبدوا رضاهم. وفي وقت لاحق، هدد الكوريون الشماليون بتهكير كل صالات السينما الأميركية التي ستعرض الفيلم، ما دفع «سوني» والصالات الى التراجع عن العرض وسحب الفيلم، رغم تأكيدات الحكومة الأميركية للشركة والصالات انه يمكن لهم عرضه بأمان، وأن الحكومة تكفل حقهم بذلك بموجب بند حقوق الانسان الذي ينص عليه الدستور الأميركي.

وفيما كان متوقعا ان يتصدر المشهد الشرق أوسطي الأسبوع الأميركي، أقفل الأسبوع فيما الاعلام الأميركي يضج بروسيا وكوبا وكوريا الشمالية في مشهد أوحى وكأن الحرب الباردة عادت الى الصدارة فجأة.

الخميس، 18 ديسمبر، 2014

إيران تحتاج 148 دولاراً سعراً للنفط لتحقيق التوازن في موازنتها العامة

واشنطن - حسين عبدالحسين

أوقعت العقوبات على التجارة الدولية والمالية، التي فُرضت في شكل متصاعد منذ منتصف عام 2012، «أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني»، بحسب «معهد التمويل الدولي» وهو مؤسسة غير حكومية مقرها واشنطن. وكشف المعهد في تقرير بعنوان «إيران: مصير الاقتصاد يتعلق بنتيجة المفاوضات»، أن الناتج المحلي الإيراني «تقلص 6.6 في المئة عام 2012 - 2013، وتراجع 2 في المئة عام 2013 - 2014». ولفت إلى أن «صادرات النفط بلغت 1.1 مليون برميل يومياً منذ فرض عقوبات تموز (يوليو) 2012، مقارنة بـ 2.1 مليون برميل يومياً عام 2011 - 2012».

وبعد أخذ الانخفاض الكبير في سعر صرف العملة المحلية الرسمي وفي السوق السوداء، «سجل الناتج المحلي الاسمي وفق تقديرات المعهد، انخفاضاً من ذروته البالغة 514 بليون دولار عام 2011 - 2012، إلى 342 بليوناً عام 2013 - 2014»، الذي ينتهي في 21 آذار (مارس) 2014، ما يعني أن التراجع بلغ 57 بليون دولار، أو 730 دولاراً لكل مواطن إيراني».

ونتيجة إلزام العقوبات إيران على تقليص صادراتها النفطية إلى النصف، رصد التقرير «انقلاب فوائض ما قبل العقوبات إلى عجز يوازي 1.5 في المئة من الناتج المحلي، ما يعني أن إيران باتت تحتاج إلى وصول سعر برميل النفط إلى 148 دولاراً لتحقيق التوازن في موازنتها، مقارنة بـ 102 دولار للبرميل كانت تكفيها قبل العقوبات لهذا التوازن».

ومن السلبيات الأخرى التي أشار إليها التقرير، «منع العقوبات إيران من استخدام نصف احتياطها المالي البالغ 92 بليون دولار قبل العقوبات». وبسبب إخراجها من النظام المالي العالمي، «أصبحت إيران تواجه مشاكل جدية في الحصول على أي واردات يمكن تحقيقها من صادراتها».

وعن احتياطات المصارف الإيرانية، أبرز التقرير أنها «تقلصت في شكل يعرضها للأزمات وسط ارتفاع في نسبة القروض غير المسددة إلى 14.4 في المئة من القروض الإجمالية في البلاد، ما يعكس نقصاً حاداً في السيولة في قطاع الشركات». ولم يغفل «الصعوبات التي تواجه الأعمال والمتمثلة في الحصول على قروض بسبب محدودية السيولة، وحذر المؤسسات المالية مع تدهور ظروف الإقراض والنقص الحاد في العملات الصعبة».

«ماذا سيكون التأثير الاقتصادي لرفع العقوبات؟»، سؤال طرحه معهد التمويل الدولي، مؤكداً أن «اتفاقاً يؤدي إلى رفع العقوبات تدريجاً بدءاً من تموز (يوليو) 2015، سيسمح بعودة صادرات النفط إلى ما كانت عليه قبل العقوبات مع نهاية عام 2017». كما سيفضي السماح لإيران بالعودة إلى النظام المالي العالمي بـ «تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة والخبرات المطلوبة منذ وقت طويل، إلى قطاع الطاقة ما يرفع إنتاج إيران من النفط إلى معدلات تتجاوز تلك المسجلة قبل العقوبات».

وتوقع التقرير أن «يستعيد الاقتصاد عافيته في شكل كبير في العامين اللذين يليان الاتفاق»، مرجحاً أن «ينمو الناتج المحلي لعامي 2015 - 2016 و2016 - 2017، بنسبة تتراوح بين 5 و6 في المئة على التوالي»، مدفوعاً بـ «صادرات النفط والاستثمارات في القطاع الخاص».

عدم التوصل إلى اتفاق بين إيران ومجموعة دول خمس زائد واحد حول ملفها النووي، لم يستبعد التقرير أن «يواجه الاقتصاد الإيراني مزيداً من الضعف مع استمرار ارتفاع معدل البطالة». و»بموجب هذا السيناريو، ربما يكون هناك تشديد للعقوبات على التجارة والمعاملات المالية، ما يؤدي إلى تقليص أكبر لصادرات النفط الإيرانية ويدفع سعر صرف العملة الوطنية إلى مزيد من التراجع أمام العملات الأجنبية في السوق السوداء، إلى جانب تضخم أكبر».

ورأى التقرير أن إيران «تحتاج إلى معدل نمو يتراوح بين 5 و6 في المئة سنوياً، كي تنجح في خفض معدل البطالة البالغ 14 في المئة حالياً. ونقل المعهد عن «تقرير التنافس العالمي» أن إيران «تحل في المرتبة 83 دولياً من أصل 144 دولة، متقدمة على لبنان ومصر، وهذه مرتبة خلف كل الاقتصادات النامية صاحبة المداخيل المتوسطة. كما تحتل المرتبة 130 من أصل 189 عالمياً، بحسب «البنك الدولي»، على سلم «سهولة الأعمال التجارية» بسبب تدني مستوى إيران في حقول «تسجيل الممتلكات» و»حماية المستثمرين» و»نقص السيولة».

عن الوضع السياسي داخل إيران تجاه أي اتفاق مع المجتمع الدولي، اعتبر «معهد التمويل الدولي»، أن لدى «المعارضة المؤلّفة من الحرس الثوري (خصوصاً فيلق القدس)، مصالح مالية ضخمة تتأذى في حال الانفتاح على الغرب».

ولفت إلى أن «بطلب من المرشد الأعلى (للثورة علي) خامنئي، التزم معارضو الاتفاق الصمت طالما المفاوضات جارية، لكنهم لم يعبروا عن موافقتهم، ناهيك عن غياب دعمهم لأي مصالحة مع الولايات المتحدة».

وخلُص تقرير المعهد إلى أن «نفوذ إيران في لبنان وتورطها في الحرب الأهلية في سورية ودورها الحاسم في العراق، هي أدوار ربما لن تختفي في حال التوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي»، ما يعني أن «تطبيق الاتفاق النووي ربما يترك أخطاراً كثيرة من دون الإجابة عنها، ما قد يعود إلى الانعكاس سلباً على عملية تطبيق الاتفاق ذاته».

الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2014

هل تنجح روسيا بإقناع الأسد التخلي عن إيران؟

حسين عبدالحسين

النشاط الذي يقوم به نائب وزير خارجية روسيا ميخائيل بوغدانوف، يأتي، في معظمه، بالتنسيق مع واشنطن، وهو يهدف لاستكمال الحل السياسي في سورية بإقامة "مؤتمر موسكو"، ويكون مبنياً على مقررات "جنيف 1" و"جنيف 2 " ويكون بمثابة "جنيف 3". الحل الروسي يستعيد مبادرة، يقول بعض المسؤولين الأميركيين، إن قطر وتركيا قدمتاها في الاسابيع الأولى للثورة وتقضي بمصالحة بين الرئيس السوري بشار الأسد ومعارضيه، يتخلى بموجبها عن بعض صلاحياتها، وربما يتحول الى رئيس لحكومة وحدة وطنية.

المسؤولون الأميركيون يقولون ان الأسد كلف في حينه نائبه فاروق الشرع بالتواصل مع معارضين في دمشق كخطوة أولى لحل سياسي، لكن طهران أوفدت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، سعيد جليلي، الذي قال للأسد ان أي تنازل للمعارضة سيراه البعض كمؤشر ضعف، وسيدفع المعارضين الى تقديم المزيد من الطلبات التي لن تتوقف قبل خروجه نهائيا من الحكم، على غرار ما حصل مع رئيس مصر السابق حسني مبارك. ووعد جليلي بالتزام إيران بالقضاء على المعارضة كليا وإعادة الأمور الى ما كانت عليه قبل اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011، مثلما فعلت إيران بقضائها على "الثورة الخضراء".


بعد ثلاث سنوات من المواجهات الدموية المسلحة، ضعف الأسد عسكرياً إلى الحد الذي صار يعتمد وجوده بالكامل على إيران والميليشيات اللبنانية والعراقية الموالية لها. ومع ان طهران تعتقد انه يمكنها القضاء التام على المجموعات المسلحة في سوريا، الا ان موسكو صارت تعتقد انه هدف لا يمكن تحقيقه، بل ان إطالة الحرب السورية يساهم في إعطاء فرصة أكبر للمعارضة المسلحة، وخصوصاً المتطرفة منها مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة"، في تطوير قدراتها وشبكاتها المالية، وتسمح لها بالمزيد من التجنيد.


لذا، ينقل المسؤولون الأميركيون عن نظرائهم الروس قولهم ان الهدف الوحيد في سوريا حاليا يجب ان يكون وقف القتال، وبَدءُ الحوار المباشر بين نظام الأسد والمعارضة السورية المعتدلة لتشكيل حكومة انتقالية يكون هدفها الأول القضاء على التنظيمات المتطرفة مثل "داعش" و"النصرة"، وهو ما يتطلب عقد "مؤتمر موسكو".


لكن مشاركة المعارضة في أي حكومة يتطلب بعض التنازلات من الأسد، كبيرة كانت ام صغيرة، وهو ما ترفضه تماما طهران، وتحاول موسكو اقناع الأسد بضرورته لأن الحل على الطريقة الإيرانية يذهب في درب لا تحمد عقباها.


وفي الوقت الذي تتنافس فيه موسكو وطهران على رعاية الأسد ونظامه، يزداد الأمر تعقيدا مع قرار واشنطن "الوقوف على خاطر" إيران في أي خطوة تقوم بها في سوريا. من هذا القبيل، لم تبدأ أميركا حملتها الجوية ضد "داعش" و"النصرة" داخل سوريا، قبل إخطار النظام بشكل غير مباشر، حتى يطفئ أجهزة دفاعه الجوية ويسمح للمقاتلات الأميركية بالاغارة على هواها، بل إن نظام الأسد كال المديح للحملة الأميركية.


وقبل أسابيع، أرسل وزير الدفاع الأميركي المستقيل، تشاك هيغل، بريداً إلكترونياً الى مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، تساءل فيه عن موقف المقاتلات الأميركية في حال هاجمت قوات الأسد قوات المعارضة، التي تنوي واشنطن تدريبها وتأمين الغطاء الجوي لقتالها ضد "داعش" و"النصرة". "ان حصلت مواجهة بين قوات المعارضة حليفتنا وقوات الأسد، هل نقدم الدعم الجوي للثوار ضد الأسد كما نقدم لهم ضد داعش؟" تساءل هيغل، ليأتيه الجواب من الرئيس باراك أوباما بالطرد.


إذا، لا عداء أميركيا ضد الأسد، والموقف الوحيد المطالب بتنحيه هو نزولا عند رغبة حلفاء أميركا العرب والترك. لكن الموقف الأميركي ضد الأسد لا يعني ان أوباما ينوي القيام بأي ما من شأنه الإطاحة بالرئيس السوري، وهو ما يعني ان لموسكو حرية اقناع المعارضة بدخول تسوية مع الأسد تفضي الى مواجهة الاثنين لـ"داعش" و"النصرة".


مشكلة أخرى تكمن في محاولة روسيا إبقاء الدول العربية، كما إيران، خارج أي حل، فيما تعتقد أميركا نفسها مجبرة بأخذ رأي حلفائها بعين الاعتبار. ربما يرضى الحلفاء العرب بتنازلات يقدمها الأسد ولا ترضى إيران، وقتذاك يتحول الروس الى راعين للأسد ونظامه، ويمكن ان يؤدي اخراج إيران من المعادلة الى وقف المواجهة المسلحة.


على ان المشكلة الأكبر التي قد تواجه "مؤتمر موسكو"، في حال انعقاده، هي سلسلة الانتصارات التي حققتها مؤخرا "النصرة" ضد المعارضة المعتدلة والأسد، فإذا ما أصبحت سوريا تحت سيطرة الأسد و"داعش" و"النصرة"، يصبح "مؤتمر موسكو" لا فائدة منه، اذ يصعب تطبيق قراراته بغياب لاعبين من الثلاثة الكبار. لكن يبدو ان روسيا تأمل في ان تستغل عداء أميركا لـ"داعش" و"النصرة" لمحاصرة هاتين المجموعتين مالياً وسياسياً وعسكرياً، ما يسمح لجبهة مؤلفة من نظام الأسد والمعارضة المعتدلة بالقضاء عليهما.


لكن أميركا، كما المعارضة السورية المعتدلة، تشترطان خروجاً، أو شبه خروج للأسد من الحكم مقابل بقاء نظامه وتنفيذ السيناريو الروسي، فيما يبدو ان موسكو تثق بمهارة ديبلوماسيتها الى درجة يمكنها تمييع هذه الخلافات الجوهرية وطمسها. الأميركيون لا يعتقدون ان الروس سينجحون في مساعيهم، وان مفتاح الحل السوري أصبح في يد إيران منذ فترة. لكن مؤتمراً في موسكو حول الأزمة السورية من شأنه ان يظهر وكأن أميركا مازالت تهتم وتقوم بما شأنه انهاء الأزمة. الشكل عند الأميركيين اليوم اهم من المضمون، ويبدو الأمر كذلك عند الروس الذين يعتقدون ان عقد مؤتمر في موسكو من شأنه تقديم روسيا وكأنه قوة عالمية فاعلة. وحدها طهران تحارب كثيراً في سوريا وتتكلم قليلاً عنها.

Since December 2008