الجمعة، 5 فبراير، 2016

مخاوف من أزمة اقتصادية عالمية أبرز أسبابها انهيار أسعار النفط

واشنطن - حسين عبد الحسين

يحير هبوط أسعار الأسهم في أسواق المال خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة، فمؤشرات الاقتصاد في أميركا والعالم لا تشير إلى هبوط مشابه، ما يدفع الاقتصاديين إلى التفكير في احتمال أن تكون أسواق المال تستشرف ركوداً عالمياً مقبلاً، أم أنها تعكس التباطؤ السابق. كما أنهم يرددون ما قاله بول سامويلسون بتهكم، عن أن «أسواق المال استشرفت تسعة من آخر خمسة حالات ركود أصابت الاقتصاد».

في وسط الحيرة، يعتقد بعض الاقتصاديين أن سبب هبوط أسواق المال هو «انفجار فقاعة النفط». ووفقاً للأرقام كانت الشركات النفطية والحكومات حول العالم أنفقت بحلول نهاية 2014 ما مجموعه تريليون دولار في استثمارات نفطية، لناحية الاستكشاف وإنشاء منصات استخراج وحفر في الطاقة التقليدية والأحفورية.

وكما حصل مع المستثمرين في قطاع السكن قبل عام ٢٠٠٨، اعتقد المستثمرون في الطاقة أن سعرها سيواصل الارتفاع إلى ما لا نهاية، ما دفعهم إلى مزيد من الاستثمار.

وأدى تدفق الأموال على القطاع النفطي إلى ارتفاع أسعار أسهم الشركات العاملة في هذا المجال ما وفّر مزيداً من الاستثمارات، لكن لاحقاً تبين أن العالم لا يحتاج الكمية النفطية التي كان العمل جارياً لتأمين استخراجها فانفجرت الفقاعة النفطية، وانهارت أسعار النفط عالمياً وأسهم الشركات، وانهارت معها أسهم المصارف التي قدمت القروض.

ورافق انفجار الفقاعة النفطية تباطؤ الاقتصاد الصيني، وخصوصاً قطاعه الصناعي، الذي يحتاج إلى الطاقة، ما ساهم في مزيدٍ من التراجع في أسعار النفط العالمية، وتالياً مزيداً من الكساد للطاقة.

لكن خبراء آخرين يعارضون فرضية تأثير «انفجار الفقاعة النفطية» على الأداء الاقتصادي العالمي، ويقولون إنه على عكس المنازل، التي شارك في خلق فقاعتها مستثمرون صغار، ينحصر الاستثمار النفطي بكبرى الشركات وبمالكي الأسهم، وهؤلاء عددهم ضئيل نسبياً قياساً إلى إجمالي المستهلكين في الولايات المتحدة وحول العالم.

وبعد استبعاد إمكان تأثير الانهيار النفطي على الاقتصاد الأميركي، خصوصاً أن انخفاض سعر الطاقة يؤمن للمستهلكين مزيداً من السيولة لإنفاقها على الاستهلاك في القطاعات الأخرى ودفعها إلى النمو، يوجه اقتصاديو أميركا أنظارهم إلى الصين وتراجع اقتصادها كسبب المشكلة في أسواق المال.

إلا أن قيمة الصادرات الأميركية إلى الصين لا تساهم بأكثر من ٢ في المئة من إجمالي الناتج المحلي الأميركي، ما يعني أن أميركا، على عكس البرازيل وأستراليا وروسيا، ليست عرضة للتباطؤ الصيني، أي أن الانهيار الذي تواجهه الأسواق المالية الأميركية قد يكون سببه في مكان آخر.

ويصف الخبير السابق في «صندوق النقد الدولي» أوليفييه بلانكارد الهبوط في أسعار الأسهم بـ «المحير». ويقول إما أن يكون دلالة على خلل أعمق في الاقتصاد الدولي، أو عاصفة في فنجان لا تلبث أن تنقضي وترحل.

ويعتقد بلانكارد أن في الإمكان أن تعاني الأسواق المالية، بمفعول رجعي، توقف المال الرخيص الذي ضخه «مجلس الاحتياط الفيديرالي» بموجب برنامج الإنعاش النقدي، وكذلك رفعه الفائدة للمرة الأولى منذ العام ٢٠٠٧. ويترافق وقف أميركا ضخ المال الرخيص في الأسواق مع إعلان رئيس المصرف المركزي الأوروبي، ماريو داراغي، نيته وقف البرنامج الأوروبي في زيادة الكتلة النقدية من اليورو بسبب بقاء نسبة التضخم منخفضة جداً في عموم الاتحاد الأوروبي.

بدوره، يتساءل المعلق الاقتصادي في صحيفة «نيويورك تايمز» نيل اروين عن السبب الممكن للركود الذي يحتمل أن تكون الأسواق المالية تؤشر إليه. ويقول إن الفقاعة التكنولوجية وقفت عام 2000 خلف الركود وانهيار الأسواق، وفي ٢٠٠٨، كان انهيار قطاع المنازل خلف انهيار الأسواق واندلاع «الركود الكبير».

أما اليوم، فلا يبدو أن في الأفق فقاعة ما، مع اعتبار أن الفقاعة النفطية تؤثر في قطاع محصور بالمستثمرين، فيما تعطي بقية المستهلكين أموالاً إضافية لدفع النمو قدماً.

وتؤشر الأسواق إلى خلل ما في الاقتصاد العالمي والأميركي، فالرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيديرالي، آلان غريسبان، اعترف بعد خروجه من منصبه بأنه ومجلس المصرف لم يلاحظا علامات الخطر التي رافقت التعثر الاقتصادي حتى مع اقتراب «الركود الكبير».

ومع غياب الإجابات من الاقتصاديين التقليديين، يبرز اقتصاديو «المدرسة النمسوية» لينفضوا الغبار عن كتاب أحد أبرزهم، موراي روثبارد، ويعتبرون أن سبب الأزمة هو قيام الحكومات العالمية والمصارف المركزية بطباعة وضخ نقد في الأسواق يؤدي إلى تضخم، وإلى طمس الأسعار الحقيقية للسلع واستبدالها بأسعار وهمية. وبين كل حين وآخر، يستفيق السوق من الأسعار الوهمية على أسعار حقيقية، فتصحح الأسواق ذاتها مع ما يرافق ذلك من هبوط حاد لبعض الأسواق وانهيارات لدى بعض المستثمرين.

وبين الاقتصاديين التقليديين ومنافسيهم، يبدو واضحاً أن عدداً كبيراً من كبار المستثمرين في قطاع النفط ممن استثمروا عبر مصارف أو عبر أسواق المال، لن يستعيدوا أموال استثماراتهم بسبب الإفلاسات الواسعة في قطاع الطاقة، في وقت تقضي السوق النفطية على جزء كبير من الثروة الاسمية التي أنتجتها فقاعة النفط على مدى السنوات الماضية.

فهل تصحح سوق النفط نفسها وتعود بعد ذلك الأسواق المالية، وتالياً الثقة العالمية بالاقتصادات، إلى سابق عهدها؟ أما أن أزمة أسواق المال هي مقدمة لانهيارات أكبر وركود عالمي إن اندلع سيأتي في وقت لم تلتقط الحكومات أنفاسها من ركود عام ٢٠٠٨، وما زالت تعاني ديوناً من ذلك الحين لم تفها للدائنين بعد.

كذلك، تعاني المصارف المركزية من تراخيها، فمجلس الاحتياط الفيديرالي بالكاد رفع الفائدة، ما يعني أن لا وسائل تذكر بين يديه لمحاربة أي ركود جديد قد يصيب الولايات المتحدة أو العالم في شكل أوسع.

متى تتغير سياسة أميركا؟

حسين عبدالحسين

في الشق المخصص للسياسة الخارجية في الندوة بين مرشحي الحزب الديموقراطي للرئاسة هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، حاولت كلينتون التباهي بخبرتها كوزيرة خارجية سابقة بالقول انها هي التي صممت السياسة الاميركية تجاه ايران، وانها هي التي أقامت تحالفاً دولياً لفرض عقوبات اممية على طهران، ثم فتحت حواراً اميركياً معها.

مفهوم، في ليلة انتخابية، ان يتسابق المرشحون الى نسبة اعمال سابقة الى انفسهم، لكن المشكلة تكمن في ان الاميركيين يصدقون رواية أوباما وكلينتون حول الانقلاب، الذي يفترض انهما قاداه في السياسة الخارجية، وهو زعم غير صحيح.

ومن يراجع ارشيف العقد الماضي، سيرى ان خمسة من اصل تسعة قرارات عقوبات اقتصادية في مجلس الأمن صدرت في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، اي قبل وصول أوباما الى البيت الابيض مطلع العام 2009. كذلك، من يراجع الارشيف نفسه، سيرى ان أول من أرسل موفدا اميركيا للمشاركة في مفاوضات مجموعة خمسة زائد واحد هو بوش، الذي اوفد وكيل وزير الخارجية السابق وليام بيرنز للمشاركة في المحادثات في جنيف. وكان ذلك في 20 تموز يوليو 2009.

وكما في السياسة تجاه ايران، كذلك في معظم السياسات الخارجية الاخرى، لم يبتكر أوباما الكثير، فسياسة “الانخراط” مع الرئيس السوري بشار الأسد، التي بدا وكأنه من باشر بها، كانت بدأت فعليا مع قيام وزيرة خارجية بوش كوندوليزا رايس بدعوة نظام الأسد للمشاركة في مؤتمر سلام انابوليس صيف 2007. 

وفي ندوة في مركز أبحاث هدسون في 2009، اتهم مساعد وزيرة الخارجية السابق ومستشار امين عام الامم المتحدة حاليا جيفري فيلتمان اسرائيل بفتحها الباب للأسد للخروج من العزلة الدولية، التي كانت مفروضة عليه منذ حادثة اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في العام 2005، بدخولها بمفاوضات سلام مع الأسد.

وكما في ايران وسوريا، كذلك في العراق، لم يلتزم أوباما ما وعد به، لناحية سحب القوات في الاشهر الستة التي تلت توليه الحكم مطلع العام 2009، بل انه طرد مستشارة حملته الرئاسية للشؤون الخارجية سامنتا باور لقولها صراحة ان مهلة ستة اشهر كانت وعداً انتخابياً، وان أوباما في حال انتخابه رئيساً سيستمع الى ضباطه ويأخذ بنصيحتهم حول موعد الانسحاب، وهو ما حصل، اذ لم ينسحب الاميركيون من العراق حتى نهاية العام 2011، اي بعد ثلاث سنوات على بدء رئاسة أوباما.

كل هذه الامثلة تشير الى ان السياسية الخارجية للولايات المتحدة لا يصنعها الرئيس وحده. صحيح ان للرئيس الاميركي التأثير الاكبر والكلمة الفصل، الا ان السياسة الخارجية الاميركية يصنعها مزيج معقد من الطبقة الحاكمة والرأي العام والبيت الابيض، والدليل ان جزءاً لا بأس به من سياسات أوباما الخارجية كانت في الواقع إستمراراً لسياسات سلفه جورج بوش.

وعلى الرغم من ان الكثيرين يعتقدون ان انقلاباً جذرياً مقبلاً مع انتخاب هذا المرشح الرئاسي الاميركي او ذاك، الا ان التجربة تشير الى انه بغض النظر عن هوية الرئيس المقبل، من المرجح ان تبقى سياسة أميركا تجاه الشرق الاوسط — وخصوصا سوريا — على ما هي عليه، على الأقل في السنة الاولى لتولي الرئيس الجديد منصبه.

حتى جورج بوش الابن، الذي يتحمل اكبر مسؤولية في الذهاب الى الحرب في العراق، لم يشن الحرب وحده، بل ساندته في قرار شنها غالبية من الاميركيين تراوحت من صحيفة “نيويورك تايمز” الليبرالية وافتتاحياتها، الى الليبرتاريين الجمهوريين المعارضين للحروب عادة. طبعا في وقت لاحق، وقعت المصيبة وتحول الجميع الى جلادين، لكن الواقع يبقى ان حرب العراق مسؤولية اميركية جماعية تنصل غالبية المسؤولين عنها من مسؤوليتهم وألقوها على بوش وحده.

على ان الرئيس الاميركي هو الذي يحدد شكل النقاش حول السياسة الخارجية، ويتمتع بمقدرة الانحراف باتجاه او آخر، وان يأخذ في إنحرافه اميركا بشكل عام خلفه، على غرار إنجرار اميركا خلف بوش في دخول الحرب في العراق. 

ان سوء سياسة أوباما الخارجية تدفع الجميع الى الاعتقاد ان اي رئيس مقبل سيقدم سياسة خارجية أفضل، وهذا صحيح، لكن الاعتقاد ان انقلاباً جذرياً سيطال السياسة الاميركية بعد رحيل أوباما هو اعتقاد مبالغ فيه الى حد كبير. 

Since December 2008