الخميس، 24 مايو 2018

«الخطة ج»: أميركا تواجه إيران عسكرياً

واشنطن - من حسين عبدالحسين

أطلقت وزارة الخارجية الأميركية عنوان «الخطة ب» على الخطاب الذي أدلى به وزير الخارجية مايك بومبيو عن سياسة بلاده تجاه ايران، الإثنين الماضي. وفي الحوارالذي تلى الخطاب، رد بومبيو على أحد أسئلة محاوره بالقول إنه إذا اختار الإيرانيون «العودة إلى تخصيب (اليورانيوم)، فسنكون على أتم الاستعداد للرد»، مضيفاً: «أنا حتماً لن أشارك معكم اليوم ما الذي سنفعله بالضبط (في حال عودة ايران إلى التخصيب) أو ماذا سيكون ردنا، ولكننا سمعناهم يقولون (إنهم سيعودون إلى التخصيب)، وآمل أن يتخذوا قراراً مغايراً، أو أن يختاروا مساراً مختلفاً». 
تصريح بومبيو يطرح السؤال التالي: إذا كانت «الخطة ب» التي قدمتها واشنطن حول كيفية تعاملها مع طهران، بدلاً عن الالتزام بالاتفاق النووي، لا تزال تخفي بعض عناصر السياسة الأميركية تجاه إيران، فما الخطة التي تحوي العناصر الأميركية الخفية؟
يجيب العارفون أن عنصراً أساسياً في المذكرة التي وقعها الرئيس دونالد ترامب يوم إعلانه انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، في الثامن من الجاري، كان يكمن في البند الرابع من المذكرة، وهو البند الذي حمل عنوان «الاستعداد للطوارئ إقليمياً». وورد فيه طلب رئاسي إلى وزير الدفاع الأميركي ورؤساء الوكالات الحكومية الفيديرالية المعنية بـ«التصدي، بسرعة وحزم، لكل أساليب العداء الايرانية تجاه الولايات المتحدة» وحلفائها وشركائها. 
وأضاف البند المذكور ان «على وزارة الدفاع تطويرالأساليب المناسبة لوقف تطوير أو حيازة إيران سلاحاً نووياً والأنظمة (الصاروخية) المرافقة».
فعلياً، رسمت إدارة ترامب خطوطاً حمراء ضمنية تتمثل بإعطائها تعليمات لوزارة دفاعها بتوجيه ضربة عسكرية لايران في حالتين: الأولى عودة طهران للتخصيب، وهو التحذير الذي كرره بومبيو في خطاب «الخطة ب»، من دون أن يغوص في تحديد وسائل الرد التي صارت تندرج في إطار «الخطة ج»، التي تعمل وزارة الدفاع على إعدادها تحسباً للمواجهة مع الايرانيين. أما الحالة الثانية التي خوّل الرئيس بموجبها وزارة الدفاع توجيه ضربة لايران فهي أبسط من عودة ايران لتخصيب اليورانيوم، وتتضمن قيام طهران بأي من تجاربها الصاروخية البالستية التي كانت أجرتها بعد توقيع الاتفاق النووي مع المجموعة الدولية.
وفي وقت لم تلتفت وسائل الإعلام الأميركية والعالمية لتهديدات ترامب الخافتة لإيران بتوجيه ضربة عسكرية إليها، التقطت مراكز الابحاث الرصينة في واشنطن اشارات الادارة الاميركية، وأرسل «معهد بروكنغز» بريداً إلكترونياً الى متابعيه حمل عنوان «تغيير النظام في ايران». وفي متن الرسالة، كتبت الباحثة سوزان مالوني، المعروفة بمعارضتها لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي، انه لا يمكن لأي أميركي إلا أن يؤيد لائحة المطالب التي قدمها بومبيو لإيران، لكن المشكلة تكمن في أن إدارة ترامب لم تقدم سبلاً لتحقيق المطالب الأميركية، وأنه ضرب من ضروب الخيال أن تتصور إدارة ترامب أن إيران وهي «في ذروة سطوتها الاقليمية ستقدم سلسلة من التنازلات مقابل وعود ترامب باتفاقية بين طهران وحكومة في واشنطن قامت لتوها بتمزيق اتفاقية قائمة».
ومما قالته الباحثة الأميركية ان «(الخطة ب) التي قدمتها ادارة ترامب حول إيران ليست خطة بتاتاً، بل هي لائحة من الأمنيات الأميركية المغلفة بتحذير من تغيير النظام في طهران».
هكذا، بدأت عبارة «تغيير النظام في إيران» تتردد على ألسن العاملين في الإدارة الأميركية والكونغرس ومن يدورون في فلكهم من خبراء وعاملين في مراكز الأبحاث وفي بعض المؤسسات الاعلامية، وهي بداية، لمن يعرف العاصمة الأميركية، يعلم أنها تنذر ببدء دوران عجلة النقاش حول التغيير الذي يبدو أن إدارة ترامب تنشده، وإن يكن بخجل حتى الآن.

الثلاثاء، 22 مايو 2018

"القوات اللبنانية" في مواجهة "حزب الله"

بقلم حسين عبد الحسين

المفاجأة الانتخابية التي حققها حزب "القوات اللبنانية"، ذو الغالبية المسيحية، بمضاعفته عدد مقاعده البرلمانية لتصل إلى 15 مقعدا، ليست سياسية فحسب، بل مفاجأة لكل من يعتقد أن "حزب الله" والميليشيات الموالية لإيران والمنتشرة في عموم منطقة الأوسط هي مجموعات تنفرد بحسن تنظيمها ويصعب مواجهتها.

وقبل الحديث عن أسباب تقدم "القوات اللبنانية"، والآفاق التي يفتحها هذا التقدم لكل القوى اللبنانية والإقليمية والدولية في مواجهة محور "مكافحة الاستكبار"، الذي تقوده إيران، لا بد من استعراض سريع لطبيعة القوى السياسية في لبنان والدول المجاورة.

منذ زمن الإمبراطوريات العراقية التي اجتاحت المشرق تكرارا منذ العام ألف قبل الميلاد، اعتاد سكان المشرق على تنصيب وجهاء محليين يديرون شؤونهم، بالتعاون مع حاكم باسم الإمبراطورية، تعاونه عادة قوة عسكرية صغيرة. وكان عندما ينتفض المحليون على الحكم الإمبراطوري وعسكره، ترسل عاصمة الإمبراطورية حملة عسكرية تأديبية تعيد فيها الأمور إلى نصابها. هذا النموذج الإمبراطوري ـ المحلي تبناه الفرس والرومان والبيزنطيون، وكل القوى الدولية المتعاقبة التي حكمت غرب آسيا وشمال إفريقيا.

في لبنان بصيص أمل أن ليس كل معارضي "حزب الله" هم من الفاسدين ممن يتنازلون عن مواقفهم للحزب مقابل مقعد في الحكم

حافظت الإمبراطورية العثمانية في اسطنبول على هذا الترتيب في المشرق العربي بتعاونها مع وجهاء محليين يديرون شبكات ريعية، يرثونها أبا عن جد. ومع انهيار العثمانيين، وصعود الحركات القومية، ونشوء دول مستقلة في الشرق الأوسط، حافظ الوجهاء على دورهم، التي اتخذت أشكالا أكثر استقلالية عن الإمبراطوريات، فكان زمن الانتداب، ثم زمن الاستقلالات، وفي الزمنين، استمر الوجهاء في القيادة، إلى أن تحولت الجيوش الوطنية إلى شبكات من الريفيين ممن انتفضوا على الوجهاء، وأطاحوا بحكمهم، وأسسوا ممالك أسموها جمهوريات، مثل "جمهورية" سورية الأسد.


على أنهم لتوجسهم من مؤامرات عسكرية تطيح بهم، على غرار تلك التي قادوها للاستيلاء على الحكم، أنشأ ديكتاتوريو العرب شبكات من البلطجية موازية في قوتها لقوة الجيوش النظامية. هكذا، تحول "حزب البعث العربي الاشتراكي" إلى مطية للراحلين صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سورية، إلى جانب أجهزة استخبارات أقامها الرجلان للإطباق بشكل كامل على الحكم.

في لبنان، أبقى الوجهاء جيشهم الوطني ضعيفا تحسبا من إمكانية انقلابه. وساهم في ضعف السلطة المركزية الأمنية اللبنانية غياب الموارد النفطية التي تمتع بها صدام والأسد لتمويل أجهزة القمع التي أداراها.

على أن ضعف القوى الأمنية اللبنانية فتح الباب أمام صعود الميليشيات المحلية، التي تحولت إلى تنظيمات عسكرية في زمن الحرب الأهلية، وفتحت الباب بدورها أمام الريفيين اللبنانيين، والآتين من الطبقات الاجتماعية المتواضعة والطامحين إلى تسلق سلم العنف الميليشوي.

ومع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، حلت سلطة الوصاية التي كان يمارسها الأسد على لبنان كل الميليشيات، ما عدا "حزب الله"، التي استثنتها دمشق بحجة "مقاومة إسرائيل". ومع تلاشي معظم الميليشيات وانخراطها في الدولة واشتراكها في عملية النهب المنظم المستمر منذ العام 1992، وقفت ميليشيتان خارج الترتيب الجديد: "حزب الله"، الذي حافظ على سلاحه، و"القوات اللبنانية"، التي تخلت عن سلاحها من دون أن تذوب في الدولة على غرار الميليشيات الأخرى.

التنظيم القواتي هو الذي يزعج "حزب الله" اليوم، فحزب "القوات اللبنانية" صار يبدو الحزب الوحيد الخارج عن ترتيب تقاسم الحصص

ذاك القرار القواتي دفع الأسد إلى شن حملة تأديبية أدت إلى حل حزب "القوات اللبنانية" وسجن رئيسه سمير جعجع، الذي لم يخرج من سجنه إلا بعد انحسار نفوذ نظام الأسد في لبنان في العام 2005. منذ خروجه من سجنه، مضى جعجع في إعادة بناء جهازه الحزبي المشهود له بحسن تنظيمه وانضباطه في زمن الحرب، ولكن هذه المرة بنى جعجع حزبه بدون سلاح، كحزب سياسي بحت.

هذا التنظيم القواتي هو الذي يزعج "حزب الله" كثيرا اليوم، فحزب "القوات اللبنانية" صار يبدو الحزب الوحيد الخارج عن ترتيب تقاسم الحصص، الذي يقوده وجهاء السياسة اللبنانية منذ قرون. كما يبدو أن "القوات اللبنانية" الحزب الوحيد الذي يمكنه منافسة "حزب الله" جديا في تنظيم الصفوف، وفي الانتخابات والمنافسات السياسية المختلفة.


هي مفاجأة أن يخرج من رحم الثورات الديمقراطية العربية العديدة حزب لا يغرق في صغائر السياسية، على غرار حلفاء "القوات" الآخرين في "تحالف 14 آذار" المندثر. وحزب "القوات اللبنانية" يستند إلى قدرات ذاتية، ويظهر جدية في العمل تغيب عن عمل باقي معارضي "حزب الله" اللبنانيين.

وللتوضيح، ليست "القوات اللبنانية" حزبا ديموقراطيا، وهو أمر مؤسف، بل هي تعاني من غياب التداول الفعلي للسلطة في القيادة، التي ينفرد فيها جعجع منذ منتصف الثمانينيات. لكن الأحزاب تنتمي لبيئتها، و"حزب الله"، الذي أعلن إبان تأسيسه التزامه مبدأ الشورى الإسلامي لتداول القيادة، نسف هذا المبدأ منذ سنوات كثيرة مع تحول زعيمه حسن نصرالله "أمينا عاما" إلى الأبد.

في لبنان بصيص أمل أن ليس كل معارضي "حزب الله" هم من الفاسدين ممن يتنازلون عن مواقفهم للحزب مقابل مقعد في الحكم، أو مقابل سماح الحزب لهم بالإثراء على حساب المال العام، وهو أمل يسمح لمن يبحث عن فرص سياسية في لبنان أن يراهن على "القوات اللبنانية"، أو من يحذو حذوها، بدلا من الرهان على بائعي المواقف ممن يطلبون الكثير من الدعم، ولا يقدمون في المقابل إلا شذرات نتائج، مع استعدادهم الدائم للانقلاب في مواقفهم على طريقة المثل اللبناني الذي يقول "من يأخذ أمي يصبح عمي".

Since December 2008