الجمعة، 27 مارس، 2015

إدارة أوباما مصمّمة على التوصّل إلى اتفاقية مع إيران... بأي ثمن

واشنطن - من حسين عبدالحسين

رغم تصريحات رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية كريستيانو امانو ان طهران لم تجب إلا عن مجموعة واحدة من الاسئلة، من بين 12 كانت الوكالة قدمتها الى الحكومة الايرانية حول الشق العسكري لبرنامج ايران النووي، لا تبدو اي علامات قلق على فريق الرئيس باراك أوباما، الذي يبدو ان ادارته عقدت العزم على التوصل الى اتفاقية نووية مع الايرانيين وبأي ثمن.

ابرز دلالات تمسّك ادارة أوباما بالتوصّل لاتفاقية مع ايران جاءت في مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز» بقلم المعلق توماس فريدمان، وهو من المقرّبين للرئيس الاميركي وممن يزورون البيت الابيض في شكل متواصل.

وكتب فريدمان انه قبل ابداء آرائهم بالاتفاقية المزمع توقيعها، على الاميركيين ان يتساءلوا «كيف يتلاءم ذلك مع إستراتيجية اميركية اوسع تهدف الى تخفيف الاحتقان في الشرق الاوسط، مع أقل تدخل أميركي ممكن، وادنى اسعار ممكنة للنفط».

ويعكس فريدمان آراء المسؤولين الاميركيين، الذين دأبت «الراي» على التحدث اليهم على مدى السنوات القليلة الماضية، في ان أوباما ومجموعة المحيطين به يعتقدون ان اي اتفاقية اميركية مع ايران هي بمثابة فوز متعدد الاوجه. ويعزز هذا الاعتقاد رؤية الادارة انه في حال تحوّلت ايران الى دولة حليفة، لا يعود البرنامج النووي الايراني يشكّل مشكلة، فلواشنطن حلفاء نوويون حول العالم مثل باكستان والهند وغيرهما.

ويعكس فريدمان وجهة نظر أوباما القائلة ان «عودة ايران الى السوق النفطي من شأنها ان تؤدي الى انخفاض في السعر العالمي، وهو ما ينعكس ايجابا على الاقتصاد الاميركي. كذلك من شأن عودة الشركات الأميركية الى السوق الايرانية النامية ان يخلق وظائف للاميركيين ويعود عليهم بارباح اقتصادية كبيرة».

ويردد فريدمان انه على رغم ان ايران ساهمت في تسليح وتدريب الميليشيات التي قتلت عددا كبيرا من الجنود الاميركيين في العراق، الا انه «لم يكن هناك اي ايرانيين في هجمات 11 سبتمبر».

لكن ماذا يحصل في حال تم رفع العقوبات عن ايران، بموجب الاتفاقية، وراحت ايران تستخدم الاموال المتدفقة عليها لتعزيز نشاطاتها المزعزعة للأمن في المنطقة؟ في وقت يبدو هذا السيناريو سلبيا، خصوصا لحلفاء أميركا العرب، الا انه حسب رؤية ادارة أوباما امر ايجابي، فاذا قررت ايران الاستمرار في دعم ميليشيات مسلحة غير حكومية في بلدان عربية، فمن شأن ذلك ان يعطّل تمدد تنظيمات معادية لاميركا مثل تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، كما من شأنه ان يرهق الخزينة الايرانية، حتى مع الاموال الجديدة التي ستتدفق عليها بعد رفع العقوبات عن طهران.

«على مدى عشر سنوات»، يكتب فريدمان، «كانت الولايات المتحدة هي المنهكة في العراق وافغانستان، والآن سيكون دور ايران»، ويتابع: «ادارة الانحدار لأنظمة في الدول العربية ليست مشكلتنا، فنحن برهنّا مرارا اننا لسنا مؤهلين لذلك».

التفكير «الاوبامي» مازال نفسه على مدى السنوات الماضية، وهو يتمحور حول الاعتقاد باستحالة وقف البرنامج النووي الايراني بعمل عسكري ومن دون الاتفاق مع طهران، لان الايرانيين حازوا تكنولوجيا يصعب انتزاعها منهم. وحسب التفكير «الاوبامي» نفسه، فان رفع العقوبات عن ايران واطلاق يدها في منطقة الشرق الاوسط قد يحولها الى دولة حليفة، فان حصل ذلك، تنتفي مشكلة حيازة ايران للنووي، وان استمرت ايران في سياساتها الحالية التوسّعية، تقوم بعمل شرطي المنطقة مع ما يعني ذلك من القضاء على اطراف تكنّ عداوة اكبر من الايرانيين تجاه اميركا، ومع ما يعني ذلك ايضا من استنزاف للمقدرات الايرانية، حتى تلك التي تحصل عليها ايران بعد رفع الحظر الاقتصادي الدولي عنها.

الاوبامية ستستمر بعد أوباما

حسين عبدالحسين

يخطىء من يعول على انقضاء ما تبقى من ولاية الرئيس باراك أوباما وخروجه من الحكم مطلع ٢٠١٧ كحل للتخلص من سياسة أميركية خارجية قضّت مضاجع الكثيرين، فالأوبامية بدأت قبل أوباما، ولن تنتهي على الارجح بخروجه.

اعادة هندسة الشعوب وبناء ديموقراطيات حول العالم عن طريق القوة العسكرية هي سياسة المحافظين الجدد التي تبناها الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش، بعد هجمات ١١ ايلول ٢٠٠١، كحل لمعضلة الدول المارقة التي كانت تعاني منها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، وكوسيلة امتصاص الغضب الشبابي الذي انفجر في وجه الاميركيين، ولكنها سياسة تخلى عنها ابان فوزه بولاية ثانية نهاية العام ٢٠٠٤. 

منذ مطلع ٢٠٠٥، اخرج بوش عتاة المحافظين الجدد من ادارته من امثال ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث وبول وولفويتز. وبعد خسارة الجمهوريين الغالبية في الكونغرس في العام ٢٠٠٦، اخرج وزير دفاعه دونالد رامسفيلد وفرض حظرا سياسيا على نائبه ديك تشيني، واطلق عنان العملانيين في ادارته من امثال وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، التي فتحت الباب للنظام السوري للخروج من عزلته بدعوتها فيصل المقداد لحضور مؤتمر السلام في انابوليس في صيف ٢٠٠٧. وبعد ذلك بعام، دفعت تحالف ١٤ آذار اللبناني الى الدخول في تسوية سياسية وحكومة مشتركة مع "حزب الله" وحلفائه. 

وقبل ان تخرج رايس من الحكم، وافقت على الدخول في مفاوضات دولية مع الايرانيين بالتخلي عن شرط وقف طهران تخصيب اليورانيوم. حتى الانسحاب من العراق، نفذه أوباما وفق الجدول الزمني الذي وضعه بوش بحذافيره، على الرغم من كل وعود أوباما الانتخابية بتنفيذ الانسحاب في فترة ستة اشهر من انتخابه.

اذاً، لم تشكل سياسة "الانخراط مع الأسد"، التي اعلنها أوباما ابان تسلمه الحكم في العام ٢٠٠٩، انعطافة تذكر في السياسة الخارجية الاميركية، كما لم تشكل الاندفاعة نحو طهران افتراقا عن السياسة الاميركية التقليدية نحو ايران.

ومنذ قيام الثورة الايرانية في العام ١٩٧٩، حاول جميع الرؤساء الاميركيين استجداء طهران لاعادة العلاقات الى ما كانت عليه في زمن الشاه. الرئيس الديموقراطي جيمي كارتر دفع بمستشاره للأمن القومي زبيغنيو بريجينسكي للقاء المسؤول الايراني مهدي بازركان في الجزائر لاعادة العلاقة مع ايران الخميني، وكذلك فعل الرئيس الجمهوري رونالد ريغان الذي ارسل مستشاره للأمن القومي تيد ماكفرلين الى طهران للقاء ثورييها في العام ١٩٨٦، الذين كان في طليعتهم شيخ شاب اسمه حسن روحاني. اما الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب، فكلف وزير خارجيته جيمس بيكر التنسيق مع ايران عبر وسطاء ابان حرب الخليج الاولى، وتلاه الرئيس الديموقراطي بيل كلينتون الذي كاد ان يصافح نظيره الايراني محمد خاتمي. ثم جاء بوش الابن، الجمهوري المتشدد، ليرسل السفير ريان كروكر في رحلات سرية الى جنيف للقاء مسؤولين ايرانيين والتنسيق معهم حول افغانستان والعراق، وهي علاقة بنى عليها أوباما في سياسة انفتاحه على طهران.

قد يكون لكل من الرؤساء الاميركيين المتعاقبين منذ العام ١٩٧٩ اسلوب مختلف في السياسة الخارجية، وقد يبدو أوباما مترددا اكثر من غيره، ولكن الرئيس الحالي لم يقدم جديدا في سياسة أميركية تهدف، منذ الثورة الايرانية، الى استعادة العلاقة الماضية المميزة بين البلدين.

وعلى الرغم من معارضة الكونغرس الجمهوري لسياسة أوباما الديموقراطي في الانفتاح على ايران، الا ان صلاحيات أوباما تخوله تجاوز السلطة التشريعية ورفع العقوبات، وهذا لو حصل ودخلت الشركات الاميركية السوق الايرانية وصارت للاميركيين مصالح تجارية هناك، يصبح من الاصعب على اي رئيس سيخلف أوباما، ديموقراطيا كان ام جمهوريا، ان يعيد العقوبات من دون مقاومة شديدة من المنتفعين من الانفتاح على ايران ولوبياتهم في واشنطن.

لرؤساء اميركا صلاحيات واسعة، خصوصا في السياسة الخارجية. لكن سياساتهم الخارجية، على الرغم من التباينات بينها، لا تبتعد كثيرا عن الخط الرئيسي الذي ترسمه المؤسسة الحاكمة بحزبيها، اي "الاستابلشمنت"، وهو ما يجعل عقد الآمال على نهاية كابوس أوباما في السياسة الخارجية بعد خروجه من الحكم عملا في غير محله.

- See more at: http://www.almodon.com/opinion/038dff88-0b08-425d-b323-b31dfdf2337c#sthash.iekT9FMv.dpuf

Since December 2008