الثلاثاء، 20 فبراير 2018

لماذا يكره العالم أميركا؟

بقلم حسين عبد الحسين

في الفضاء الإعلامي الناطق بالعربية، يندر العثور على أي مادة إيجابية بحق الولايات المتحدة. في المقالات والتقارير في إعلام الدول الصديقة، مثل مصر وتركيا والعراق، كما في إعلام الدول العدوة، مثل إيران وسورية والسودان، يتم تصوير أميركا على أنها مصدر كل بلاء الكون وشروره. في الإعلام الناطق بالإنكليزية كذلك، باستثناء في أميركا وإسرائيل، الصورة عن أميركا سلبية. حتى في كندا، لا تسلم الجارة الأميركية من الانتقاد المتواصل.

التفسير لدى رجالات دولة مخضرمين، من طراز السناتور السابق جورج ميتشل، هو أن هذا النوع من الكراهية مفهوم، ففي تاريخ البشرية، حسد ضد القوي والناجح والمتفوق، وفي هذه الحالة الولايات المتحدة. وميتشل هذا يتمتع بخبرة دولية واسعة، فهو عراب اتفاقية السلام التي أنهت الحرب الأهلية الإيرلندية، وهو مبعوث سلام إلى الإسرائيليين والفلسطينيين، على الرغم من فشله في إحداث أي تقدم بسبب تعقيدات صراع أفشل كل من سبقه من مبعوثين.

لكن الأرجح أن كره العالم للولايات المتحدة ليس مصدره الغيرة، على ما يعتقد السناتور ميتشل. هذا الكره تصنعه أجهزة استخبارات الحكومات المعادية لأميركا، الصديقة منها والحليفة، وتموله، وتسعى إلى نشره بين سكان المعمورة وتحويله إلى ثقافة طاغية.

تفوق أميركا ليس في جيشها، ولا في اختراعاتها بل في الحرية التي يتمتع بها أفرادها وفي تفويض أمرهم إلى حكومة ينتخبونها لأجل محدد

لكن كراهية أميركا، على انتشارها، تبقى مزيفة ومصطنعة، فالعالم بأكمله يتابع أدق تفاصيل الحياة الأميركية، من الانتخابات الرئاسية، إلى حفل جوائز الأوسكار السينمائية، ومباريات كرة السلة، والمسلسلات الكوميدية، وبرامج تلفزيون الواقع، وأفلام هوليوود. يتلقى العالم أخبار أميركا بشغف ويتابعها، ويسعى للاندماج فيها. وزيارة الولايات المتحدة ـ إن للانتساب لجامعاتها أو للإقامة فيها والهجرة إليها ـ ما تزال في صدارة أولويات غالبية سكان المعمورة.

اقرأ للكاتب أيضا: للبيع: سياسيون في لبنان

وبالتدقيق، يتبين أنه حتى الحكومات المعادية لأميركا، تنظر إلى كل ما هو أميركي باحترام وتسعى للتمثل به، وهو ما يجعل بعض مواقف هذه الحكومات أمرا عجيبا. مثلا، تطلق الصين، التي تلعن النموذج الأميركي المبني على الحريات الفردية، شعار "الحلم الصيني"، وهي عبارة مستوحاة من "الحلم الأميركي"، وهو حلم مصمم للأفراد ولحريتهم ولسعادتهم، لا لحكوماتهم، وهو ما يتنافى مع فلسفة الحكم الصيني القائم على قيادة الحكومة لحياة كل صيني بتفاصيلها الدقيقة.

ومن عجائب كراهية العالم لأميركا أن "الجمهورية الإسلامية" في إيران أعلنت عن استيائها يوم أصدر الرئيس دونالد ترامب مرسومه الاشتراعي، الذي قضى بمنع دخول مواطني بعض الدول إلى الولايات المتحدة، ومنهم مواطني إيران. اعترضت طهران على منع أميركا، التي تشتمها يوميا وتسميها "الشيطان الأكبر"، دخول الإيرانيين إليها، في موقف متناقض لا يتناسب مع دولة قائمة على شتم أميركا وثقافتها وفلسفة كيانها السياسي.

ومن عجائب الأمور أيضا تلك الأغنية المصرية العنصرية ضد الرئيس السابق باراك أوباما، والتي أرادت إظهار تفوق نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ليس على أوباما فحسب، بل على أميركا بأكملها، فأوردت صورا تظهر السيسي والجيش المصري في سيارات همفي العسكرية، التي يتسلمونها بموجب المساعدة الأميركية السنوية إلى مصر، في مفارقة لم تخف إلا على منتجي الأغنية.

اعترضت طهران على منع أميركا، التي تشتمها إيران يوميا وتسميها "الشيطان الأكبر"، دخول الإيرانيين إليها

ربما هي وسيلة تستخدمها الحكومات لتبرير تسلطها المسبب لتؤخرها وشعوبها، مقارنة بتقدم الولايات المتحدة والدول الديموقراطية الحرة. فيتظاهر رئيس روسيا فلاديمير بوتين وكأنه انتزع الشرق الأوسط من السيطرة الأميركية، وتتظاهر الصين وكأنها الأولى في عدد التسجيلات السنوية للملكية الفكرية (وهي عملية يتلاعب فيها الصينيون لإظهار تفوق مزعوم).

لكن الواقع هو أن تفوق أميركا ليس في جيشها، ولا في اختراعاتها، بل في الحرية التي يتمتع بها أفرادها، وفي تفويض أمرهم إلى حكومة ينتخبونها لأجل محدد، مقارنة بالدول التي تكره أميركا، والتي يحكم حكامها شعوبهم إلى الأبد، ويحصون على مواطنيهم أنفاسهم، ويمنعون عنهم حريتهم.

ولأن حرية شعوب العالم محدودة، يصبح متنفسها الوحيد التعبير عن الكراهية تجاه الولايات المتحدة. ولأن الولايات المتحدة هي من الدول القليلة التي تحترم حرية الرأي، حتى السلبي منه في حقها، تصبح وكأنها مصدر الشر في العالم. لكنها صورة مزيفة يصنعها طغاة العالم ويفرضونها على شعوبهم. أما هذه الشعوب، فتعشق أميركا سرا، ويسعى مواطنوها لزيارة الولايات المتحدة والهجرة إليها في أي فرصة تسنح لهم.

الأحد، 18 فبراير 2018

موازنة ترامب لعام 2019: بيان سياسي لإرضاء الأنصار المحافظين

واشنطن - حسين عبدالحسين

قدم فريق الرئيس دونالد ترامب موازنته لعام 2019، متوقعاً أن يبلغ الإنفاق 4.41 تريليون دولار أي ما يوازي 21 في المئة من الناتج المحلي، في مقابل عائدات تصل إلى 3.42 تريليون أي 16.3 في المئة من حجم الاقتصاد الأميركي، وعجز سنوي في موازنة الحكومة الفيديرالية بواقع 984 تريليون دولار، أي 4.7 في المئة من الناتج المحلي.

وهكذا، يرتفع العجز السنوي في عهد ترامب المحسوب على الجمهوريين المحافظين مالياً، بنسبة 25 في المئة عمّا كان عليه في زمن سلفه الديموقراطي باراك أوباما، وبلغ خلال عهده في موازنة عام 2017 نحو 665 تريليون دولار.

ويعمد الفريق الرئاسي، في مسودة الموازنة التي قدمها إلى الكونغرس، إلى تبني ما وصفها الخبراء بـ «البهلوانيات» في الأرقام، فيجعل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي 80.3 في المئة بسبب عدم احتسابه بعض أجزاء الدين العام، وحصره بتسمية «دين الحكومة للجمهور». في وقت يعتقد الاقتصاديون أن نسبة الديْن الأميركي إلى الناتج المحلي تعدت 100 في المئة مع بلوغه 20.6 تريليون دولار، فيما يبلغ الناتج المحلي السنوي 19.7 تريليون.

ومثل الإدارات السابقة، كانت مسودة الفريق الرئاسي لموازنة العام المقبل، مثابة بيان يرسم الموقف السياسي ورؤية الرئيس وفلسفته في الحكم. المشكلة الوحيدة تكمن في أن رؤية ترامب تبدو متضاربة، فهو يحسم 756 بليون دولار، على مدى العقد المقبل من «الإنفاق غير الدفاعي»، أي ما يخفض هذا الإنفاق بنسبة 42 في المئة مقارنة بالأرقام الحالية. فيما يعمد إلى زيادة «الإنفاق الدفاعي» بواقع 777 بليون دولار، وهي أموال ناتجة في غالبها من تقليص موازنة «الحروب» التي تخوضها الولايات المتحدة حالياً، والمتوقع أن تصل خاتمتها على مدى السنوات القليلة المقبلة.

لكن خفوضات ترامب للإنفاق غير الدفاعي تتعارض مع ما صادق عليه قبل أسبوع لموازنة هذه السنة، والتي توافق فيها ترامب وحزبه مع الديموقراطيين على زيادة الإنفاق بواقع 300 بليون دولار على مدى العامين المقبلين، نصفها للدفاع والآخر للإنفاق غير الدفاعي.

واعترض الاقتصاديون أيضاً على الصورة الزهرية التي يرسمها فريق ترامب للنمو وتالياً للعجز السنوي، وقال هؤلاء إن مسودة الموازنة «قدّرت معدل النمو الأميركي على مدى العام المقبل بـ3 في المئة، فيما تشير كل التوقعات الحكومية وفي القطاع الخاص، إلى أن نسبة النمو ستبلغ 2 في المئة فقط».

وبعد الاعتراضات، أرسل الفريق الرئاسي ملحقاً مرفقاً إلى الكونغرس على أساس احتساب النمو بمعدل 2 في المئة، فأدى ذلك إلى زيادة في العجز تجاوزت 300 بليون دولار سنوياً، ليتخطى المعدل المرتفع المتوقع أصلاً، بالغاً نحو 1.2 تريليون أو 6 في المئة من نسبة الناتج المحلي الأميركي، وهي مرتفعة في «الأوقات الطبيعية»، أي عندما لا تكون الحكومة في موقع الإنفاق لاحتواء ركود ما وإعادة تنشيط الاقتصاد.

في المواضيع الكبرى التي حاول فريق ترامب الإشارة إليها في الموازنة، نيته إنفاق 200 بليون دولار على مدى العقد المقبل، لتمويل مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة في البلاد. لكن المسودة ذاتها، تقلّص الإنفاق في أبواب محسوبة على البنية التحتية، مثل تقليص موازنة الإدارة المسؤولة عن سلامة عمل القطارات التابعة لوزارة النقل، ما يعني أن ترامب يحاول تمويل بعض مشاريع البنية التحتية، باقتطاع الأموال من مشاريع بنية تحتية ضرورية أخرى.

وكان فريق ترامب أعلن أن خطته للبنية التحتية تبلغ 1.5 تريليون دولار، حصة تمويل الحكومة الفيديرالية فيها 200 بليون فقط، فيما تؤمّن بقية الأموال من الحكومات المحلية وتلك في الولايات، فضلاً عن القطاع الخاص عبر مشاريع «بناء تشغيل ونقل».

وفور إعلان خطة البنية التحتية، اعترض كثيرون، كان في طليعتهم زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ السناتور عن ولاية نيويورك تشاك شومر، الذي قال في خطاب أمام المجلس، إن «الطلب إلى الحكومات المحلية التي تعاني من شح في الأموال أصلاً، تمويل مشاريع من هذا النوع، يعني أنها ستضطر إلى رفع ضرائبها على المواطنين».

واعتبر شومر أن «في توكيل القطاع الخاص مشكلة، لأنه يسعى إلى الربح السريع من طريق فرض رسوم مرور». وقال إن «مشكلة الاستناد إلى القطاع الخاص، أنه سيسارع إلى بناء طرق وجسور في المناطق التي يعيش فيها الأثرياء أو ذات الكثافة السكانية، ولكن القطاع سيتفادى الدخول في مشاريع بناء في المناطق الريفية، حيث تنخفض الكثافة السكانية، وتالياً نسبة المرور وتحقيق الأرباح بالسرعة التي يسعى إليها القطاع الخاص.

خطة ترامب الاقتصادية لاقت اعتراضات واسعة من الطرفين، وعلى رغم أنها على غرار كل موازنات الرئاسات السابقة، بمثابة بيان أو موقف سياسي لإرضاء المؤيدين والأنصار، إلا أنها مع ذلك تغرق في بهلوانيات وتناقضات مع سياسات ترامب الاقتصادية الأخرى، أو مع وعوده بعدم الاقتطاع من أي من الصناديق الاجتماعية، التي يفيد منها جزء واسع من أنصاره. مع ذلك لحظت مسودة موازنة 2019 اقتطاعات بواقع 7.1 في المئة من صندوق ”الرعاية الصحية“، و22.5 في المئة من صندوق «العناية الصحية» المخصص لذوي الدخل المحدود، والذي يمول جزءاً كبيراً من برنامج الرعاية الصحية المعروف بـ ”أوباما كير».

Since December 2008