الخميس، 29 يناير، 2015

أوباما أكّد تمسّكه بتسوية مع إيران والملك سلمان لم يعلّق


| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

اقتنص الرئيس باراك أوباما مناسبة تقديم العزاء بخادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز ليزور الرياض، أول من أمس، للمرة الثانية في أقل من سنة. المملكة لم تعر أهمية كبيرة لأوباما في زيارته الأخيرة في مارس الماضي، بل حرص الملك الراحل على عدم عقد لقاء قمة، واكتفى بتحويل الاجتماع بروتوكوليا الى «غداء عمل». هذه المرة، رأى أوباما في زيارة تقديم تعازيه فرصة سانحة لتقديم وجهة نظره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فقطع زيارته الى الهند، وعرج على الرياض.

وللوفد الذي اختاره أوباما لمرافقته في السعودية دلالة، فهو تضمن ثلاثة وزراء خارجية هم الحالي جون كيري والسابقان الجمهوريان جيمس بيكر وكوندوليزا رايس. كذلك، طلب أوباما ان يحضر من الولايات المتحدة الى الرياض برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي في زمن الرئيس جورج بوش الأب.

والى العلاقات التي يتمتع بها المسؤولون الأميركيون الثلاثة السابقون مع نظرائهم السعوديين، يتميز الثلاثة بتبنيهم، اثناء عملهم في الحكومة، سياسات انفتاح وانخراط على دول لم تكن عادة في مصاف الصديقة او الحليفة للولايات المتحدة. فبيكر هو مهندس التحالف الذي أخرج جيش صدام حسين من الكويت، وهو الذي أدخل سورية في التحالف ودعاها الى مؤتمر مدريد. وبيكر هو الذي هندس اتفاقية انهاء الحرب الاهلية في لبنان ووضعه تحت وصاية سورية. كذلك، كان بيكر من أبرز الجمهوريين المعارضين لحرب العراق، وهو قدم دراسة عرفت بدراسة «بيكر - هاملتون» دعا فيها وقتذاك لانسحاب فوري وتعاون مع سورية وايران. لكن بوش لم يستمع لرأي صديق والده، بل آثر المراهنة على خطة «زيادة القوات» ومصادقة عشائر غرب العراق، فانخفض العنف الى مستوى ما قبل 2003.

اما رايس، ورغم انها عملت لدى أحد أكثر رؤساء أميركا من الصقور في السياسة الخارجية، أي جورج بوش الابن، الا ان رايس هي مهندسة مؤتمر انابوليس للسلام العربي - الإسرائيلي، والذي فتحت بموجبه الباب لنظام الرئيس بشار الأسد للخروج من عزلته المفروضة عليه آنذاك منذ اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005. وفي وقت سابق، كانت رايس رعت التوصل لاتفاق الدوحة بين حلفاء أميركا «وحزب الله» في لبنان.

اما سكوكروفت، فنقل عن لسانه، الأسبوع الماضي في جلسة استماع في الكونغرس، صديقه زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الديموقراطي السابق جيمي كارتر، ان «إيران بدأت في التطور لتصبح دولة حضارية ومهمة جدا في التاريخ». وقال بريجنسكي انه يتشارك هذا الرأي مع سكوكروفت.

وجود هؤلاء الثلاثة وحدهم، أي بيكر ورايس وسكوكروفت، يشي بأن أوباما استنجد بأصدقاء سابقين للمملكة واستقدمهم لاقناع الرياض بقبول وجهة نظره القائلة بفائدة الانفتاح على إيران. وكانت مصادر أوباما عممت مؤخرا انها لا تمانع بقاء الأسد رئيسا لسورية، وأنها تدعم في هذا السياق مبادرة موسكو للخروج بحل سياسي سوري.

في الطائرة الرئاسية الأميركية، قال الناطق باسم «مجلس الأمن القومي» بن رودز، والذي حضر اللقاءات الثنائية في الرياض، للصحافيين ان اللقاء بين الزعيمين تطرق الى عدد من الأمور، لخصها بالترتيب التالي: «المجهود المشترك في محاربة الإرهاب، بما في ذلك مكافحة الدولة الإسلامية (داعش)، والعملية في سورية والحاجة الى تقديم الدعم المتواصل للمعارضة هناك، والوضع في العراق والحاجة الى الوحدة بين مكوناته». تلا ذلك حديث عن ضرورة إعادة الاستقرار لليمن، ثم حديث عن نشاطات إيران «المزعزعة للاستقرار»، والمفاوضات النووية الجارية معها.

وقالت مصادر في البيت الأبيض ان أوباما شدد على «رغبته في حل ديبلوماسي» مع الإيرانيين، وأضافت المصادر نفسها ان العاهل السعودي «لم يعلق على موضوع المفاوضات» لكنه قال انه يعتقد انه «لا يمكن لإيران حيازة أسلحة نووية».

وبالإجابة عن سؤال حول صحة الملك السعودي، قالت المصادر الأميركية انه خاض في حوار مع أوباما بالتفاصيل، ومن دون الركون الى أية ملاحظات مكتوبة او الى أوراق او مساعدين. وقالت المصادر نفسها ان الرجلين تحدثا في الأمور «بتفصيل» و«بعمق». لكن نبرة المصادر نفسها اوحت وكأن التباينات في الرأي مازالت سائدة.

ربما لهذا السبب تقرر بقاء بعض المسؤولين الاميركيين في السعودية بعدما غادرت «طائرة القوة الجوية رقم واحد» الرئاسية في طريقها الى المانيا ومن ثم الى واشنطن. هكذا، بقيت مستشارة أوباما لشؤون الأمن القومي ليزا موناكو وعدد من المسؤولين في الرياض لعقد المزيد من الاجتماعات والمباحثات.

الزيارة كانت إيجابية، على الأقل في الشكل وفي تصريحات المسؤولين من الدولتين، لكن التباين ظل واضحا. أوباما حاول اللجوء الى كبار اركان الدولة السابقين لتسويق التسوية الديبلوماسية مع إيران حلا وحيدا في المنطقة، والملك السعودي حافظ على صمته، ربما عملا بآداب الضيافة العربية لا أكثر.

الثلاثاء، 27 يناير، 2015

إدارة أوباما: المجاهرة بالانحياز ضد السنة والتعاون مع الشيعة

حسين عبدالحسين

في خضم الأحداث المتلاحقة، لم تحز تصريحات مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الاستخبارات، مايكل فيكرز، الأسبوع الماضي، الكثير من الاهتمام، لكنها أظهرت تحيزاً لا يقبل الشك للرئيس باراك أوباما وإدارته، لمصلحة التنظيمات ذات الهوية الشيعية وإيران، على حساب المجموعات والأنظمة السنية.

وفي جلسة استضافها "مركز الأطلسي" للأبحاث في العاصمة الأميركية، ورداً على سؤال حول إن كانت لبلاده "خطوط تنسيق استخباراتية" مع جماعة الحوثي في اليمن، أجاب فيكر بالإيجاب. بعد ذلك بأيام، أعلنت واشنطن انها قطعت التنسيق في مكافحة الإرهاب الذي كانت تقوم به مع الحكومة اليمنية التابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي في وجه "تنظيم القاعدة".


وسبق لأوباما أن أشار في الماضي، مراراً، إلى ما اعتبره نجاح نموذج تعاون حكومته مع الحكومة اليمنية في مواجهة الإرهاب، أي "تنظيم القاعدة" حصراً من دون الحوثيين. لكن مع انهيار الحكومة اليمنية، حليفة واشنطن، أمام الحوثيين، لم تر إدارة أوباما ضرورة بناء تحالف دولي أو استخدام مقاتلاتها لمصلحة الحكومة الشرعية اليمنية، على غرار ما فعلت الولايات المتحدة دفاعاً عن الحكومة العراقية في وجه تنظيم "الدولة الإسلامية". بل أن واشنطن قطعت صِلاتها بالحكومة اليمنية الشرعية المنهارة، في وقت أكد فيكرز أن العلاقة الاستخباراتية الأميركية مستمرة مع الحوثيين، في الغالب لمواجهة "تنظيم القاعدة" في اليمن. ولا يبدو أن شعارات الحوثيين القائلة بـ"الموت لأميركا ولإسرائيل ولليهود" تزعج أوباما أو فريقه.


ويأتي انحياز أوباما لمصلحة إيران ومجموعاتها في اليمن في نفس الوقت الذي كشفت واشنطن سرها حول الموضوع السوري، إذ أعلن وزير الخارجية جون كيري تأييد بلاده لـ"مؤتمر موسكو" المخصص للأزمة السورية، والذي يجمع المراقبون على أنه ينعقد لمصلحة إعادة تأهيل الأسد وضد مصلحة المعارضة السورية المتمثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.


وبعد كيري أطلت صحيفة "نيويورك تايمز"، في افتتاحيتها، الأحد الماضي، لتدعو الحكومة الأميركية لاعتبار داعش الخطر الداهم في سوريا، ولضرورة تبني سياسة عملانية تقضي ببقاء الأسد بدلاً من انفلات الأمور في حال رحيله. و"نيويورك تايمز" هي من أقرب الصحف الى الإدارة الأميركية، والأرجح أن افتتاحيتها المذكورة جاءت بإيحاء من اللوبيات التي تنفق عليها حكومة الإمارات العربية المتحدة أموالاً طائلة. واللوبيات نفسها هي التي دبرت لمجلة "الشؤون الخارجية" مقابلة مع الأسد، الاثنين، وهي اللوبيات نفسها التي تعتقد أن الظروف العالمية والأميركية والعربية ملائمة تماماً لشن حملة علاقات عامة لإعادة تأهيل صورة الأسد بهدف إبقائه في السلطة في دمشق.


طبعاً لم تر "نيويورك تايمز" قوات غير حكومية متطرفة في سوريا إلا في داعش والمجموعات السنية المسلحة، فيما لا يبدو أن المجموعات الموالية لإيران والأسد تقلق الصحيفة الأميركية المرموقة، وهو ما يؤكد فكرة أن أوباما صار منحازاً كلياً لمصلحة إيران والمجموعات الشيعية ضد خصوم إيران والمجموعات السنية، متطرفة كانت أم معتدلة.


والانحياز الأميركي ضد السنة في اليمن وسوريا يتكرر أيضاً في العراق، حيث وعدت أميركا العشائر السنية بإقامة "حرس وطني" مستقل من مقاتليها، لتتراجع عن وعدها وتصر أن ينخرط المقاتلون السنة في صفوف الجيش العراقي الحكومي، فيما لا يبدو أن الولايات المتحدة تمانع نشاط الميليشيات الشيعية العراقية غير الحكومية، على أنواعها، والمعروفة بالحشد الشعبي والتابعة لقائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" الجنرال قاسم سليماني.


هذه هي واشنطن أوباما، فوزير الخارجية جون كيري على علاقة ودية واتصال مباشر عبر البريد الالكتروني مع نظيره الإيراني جواد ظريف، وصور اللقاءات الثنائية المتكررة بينهما كثيرة، فيما يكاد يندر أن نعثر على صداقة تجمع كيري ونظرائه في أي من الحكومات ذات الغالبية السنية في منطقة الشرق الأوسط، من تركيا وقطر الى السعودية ومصر.


لماذا ينحاز أوباما للشيعة ضد السنة؟ الإجابات الأولية قد تشير الى "براغماتية قاتلة" و"عملانية وواقعية" تدفع الرئيس الأميركي الى تقليص التدخل الأميركي، والتعامل مع الوضع القائم، ومصادقة الطرف الأقوى. لكن بعض المتابعين داخل واشنطن قد يشيرون الى أسباب لا تمت الى الواقعية والدهاء السياسي بشيء.


ويقول العارفون إن أقرب المقربين من الرئيس الأميركي يعتقدون، وربما أقنعوه، أن إيران هي امبراطورية عريقة ذات تاريخ طويل، وأن التحالف معها أجدى من التحالف مع باقي دول المنطقة المتأرجحة في آرائها ومواقفها. ومن بين هؤلاء أقرب مستشاري الرئيس، فاليري جاريت، وهي تتمتع بصداقة معه ومع السيدة الأولى منذ عقود. وجاريت هي من مواليد مدينة شيراز الإيرانية الجنوبية، حيث قضت هناك ثماني سنوات الأولى من عمرها، حيث كان والدها يعمل طبيباً أميركياً مبتعثاً في إيران.


إلى جانب جاريت، أطل الأسبوع الماضي زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الديموقراطي السابق جيمي كارتر، في جلسة استماع في الكونغرس ليقول إن "إيران بدأت في التطور لتصبح دولة حضارية وهامة جداً في التاريخ". وقال بريجنسكي إنه يتشارك هذا الرأي مع برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي في عهد إدارتي رئيسين جمهوريين سابقين هما جيرالد فورد وجورج بوش الأب.


وبريجنسكي هو مستشار الأمن القومي الأميركي الذي وقعت اثناء عمله في البيت الأبيض الثورة الإيرانية في العام 1979، وهو كان مكلفاً من الرئيس كارتر بمباشرة الانفتاح على نظام الخميني، فالتقى المسؤول الأميركي مسؤولاً إيرانياً رفيعاً، هو مهدي بازركان في الجزائر، لكن تسارع الاحداث أجبر الخميني على قطع الطريق على الشيوعيين بإيعازه لمناصريه باجتياح السفارة الأميركية في طهران واحتجاز دبلوماسيين أميركيين رهائن، أو هذا على الأقل ما تظهره مذكرات كارتر ومسؤوليه.


ومما قاله بريجنسكي، مؤيد إيران كـ"حضارة ودولة هامة" في جلسة الاستماع: "لا أفهم لما نحن بهذا الحرص على الإطاحة بالاسد؟ هل الأسد عدونا؟ هل الأسد أسوأ من الأنظمة الأخرى في المنطقة؟".


أوباما ومسؤولون حاليون وسابقون ينحازون اليوم بشكل واضح لإيران والشيعة ضد السنة وأنظمتهم وتنظيماتهم، المعتدلة منها والمتطرفة. هذا الانحياز كان في الأقبية المظلمة وصار اليوم على صفحات الصحف وألسنة المسؤولين.

Since December 2008