الثلاثاء، 4 أغسطس، 2015

أميركا تستعد للمبادرة الايرانية.. وللتعايش مع الأسد

حسين عبدالحسين

وسط المبادرات المتجددة للتوصل الى حل في سوريا، عقب توقيع الاتفاقية النووية مع إيران، تستعد الولايات المتحدة إلى مجموعة جديدة من السيناريوهات في سوريا. ولهذا الغرض طلبت مستشارة الامن القومي سوزان رايس من مجموعة من أبرز الخبراء الاميركيين في الشأن السوري، تشكيل فريق متخصص لتقديم الحلول الممكنة وتأثيرها على المصالح الاميركية.

ويأتي التحرك الاميركي في وقت سرت أنباء عن وجود مبادرة ايرانية للحل السوري، وهي مبادرة يبدو ان رايس تعلم مضمونها، أو على الأقل يمكنها التكهن بها، بعد قرابة سنتين من الحوار الاميركي - الايراني النووي، الذي غالباً ما تخلله الحديث في شؤون كثيرة غير نووية كان في طليعتها سوريا.

ولأن رايس تعلم ما يدور في خلد الإيرانيين، فهي طلبت الى فريق الخبراء الذي شكلته الأخذ بعين الاعتبار ان الحلول الممكنة قد تتضمن بقاء الأسد في الحكم لفترة محددة، وهذه فكرة لطالما وردت ضمنيا على لسان مسؤولي الادارة الاميركية، الذين كرروا ان الحل في سوريا يتمثل بالتوصل الى تسوية بين النظام والمعارضة المعتدلة. ولم يقل المسؤولون الاميركيون يوما ان التسوية مع النظام تحصل في غياب الأسد، أو تشترط خروجه من الحكم قبل المباشرة بالحوار بين الطرفين، بل لطالما تمسك الاميركيون بمقولة ان لا مستقبل للأسد في سوريا، لكنهم لم يحددوا متى يبدأ هذا المستقبل المزعوم.

ومن مفاوضات "المسار الثاني" المنعقدة بين اميركيين وايرانيين على مدى الاعوام الماضية، والتي تضمنت مسؤولين سابقين من الدولتين يكون لديهم في العادة علاقات مع مسؤولين حاليين، تبين ان الرؤية الايرانية للحل السوري تتضمن خروج الأسد، ولكن بعد نهاية ولايته الرئاسية. ويقول الاميركيون ممن شاركوا في محادثات من هذا النوع إن الايرانيين يعتقدون انه طالما يتمتع الأسد بشعبية تخوله العودة الى الرئاسة، فلا مكان للقوى الخارجية لفرض رؤيتها القائلة بوجوب خروج الأسد من الحكم كشرط للتسوية.

أما التنازل الوحيد الذي قد يوافق عليها الايرانيون، فيتمثل بتوصل مفاوضي الأسد والمعارضة الى تعديل الدستور السوري بشكل يحدد عدد الولايات الرئاسية، ما يحرم الأسد "البقاء" في الحكم حتى لو كان في امكانه الفوز في صناديق الاقتراع.

لكن في التنازل الايراني فخ، حسب اميركيين ممن شاركوا في "المسار الثاني" مع الايرانيين، يتمثل في ان طهران لا تعتقد ان أي تعديل للدستور السوري لناحية عدد الولايات الرئاسية يسري بمفعول رجعي على الأسد. أي انه اذا تم تحديد فترات الرئاسة باثنتين، مدة كل واحدة اربع سنوات، يمكن للأسد ان يترشح في العام ٢٠٢١ لولاية اربع سنوات، تليها اربعة ثانية، وعندها يمكن للأسد البقاء نظرياً في الحكم حتى العام ٢٠٢٩.

السيناريوهات التي تطمح اليها الادارة الاميركية في سوريا يبدو انها لا تتعدى كونها وقف اطلاق نار بين الأسد والثوار، وربما التوصل الى تنسيق أمني يمنح الطرفين المقدرة على مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية". أما موافقة أميركا على استخدام قوتها الجوية لحماية مقاتلي "المعارضة المسلحة المعتدلة" ممن تدربهم أميركا، والذين بلغ عددهم ستين مقاتلاً في آخر تقرير، فمناورة سياسية أميركية تأتي بعدما شعرت واشنطن ان تقديمها غطاء جوياً للثوار في الشمال لن يجبرها على توجيه ضربات للأسد لأن قواته صارت شبه غائبة عن المنطقة الشمالية والشرقية، ما يعني أن الغطاء الأميركي الجوي سيستهدف داعش فقط، وهو ما تفعله المقاتلات الأميركية أصلاً منذ أيلول/سبتمبر الماضي.

الرئيس باراك أوباما سيخرج من الحكم قبل الأسد، على حد قول وزير الدفاع آشتون كارتر اثناء جلسة استماع في مجلس الشيوخ. أوباما وادارته يعرفون ذلك، ويعرفون أن السنة والنصف المتبقية للرئيس الأميركي في الحكم، ستقتصر على مناورات ومبادرات في الشأن السوري، من النوع الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع.

الجمعة، 31 يوليو، 2015

لأميركا وحدها مصالح

حسين عبدالحسين

تباينت ردود الفعل الاميركية حول منطقة الحظر التي تعمل انقرة على فرضها في شمال سوريا الشرقي بالتعاون مع واشنطن. اليسار الاميركي، الأكثر تأييدا للرئيس السوري بشار الأسد منذ اندلاع الثورة ضد نظامه في العام ٢٠١١، لم يستسغ الحرب التركية، فحذرت "النيويورك تايمز" في افتتاحيتها من امعان الادارة الاميركية في الغرق في المستنقعين العسكريين العراقي والسوري. اما اليمين الأميركي، المطالب بدور عسكري اميركي أكبر خصوصا ضد الأسد، فاعتبر عبر "الواشنطن بوست"، صاحبة الافتتاحيات اليمينية، ان فرض حظر تركي - أميركي في الشمال السوري خطوة لا تكفي لوقف الأسد واعماله الحربية ضد شعبه.

على ان يسار أميركي ويمينها تبنيا الموقف نفسه، في افتتاحيتي الصحيفتين، بتوجيههما نقدا لاذعا لتركيا بسبب قيام جيشها بصب حممه -- لا على اهداف تعود لتنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش) فحسب -- بل ضد اهداف تعود لاستقلاليين كرد يتمركزون شمال العراق وسوريا.

وتساءلت الصحيفتان حول جدوى قيام تركيا باضعاف القوات الارضية الوحيدة، اي المقاتلين الكرد، الذين يقاتلون داعش منذ الصيف الماضي بالتنسيق مع التحالف الدولي الجوي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش. واعتبرت الافتتاحيتان انه الأجدى للاتراك ان يتجنبوا في حملتهم العسكرية المجموعات الكردية التي تقاتل داعش، لأن مصلحة أميركا تكمن في القضاء على داعش. 

طبعا، منعت الانانية اليسار واليمين الاميركيين من رؤية ان تركيا تراقب بقلق تمدد المجموعات الكردية منذ الصيف الماضي، وان أنقرة رصدت حالات قامت فيها بعض المجموعات الكردية بطرد سكان لا يمتّون الى داعش بصلة في قرى وبلدات يعتقد بعض الكرد انها تعود لهم اصلا، وان استعادة السيطرة عليها اساسية لاقامة وطن كردي متواصل جغرافيا، في حال سمحت الظروف الدولية والاقليمية بذلك يوما.

وغالبا ما يبني الأميركيون ممن يتعاطون شؤون السياسة الخارجية تحليلاتهم ومواقفهم على المصلحة القومية للولايات المتحدة الاميركية، التي يتصدرها أمن الاميركيين حول العالم وفي الوطن الاميركي، وهذا طبعا حق مشروع للأميركيين. لكن ما هو مستغرب هو ان هؤلاء الاميركيين أنفسهم يندر ان يروا القضايا حول العالم من منظار الشعوب او الحكومات الاخرى.

وعندما قصد الاميركيون انقرة لمطالبتها بالانضمام للتحالف الدولي ضد داعش، اعتبر الاتراك انه يمكنهم مقايضة مصلحة أميركا بالقضاء على داعش بمصلحتهم القضاء على الأسد. لكن واشنطن رفضت المقايضة لأنها اعتبرت ان خطر داعش كبير، لكنه ليس أكبر من خطر انهيار الأسد.

منذ مطلع العام، أبدت انقرة لواشنطن استعدادها الانضمام للحملة ضد داعش، على شرط "تنظيف" المناطق العراقية والسورية المجاورة لحدود تركيا الجنوبية، وهو ما يحتم بناء قوة سورية مسلحة قادرة على تولي هذه المناطق كسقف للعملية العسكرية التركية، وهذا اقتراح يشبه، الى حد ما، مطالبة أميركا لثوار سوريا بقتال داعش فقط من دون الأسد، بسبب غياب قوات الأسد الارضية في معظم المنطقة التي تشن فيها تركيا حربها. لكن الرأي الاميركي الذي يعارض عملية "التنظيف" التركية ضد الاكراد يبدو انه لا يرى عدوا غير داعش، ولا يرى مصلحة غير الاميركية.

وكما في لبنان، الذي حرضت فيه أميركا تحالف ١٤ آذار في العام ٢٠٠٥ ورمته في اتفاقية الدوحة في ٢٠٠٨، ثم في العراق حيث رمت واشنطن حلفاءها من الصحوات بين ايدي جلاديهم في بغداد، وبعدها في سوريا التي عاث فيها حلفاء ايران دمارا فيما وقفت أميركا تتفرج، اليوم مع تركيا: لا ترى واشنطن ابعد من مصالحها الآنية. لذا، يبدو ان افضل طرق التعاطي مع الاميركيين تكمن في مقايضتهم بشكل مستمر، وفي الحالة التركية، تؤيد واشنطن عملية تركيا العسكرية شمال العراق وسوريا، فتفتح انقرة قاعدة انجرليك للمقاتلات الاميركية، ما يوفر على أميركا والتحالف مئات ملايين الدولارات ويرفع من فاعلية الغطاء الجوي في دعم المقاتلين على الأرض. مع أميركا، كل شيء بحسابه، ولأن لا حساب لبعض العرب -- مثل السوريين -- في واشنطن، فان اي تحالف مع واشنطن يجب ان يقتصر في الغالب على الضرورة.


Since December 2008