السبت، 18 نوفمبر، 2017

تراكم الأدلة على تورّط ترامب شخصياً في إدارة «التنسيق» مع روسيا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |


مع ازدياد التوقعات التي تشير الى اقتراب إصدار المحقق الخاص روبرت مولر قراراً اتهامياً بحق مستشار الأمن القومي السابق الجنرال مايكل فلين، يرتفع يومياً عدد التقارير التي تثبت وجود تعاون بين الرئيس دونالد ترامب ومساعديه وبين روسيا أثناء حملته الرئاسية العام الماضي، وهو تعاون أملى على ترامب، المرشح والرئيس، تفادي توجيه أي انتقاد الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم مخالفة أحدث قوانين الكونغرس، الذي ينص على عقوبات جديدة بحق روسيا، بعدم فرضه أي من العقوبات الجديدة.

وعلى مدى الأسبوع الماضي، توالت التقارير الاعلامية التي كشفت تعاون مساعدي ترامب مع الروس، بما في ذلك مراسلات بين نجله دونالد جونيور وموقع «ويكيليكس»، الذي تؤكد وكالات الاستخبارات الاميركية انه (وصاحبه السويدي جوليان أسانج) تابع لأجهزة الاستخبارات الروسية.

وفي المراسلات، يطلب موقع «ويكيليكس» من دونالد الابن تعميم بعض روابط الموقع على صفحات نشر فيها الموقع مراسلات تمت سرقتها من البريد الالكتروني لمنافسة ترامب ومرشحة الحزب الديموقراطي للرئاسة هيلاري كلينتون. وبعد ربع ساعة من طلب «ويكيليكس» من دونالد الابن التعميم في تغريداته على موقع «تويتر» ، قاوم دونالد ترامب الأب ببث دعاية للموقع في تغريدة مشابهة.

وإلى مراسلات ترامب الابن وعملاء الاستخبارات الروسية في «ويكيليكس»، نشر موقع «بوليتيكو» مقابلات أجراها مع صحافيين من اليونان كانوا أجروا بدورهم مقابلات مع مستشار ترامب اليوناني - الأميركي جورج بابادوبولوس، الذي اعترف خلال التحقيقات بمحاولته إخفاء معلومات عن علاقاته مع موسكو، ووعد بالتعاون مع المحققين مقابل تساهل في الأحكام المتوقعة ضده.

وبعد اعلان اعتراف بابادوبولس بالذنب، أعلن ترامب ان الأخير كان مستشاراً صغيراً في حملته، وأنه لم يكن مجازاً التحدث باسم ترامب أو حملته، وأنه لم يلتقه شخصياً بشكل منفرد. على ان الصحافيين اليونان ممن سبق ان نشروا مقابلاتهم مع بابادوبولوس قالوا ان الاخير اخبرهم انه سبق أن التقى ترامب على انفراد أثناء الحملة وبعدها، وان اتصالات هاتفية حصلت بينهما، وان ترامب المرشح وعد بابادوبولوس بمنحه اي منصب في وزارة الخارجية يختاره في حال وصول المرشح الجمهوري الى البيت الابيض.

ورجح الخبراء ان يكون بابادوبولوس أخبر المحققين عن علاقته بترامب كما سبق ان رواها للإعلام اليوناني، وهو ما يدحض أقوال الرئيس الاميركي لناحية انه لم يسبق له أن تعامل مع مستشاره بصورة شخصية.

وفي التحقيقات التي نشرتها المحاكم الاميركية، يقول بابادوبولوس إنه كان على اتصال بمسؤولين روس دعوه لزيارة موسكو، وانه حصل على موافقة من «واحد من كبار المسؤولين» في الحملة للقيام بالزيارة والتنسيق مع الروس للحصول على معلومات تدين كلينتون، وربما للتنسيق في شؤون أخرى تهم المسؤولين من الطرفين.

وكان مستشارو ترامب أوعزوا لمسؤولي «الحزب الجمهوري» بتعديل البيان الانتخابي للحزب بحذف الفقرات التي كانت تشير الى تأييد الولايات المتحدة حرية اوكرانيا ودعمها في استعادة شبة جزيرة القرم، التي انتزعتها موسكو من كييف قبل عامين.

الأدلة حول تورط ترامب شخصياً في إدارة التنسيق مع روسيا، ضد منافسيه الأميركيين في السباق الرئاسي، تتراكم، فيما يشتعل السباق بين الاعلام، من جهة، والمحققين، من جهة اخرى، للتوصل إلى نتيجة حاسمة في الموضوع، على أن ثبوت تورط ترامب مع روسيا، يعد نوعاً من العمالة الذي قد يهدد بالإطاحة برئاسته حتى قبل نهاية ولايته الاولى.

الجمعة، 17 نوفمبر، 2017

العلاقات الأميركية - التركية في مهب «التحقيق الروسي»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في الأسابيع الأولى لانتخابه رئيساً للولايات المتحدة، بدت العلاقة بين دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان وكأنها تمر في شهر عسل، لكنه عسل ما لبث أن وصل نهايته بسرعة، ومن دون أن يثمر تحسناً في العلاقات الأميركية - التركية عن المستوى المتدني الذي كانت وصلت إليه في زمن الرئيس السابق باراك أوباما.

غضب الأتراك من أوباما تمحور حول 3 نقاط، الأولى قيام الولايات المتحدة بتسليح «قوات سورية الديموقراطية» (قسد)، وهي ميليشيا شرق سورية، غالبية مقاتليها من «حزب العمل الكردستاني»، الذي تصنفه أميركا وتركيا تنظيماً إرهابياً.

النقطة الثانية العالقة تمثلت في عدم قدرة واشنطن على تلبية مطالب أنقرة بتسليم الداعية الاسلامي التركي فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسلفانيا، ويتهم أردوغان شريكه السابق، غولن، بالتخطيط للانقلاب الذي كاد يطيح بالحكومة التركية في يوليو 2016، وطالب أردوغان المسؤولين الأميركيين مرارا بتسليم الداعية التركي، وقال غولن علنا ما مفاده ما قيمة التحالف بين تركيا وأميركا اذا كانت أميركا لا تلبي مطالب حليفتها تركيا؟

على أن المسؤولين الأميركيين، وفي طليعتهم أوباما، أجابوا أردوغان، مراراً، انه لا يمكن للحكومة الأميركية التدخل لدى القضاء، وانه اذا كانت أنقرة تعتقد ان غولن ارتكب جريمة تستحق استرداده، فعلى القضاء التركي متابعتها مع نظيره الأميركي.

أنقرة، بدورها، تعلم انها حتى لو اثبتت قيام غولن بال تحريض على الانقلاب او تمويله، فان ذلك لا يرقى لكونه جريمة تستحق ترحيله الى تركيا.

أما النقطة الثالثة، فكانت تتمثل بعدم مقدرة واشنطن على الافراج عن رجل الأعمال الإيراني رضا ضرّاب، الذي تم اعتقاله صدفة اثناء هبوطه وعائلته في ولاية فلوريدا الجنوبية لزيارة منتجع «ديزنيلاند»، ولم يصرّح يومذاك ضرّاب، الذي يحمل الجنسيات الايرانية والتركية والمقدونية والاذربيجانية، عن النقد الذي كان بحوزته، والذي كان يتخطى الحد المسموح به للفرد ادخاله الى البلاد، وهو ما دفع الأمن الأميركي الى التحقيق معه، ليكتشف ان الرجل كان مطلوباً بتهمة تجارة ذهب مع ايران بشكل يتجاوز العقوبات الدولية والأميركية المفروضة في حينه.

تركيا تعاملت مع مشاكلها الثلاثة مع الولايات المتحدة بأساليب مختلفة، فهي قامت بتجديد علاقاتها مع الايرانيين لدفع الميليشيات الموالية لايران لمواجهة الأكراد من أعداء تركيا، وكذلك أعلنت أنقرة انفتاحها على موسكو في خطوة تهدف الى تهديد الأميركيين بالقول إن عدم وقوف الولايات المتحدة على مصالح حليفتها تركيا قد يؤدي الى خروج تركيا، عضو «تحالف الاطلسي»، من الفلك الأميركي، ودخولها في الروسي. وكانت بادرة التقارب مع روسيا اعلان أنقرة شراء انظمة دفاع جوية روسية.

حول غولن وضرّاب، قررت تركيا التعامل مع الموضوعين من خارج قنوات الاتصال الرسمية بين البلدين، فسددت أنقرة أموالا طائلة في التعاقد مع مؤسسات علاقات عامة «لوبي»، لحمل الرأي العام الأميركي على تأييد ترحيل الداعية التركي. كما استأجرت تركيا خدمات ابرع المحامين من اجل الترافع دفاعا عن ضرّاب والعمل على التوصل الى الافراج عنه.

إلا أن موضوعي غولن وضرّاب تداخلا، فمن أصحاب النفوذ الأميركيين الذين استأجرتهم أنقرة، برز رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال المتقاعد، واحد اركان حملة ترامب الانتخابية الرئاسية، مايكل فلين، الذي وعد مجموعة من الاتراك كانت تزوره، في حضور مدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي) السابق جيمس ووسلي، بخطف غولن، وتخديره، وترحيله على متن طائرة خاصة الى تركيا.

بعد دخول ترامب البيت الابيض، قام بتعيين فلين مستشاره للأمن القومي. الفضيحة الاولى التي طالت فلين كانت اتصاله السري مع السفير الروسي السابق في واشنطن سيرغي كيسلياك، طالبا منه عدم قيام روسيا برد فعل على طرد أوباما ديبلوماسيين روس. وقطع فلين للسفير الروسي وعدا بأن تقوم ادارة ترامب بتعديل العلاقات بين البلدين حال تسلمها السلطة.

بعد اكتشاف الإعلام مخابرة فلين السرية، التي حاولت الادارة التستر عليها فلم تنجح، اضطر ترامب الى طرد فلين، فخرج الاخير بالتزامن مع تحقيقات استخباراتية حول مدى تورطه مع حكومات اجنبية، وعمله مأجورا لمصلحتها من دون تصريحه عن ذلك، وهي تحقيقات حاول ترامب وقفها بطرده مدير «مكتب التحقيقات الفدرالي» (اف بي آي) جيمس كومي. وجاءت عملية الطرد بعدما حاول ترامب الحصول من كومي على وعد بعدم ملاحقة فلين، لكن من دون جدوى.

ومع تسلم المحقق الخاص روبرت مولر التحقيقات حول امكانية تورط ترامب او مساعديه مع روسيا في التآمر ضد حملة منافسته المرشحة الديموقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون، عرض فلين على التحقيق التعاون مقابل ضمان عدم ادانته، الا انه يبدو ان مولر يسعى الى ادانة فلين والحصول على تعاونه في الوقت نفسه، وهو ما اعاد ضرّاب الى الواجهة، فالاخير يتمتع باتصالات واسعة في تركيا، ويمكنه تقديم معلومات تدين فلين، فيستخدمها مولر لانتزاع معلومات من فلين حول تآمر محتمل بين ترامب والروس.

هكذا، تعتقد الاوساط الاعلامية ان مولر توصل الى اتفاقية قضائية مع ضرّاب، فخرج الاخير من سجنه في نيويورك، مع سند اقامة يشي بأن المحقق سيستدعيه للشهادة ضد فلين لادانته واجباره على التعاون. لكن مع اعترافات ضرّاب قد يخرج الى العلن المزيد من التفاصيل حول خطة اختطاف غولن من أميركا الى تركيا، ومعلومات اخرى.

كما يشي توصل مولر المحتمل الى اتفاقية مع ضرّاب الى نيته في التواصل مع مسؤولين في حكومات اجنبية للوقوف على دورهم في العلاقات بين روسيا وترامب.

هل يؤدي خروج ضرّاب من السجن الى انفراج في أزمة العلاقات الأميركية - التركية؟ ام ان خروج تفاصيل اختطاف غولن الى العلن سيؤدي الى المزيد من التأزيم بين البلدين؟

المستفيدون من خطة ترامب الضريبية

واشنطن - حسين عبدالحسين

تختلف الإجابة عن سؤال عمّن من الأميركيين يستفيد من خطة الضرائب التي قدمها فريق الرئيس دونالد ترامب إلى الكونغرس لإقرارها، وذلك وفق المجيب. فإذا كان من الجمهوريين من يصرّ على أن أكثر المستفيدين من ضرائب ترامب هم من ذوي الدخل المحدود وأفراد الطبقة الوسطى وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.

الديموقراطيون بدورهم، ومعهم السيناتور الجمهوري عن ولاية ويسكونسن، رون جونسون، يعتبرون أن الخفوضات الضريبية التي يعكف ترامب على إقرارها تفيد الشركات والمتمولين الكبار، من دون غيرهم من الأميركيين. أما إذا حدث وانضم عضوان في مجلس الشيوخ من الجمهوريين إلى جونسون، فيصبح مستحيلاً إقرار الضرائب الجديدة، بسبب الأقلية الضئيلة التي يتمتع بها الجمهوريون في المجلس، وهي أكثرية 52 سيناتوراً مقابل 48 للديموقراطيين المعارضين المشروع الضريبي جملة وتفصيلاً.

قصة «ضرائب ترامب» تبدأ من إعلان الرئيس الأميركي، أثناء حملته الانتخابية وبعد دخوله إلى البيت الأبيض مطلع هذه السنة، أن الضرائب على الشركات في الولايات المتحدة هي الأعلى بين اقتصادات العالم الكبيرة بنسبة تناهز 40 في المئة، وهو قول يؤيده «مكتب موازنة الكونغرس» الهيئة الحكومية المستقلة، والمعروفة بعدم حزبيتها وابتعادها من الاعتبارات السياسية.

هذا الواقع، دفع ترامب إلى إعلان نيته خفض الضرائب على الشركات إلى 15 في المئة، بهدف جذب المستثمرين إلى البلاد. لكن بموجب الخطط المطروحة حالياً للنقاش، يبدو أن الرأي النهائي بين الجمهوريين استقر على خفضها إلى 20 في المئة بدلاً من 15 في المئة.

وترامب لا يطلق تسمية «خفض ضريبي» على خطته، تفادياً لإثارة الخوف بين الجمهوريين الحريصين عادة على لجم العجز في الموازنة الفيديرالية، البالغ نحو نصف تريليون دولار سنوياً، ووقف الارتفاع الكبير للدين العامو الذي بلغ 8.19 تريليون دولار، أو ما يوازي 106 في المئة من الناتج المحلي.

فريق ترامب حاول في الأيام الأولى لإطلاقه النقاش حول الخفوضات الضريبية القول إن النمو الذي سيسبّبه خفض الضرائب سيغطي العجز الناتج عن تقليص الضرائب، لكن الجمهوريين لم يقبلوا هذا النوع من التبريرات، وأشاروا إلى قانون أصدره الحزبان عام 2010، وهو قانون معروف بـ «إدفع سلفاً» ويجبر الحكومة على تأمين الأموال المطلوبة لأي إنفاق مستحدث قبل المصادقة على الإنفاق الجديد.

ويخوّل القانون المذكور «مكتب موازنة الكونغرس» فرض اقتطاعات إلزامية من الإنفاق الحكومي، من دون العودة إلى الكونغرس لسداد تكاليف النفقات المستحدثة من دون مزيد من الاستدانة الحكومية.

ولأن المكتب ذاته أعلن أن قانون ترامب الضريبي سيرفع العجز السنوي بواقع 5.1 تريليون دولار على مدى العقد المقبل، فقد تكون الوسيلة الوحيدة لسداد العجز بالاقتطاع من «الموازنة الملزمة» أي من برامج الرعاية الاجتماعية، وفي طليعتها صندوق الرعاية الصحية المخصص للمسنين ومحدودي الدخل، والمعروف بـ «ميدي كير»، وهو برنامج يتمتع بشعبية لدى شريحة واسعة من الناخبين، وربما يؤدي تقويضه إلى زعزعة وضع الجمهوريين في الانتخابات المقبلة، وهو ما دفع السيناتور جونسون، ويدفع جمهوريين آخرين في الأيام المقبلة، إلى الالتحاق بالمعارضة الديموقراطية لقانون ترامب الضريبي، وهو ما ينسف حظوظ إقراره.

وسيلة بديلة للتعويض من العجز المستحدث بسبب خفض الضرائب ممكنة من طريق ما يسميه الجمهوريون اصطلاحاً، ولو في شكل غير دقيق كلياً، «إصلاحات ضريبية»، وهذه تتضمن «تبسيط القانون» الضريبي الأميركي الشديد التعقيد حالياً، والذي يكلّف الأميركيين أموالاً طائلة وساعات كثيرة للتصريح عن ضرائبهم سنوياً، والإفادة من الاقتطاعات التي يمنحهم اياها القانون.

خلف «التبسيط» خبأ الجمهوريون زيادة ضريبية على محدودي الدخل، الذين يسددون نسبة 10 في المئة ضرائب دخل، وهي تتصاعد بحسب المدخول في سبع مراحل، حتى تصل إلى 39 في المئة للأعلى دخلاً. ويدّعي الجمهوريون أن «إصلاحاتهم الضريبية» تقلّص عدد الخانات من سبعة إلى أربعة، لكن دمج الخانات يعني إلغاء الخانة الأدنى، ودمج المستفيدين منها بخانة أعلى أي يرتفع الحد الضريبي الأدنى من 10 إلى 12، ما يعوّض من خسائر الخزينة بسبب الخفوضات التي سينالها الأعلى دخلاً، مثل ترامب الثري، من 39 إلى 5.37 في المئة، بالتزامن مع الخفوضات التي ستستفيد منها الشركات الكبيرة.

في المحصلة، ترتفع الضرائب قليلاً على محدودي الدخل، وهم الغالبية بين الأميركيين، لتتدنى على الأعلى دخلاً وكبرى الشركات، فلا يتأثر العجز السنوي.

هذه الألاعيب القانونية التقطها عدد من المؤسسات ومراكز الأبحاث الاقتصادية الرصينة، التي أجمعت على أن الضرائب ستؤدي إلى زيادات على 36 مليوناً من العائلات الأميركية بحلول عام ٢٠٢٧، وفق «مركز سياسة الضرائب»، وهي تقارير لم تقنع مؤيدي قانون «إصلاح الضرائب»، خصوصاً من الفريق الرئاسي.

وأورد المركز المذكور أن قانون ترامب سيخفض الضرائب بمعدل 8.1 في المئة على غالبية الأميركيين عام 2018، لكن بنود القانون ذاته تلغي تدريجاً مفاعيل بعض الإعفاءات الضريبية، مثل الإعفاءات على العائلات وعلى الأولاد القاصرين، ما يعني أن «24 في المئة على الأقل من دافعي الضرائب سيسددون ضرائب أعلى مع حلول عام 2027 «، وفق المركز.

الأربعاء، 15 نوفمبر، 2017

التطرف الغربي المباح

حسين عبدالحسين

على مدى العقدين الماضيين، دأبت بعض الدوائر الاعلامية والفكرية الغربية على محاولة اسباغ صفة متطرفين على العرب، وخصوصا المسلمين، بأجمعهم من دون استثناء.

يقرأ باحث غربي مقالة او يشاهد فيديو يدلي فيه رجل دين مسلم مغمور بآراء متطرفة، يتم تعميم الفيديو، وتصويره بوصفه الرأي السائد بين العرب، وباعتبار ان النصوص الاسلامية هي المسؤولة عن انتاج آراء متخلفة، وهي آراء يوافق عليها البرابرة العرب والمسلمين بأجمعهم.

يقرأ احد الغربيين تصريحا او يشاهد فيديا يقول فيه شاب او شابة فلسطينية ان هدفهما قتال اسرائيل لالحاق الهزيمة بها، واستعادة بيت واراضي جدها في حيفا، مثلا، يهتز العالم على رؤوس العرب لايوائهم ارهابيين متطرفين، وعلى قناة الجزيرة الفضائية لسماحها ببث آراء عنصرية تدعو الى تدمير دولة عضو في الأمم المتحدة هي اسرائيل.

في الايام القليلة الماضية، اظهرت استطلاعات الرأي في ولاية آلاباما الاميركية ارتفاع في شعبية المرشح الجمهوري الى مقعد في مجلس الشيوخ الاميركي روي مور بنسبة 37 في المئة بين المسيحيين الانجيليين البيض، على الرغم من انتشار تقارير مفادها ان مور، يوم كان يبلغ 32 عاما من العمر، اقام علاقة غرامية مع فتاة كانت تبلغ 14 عاما، وهي علاقة بين راشد وقاصر يحرّمها القانون الاميركي ويلاحق من يتورط بها بتهم جنائية.

فوجئت بعض وسائل الاعلام الاميركية لرؤيتها شعبية مور ترتفع بين مسيحيين محافظين. ما لم تتنبه له الوسائل الاعلامية الاميركية ان مجموعات كبيرة من المسيحيين الانجيليين البيض لا يوافقون على سلسلة من التشريعات الاميركية، وفي طليعتها اعتبار عمر ال18 سناً للرشد، وسبق لكبار المسؤولين الجمهوريين ان دعوا الى تخفيض هذا السن، وجعله اقرب الى سن البلوغ عند الافراد، وهو سن التكليف الديني ايضا.

هذا الاسبوع تستضيف مجموعات اميركية من ”اصدقاء اسرائيل“ مشرعين من الكنيست الاسرائيلي في جلسة في الكونغرس الاميركي. كبير منظمي الجلسة هو الباحث والناشط دانيال بايبس، وهو نفسه الذي نظّم واستضاف الرئيس اللبناني ميشال عون يوم كان الاخير ما يزال منفيا في باريس، في الكونغرس، وهي الزيارة التي وصف فيها عون ”حزب الله“ على انه ”منظمة ارهابية“ واداة ايرانية وسورية في لبنان.

السيد بايبس نفسه مايزال في نشاطه. هذه المرة، يستضيف المشرعين الاسرائيليين في جلسة ”اعلان انتصار اسرائيل على الفلسطينيين“. ويقول بايبس انه يسعى الى تعميم مقولة جديدة، بدلا من ”حلّ الدولتين“، مبنية على ”هزيمة الفلسطينيين“، ما يعني ان كل الارض صارت من نصيب الفائز، اي الاسرائيليين. يقول بايبس ان العالم يجب ان يعرف ان اسرائيل هي من البحر الى النهر، وان لا وجود لدولة فلسطين.

بايبس مسموح له ان لا يعترف بدولة فلسطين، وان يطالب بترحيل الفلسطينيين، من دون ان يتهمه احد بالعنصرية. لكن لو كان بايبس عربيا او مسلما، ينظّم فعاليات لاعلان الانتصار الفلسطيني على الاسرائيليين، والغاء حل الدولتين، واقامة فلسطين من البحر الى النهر، وترحيل اليهود عنها، لكانت قامت قائمة العالم، وتم اتهام الناشط الفلسطيني بالعنصرية والنازية وغيرها.

وان يطالب حزب ”اسرائيل بيتنا“ بترحيل الفلسطينيين واقامة دولة اسرائيلية واحدة من البحر الى النهر، وان يكون هذا الحزب مشاركا في الحكومة الاسرائيلية، فهذه ديموقراطية. اما ان تعلن حركة حماس قبولها ما تقبله السلطة الفلسطينية، اي حل الدولتين، من دون ان تقدم حماس اعترافا باسرائيل، فارهاب وجريمة تطال كل من يلقي تحية على اي عضو في حماس.

ان يقول مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين ان الاسلام ليس دين بل عقيدة ارهابية، ما يجعل كل مسلم ارهابي يستوجب قتله، وجهة نظر، لكن لو قال التصريح نفسه معكوسا رجل دين مسلم مغمور، يتحول الى مادة ادانة لكل المسلمين.

طبعا حتى لا نقع بالتعميم الذي يقع فيه بعض الغربيين والعرب، علينا التذكير انه في كل ديرة صالح وطالح، وانه لا يجوز التعميم. في كل مجتمع ودولة وحضارة متطرفون يعيشون على الهامش. لكن ان نمنع هامشيي العرب والمسلمين عن حرية التعبير نفسها التي نجيزها لهامشيي الغرب واسرائيل هي خطوة فيها لاعدالة يجب تعديلها.

الثلاثاء، 14 نوفمبر، 2017

«تقويض» وزارة الخارجية يشلّ قدرة الولايات المتحدة على التأثير في أزمات العالم

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بدأت ثمار سياسة وزير الخارجية ريكس تيلرسون، القاضية بإضعاف وزارته ودورها العالمي، تظهر إلى العلن، مع غياب الوزارة الملحوظ عن غالبية الأزمات العالمية، ومع انقطاع تواصلها وندرة معلوماتها التي كانت تستقيها من مصادرها الخاصة.

وللتعويض عن الضعف الذي أصابها في عهد الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته، بدأ الديبلوماسيون الأميركيون يعتمدون على ما يصطلح أهل السياسة في واشنطن على تسميته «المصادر المفتوحة»، أي التقارير الاعلامية والتصريحات الرسمية.

وأشارت التقارير في العاصمة الاميركية إلى أن ما يقارب 60 في المئة من أكثر الديبلوماسيين الأميركيين خبرة تركوا مناصبهم، إما بالإقالة وإما بالاستقالة، منذ وصول ترامب الى البيت الابيض مطلع العام الحالي.

وتزامن «نزيف» الخارجية الاميركية مع إعلان تيلرسون نيته تقليص نفقات وزارته بشكل كبير، ومع اعتماده على دائرة صغيرة من المساعدين، غالبيتهم ممن استقدمهم معه من عمله السابق كمدير تنفيذي في شركة «إكسون موبيل» العملاقة للطاقة.

وكانت وزارة الخارجية عانت، أثناء الولاية الثانية للرئيس السابق باراك أوباما، لأنه بعد خروج هيلاري كلينتون من الوزارة وتولي جون كيري منصبها، راح البيت الابيض يحصر قرارات سياسة أميركا الخارجية في أيدي مجموعة من العاملين في «مجلس الأمن القومي» التابع للرئيس، والذي يعمل فيه غالباً من يتم تعيينهم سياسياً، بدلاً من الديبلوماسيين المتمرسين في السياسة الدولية.

وبعد حلول ترامب في الرئاسة بدلاً من أوباما، توقفت المركزية المشددة التي مارسها الرئيس السابق، لكنها ترافقت مع عدوانية مارسها البيت الابيض تجاه الديبلوماسيين، واتهمهم أحياناً بالولاء لأوباما والديموقراطيين والعمل ضد سياسات ترامب والبيت الابيض.

وبعدما عانت الوزارة ما عانت، وجدت واشنطن نفسها أمام سلسلة من الأزمات العالمية غير المسبوقة، فللمرة الاولى في التاريخ الحديث تندلع أزمة بين حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وهي أزمة لا يبدو أن لدى الديبلوماسيين الأميركيين المخيلة ولا المقدرة على تقديم حلول لها، بل جلّ ما يعملون عليه منذ اندلاعها هو كيفية إدارتها والتعامل معها للحفاظ على المصالح الاميركية.

ويقول ديبلوماسيون سابقون لـ «الراي» إن المركزية تؤذي الوزارة، وكذلك غياب الانضباط في البيت الأبيض، وانه إذا كان يمكن لحكومات الدول نيل الحظوة لدى الرئيس الأميركي بمجرد إقامة صداقة مع أقاربه، أو الحجز في فنادقه لإفادة شركات الرئيس مالياً، يصبح دور الديبلوماسيين الأميركيين في تقييم صداقات واشنطن وعداواتها ومواقفها بشكل عام دوراً هامشياً لا فائدة منه.

وكما في الخليج، كذلك في لبنان، حيث أربكت أزمة إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته من الرياض، وزارة الخارجية الاميركية وأخذتها على حين غرة، فالديبلوماسيون الأميركيون لم يتوقعوا الاستقالة من سياسي يعد أحد أصدقاء أميركا وحلفائها، من دون أن يبلغها بالأمر مسبقاً.

أما بعد الاستقالة، فلم تنجح واشنطن في إقامة اتصال مع الحريري في الرياض والحصول منه على معلومات حول حقيقة الموقف، وأظهرت التقارير الديبلوماسية المتداولة في العاصمة الاميركية سطحية المعلومات الاميركية حول اسباب استقالة رئيس الحكومة اللبناني، وحول امكانيات عودته عن الاستقالة، وآفاق المرحلة المقبلة.

ويقول المتابعون ان معلومات واشنطن حول الأزمة اللبنانية بمعظمها مستقاة من الإعلام ومن حكومات بعض الدول الصديقة، لكن الإدارة الأميركية لا علم يقين لديها عمّا يجري، ولا تصور لديها حول ما المطلوب حصوله مستقبلاً.

يعتقد بعض الخبراء الاميركيين، خصوصاً من الحزب الديموقراطي، ان تيلرسون يعمل على إضعاف «الخارجية» تلبية لمطالب صديقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استاء جداً من دور هذه الوزارة أثناء وجود كلينتون على رأسها، لكن صحة هذه المعلومات تبقى في باب التكهنات، إذ إن الأرجح أن بوتين لا يحقد على مؤسسات الحكومة الاميركية، بل هو يدرك أن هذه المؤسسات تنفذ سياسات الحكام، وانه إذا كان يتمتع بصداقة مع الحكام، فلا يهم من يدير الوزارات الاميركية.

على ان الاستقالات الجماعية للديبلوماسيين الاميركيين هو موضوع أكبر وأبعد من رئاسة ترامب، ويؤثر في السياسة الخارجية الاميركية وقدراتها الديبلوماسية على المديين المتوسط والبعيد، وهو ما قد يسرّ بوتين وخصوم الولايات المتحدة الآخرين، لكنه بات يقرع ناقوس الخطر في العاصمة الاميركية، مع توقيع عدد من الديبلوماسيين الحاليين والسابقين عريضة تطالب بإنهاء السياسات التي تقوِّض من قدرات وزارة الخارجية وتقضي على دورها.

الأحد، 12 نوفمبر، 2017

«الراي» تكشف تفاصيل صفقة ترامب - بوتين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

كان واضحاً تردد الرئيس دونالد ترامب في لقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بسبب الأنظار المسلطة في الولايات المتحدة على التحقيقات في إمكانية وجود تواطؤ بين حملة ترامب الانتخابية وموسكو. وكان البيت الأبيض أعلن نية ترامب لقاء بوتين على هامش قمة «التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي»، قبل أن يعلن إلغاء اللقاء بحجة تضارب في مواعيد جدولي أعمال الرئيسين.

لكن على الرغم من إلغاء اللقاء، بدا وكأن ترامب عقد فعلياً اجتماعه مع بوتين من خلال دردشات متفرقة على هامش القمة، تلى ذلك إصدارهما بياناً مشتركاً حول الأوضاع في سورية.

وبدا جلياً أن ترامب حقق ما يشبه الانتصار بحمله بوتين على التخلي عن مشروع «مؤتمر الحوار الوطني السوري» (كان سابقاً اسمه «مؤتمر شعوب سورية»)، الذي كانت تطمح موسكو من خلاله الى تجاوز مقررات مؤتمر جنيف الأول، والذي تم تكريس بنوده في مؤتمرات لاحقة في جنيف وفي قرار مجلس الأمن رقم 2254.

وتنص مقررات جنيف على محورية عملية الانتقال السياسي في سورية، من النظام بشكله الحالي، إلى نظام يتوافق عليه السوريون، مع ما يرافق ذلك من كتابة لدستور جديد، قد يحوّل البلاد من نظام رئاسي إلى برلماني، ومع انتخابات بتنظيم وإشراف دوليين صارمين.

أما في «مؤتمر الحوار السوري» الذي كانت روسيا تخطط لعقده في مدينة سوتشي، فهدفه إلغاء بند الانتقال السياسي، واستبداله بدخول المعارضة، حتى المؤيدة منها للرئيس السوري بشار الأسد، في حكومة وحدة وطنية، تقوم بالإشراف على كتابة الدستور، وإجراء انتخابات، مع ما يعني ذلك من إبقاء الرئاسة السورية، وتالياً الأسد، خارج أي عملية تغيير سياسي تجري في سورية.

ويبدو أن لدى ترامب خطة تؤدي إلى تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو، وهو ما يخفف الاحتقان الاميركي ويسمح بالتخلص من التحقيقات التي تلاحق ترامب ومساعديه. خطة ترامب تقضي بإظهار فوائد العلاقة الجيدة مع موسكو، والتي ستكون باكورتها إنهاء الحرب السورية، والتوصل الى تسوية، كان سلف ترامب، باراك أوباما، فشل بالتوصل اليها، لأن «لا مواهب لديه»، حسب دردشة ترامب مع الصحافيين على متن طائرة الرئاسة في طريقها إلى هانوي.

وأبلغ ترامب الصحافيين أنه يمكن لتعاونه مع بوتين أن يؤدي الى حل الأزمة المتفاقمة مع كوريا الشمالية. وقال إن الصين فرضت أقسى العقوبات التي يمكنها فرضها على بيونغ يانغ، التي يبدو أنها استبدلت الرعاية الصينية الماضية لها برعاية روسية، وهو ما يعني أن الحل في كوريا الشمالية يمر في موسكو كذلك.

وسبق لوكالات الاستخبارات الاميركية أن أشارت إلى أن محركات الصواريخ التي استخدمتها كوريا الشمالية لاجراء تجارب تفجيرات رؤوس هيدروجينية هي محركات تمت صناعتها في معامل روسية.

هكذا راح ترامب يطلق وعوداً مفادها أن تعاونه مع بوتين، الذي لم يتمكن أسلافه من التوصل إليه على الرغم من محاولاتهم، سيثبت جدوى تحسين العلاقات مع روسيا، وتالياً لا جدوى للتحقيقات في امكانية تدخل موسكو في الانتخابات العام الماضي، وهو ما قاله ترامب ان بوتين نفاه أمامه بشكل متكرر.

وإذا كان الرئيس الروسي سيتراجع كرمى لعيون نظيره الأميركي في سورية وكوريا الشمالية، حتى يقدم ترامب إنجازاته في السياسة الخارجية للأميركيين، فماذا سيجني بوتين؟

الإجابة ان بوتين يسعى لأمرين: الأول هو قيام الولايات المتحدة برفع عقوباتها المفروضة على موسكو بسبب عملية الاغتيال التي تعرض لها المعارض سيرغي ماكغنيتسكي. أما الأمر الثاني، فسكوت الولايات المتحدة عن قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم الاوكرانية. وسبق لترامب ومساعديه أن حاولوا تلبية مطلبَيْ بوتين.

صحيح أن ترامب غير قادر على رفع عقوبات الكونغرس الحالية عن روسيا، الا أنه حاول نقض قانون صدر قبل اسابيع حمل عقوبات مشددة على موسكو، وقعه ترامب على مضض بسبب الإجماع في الكونغرس، وهو إجماع أطاح بمقدرة الرئيس على النقض. لكن على الرغم من توقيعه القانون، لم يقم ترامب بتنفيذ أي من بنوده، حتى بعد مرور الموعد النهائي الذي حدده القانون لفرض عقوبات جديدة.

حول أوكرانيا، قام مساعدو ترامب، العام الماضي، باستباق المؤتمر العام للحزب الجمهوري بشطب البنود في بيان الحزب، التي كانت تتحدث عن ضرورة انهاء الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم الاوكرانية، وهي احدى الخطوات التي تخضع للتحقيقات الجارية حالياً في واشنطن.

ترامب وبوتين يأملان أن تؤدي انفراجات الأزمات العالمية، مثل سورية وكوريا الشمالية، الى انفراجات في العقوبات الاميركية على روسيا، وفي اعتراف واشنطن بضم موسكو شبه جزيرة القرم، لكن لا يبدو أن بوتين ممسك بسورية بالشكل الذي يسمح له بإصدار وعود لترامب، إذ إن غالب القوات البرية المقاتلة تابعة لايران. وكان مستشار المرشد الايراني علي ولايتي زار حلب الاسبوع الماضي، ووعد باستعادة الأسد شرق سورية، من أميركا وحلفائها، وشمالها، من تركيا وحلفائها، وهو ما يخالف اتفاقيات خفض التصعيد التي ترعاها روسيا وتُسوِّق لها.

كذلك، من غير المؤكد أن يكون لبوتين تأثير يذكر على بيونغ يانغ لإقناعها بالتنازل عن حصولها على سلاح نووي.

وكما يبدو أن بوتين وعد أكثر مما يقدر على الايفاء به، كذلك لا مقدرة لترامب على إقناع أميركا بصداقة روسيا، فالرئيس الأميركي غارق في تحقيق لا قدرة له على إيقافه، حتى حزبه الجمهوري لم يلتفت الى تعليماته وصادق بالاجماع على عقوبات جديدة على موسكو في الكونغرس. كما يستبعد ان يقدر ترامب على منح ضم القرم شرعية لروسيا.

ومع تقديم الرجلين لوعود أكثر مما يمكنهما تحقيقها، من المرجح أن تتمخض التسوية التي أيداها في سورية عمّا سبق لها أن تمخضت عليه منذ بدايتها في العام 2011 حتى اليوم، أي استمرار الأوضاع على ما هي عليه.

السبت، 11 نوفمبر، 2017

حتى أنت يا سيسي؟

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لم يكد رئيس حكومة لبنان المستقيل سعد الحريري ينهي تلاوة استقالته من الرياض، التي قال فيها إن "أيدي ايران ستقطع وشرها سيرتد عليها"، حتى أطلق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وهو عماد التحالف الذي تبني عليه السعودية سياستها الاقليمية، تصريحات قال فيها إنه يعارض ضرب إيران أو "حزب الله" اللبناني.

ومن يعرف أمور المنطقة وشؤونها كان يدرك، حتى قبل تصريحات السيسي، استحالة ان تؤدي استقالة رئيس حكومة لبنان الى "قطع ايادي ايران"، وكان يعرف ان التصعيد السعودي ضد الايرانيين هو حملة مبنية على تصريحات الحريري المستقيل، وتغريدات الوزير السعودي ثامر السبهان، ونشرات اخبار قناة "العربية" الفضائية، التي يخال متابعها أن القوات السعودية صارت على مشارف طهران، وأن حرب اليمن تكاد تنتهي، وأن اقتصاد قطر قيد الانهيار.

لا استراتيجية سعودية، ولا اميركية، واضحة او مفهومة في الشرق الاوسط، وهو في الغالب ما دفع الايرانيين الى الاسراع في اقتحام المناطق الكردية في العراق والعمل على انتزاع شرق سوريا، من حلفاء أميركا، وشمالها، من معارضي الرئيس السوري بشار الأسد.

وكما كتب الزميل ساطع نورالدين، إن كانت المملكة تنوي مواجهة الايرانيين، فلماذا لا تبدأ من الجبهة السورية، حيث يقاتل "حزب الله" خارج أرضه، وحيث الميليشيات المحلية ذات قدرات قتالية أكبر منها في لبنان؟

لكن التصريحات والتغريدات وحدها لا تصنع سياسات، لا في واشنطن ولا في دول العرب، وكان واضحاً أن السعودية اعلنت حربها على ايران و"حزب الله"، فيما أقرب حلفاء الرياض من العواصم العربية، القاهرة وغيرها، تؤيد الأسد، شريك "حزب الله" في سوريا، وتدعم بقاءه، وهو ما يناقض بشكل جذري الموقف السعودي المطالب بالقضاء على الحزب.

من ينتقد سياسة السعودية في مواجهة ايران، لا يعني انه يؤيد ايران وسياساتها أو ميليشياتها في المنطقة، بل يعني أنه حريص على أن تقود الرياض سياسة واضحة الاهداف، والادوات، مع شركاء تجمعهم رؤية موحدة للاقليم، تجاه ايران وحلفائها والميليشيات الموالية لها، ان في لبنان، او في سوريا او العراق.

لكن التحالف العربي لمواجهة التمدد الايراني لا يبدو متناسقاً، ولا متفاهماً، بل على طراز التحالفات العربية المعقودة على مدى القرن الماضي لتحرير فلسطين، تبويس شوارب ولحى وبيانات عنيفة، من دون المقدرة على تحويل المواقف إلى افعال واهداف. أما نتائج التحالفات العربية على مدى القرن الماضي، فواضحة في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان.

لإيران نموذج مبني على "الشرعية الثورية"، يعطي الميليشيات غير الحكومية سلطة على الحكومة المنتخبة وجيشها، فتصبح الميليشيات ومرشدها خارج المحاسبة الشعبية. هذا النموذج اثبت فاعليته في الامساك بايران، فعمدت طهران الى استنساخه في لبنان أولاً، ثم العراق، والآن سوريا.

ومواجهة النموذج الايراني تكون على شكلين: إما قيام تحالف عربي برعاية وتمويل تنظيمات ثورية مناهضة للميليشيات الايرانية، وهي رعاية لا تتم في شهور او سنوات بل على مدى عقود، او التمسك بنموذج سيادة الدولة، وهو تمسك مكلف ويتطلب تمويلاً اكبر لفروع أمنية يمكنها التصدي للميليشيات الموالية لايران.

على أن العرب لا يقومون بهذه ولا بتلك، بل يكتفون بالصراخ، ويرفضون التقييمات الواقعية، ويتمسكون بالتقييمات الخيالية عن العنتريات والانتصارات والحزم وبعد الرؤية وحسن القيادة وما الى ذلك من صفات تشكل مادة ممتازة للدعاية الاعلامية، ولكنها تكون في الغالب خالية من أي تأثير على الأرض.

وأمام ذلك، تمضي إيران في انتصاراتها، ويغرق العرب في هزائمهم، فينقلب بعضهم على بعضهم الآخر ويحمله المسؤولية.. وعلى قول المثل الشعبي "من لا يقوى على حماته يستقوي على مرته".

ليت السياسة الدولية والاقليمية تسير على حسب الاهواء والتغريدات، لكن يستحيل ان يؤدي فرض حصار على الدوحة وإقالة رئيس حكومة لبنان إلى إخافة طهران أو التأثير في سياساتها، ناهيك عن التغلب عليها.

الخميس، 9 نوفمبر، 2017

قاعدة عسكرية في لبنان

بقلم حسين عبد الحسين

نفى الرئيس اللبناني ميشال عون، الأسبوع الماضي، أنباء تحدثت عن وجود قاعدة عسكرية أميركية في بلدة حامات الشمالية.

شائعة وجود قاعدة أميركية في شمال لبنان تتردد منذ عقود، ولا تتلاشى، إذ يبدو أن الشعبويين من المحرضين ضد الولايات المتحدة يلّوحون بها بين الحين والآخر لإشاحة النظر عن فسادهم في السياسة وفشلهم في الحكم. 

في عددها في الـ19 تشرين الأول/أكتوبر 2007، مثلا، نشرت صحيفة "الأخبار" المقرّبة من "حزب الله" اللبناني مقابلات مع عدد من أعضاء البرلمان اللبناني، أجمعوا فيها على القول إن "الولايات المتحدة تسعى منذ سنوات إلى إقامة قواعد عسكرية بحرية وجوية وبرية في عدد من المناطق اللبنانية وتغيير عقيدة الجيش" اللبناني. 

وفي الـ 28 أيلول/سبتمبر 2009، نشرت صحيفة "السفير"، المقرّبة من "حزب الله"، قبل أن توقف صدورها، خبرا مفاده أن أميركا أقامت قاعدة جوية في بلدة حامات الشمالية، وهو نفس الخبر الذي أعاد صحافيون طرحه على عون، لينفيه الرئيس اللبناني بعد ثماني سنوات على نشره.

والغريب في الأمر أن مجموعة السياسيين والإعلاميين اللبنانيين، من معادي الولايات المتحدة، لا يشعرون بالحرج لبثّهم دعاية سياسية تافهة هي بمثابة إهانة لذكاء القرّاء. فطول لبنان، بين أقصى نقطتين في شماله وجنوبه، يبلغ ٢٢٠ كلم، ويمكن لمقاتلة "أف 16" الأميركية التحليق بسرعة 2200 كلم في الساعة، وبعملية حسابية، يمكن للمقاتلة أن تحلّق من أقصى جنوب لبنان إلى أقصى شماله في ست دقائق فقط، ومن أقصى غربه إلى أقصى شرقه في نصف هذه المدة، وهو ما يعني ألا أهمية استراتيجية للبنان يمكن أن تدفع أميركا لبناء قواعد عسكرية فيه.

ثم أن للولايات المتحدة حلفاء يحيطون بلبنان وسورية، مثل الأردن وتركيا وإسرائيل، يمكن للمقاتلات الأميركية الاقلاع من قواعد في هذه الدول، كما يمكن للمقاتلات الأميركية الاقلاع من حاملات طائرات الأسطول السادس، المنتشر في البحر الأبيض المتوسط.

لكن الدقة في تصريحات الصحافيين وتحقيقات الصحف ليست مطلوبة، بل المطلوب شائعات تحريضية لا تموت، وتستمر في التردد على مدى عقود، وهي شائعات تنطلي على الكثير من اللبنانيين من بسطاء العقل، وخصوصا من المؤمنين بنظريات المؤامرة على أنواعها.

قبل أسبوعين، قامت القوى الأمنية بتحطيم منصات غير شرعية شيدها باعة في ضاحية بيروت المعروفة بـ "حي السلم"، وهي ذات غالبية سكانية شيعية. انتفض أصحاب المنصات، وشتم أحدهم زعيم "حزب الله" حسن نصرالله، وقال إن الحزب "يقتل شبابنا في سوريا". وفي اليوم التالي، أطلّ الرجل نفسه مقدما اعتذاره لنصرالله، ربما تحت ضغط اجتماعي أو تهديد. بعد الاعتذار، نشر موقع أن سبب تفوه الرجل بشتيمته كان جهازا إسرائيليا يسيطر على عقول اللبنانيين ويدفعهم إلى التفوه بما لا يقولونه عادة، وأن الحزب فكك الجهاز، فعاد الرجل إلى رشده، واعتذر.

قد يكون الموقع المذكور من فصيلة "الأخبار المضللة"، لكن أن يكرر نصرالله نفسه، في خطاباته، أن الولايات المتحدة هي التي أنشأت داعش، باعتراف قادتها، هو تصريح على مستوى "نظريات المؤامرة" التي لا تليق برجل يدير جيشا في الشرق الأوسط ويعرف من مع من، ومن يقاتل إلى جانب من.

لكن كالعادة، ليست الدقة والموضوعية هي المتوخاة، بل الدعاية والتحريض، حتى لو كان مطلقو الشائعات يدركون تهافت أقوالهم وضعفها أمام أي تدقيق. 

مثلا، دأب "حزب الله" وأجهزة إعلامه على تسويق مقولة أن متطرفين إسلاميين قتلوا رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري في العام 2005. ثم راح الحزب يبث دعاية أن آل الحريري، ومعهم السعودية، هم من يرعى الإسلاميين المتطرفين ويمولونهم في لبنان والعالم. هذا التناقض الواضح يطرح على ماكينة "حزب الله" الدعائية السؤال التالي: هل يموّل الحريري الإسلاميين المتطرفين، الذين يقتلونه ويغتالون مجموعة من مساعديه بعد ذلك؟ بكلام آخر، على دعاية "حزب الله" الاختيار، أما الحريري والإسلاميين المتطرفين أعداء، أم أنهم أصدقاء، ولكن إلصاق فكرتين متناقضتين هو بمثابة إهانة لأصحاب العقول السليمة.

لا قواعد عسكرية أميركية في لبنان، ولا أطماع للولايات المتحدة في دولة يمضي شعبها وحكومتها في سباق نحو الهاوية، ولو كانت أميركا تضمر الشرّ فعليا للبنان، فما عليها إلا الوقوف والتفرج على اللبنانيين يدمرون بلدهم، ومستقبلهم، ومستقبل عيالهم.

الأربعاء، 8 نوفمبر، 2017

ترامب يتعرض لأول هزيمة انتخابية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

قدم الديموقراطيون عرضاً انتخابياً قوياً بسحقهم منافسيهم الجمهوريين في الانتخابات التي شهدتها بعض الولايات الأميركية، أول من أمس، وكانت في طليعتها انتخابات حاكمي ولايتي فيرجينيا، المتأرجحة عادة بين الحزبين، ونيوجيرسي، الأكثر ميلاً إلى الديموقراطيين، على الرغم من أن حاكمها الحالي كريس كريستي هو من الجمهوريين.

ورمى كل من الحزبين بثقليهما خلف انتخابات حاكم فيرجينيا، فاستقدم الديموقراطيون الرئيس السابق باراك أوباما ونائبه جو بايدن لتحريك القاعدة الشعبية لدعم المرشح رالف نورثام، فيما قام الرئيس الأسبق الجمهوري جورج بوش الابن بتبني مرشح الجمهوريين ومستشاره السابق اد غيليسبي. كما تبنى الرئيس دونالد ترامب غيليسبي وسجل صوته دعماً للمرشح الجمهوري في اتصال هاتفي للناخبين. كما ضخ كل من الحزبين أموالاً طائلة لدعم حملة كل من المرشحين.

ومن المعروف تقليدياً أن كثافة اقتراع الناخبين الديموقراطيين تتراجع في السنوات التي لا تكون فيها انتخابات رئاسية، فيما يحافظ الجمهوريون على حماستهم وكثافة اقتراعهم، وهو ما أثار ذعر الديموقراطيين من امكانية استمرار سلسلة خسائرهم التي بدأت في العام 2010، وبلغت ذروتها مع خسارة مرشحتهم للرئاسة هيلاري كلينتون امام ترامب العام الماضي.

لكن نسب الاقتراع والنتائج فاجأت الجميع، بمن فيهم الحزبان والمراقبون والاعلام، اذ خرج الديموقراطيون- على غير عادتهم- بأعداد هائلة الى صناديق الاقتراع، وساهموا في تحقيق انتصار كاسح لنورثام على غيليسبي، بفارق قارب العشر نقاط مئوية. وأظهرت الارقام ارتفاعاً كبيراً في تأييد الديموقراطيين، وتراجعاً كبيراً في شعبية الجمهوريين، مقارنة بانتخابات العام الماضي.

وبسبب التغيير الكبير في المزاج الشعبي الاميركي، على ما يبدو حتى الآن في الولايتين المذكورتين، فاز الديموقراطيون بكل مناصب حكومة فيرجينيا، وكانوا، حتى ساعة متأخرة من الليل، في طريقهم الى تفجير مفاجأة باستعادتهم غالبية مجلس النواب في الولاية، والذي تسيطر عليه غالبية جمهورية. وكان المجلس في حساب المضمون لمصلحة الجمهوريين، الا ان التهديد الديموقراطي اظهر الموجة الشعبية المتصاعدة ضد الجمهوريين.

وعلى الرغم ان غيليسبي يتبنى معظم أجندة ترامب، لاعتقاده ان الغالبية الاميركية اختارت هذه الاجندة بانتخابها ترامب، الا ان النتائج التي حققها غيليسبي شكّلت تراجعاً عن الارقام التي حققها اثناء ترشحه لمنصب سيناتور عن الولاية في العام 2014.

وفيما بدا أن ترامب واداءه في الحكم بدأ يتحول الى عالة على الجمهوريين، وينذر بأنه قد يؤدي الى الاطاحة بالغالبية التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري في الكونغرس بغرفتيه، وفي معظم حكومات الولايات الخمسين، سارع ترامب الى التبرؤ من غيليسبي، وقال إن الأخير لم يتبن أفكاره يوماً، وهو ما ادى الى خسارته انتخابات الحاكمية.

لكن المراقبين أجمعوا على أن النقمة الشعبية الاميركية ضد ترامب تتصاعد، وان ارقام شعبيته هي الادنى في تاريخ رؤساء اميركا، وان الوضع الحالي صار يهدد فرص اعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية في العام 2020. كما اعتبر الخبراء ان فيرحينيا، أكثر من بقية الولايات، صارت تعارض ترامب بشدة بعد التظاهرات التي اقامها فيها العنصريون البيض، في مدينة شارلوتسفيل، والتي راحت ضحيتها مواطنة من الولاية، وهي تظاهرات لم يدنها ترامب، بل دافع عنها، وعن من نظّموها وشاركوا بها.

ومع نهاية اليوم الانتخابي الكبير، بدا واضحا انه اليوم الذي سجّل بداية التغيير في المزاج الشعبي الاميركي وانقلابه ضد الجمهوريين، وخصوصاً ضد ترامب، وهو ما حدا بناشر مجلة «ويكلي ستاندرد»، الجمهوري بيل كريستول الى القول، في تغريدة، انه «لا يمكنني ان انظر فعليا الى نتائج الانتخابات الليلة، من دون أن أستنتج أن الديموقراطيين هم في وضع افضل لاستعادة غالبية مجلس النواب (في الكونغرس) في انتخابات 2018» النصفية.

الثلاثاء، 7 نوفمبر، 2017

مَنْ سيواجه ميليشيات إيران؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تداول متابعو الشرق الأوسط في العاصمة الاميركية مقالة نشرتها صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية، بقلم السفير الاميركي السابق في تل أبيب دانيال شابيرو، حذّر فيها الاسرائيليين من التورط في حرب ضد «حزب الله» اللبناني.

وتحدث شابيرو عن ذكرياته، إبان عمله في الفريق الديبلوماسي للرئيس السابق باراك أوباما، وعن زيارة قام بها الى رئيس حكومة لبنان المستقيل سعد الحريري في بيروت، وكيف تم إجبار الاخير على التقارب مع الرئيس السوري بشار الأسد في العام 2010.

إلا ان ما أغفله شابيرو هو انه كان واحداً من اثنين ممن شكلا أول وفد أميركي زار دمشق في العام 2009، والتقى الأسد، كجزء من سياسة أوباما التي كانت تقضي بـ «الانخراط مع الأسد»، بهدف إبعاده عن ايران. وكان شابيرو من أكبر مؤيدي هذه السياسة.

ويقول المتابعون انه بعدما رأت دول المنطقة أن «واشنطن أوباما» متجهة نحو إعادة علاقاتها مع الأسد، قامت هي بإعادة هذه العلاقات كذلك، وفي ذلك السياق جاء انفتاح السعودية على الأسد في العام 2010.

ويضيف المتابعون ان شابيرو، وهو لم يتمتع بصداقة مع الاسرائيليين أثناء فترة عمله سفيراً أميركياً في تل أبيب بسبب العلاقة التي كانت متوترة دائماً بين أوباما والاسرائيليين، يعتقد خاطئاً أن إسرائيل قد تذهب إلى حرب في لبنان، فيما الدولة العبرية سعيدة لهدوء حدودها مع لبنان، وهي تفعل ما يمكنها لمنع الحزب اللبناني من إقامة بنية تحتية محاذية لهضبة الجولان السوري، الذي تحتله اسرائيل.

ويعتقد المراقبون الاميركيون أن «الضربات الوقائية» التي تشنها إسرائيل ضد أهداف تابعة لـ «حزب الله» في سورية هي ضربات بهدف تفادي الحرب، لا إشعالها، وهو ما يستبعد فرضية تأهب الاسرائيليين لحرب للقضاء على الحزب في لبنان.

في سياق متصل، تباحث عدد من المسؤولين السابقين من دول شرق أوسطية متعددة، في ما يعرف بمفاوضات «المسار الثاني»، حول القوة العسكرية التي ستخوض الحرب ضد الميليشيات الموالية لايران في منطقة الشرق الاوسط. وقال بعض المشاركين ان المؤتمرين أجمعوا انه «عاجلاً أم آجلاً»، قد تجد الدول المعادية لايران نفسها في موقع مواجهة مسلحة ضد الميليشيات الإيرانية، وان مواجهة من هذا النوع تحتاج إلى مقاتلين.

لإسرائيل جيشها الذي تستخدمه في الغالب دفاعياً، ومن المستبعد ان يشارك في حرب هجومية، حسب تصور شابيرو. أما الدول الباقية المواجهة لايران، فلا قوّات لديها لخوض معركة من هذا النوع. هناك بعض الميليشيات المؤيدة لبعض الدول في المنطقة لكنها أضعف من أن تخوض مواجهة مع الميليشيات الايرانية المنتشرة في العراق وسورية ولبنان.

وكان الاسرائيليون يأملون ان تقوم الولايات المتحدة بنشر قواتها على الحدود العراقية - السورية لمنع اتصال الهلال الممتد من طهران الى بيروت، عبر العراق وسورية. لكن المؤسسة العسكرية الاميركية، كنظيرتها الاسرائيلية، لا شهية لديها لخوض حروب بالنيابة عن الآخرين، وهي مستعدة للقتال فقط للدفاع عن المصالح القومية الاميركية.

ويقول بعض المشاركين في المؤتمر ان من الافكار التي تم اقتراحها تشكيل قوات عربية مشتركة، إلا أن هذه الفكرة، المقترحة منذ زمن للمشاركة في الحرب السورية ضد الميليشيات الموالية لايران، تبدو متعثرة وغير قابلة للتنفيذ.

من سيواجه ميليشيات إيران في المنطقة؟ المتابعون والمؤتمرات في العاصمة الاميركية تسعى للبحث عن إجابة، من دون أن توفق في ذلك حتى الآن.

الاثنين، 6 نوفمبر، 2017

مقاومة ايران ورؤية السعودية

حسين. عبدالحسين

بعيداً من السياسة وشؤونها وتطوراتها اليومية، لا بد من تقييم الهدف الأبعد لقطبي المنطقة: الجمهورية الاسلامية في ايران والمملكة العربية السعودية.

النموذج الايراني أصبح واضحاً ومعروفاً، وتم استنساخه في لبنان، فيما يجري العمل على استكمال استنساخه في العراق وسوريا، وهو نموذج قائم على ازدواجية في الحكم مبنية على الدولة التقليدية، التي يوازيها ما يصطلح الايرانيون على تسميته "الاهالي" أو "الحشد الشعبي" أو "المقاومة" أو سائر الاسماء التي تشي باناطة قوة عسكرية بمجموعات ثورية تابعة لمرشد وخارجة عن سلطة الدولة.

والمبدأ الايراني حول ضرورة وجود المجموعات العنفية الخارجة عن الدولة ينحدر من تجربة "ثورة 1979"، التي خشي اثناءها بعض الثوار من انقلاب مضاد يقوده الضباط الموالون للشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، فأقاموا مجموعة "تحرس" الثورة من الجيش، واطلقوا عليها اسم "الحرس الثوري"، الذي تحول في ما بعد الى مؤسسة عسكرية واقتصادية هائلة هي عماد الجمهورية الاسلامية، وهي اقوى بكثير من الدولة الايرانية وبرلمانها ورئيسها وحكومتها المنتخبة، وتمارس الوصاية على الدولة.

وأثبت الترتيب أنه مفيد للمرشد، خصوصاً في السياسات الداخلية والخارجية. في الداخل، حوّل المرشد و"الحرس" الدولة الايرانية المتهالكة الى "كبش فداء" أمام الغضب الشعبي حول الاوضاع المعيشية، المتدهورة اصلا بسبب حروب المرشد و"الحرس" المتواصلة. وفي الخارج، قدم المرشد و"الحرس" الدولة الايرانية ورئيسها كوجهٍ حسنٍ يمكن للعالم التعامل معه، ولكنه وجه لا يملك زمام الحكم، فتحول الى رسول بين المرشد والعالم.

صدّرت ايران نموذجها الى لبنان، فقدم أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله رؤيته للبنان بعد انهيار الوصاية السورية، وتوجه الى الدولة اللبنانية التي يديرها الوجهاء الاقطاعيون التقليديون، الحريري وبري وجنبلاط وعون، وقال لهم انتم اديروا "الانماء والاعمار"، واتركوا لنا الأمن والسياسة الخارجية. هكذا فاوض بري والسنيورة أميركا واسرائيل في حرب ٢٠٠٦ بين "حزب الله" واسرائيل بالضبط كما فاوض وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف العالم، بالنيابة عن المرشد، للتوصل للاتفاقية النووية مع ايران.

قدمت الظروف فرصة لمرشد ايران و"الحرس" لتعميم نموذج "الشعب والجيش والمقاومة" اللبناني في كل من العراق، حيث يتحول "الحشد الشعبي" الى مؤسسة دائمة على غرار "الحرس" و"المقاومة"، وسيبقى خارج الدولة العراقية، لكنه سيمارس وصاية عليها. ولارتباطه بالمرشد، يصبح "الحشد" في العراق، كما "الحرس" في ايران و"حزب الله" في لبنان، اداة وصاية لمرشد ايران على الدولتين الايرانية واللبنانية.

النموذج نفسه يتم استكماله في سوريا، حيث سيتحول الرئيس السوري بشار الأسد ومعارضوه، من التابعين له والخارجين عن ارادته، الى وجهاء الدولة السورية، تحت وصاية "الجيش الشعبي" أو الميليشيات التي سيختارها المرشد للامساك بقرارات دمشق الامنية والخارجية.

في السعودية، لا ازدواجية في الحكم، بل دولة مركزية لعبت على مدى عقود دور الراعي الاجتماعي والاقتصادي لسكانها، لكنها شاخت، ولم تعد عوائد النفط تكفي لرعاية الشعب السعودي المتنامي عددياً. ويبدو أن الرياض تتبنى نموذجا سبق لدبي أن تبنته، وهو مبني على استخدام عائدات النفط لدفع البلاد الى الصدارة في كل الحقول التي من شأنها جذب المستثمرين، ثم التخلي عن النفط وعائداته، إذ ذاك تكون الدولة تحولت الى قوة اقتصادية تضمن الاستقرار الاجتماعي.

ونموذج الامارات والسعودية ليس فريداً من نوعه، فهو بدأ في شرق آسيا، في كوريا الجنوبية وهونغ كونغ، ثم تبنته الصين. كوريا الجنوبية تحولت من حكم عسكري الى ديموقراطية للسماح لحكم القانون بكفالة الاستثمارات ولفتح المجال امام الابتكارات، التي تحتاج الى حرية. الصين، قدمت عمالة رخيصة، لكن سكان الصين تصيبهم الشيخوخة، ولا بد لبكين من تبني تغييرات لاستبدال العمالة كنموذج يجذب الاستثمارات الى نموذج بديل، اعتقد الجميع انه سيكون الديموقراطية، لكن حكام الصين لا يبدو انهم ينحون في ذاك الاتجاه.

بالعودة إلى السعودية، فإن رؤية 2030 تقضي بتقليص دور الدولة واطلاق القطاع الخاص. لكن مشروع "نيوم" وإقامة أكبر وأحدث مدينة في العالم يناقض رؤية تراجع الدولة ودورها في تمويل النمو، وهو ما يضطرها الاستمرار في الاستعانة بعائدات النفط.

ثم إنه من المستبعد أن تقدم المملكة يداً عاملة لجذب المستثمرين، مثل تركيا، ما يعني انها ستحتاج الى عناصر جذب اخرى، وهذه تتضمن حكم القانون، واطلاق الحريات لفتح الباب امام الابتكارات، على غرار كوريا الجنوبية وهونغ كونغ، ولو فعلت المملكة ذلك، فهو سيؤدي الى تغيير جذري في العقد الاجتماعي بأكمله، وشكل الدولة وانظمتها.

النموذج الايراني المبني على "ميليشيات شعبية" يحتاج الى حروب ليعتاش، وهي حروب ان توقفت، تعني رمي ملايين المسلحين في احضان البطالة، فتطلق عنان الجريمة المنظمة.

أما النموذج السعودي، فيحتاج الى سيادة القانون وتبني مبادئ ليبرالية من شأنها تغيير شكل الحكم واسسه، وان لم يتغير، يستمر على ما هو عليه، معتمداً على عائدات النفط، وان بألوان واشكال اكثر حداثة واستهلاكية.

في لبنان، تساءل النائب وليد جنبلاط يوماً إن كان لبنان هانوي المقاومة أم هونغ كونغ الاعمال والاقتصاد. حاول آل الأسد و"حزب الله"، وسيحاول الأسد في سوريا، مزج النموذجين، مع نتائج لم تبد واعدة في الماضي ولا تبدو واعدة مستقبلا. ايران ستستمر في نموذجها الهجين الذي يجمع "المقاومة" و"الاعمال"، فيما السعودية في مرحلة الاختبارات بين الريعية القائمة والحرية الموعودة، فإن فشلت الحرية، تستمر الريعية، وإن أكثر شباباً وتجدداً.

السبت، 4 نوفمبر، 2017

واشنطن: لا لقاء بين مسؤولين أميركيين وآخرين من نظام الأسد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

نفت مصادر أميركية رفيعة، بشكل قاطع، أن يكون «أي مسؤول أميركي أجرى أي لقاء مع أي مسؤول في نظام الأسد، لا في سورية، ولا في لبنان، ولا في أي بلد آخر».

وجاء النفي الأميركي بعدما نقلت وكالة «رويترز»، عن صحف لبنانية موالية لـ «حزب الله»، ان المسؤول الاميركي زار دمشق، عن طريق لبنان، والتقى فيها علي مملوك، المسؤول الأمني لدى الرئيس السوري بشار الأسد.

وقالت المصادر الأميركية لـ «الراي» إن «الولايات المتحدة لا تنوي إقامة أي اتصال مع الأسد أو نظامه»، وانه من وجهة النظر الاميركية، فإن الأسد لا يمكنه أن يكون جزءاً من مستقبل سورية، وهي سياسة أميركية ثابتة منذ العام 2011.

وأضافت المصادر انه «حتى على المستوى التقني البحت، ليس لدى أميركا ما تبحثه مع الأسد، وهو لم يعد صاحب القرار الامني والسياسي في بلاده، بل أصبحت كل قراراته ايرانية، بمساندة روسية»، مشيرة إلى أن لواشنطن علاقات مع عدد من الاطراف المعنية في الموضوع السوري بالمنطقة، التي يجري التنسيق معها بشكل متواصل حول عدد من الأمور التي تهم الولايات المتحدة، خصوصاً في إطار «مكافحة الارهاب».

ويبدو أن مسؤولين أميركيين أثاروا بعض المواضيع المتعلقة بمكافحة الإرهاب مع مسؤولين في حكومات حليفة في المنطقة، وقد يكون هؤلاء أثاروها بدورهم مع نظام الأسد، فتلقف الاعلام الموالي لايران هذه الخطوة، واعتبرها اتصالاً أميركياً مباشراً مع النظام السوري.

وعن إعلان تحالف روسيا وايران والأسد نيته استعادة مدينة الرقة، شمال سورية، التي تسيطر عليها حالياً «قوات سورية الديموقراطية»، ذات الغالبية الكردية، المدعومة مباشرة من الولايات المتحدة، قالت المصادر الاميركية ان لدى واشنطن وحلفائها في المنطقة خطة متكاملة للقضاء على تنظيم «داعش» وتسليم إدارة المناطق المحررة الى سلطات محلية لادارتها، وان هذه السلطات «ستكون قادرة على الدفاع عن نفسها في وجه كل الميليشيات الارهابية، ان كانت (داعش) أو غيرها».

الجمعة، 3 نوفمبر، 2017

خدعة السلام الخليجي الاسرائيلي

حسين عبدالحسين

يصعب على المتابعين قراءة تطورات احداث السلام ”الخليجي الاسرائيلي“، الذي وعد به الرئيس الاميركي دونالد ترامب وخصص اولى جولاته الدولية من اجله، فترامب يغرق في عدد من الفضائح التي قد تطيح برئاسته قبل نهاية ولايته، وهو في الاشهر العشرة الاولى من رئاسته لم ينجح في تحقيق انتصار تشريعي واحد في الكونغرس، بعد تعثر محاولاته لنسف قانون الرعاية الصحية، وانهيار مشاريعه لاصلاح تشريعات الهجرة، وفشله في الحصول على تمويل لبناء حائط على الحدود الاميركية الجنوبية مع المكسيك.

ولكن على الرغم من تراكم خيبات امل ترامب في الحكم، ومع تكاثر الفضائح التي تهدد رئاسته، وجد مستشاره الأقرب اليه صهره جارد كوشنر وقتا لزيارة المملكة العربية السعودية، بعيدا عن الانظار، لدفع السلام الخليجي الاسرائيلي قدما، حسب صحيفة ”بوليتيكو“. ورافق كوشنر في زيارته دينا باول، المصرية الاميركية العاملة في ”مجلس الأمن القومي“، وجايسون غرينبلات، مهندس خطة آل ترامب للسلام الخليجي الاسرائيلي.

وفي اسرائيل، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تأجيله التصويت على ضم مستوطنات الى ”القدس الكبرى“، وهو اعلان يشي بأن كوشنر يعتقد انه قارب تحقيق اختراق في السلام الخليجي الاسرائيلي، وهو اختراق يستأهل قيام نتنياهو — على غير عادته — بتأجيل التصويت المذكور.

وسط الانتظار، يبقى السلام الخليجي الاسرائيلي في مهب التكهنات. ”مجلس التعاون الخليجي“ معطّل وسط الأزمة الخليجية التي تدخل شهرها الخامس، والكويت لا تبدو متحمسة لسلام مع الاسرائيليين حسبما بدا في المواجهة التي قادها رئيس ”مجلس الأمة“ مرزوق الغانم ضد الوفد البرلماني الاسرائيلي اثناء اللقاء الدولي للبرلمانيين، ولا مصالح لعمان تملي عليها الدخول في سلام يهندسه كوشنر وغرينبلات من خارج ”جامعة الدول العربية“ او ”مجلس التعاون“.

حتى ”حركة حماس“ التي بدت وكأنها تقترب من مصر والامارات، زارت ايران والتزمت موقفها المناهض للاتفاقيات المعروضة.

ما يمكن استخلاصه من تطورات احداث السلام الخليجي الاسرائيلي المزمع التوصل اليه هو انه، في ظلّ ترامب، كل السياسات هي عبارة عن ارتباك وتضارب وفوضى، ومن يراهن على الرئيس الاميركي قد يخيب رهانه. 

اما سبب اصرار ادارة ترامب على سلام الخليج مع اسرائيل فاسبابه داخلية في الأساس لاعتقاد ترامب ان الصوت والمال اليهودي الاميركي يمكنه اعاقة عملية اخراج ترامب من البيت الابيض، وربما المساعدة في انتخابه لولاية ثانية.

ومن الاسباب ايضا طموح كوشنر الشخصي، فصهر الرئيس رجل اعمال يحتاج الى ممولين دائمين لمشاريعه العقارية، وفي هذا السياق زارت شقيقته الصين ووعدت الصينيين ببطاقات اقامة اميركية ان هم استثمروا في مشاريع شقيقها وعائلتها، وهو ما يعني انه حتى لو لم يتوصل كوشنر الى سلام خليجي اسرائيلي، هناك فائدة شخصية له في اقامة صداقات في الخليج ستبقى على الارجح بغض النظر عن مدة اقامة حماه في البيت الابيض.

غرينبلات والاسرائيليون، بدورهم، يعتقدون حكم ترامب فرصة ذهبية لتجاوز عقبة ”مبادرة السلام العربية“ والالتفاف على ما تبقى من تضامن عربي لدعم الموقف الفلسطيني، الضعيف اصلا، في اي مفاوضات ممكنة مع اسرائيل.

في ابوظبي، شارك وفد رياضي اسرائيلي في دورة جودو دولية استضافتها العاصمة الاماراتية. فاز اسرائيليون ووقفوا على منصة التتويج، لكن المنظمين لم يعزفوا النشيد الاسرائيلي ولا رفعوا العلم، فاحتجت اسرائيل، وقالت انها تلقت وعودا اماراتية بأن الامر لن يتكرر.

تخبط ترامب وادارته هو الذي ينعكس على أميركا والعالم، وهو الذي ادى الى وقوف ابطال اسرائيل في الجودو في ابوظبي على منصة الفائزين، لكن فوزهم بقي صامتا، من دون نشيد ولا علم، في حادثة تبدو وكأنها تشبه السلام الخليجي الاسرائيلي المزمع عقده.

إسرائيل لا تريد انهيار نظام الأسد ولا ترى فارقاً بين بقائه ورحيله

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في العاصمة الأميركية، يقدم ديبلوماسيون أوروبيون رفيعو المستوى انطباعاتهم عن الفارق في الموقف تجاه الأزمة السورية بين إدارتي الرئيسين الحالي دونالد ترامب، والسابق باراك أوباما. ويقول هؤلاء الديبلوماسيون إنه على الرغم من أن إدارة ترامب تبدو أكثر تقاعساً في تعاطيها مع الموضوع السوري، بيد أنها أكثر تصلباً من سابقتها، التي كان الأوروبيون يخشون دائماً أن تقوم بالالتفاف عليهم والتوصل لاتفاق مع روسيا من دونهم.

وكانت حكومة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند من أكثر المنتقدين لأوباما، بعد قيام الأخير بوقف الضربة التي كان يعتزم توجيهها الى قوات الرئيس السوري بشار الأسد، إثر مجزرة الغوطة الكيماوية صيف العام 2013. وبعدما وضع الفرنسيون قواتهم في حال تأهب، اكتشفوا أن الأميركيين كانوا توصلوا مع الروس سراً، بوساطة إسرائيلية، لتعليق الضربة مقابل قيام الأسد بتسليم ترسانته الكيماوية. وكرر الفرنسيون يومذاك أنهم تلقوا «صفعة سياسية من أوباما».

مع ترامب، يبدو أن الموقف الأميركي تجاه الحلفاء الأوروبيين وروسيا وسورية يختلف عن سلفه. صحيح أن هناك صداقة ظاهرة ومحاباة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، إلا أن ترامب يخشى أن يظهر في موقف المتلقي أمام نظيره الروسي، خصوصاً في موضوع، مثل سورية.

يضيف الأوروبيون انه قد يكون للتغيير الطارئ على موقف إسرائيل من روسيا بعض التأثير في موقف ترامب تجاه الأزمة السورية، ففي زمن أوباما، طلب الاسرائيليون من واشنطن مراراً عدم السماح بانهيار نظام الأسد، خشية صعود المجموعات الاسلامية المتطرفة وحلولها مكانه في الحكم في دمشق.

لكن يبدو أن إسرائيل لم تتحسب لاحتمال أن بقاء الأسد سيفتح باب الجنوب السوري، المحاذي لحدودها الشمالية الشرقية، لأعدائه من المجموعات الشيعية والميليشيات الموالية لإيران.

كذلك، يبدو أن الاسرائيليين استبشروا بدخول روسيا الحرب السورية، لاعتقادهم أن موسكو ستحل محل إيران كراعية للأسد، ليتبين في وقت لاحق أن طهران هي «الشريك الأكبر» في تحالف إيران وروسيا مع الأسد، وأن الأخير لا يمكنه الصمود والبقاء في الحكم بلا الميليشيات الموالية لإيران.

هكذا، لم تعد إسرائيل ترى فارقاً في بقاء الأسد أو رحيله، على الرغم من أن تل أبيب - تقول المصادر الاوروبية - لا تسعى لانهيار الأسد، وهي لا ترى أن للرجل تأثيراً متبقياً في مجريات الأوضاع في سورية.

وتتابع المصادر الأوروبية أن روسيا لا تزال تعد الاسرائيليين بأنه لو قيّض لها إتمام عملية إعادة تأهيل الأسد سياسياً ودولياً، يمكنها حينذاك إخراج إيران من الصورة، لكن إسرائيل لا يبدو أنها تصدق الوعود الروسية، بل تعتقد أن سورية انتهت كدولة موحدة مركزها دمشق، وأن على كل من الدول المحيطة بها الدفاع عن مصالحها داخل الأراضي السورية وحدها، وهو ما يفعله الاسرائيليون، بشكل متواصل، من خلال الغارات المتكررة التي تشنها مقاتلاتهم ضد أهداف تابعة لـ «حزب الله» اللبناني داخل سورية، لمنعه من إقامة بنية عسكرية تحتية في الجنوب يمكنه من خلالها تهديد إسرائيل.

ومع قيامها بما تعتقده دورها في الدفاع عن نفسها، رصد الأوروبيون خيبة أمل إسرائيلية من واشنطن، خصوصاً بعد وصول صديق اسرائيل، أي ترامب، إلى البيت الابيض، فإسرائيل كانت تعتقد أن أميركا ستوسع حربها غرب العراق لتشمل شرق سورية، وتقطع - بالاشتراك مع أكراد سورية والعراق - الجسر الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت، عبر العراق وسورية.

لكن إدارة ترامب لم تقم بما توقعه الاسرائيليون. مع ذلك، يعتقد الأوروبيون أن إدارة ترامب ستتمسك بموقفها الرافض لبقاء الأسد في السلطة، وهو ما يقوي من موقف الأوروبيين المتمسكين بالموقف نفسه، والمصرّين على أن أي حل سوري سيكون وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الصادر نهاية العام2015.

وينص القرار المذكور على مرجعية مقررات مؤتمر جنيف الأول، والتي تلزم السوريين، بمن فيهم الأسد ونظامه، بالانخراط في عملية انتقالية، تفضي لانتخابات ودستور جديد.

ويختم الديبلوماسيون الأوروبيون أنه خلال «جنيف 1»، كان الأسد في موقع ضعيف، واضطرت روسيا للتنازل لإنقاذه، ولكن الأمور على الارض انقلبت لمصلحته اليوم، وهو ما يدفع موسكو للسعي لتقويض قرارات التسوية الماضية ومحاولة استبدال الحكومة الانتقالية بحكومة «وحدة وطنية»، وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات، أي أن التغييرات التي تقترحها روسيا شكلية فقط وتؤدي إلى تثبيت الأسد في الحكم، بدلاً من فتح الباب أمام بدلاء.

بالنسبة لأوروبا، أي فرنسا وبريطانيا وألمانيا خصوصاً، فهي متمسكة بالقرار 2254، ومقررات جنيف، والتسوية المبنية على عملية انتقالية وانتخابات بإشراف دولي صارم. أما مؤتمرات روسيا، في سوتشي وغيرها، فهي لا تُغيّر في وضع الأسد كثيراً، إذ يبقى معزولاً دولياً، وعلاقاته الدولية مقتصرة على حفنة حلفائه نفسها.

الأربعاء، 1 نوفمبر، 2017

«سوء تقدير» قد يُحوِّل «الحرب الباردة» بين إسرائيل و«حزب الله»... إلى «ساخنة»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

عندما نسأل المسؤولين الأميركيين المتابعين عن مضاعفات كشف إسرائيل هوية القيادي في «حزب الله» اللبناني أبو علي شعيتو، المعروف بـ «الحاج هاشم»، بصفته قائداً لقوات الحزب في الجولان، وعن إمكانية أن تؤدي خطوة كهذه إلى إشعال حرب بين اسرائيل و«حزب الله»، يُجيب المسؤولون الأميركيون، مشترطين عدم ذكر أسمائهم، ان «إسرائيل و(حزب الله) منخرطان في الوقت الحالي في حرب، لكنها حرب استخباراتية باردة ذات قواعد شبه معروفة».

السؤال هو «متى تتحول الحرب الباردة إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟»، حسب المسؤولين الذين يقولون في معرض إجابتهم: انه «في المدى المنظور، يتعذر القضاء التام على (حزب الله) أو (حماس) أو أي ميليشيات قد تهدد أمن اسرائيل… كما أن مواجهة التوسع الإيراني في المنطقة أمر يتعدى الامكانيات الاسرائيلية، ويتطلب جبهة إقليمية بقيادة الولايات المتحدة».

وبسبب معرفتها أن «الحلول الجذرية» متعذرة، تلجأ إسرائيل، وفقاً للمسؤولين الأميركيين، إلى مواجهة إيران وميليشياتها دفاعياً فقط، وهذا النوع من المواجهة يجري في أسلوبين، بارد وساخن، أي أن إسرائيل تواجه «حزب الله» وتعمد إلى تصفية كوادره واختراقه استخباراتياً وقصف شحنات الأسلحة المتطورة المرسلة إليه، وهذه المرحلة الباردة من المواجهة.

وتتابع إسرائيل حربها الباردة «لتأجيل المواجهة الساخنة، وفي الوقت نفسه للحفاظ على تفوقها في الجولة الساخنة المقبلة».

متى ستندلع «الحرب الساخنة» بين الطرفين؟ يقول المسؤولون الأميركيون ان «الحرب المباشرة بين اسرائيل و(حزب الله) قد تندلع في أي لحظة، والأسباب قد لا تكون دائماً عسكرية». ويعتقد المسؤولون الأميركيون ان جزءاً لا بأس به من قرار الحزب إشعال «حرب لبنان الثانية»، في يوليو 2006، كان بسبب حسابات داخلية للحزب اللبناني مع حلفائه في سورية وإيران.

لكن كما في معظم الحروب، تتخذ الحرب مجرى خاصاً بها، ويندر أن تسير كما تصوّر من أشعلوها: «حزب الله» كان يتصورها مواجهة محدودة عبر الحدود تعيد له بريقه الذي كان فقده مع السنة اللبنانيين والعرب على اثر مقتل رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في العام 2005، و«إسرائيل استخفت بالمواجهة وبقدرات الحزب الذي حافظ على تماسكه، ولكنه فشل في الدفاع عن مناصريه، الذين يدّعي أن سبب وجوده هو الدفاع عن حياتهم وممتلكاتهم، بل تسبب بخسائر كبيرة لهم في الأرواح ودمار كبير في الممتلكات»، حسب ما يقول المسؤولون الأميركيون.

إذاً، سوء التقدير من أي من الطرفين وارد، وهو ما ينذر بفتح جبهة بينهما في أي لحظة، مع الاشارة إلى ان «حزب الله» قد يفعل أقصى ما بوسعه لتفادي الحرب، على الأقل لمدة سنة حتى يكون استتب الوضع لمصلحته في سورية، ويكون قد أقام بنية تحتية تسمح له بفتح جبهة الجولان السوري.

وسبق لأمين عام «حزب الله» حسن نصرالله أن هدد بأن أي حرب مقبلة ضد إسرائيل قد تتضمن الجولان، وأن الحزب قد لا يكون الطرف الوحيد المشارك فيها، في اشارة إلى ان الميليشيات الشيعية المؤيدة لايران، والتي تقاتل في سورية، قد تنخرط في أي مواجهة عسكرية ضد اسرائيل، وهو ما يعطي الحزب اللبناني تفوقاً عددياً أكبر بكثير من حروبه السابقة ضد الاسرائيليين.

إسرائيل لا ترغب في تسريع المواجهة، بل هي تسعى إلى تعطيلها قدر الامكان، وهي لهذا السبب كشفت هوية «الحاج هاشم»، وربما ستحاول مطاردته لمنعه من إقامة بنية تحتية عسكرية للحزب في الجولان.

يقول المسؤولون الاسرائيليون ان «الخطوات الإسرائيلية هي تكتيكية وعلى المدى القصير، وليست استراتيجية أو على المدى الطويل، وهي خطوات تهدف لإبقاء ميزان القوى على ما هو عليه حتى لا تضطر لخوض مواجهة أوسع في ما بعد».

على أن السؤال يبقى هو إن كان الطرفان، اسرائيل و«حزب الله»، يقرآن نوايا بعضيهما البعض بشكل صحيح، ويحاولان تفادي تحويل الحرب بينهما من «باردة الى ساخنة»،أم لا؟!

أميركا، بدورها، يبدو أنها تسعى لضبط التوتر، وهي لهذا السبب تستخدم علاقاتها المتينة مع الجيش اللبناني، لتأكيد عدم انزلاق الجانب اللبناني إلى مواجهة مع الاسرائيليين، إن عبر لبنان أو عبر سورية.

مولر يسلك طريقاً تقود إلى إدانة ترامب

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومناصروه في حزبه الجمهوري، التظاهر وكأن الضربة القضائية التي وجهها لهم المدعي الخاص روبرت مولر لا تعني الرئيس ولا تؤثر فيه، فقدموا سلسلة من التبريرات والالتفافات، التي بدت غير مقنعة ولكن كافية لتطمين القاعدة الموالية للرئيس والجمهوريين.

وكان مولر افتتح الأسبوع بتوجيه الاتهام لمدير حملة ترامب الانتخابية الرئاسية بول مانافورت، وشريكه ريك غيتس، بتبييض الأموال والتهرب من الضرائب، والقيام بنشاط لوبي لمصلحة حكومة أجنبية، من دون تقديم بيانات الى وزارة العدل حسبما ينص القانون الاميركي.

وتزامن إعلان قرار مولر الاتهامي مع إعلان محكمة في واشنطن ان جورج بابادوبولوس، وهو كان واحداً من مستشاري ترامب أثناء الحملة الرئاسية، اعترف باتصاله وروس مقربين من الكرملين، بهدف تنسيق نشر معلومات من شأنها أن تساعد ترامب والجمهوريين، اثناء الانتخابات، وتؤذي خصومهم الديموقراطيين. وكرر ترامب والجمهوريون روايتهم، التي يبدو أنهم يستخدمونها لتشتيت الانظار عن تواطؤ محتمل للرئيس مع الحكومة الروسية، وأصر الجمهوريون على أن التعاون، الذي يقارب الخيانة بين اميركيين وموسكو، جرى فعلياً يوم كانت منافسة ترامب الديموقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية، ووافقت وزارتها على قيام روسيا بشراء ما يوازي 20 في المئة من احتياطي أميركا من اليورانيوم، المادة المستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية.

كما حاول ترامب والجمهوريون الاشارة الى ان ما ورد في قرار ادعاء مولر يدين مانافورت وشريكه غيتس بتهم جرائم مالية وتعامل مع حكومات أجنبية حصلت قبل انضمام مانافورت الى حملة ترامب في مارس 2016، وأن لا علاقة لترامب أو حملته بما ارتكبه مانافورت أثناء عمله قبل ذلك التاريخ.

ويبدو أن مولر كان يأمل أن يتوصل مانافورت (كما فعل بابادوبولوس)، لاتفاقية مع الادعاء، يعترف بموجبها بذنبه، وينال عقوبة مخففة، على شرط تعاونه مع التحقيق، وقيامه بالوشاية على متورطين آخرين. لكن بعد ساعات من التحقيقات وخروج مانافورت وغيتس متمسكين ببراءتيهما، يبدو أن مولر لم ينجح في إقناعهما بالتعاون، فأخذت الأمور منحى تصعيدياً، وسار كل من الطرفين في اتجاه المواجهة امام المحكمة.

حصيلة المواجهة القضائية في العاصمة الاميركية، حتى الآن، هو إجماع الخبراء الاميركيين أن إدانة مانافورت ليست بمثابة «الجرم المشهود». لكن غالبية الخبراء أشاروا في الوقت نفسه الى ان مولر يمشي في طريق لا بد أن تؤدي إلى إدانة ترامب نفسه، فالأحداث التي تشير إلى تورط الرئيس وحملته مع الروس كثيرة، وقد لا تشكل أي منها إدانة لوحدها، ولكن وضعها جميعها في سياقها يشير، بما لا يقبل الشك، الى تواطؤ بين ترامب وحملته، مع الروس، ضد الديموقراطيين وكلينتون، وهذا ما يصنفه القانون الاميركي خيانة وطنية، التي تعد إحدى الاسباب الموجبة لإزاحة الرئيس عن رئاسته.

وعلى عكس الجمهوريين الذين يتصرفون وكأن قرار مولر الاتهامي بحق مستشاري ترامب الثلاثة كان بمثابة نهاية التحقيق، يعتقد الديموقراطيون أن القرار الاتهامي يشكل نقطة البداية، ويتوقعون أن يتوسع تحقيق المحقق الخاص ليطول عدداً أكبر من الشخصيات، وقد يصل إلى ترامب نفسه.

ويلفت المراقبون في هذا الإطار إلى تفادي مولر، حتى الآن، إجراء أي تحقيقات مع العاملين في الحكومة، باستثناء وكيل وزير العدل رود روزنستاين، إذ اكتفى مولر وفريقه، حتى الآن، بسلسلة من التحقيقات مع المسؤولين ممن خرجوا من إدارة ترامب، وهم كثر، من بينهم رئيس موظفي البيت الابيض السابق رينس بريبس، والناطق السابق باسم البيت الابيض شون سبايسر.

وفي وقت قال مقربون من البيت الابيض ان ترامب تنفس الصعداء عندما سمع أن القرار الاتهامي طال مانافورت من دون مستشاره السابق لشؤون الأمن القومي مايكل فلين، يتوقع الخبراء أن يصدر مولر قرارات اتهامية بحق آخرين، قد تشمل فلين، الذي تبين أنه تقاضى أموال لوبي من الحكومة التركية، من دون أن يُصرّح عنها أمام وزارة العدل، وهي التهمة نفسها التي طالت مانوفورت على خلفية تلقيه أموالاً من الحكومة الأوكرانية.

ولأن تحقيق مولر مازال في بدايته، فهو ترك أسئلة كثيرة حتى الآن من دون إجابة، مثل الرسالة التي وقعها المرشح الرئاسي في حينه دونالد ترامب من أجل الحصول على موافقة وتمويل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل بناء فندق برج ترامب في موسكو. كذلك، ينتظر الاميركيون معرفة عواقب قيام ترامب بطرد مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي (اف بي آي) السابق جيمس كومي، خصوصاً إثر تصريح ترامب أن سبب خطوته كان تحقيقات كومي في امكانية تورط حملة ترامب مع الروس، وهذا ما يعتبره القضاء الاميركي محاولة من الرئيس لعرقلة مجرى العدالة.

كذلك، ينتظر الاميركيون معرفة العواقب القانونية للقاء أجراه دونالد جونيور، نجل ترامب، وصهره جاريد كوشنر مع روس مقربين من الكرملين كانوا وعدوا بتزويد حملة ترامب بمعلومات من شأنها أن تشوه من سمعة كينتون وتؤدي لتفوق ترامب انتخابياً.

التجاوزات التي قام بها ترامب وحملته، حسب التقارير الاعلامية، كثيرة، ويبدو أن باكورة الملاحقات القضائية لترامب بدأت هذا الاسبوع مع القرار الاتهامي بحق ثلاثة من مستشاريه. أما مصير ونتائج التحقيقات، فمازالت غالبية الاميركيين تحبس أنفاسها في انتظار وصول التحقيق والمحاكمات التي ستنتج عنه، إلى الخاتمة.

الثلاثاء، 31 أكتوبر، 2017

عقوبات تنبحُ ولا تعض

حسين عبدالحسين

في لبنان وحول العالم، انطباع مفاده أن انقلاباً حدث في السياسة الخارجية الأميركية تجاه ايران، وتالياً تجاه "حزب الله" اللبناني، مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. لكنه انطباع خاطئ بالكامل.

صحيح أن مواقف ترامب تجاه ايران تغيرت عن مواقف أوباما، لكن سياسة الرئيس الحالي القاضية بفرض عقوبات على "حزب الله"، لا تختلف أبداً عن سياسة الرئيس السابق.

أوباما كان قد واجه معارضة حادة من كثيرين في العاصمة الأميركية، خصوصاً من بين أصدقاء إسرائيل، ضد الاتفاقية النووية مع إيران. ولتخفيف الضغط السياسي عن إدارته، عمد أوباما إلى المبالغة في فرض عقوبات على "حزب الله" اللبناني.

هكذا، لم تكد تمر شهور على المصادقة على الاتفاقية النووية مع ايران، في تموز/يوليو 2015، حتى وقّع أوباما قانوناً حمل اسم "منع التمويل الدولي لحزب الله"، في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه.

وفيما كانت الطائرات الأميركية تحمل قرابة ملياري دولار نقداً من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى طهران، كان "مكتب مراقبة الأصول الخارجية"، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، والمعروف اختصارا بـ"أوفاك"، يفرض قوانين أكثر صرامة على الشيعة اللبنانيين في لبنان وفي الاغتراب وفي أصقاع الأرض، وهو ما يطرح السؤال: عدا عن الضجيج السياسي الذي تثيره قوانين الكونغرس الجديدة التي تفرض عقوبات على "حزب الله"، فما الجديد في هذه القوانين عن قانون أوباما 2015؟

مطلع العقد الماضي، كنّا مجموعة من الناشطين في لبنان، من المطالبين بتخفيف الحصار الخانق على العراق، والذي كان قد أودى بحياة آلاف الاطفال وحوّل البلاد إلى خرابة. وفي يوم من الأيام، زار وزير صدام المفضل طارق عزيز، بيروت، وشكر المتضامنين ممن كانوا جمعوا التبرعات المالية والعينية وأرسلوها للعراق. يومذاك، أقام مضيفو الوزير العراقي وليمة على شرفه في فندق كومودور في منطقة الحمراء، وقدموا أفخر أنواع المأكولات. ولم يكد الضيف ومضيفوه يفرغون من الأكل، حتى استل مجموعة من السيجار الكوبي الفاخر، وقام هو والمضيفون بتدخينها، أمام دهشة الناشطين، الذين كانوا يعتقدون أنهم جمعوا ما في المقدور لتخفيف معاناة العراقيين، فإذ بالوزير العراقي يتصرف وكأن الحصار كان مفروضاً على بلد آخر غير العراق.

بعد انهيار نظام صدام حسين، ظهرت تقارير استخباراته إلى العلن: كوبونات براميل نفط وأموال قدّمها النظام العراقي لفنانين مصريين وعرب، وسياسيين لبنانيين وبريطانيين وفرنسيين. كان "الاستاذ عدي" صدام حسين، يحتكر تجارة التبغ، ويستورد سجائر كوبية، ويقرصن أفلام هوليوود ويعرضها على تلفزيونه "الشباب". وكان يشارك كل صاحب مال عراقي ماله.

الشعب العراقي كان يموت جوعاً، فيما النظام وأصدقاؤه، المحليين والدوليين، بمن فيهم مسؤولو "الأمم المتحدة" ونجل أمينها العام السابق كوفي عنان، يغرقون في نهب أموال "النفط مقابل الغذاء".

الدرس من التجربة العراقية هو أن العقوبات تقتل الشعوب، فيما حكامها وأصدقاؤهم يَثرون على ظهر الشقاء الشعبي. وكما في العراق، كذلك في إيران، توقفت وزارات بأكملها عن العمل في ذروة العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي، فيما لم تتأخر رواتب أصدقاء ايران في المنطقة، ساعة. بل إنه، وكلّما زادت العقوبات الدولية على إيران قساوة، رفعت طهران من موازناتها المخصصة للمليشيات الموالية لها في المنطقة لمواجهة قوة العقوبات الدولية بقوة بنادق المليشيات الإيرانية.

ومثلما لم يتأثر طارق عزيز او نظام صدام بعقوبات كان عمرها تجاوز العقد من الزمن، لم يتأثر "الحرس الثوري الإيراني"، الذي يمسك بثُلثِ الاقتصاد في بلاده، بالعقوبات، بل مضى يتحايل عليها دولياً، مع شركاء تَصَدَّرَهم مسؤولون أذربيجانيون تشاركوا مع ترامب نفسه في بناء فندق يحمل اسمه في باكو.

أثناء قيام الولايات المتحدة بحياكة سلسلة من العقوبات الدولية القاسية على طهران، قبل سنوات، كرر المسؤولون الأميركيون القول إن العقوبات ستكون من الطراز الذي "يَعُضُّ"، أي أنها ستؤلم الإيرانيين وتجبرهم على التفاوض والتراجع.

اليوم، وبعد قرابة عامين على قانون 2015 الأميركي لمنع التمويل عن "حزب الله"، يستمر الحزب اللبناني في التوسع وزيادة الانفاق، فيما يعاني كل من يحمل اسم حسين أو علي أو نصرالله، من تحويل أي مبلغ من وإلى دول الإغتراب للمساهمة في نفقات عائلته أو أقاربه، وكأن المليشيات الإيرانية تُسددُ رواتب مقاتليها على شكل حوالات مصرفية.

يبدو أن العقوبات الأميركية على "حزب الله"، المُقبلة كما الماضية، تنبح فقط، ولا تعض.

الأحد، 29 أكتوبر، 2017

سوريون يبحثون عن هوية

حسين عبدالحسين

كان كبيراً المجهود الذي وظّفه عدد من المعارضين السوريين في واشنطن لتنظيم لقاء جمعهم، بمشاركة نحو 25 من أعضاء الكونغرس من مؤيدي إنهاء حكم الرئيس السوري بشار الأسد، وهو لقاء نظّمه وموّله السوريون الاميركيون ذاتياً.

على أن النقاشات المتنوعة اثبتت أن إعادة بناء دولة نخرها فساد آل الأسد واستخباراتهم على مدى أكثر من 40 عاماً ليس بالأمر اليسير، فقبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت كل أحزاب السوريين ملكاً لصاحبها "حزب البعث العربي الاشتراكي"، فيما كانت السيدة الاولى أسماء الأسد، تتلهى بإدارة الجمعيات المدنية الأكثر شبابية.


بعد اندلاع الثورة، التي حوّلها نظام الأسد الى عنف منقطع النظير، مع شلالات دماء ممزوجة بأسلحة كيماوية، وعلى وقع براميل متفجرة بدائية وقصف عشوائي، وجد السوريون انفسهم بلا تنظيمات تدير طموحاتهم وشؤون ثورتهم، فتقدمت التنظيمات العنفية الى الواجهة، وراح الثوار السوريون يغرقون في عملية اثبات للعالم انهم سليلو حضارة عريقة، وانهم ليسوا ارهابيين ولا برابرة من وليدي الأمس.

يتحدث أحد الحضور في جلسة نقاش حول "الهوية السورية"، والذي قدم نفسه على انه "الدكتور محمد". يقول مستاء "ذهبنا الى العالم نقول لهم اننا نريد حرية وديموقراطية، فردوا ان علينا ان نثبت لهم اننا نفهم في حقوق الانسان والنساء، وكأننا شعب بلا تاريخ ولا حضارة".

على أن تعريف "الهوية السورية" كان عسيراً، حتى على مجموعة من النخبة السورية، فغالبية المشاركين كانوا من المثقفين ومن اصحاب الشهادات العليا والوظائف الرفيعة.

الاقليات تنشد الانصاف. معلوم ان الطغاة، مثل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والحالي بشار الأسد، منصفون في دمويتهم، التي لا تفرق بين مسلم او مسيحي، ولا عربي أو كردي. لكن الاقليات غالباً ما تعرضت لظلم مضاعف، فترى مسيحيي العراق مجبرين على حمل علم مكتوب عليه عبارة "الله أكبر"، وترى السوريين، من العرب وغير العرب، يرددون نشيدهم "حماة الديار عليكم سلام، أبت ان تذل النفوس الكرام، عرين العروبة بيت حرام".

يقول أحد المشاركين القادمين من سوريا، وهو من "الحركة الآثورية"، إن مجموعته تطمح لسوريا علمانية لا مركزية.

العلمانية موضوع شائك. "اصدقاء سوريا" كانوا اعلنوا علمانية سوريا، فيما بعض هؤلاء الاصدقاء أنفسهم، مثل الولايات المتحدة، ليسوا من الدول العلمانية. ثم يدور نقاش حول العلمانية، يقول أحد المشاركين ان في العالم نوعين من العلمانية، الفرنسية والتركية، والتي تحظّر الدين، والانغلوسكسونية، التي تعترف بالتنوع. لا يبدو ان صاحب الرأي المذكور يفطن الى ان الدولة الاميركية، التي يسميها علمانية، تقول في "قسم الولاء" الخاص بها "أمة واحدة، تحت الله"، أو أنها كتبت "ثقتنا بالله" على عملتها. ملحدو الولايات المتحدة لطالما ازعجتهم هذه المظاهر الدينية في الدولة، ومولوا حملات دعائية باهظة للتخلص منها، من دون ان يوفقوا في ذلك.

"ما هو العقد الاجتماعي الجديد الذي تريدونه؟" يسأل صحافي من الحاضرين بالانكليزية. يجيب احد المتحدثين في الجلسة انه لا يرى ان على الدولة السورية القادمة ان تحدد معتقدات السوريين، ولا دياناتهم، ولا هوياتهم الثقافية، ولا ما يقولونه او يفعلونه، او ما يأكلونه او يشربونه في الاماكن العامة. "مهمة الحكومة تنظيم الحيز العام، وادارة موارد الدولة وضرائبها فحسب"، يتابع المتحدث.

وفي مؤتمر المعارضين السوريين حوار عن حقوق المرأة في "سوريا الجديدة"، لا امرأة واحدة على غرار الماضي، الذي قدمت فيه دمشق امرأة واحدة وحيدة اسمتها "وردة الصحراء"، أي عندما قامت اجهزة الأسد بمحاولة تحسين صورته لاخراجه من عزلته الدولية، فأقنعت مجلة عالمية مشهورة بالثناء على أسماء الأسد. منذ ذلك الوقت، اعتذرت المجلة عن المقالة الفضيحة، التي صار يصعب العثور عليها عبر محركات البحث على الانترنت.

هو نقاش حيوي بين سوريين يطمحون لسوريا جديدة مختلفة عن "سوريا الأسد"، التي لم تعرف غالبيتهم غيرها، وهو نقاش، على تعقيداته، يدور في كل دول العالم، حتى تلك التي تعيش في استقرار نسبي. هذه الولايات المتحدة منخرطة في نقاش متواصل حول حقوق الفرد وصلاحيات الدولة: هل يمكن للحكومة منع "زواج المثليين" أو "تحريم الاجهاض"؟ وان كان على الدولة ان تنكفئ عن شؤون مواطنيها، فلماذا تنفق على تعليمهم وشؤونهم المعيشية الاخرى؟

الدول متغيرة، وشعوبها تتفاعل باستمرار وتطور هويتها. حتى لو لم تنجب الثورة السورية مؤسسات يمكنها ادارة شؤون السوريين بدلا من مؤسسات الأسد المهترئة، الا انها ادخلت سوريا نادي الدول التي يتحاور فيها ابناؤها حول هويتهم، ويطورونها بشكل مستمر، بعيداً عن الهويات الموروثة من ماض، في الغالب متخيل، يقوم بفرضها على المواطنين نفر ممن يجيزون لأنفسهم فرض هندسة مجتمعية وسياسية، وهم في غالب الاحيان من اصحاب المقدرات المحدودة التي بالكاد سمحت لهم الانخراط في سلك التعليم الابتدائي.

كيف تُراجع واشنطن سياستها في سورية؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تناقلت الأوساط السياسة والإعلامية تقارير مفادها أن إدارة الرئيس دونالد ترامب عاكفة على إجراء مراجعة لسياستها تجاه سورية. واستبشر المُطالبون بقيام الولايات المتحدة بدور أكبر لإنهاء الحرب السورية بتصريحات لوزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون قال فيها ان بلاده متمسكة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة، في دلالة على أن واشنطن لن تقبل أي أمر واقع عسكري يسعى لفرضه الأسد، بدعم ومساعدة حلفائه، وفي طليعتهم إيران وروسيا.

لكن عملية «إجراء مراجعة» للسياسة الأميركية في سورية لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستسعى لدفع الأمور في مصلحتها أو مصلحة حلفائها في المنطقة. حتى لو أعلنت واشنطن مجموعة مبادئ تختلف عن سياستها الماضية تجاه الأحداث في سورية، لا يعني ذلك بالضرورة ان أميركا ستضع سياستها الجديدة موضع التنفيذ، وهي حتى لو فعلت ذلك، ليس بالضرورة أن تعرف الادارة الحالية، صاحبة الخبرة الشحيحة في شؤون الحكم وتطبيق السياسات، كيفية تطبيقها.

ومن يعرف العاصمة الاميركية يعلم ان عبارة «إجراء مراجعة» يتم استخدامها في الغالب من باب «كسب الوقت» والإيحاء أن الإدارة لا تجلس متفرجة، بل انها تولي أمراً ما أهمية، وأنها عاكفة على دراسته ومعالجته. مثلاً، يوم وقعت أحداث مصر في يوليو 2013، ارتبكت واشنطن، وآثرت عدم اتخاذ موقف من الموضوع، فأعلنت ادارة الرئيس السابق باراك أوباما أنها تجري «مراجعة شاملة» لسياستها تجاه مصر. ومع مرور الوقت، وافقت الولايات المتحدة، بصمت، على الأمر الواقع الجديد في مصر، وراحت تتعامل مع الحكام الجدد على أساسه.

إدارة ترامب، بدورها، سبق أن أعلنت أنها قامت بإجراء مراجعة لسياستها تجاه إيران، وأعلن ترامب نيته تبني سياسة جديدة تجاه ايران، وقال انه اصدر تعليماته الى الوزارات الاميركية باتخاذ إجراءات جديدة. ثم مرت الأيام، وبدا وكأن سياسة ترامب الجديدة تجاه طهران لا تتعدى خطابه، وأن لا هو، ولا ادارته، تنوي أو تعرف كيفية تبني سياسة جديدة تجاه الجمهورية الاسلامية تكون أكثر تشدداً من سياسة سابقتها. وعلى الرغم من تهديدات ترامب لإيران بالهول والثبور وعظائم الأمور، إلا أن موقف الولايات المتحدة تجاه ايران ما يزال فعلياً على حاله كما أورثه أوباما لترامب، على الرغم من «المراجعة» التي قامت بها ادارة ترامب لتحديث سياستها تجاه إيران، أي أنه حتى الآن، لم تفتعل أميركا مشكلة أو تطالب بدخول المفتشين الدوليين أماكن محظورة في إيران، وهو ما من شأنه أن يتسبب بجدل يتم طرحه أمام مجلس الأمن الدولي للتوصل إلى حل، فإن تعذر ذلك، تعود العقوبات الدولية تلقائياً على إيران من دون الحاجة إلى قرار جديد في مجلس الأمن.

لكن كل الوعود التي أطلقها فريق ترامب تجاه ايران تلاشت مع نهاية خطابه، وهو ما يشي بفارق شاسع داخل الإدارة بين من يرسم السياسات، من جهة، ومن ينفذها، من جهة أخرى، ويبدو أن أقوال ترامب ومجلس الأمن القومي لا تجبر الوكالات الحكومية الاميركية، وفي طليعتها وزارتي الخارجية والدفاع، على الالتزام بها وتنفيذها، باستثناء تأييدها لفظياً.

وإذا كانت هذه حال إدارة ترامب بعد مراجعتها سياستها تجاه إيران، الأكثر وزناً بما لا يقاس من سورية، فماذا ستكون نتائج مراجعة سياسة أميركا تجاه سورية؟

الأرجح أن إدارة ترامب قد تُصعِّد كلامياً ضد نظام الأسد، ولكنها لن تقوم بأي خطوات لتعديل سياستها المتذبذبة تجاه الحرب السورية، وهي سياسة تتأرجح بين إسقاط مقاتلة «سوخوي» روسية تابعة للأسد، وعدم الاكتراث في أيام أخرى تتعرض فيها تنظيمات محسوبة على الأميركيين لحروب عنيفة تشنها عليهم القوات روسية.

المشكلة في واشنطن ليست السياسات والافكار، فهذه متوافرة وبكثرة. مشكلة واشنطن اليوم هي غياب القدرة لدى ادارة ترامب على تنفيذ غالب ما تقوله، باستثناء «المراسيم التشريعية»، التي تعثر كثير منها، وأدى بعضها الآخر إلى بلبلة بسبب غموض النصوص وانعدام الخبرة الحكومية المطلوبة لدى كاتبيها.

الجمعة، 27 أكتوبر، 2017

ترامب يبحث عن إنجازات والإصلاح الضريبي ما زال متعذراً

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ما زال الرئيس دونالد ترامب يبحث عن انتصار تشريعي يمكنه الإشارة إليه كإنجاز أمام مناصريه ومؤيديه، وتقديمه كحجر زاوية لحملة إعادة انتخابه رئيساً لولاية ثانية في العام 2020.

لكن بعد فشله في إقرار قانون ينسف قانون الرعاية الصحية الذي أقرّه سلفه باراك أوباما، وبعدما اطاحت المحاكم بمراسيمه الاشتراعية التي حاول عبرها فرض حظر على مواطني ست دول ذات غالبية مسلمة، وبعدما تعثرت محاولات ترامب الحصول على تمويل لبناء «الحائط الكبير» الذي كان ينوي تشييده على حدود الولايات المتحدة الجنوبية مع المكسيك لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين، يسعى ترامب لإقناع مجلس الشيوخ بضرورة إقرار قانون يسميه قانون الإصلاح الضريبي.

ويسعى ترامب لخفض الضرائب الحكومية على الشركات من 35 في المئة حالياً إلى 15 في المئة، ويقول إن من شأن خطوة من هذا النوع أن تشجع على تدفق أموال الاستثمارات والمستثمرين الى البلاد، وتالياً خلق وظائف.

إلا أن معارضي ترامب من الديموقراطيين يشككون بإمكانية نجاح هذه الخطة، ويعتبرون أن ترامب يعمل على خفض الضرائب على كبار المتمولين، من أمثاله، بما في ذلك خفض الضرائب على التوريث، وهو ما يقلص من كمية الأموال المتوجبة على عائلة الرئيس دفعها للحكومة بعد رحيله.

على أن الديموقراطيين ليسوا وحيدين في رفض خطة ترامب تخفيض الضرائب، فالجناح اليميني المحافظ داخل الحزب الجمهوري يرفض أي تخفيض للضرائب من دون تخفيض مماثل في الإنفاق، حتى لا تؤدي التخفيضات الضرائبية الى زيادة في العجز السنوي للموازنة، وتالياً لارتفاع فوري للدين العام.

وحتى يتفادى ترامب والجمهوريون رفع العجز، أعلنوا نيتهم «إغلاق الثغرات» الضرائبية، أي تعليق الاعفاءات الضرائبية التي تمنحها الحكومة لبعض البرامج، مثل خطط التقاعد، واعفاء الضريبة على فائدة رهن المنازل، وغيرها. ويبلغ مجموع الاعفاءات 4 تريليونات دولار في عشر سنوات، وهو مبلغ كاف ليغطي خفض ضرائب الشركات وكبار المتمولين.

إلا أن ترامب يعلم أن تعليق الإعفاءات هو أمر تعارضه غالبية الاميركيين، فقال في تغريدة ان خطته تنوي الابقاء على إعفاء برنامج التقاعد، وهو ما أثار حفيظة بعض الجمهوريين، إذ إن إبقاء هذا الامتياز يجبرهم إما على تقليص التخفيض، وإما التمسك بالتخفيض مع زيادة في العجز.

على أن ترامب يصر على إقرار خطته الضرائبية، وهو لهذا الهدف أصلح علاقاته المتدهورة مع زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونل، وحاول التقرب من اعضاء المجلس بمشاركته في حفل غداء جمعه معهم في مبنى الكابيتول، قبل أيام.

لكن لطافة ترامب تجاه الجمهوريين لم تنجح في تأمين عدد الاصوات المطلوبة لتمرير القانون، إذ يستمر العداء، بل يستفحل، بين ترامب من جهة، وثلاثة من اعضاء المجلس من جهة أخرى، هم جون ماكين وجيف فلايك وبوب كوركر. وراح ترامب يتراشق والثلاثة التصريحات والهجمات عبر البيانات والتغريدات، ووصفت الناطقة باسم البيت الابيض سارة ساندرز فلايك وكوركر بأنهما «وضيعان».

وبغياب الاصوات الثلاثة، يخسر الجمهوريون غالبية 52 صوتاً التي يسيطرون عليها في المجلس، ويجدون أنفسهم مجبرين على محاولة إقناع صوتين من الديموقراطيين الثمانية والاربعين. إلا أن الديموقراطيين يستحيل ان يصوتوا لمصلحة قانون ضرائبي تراه قاعدتهم الشعبية على أنه هدية للمتمولين على حساب الدين العام.

على رغم «الكيمياء» المستجدة بين ترامب وبعض ألد اعدائه الجمهوريين في مجلس الشيوخ، الا ان حملة العلاقات العامة الرئاسية لم تنجح في حصد الاصوات المطلوبة لاقرار قانون الاصلاح الضريبي، مع ما يعني ذلك من استمرار تعثر ترامب في كل وعوده التي قطعها لمناصريه اثناء الانتخابات، ومع ما يعني ذلك من تهديد لعملية اعادة انتخابه لولاية ثانية في العام 2020.

Since December 2008