الجمعة، 26 مايو، 2017

واشنطن تهدّد بضرب قواعد داخل إيران إذا تمّ التعرّض لجنودها في العراق أو سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

طهران ستعمد إلى مواجهة «غير متكافئة» بدفعها الميليشيات الموالية لها إلى شن هجمات ضد الأميركيين المشاركين في الحرب ضد «داعش»تداولت الأوساط الأميركية تقارير أفادت ان الولايات المتحدة أرسلت الى ايران تهديدات مفادها انه اذا تعرضت الجمهورية الاسلامية لأمن الجنود الاميركيين في العراق او سورية، فان أميركا سترد بضرب اهداف عسكرية داخل ايران.

وأكدت مصادر ان رسالة واشنطن الى طهران حملها ضباط روس، ممن شاركوا في الجلسات التي تجمع ضباطا اميركيين وروسا من اجل تنسيق اماكن عملياتهما العسكرية داخل سورية وتفاديا لأي حوادث اصطدام غير مقصودة.

وسبق لرئيس الاركان الاميركي السابق الجنرال مارتن ديمبسي ان قال في جلسة استماع في الكونغرس ان ايران مسؤولة عن مقتل الف من اربعة آلاف جندي اميركي لقوا حتفهم في العراق. وفي زمن ادارة الرئيس باراك أوباما، أدى التحسن في العلاقات بين واشنطن وطهران الى ما يشبه التحالف العسكري بينهما - غالبا عن طريق الحكومة العراقية - في الحرب ضد تنظيم «داعش».

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، قبل عام، مقالة مفصلة، ذكرت فيها ان «المستشارين العسكريين الاميركيين المنتشرين في العراق والمنخرطين في صفوف التحالف ضد داعش، يقيمون في العراق برعاية جمال الجراح (ابو مهدي المهندس)، قائد ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية وممثل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني».

على ان التوتر الذي بدأ يشوب العلاقة الاميركية - الايرانية، منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا، بدأ ينعكس على الأرض السورية، حيث صار معلوما ان الولايات المتحدة تسعى لاقامة «منطقة آمنة» تمتد من التنف، جنوب شرقي سورية، الى عين العرب (كوباني) شمالها. ومن شأن حزام امني من هذا النوع ان يقطع جغرافيا التحالف الايراني الممتد من طهران الى بيروت، عبر بغداد ودمشق.

ويبدو ان ايران حاولت امتحان جدية الاميركيين، فأرسلت مقاتلين من ميليشياتها الى اراض قريبة من التنف، فقامت المقاتلات الاميركية بالتحليق على علو منخفض لتحذيرها، ولما لم تنسحب الميليشيات، قصفتها المقاتلات الاميركية.

طهران لم ترد حتى الآن على «غارة التنف»، لكن الخبراء الاميركيين رصدوا ارسال ايران 3 آلاف مقاتل من «حزب الله» اللبناني، وهو الاكثر قوة بين الميليشيات الموالية لايران المقاتلة في سورية، الى مناطق قريبة من دير الزور، في الشمال الشرقي السوري. كما عزز الرئيس السوري بشار الأسد بعض الجيوب العسكرية التي تحتفظ بها قواته في مناطق دير الزور برفدها بألف جندي.

ويعتقد الاميركيون ان ايران والأسد سيسعيان الى الالتحام مع «داعش» في محيط دير الزور، والاستيلاء على مناطق هناك في شكل يقطع الحزام الاميركي ويبقي على الخط الايراني بين طهران وبيروت.

ويكاد يجمع الخبراء الاميركيون ان مواجهة واقعة لا محالة بين حلفاء اميركا من الميليشيات الكردية و«الجيش السوري الحر»، من جهة، وايران والأسد وميليشياتهما، من جهة اخرى. ويخشى الخبراء ان تتطلب مواجهة من هذا النوع تعزيز التحالف الاميركي بالمزيد من القوات البرية الاميركية، وهو ما يعزز من احتماليات الاصطدام العسكري بين اميركا وايران.

ولأن غالبية المسؤولين الاميركيين يعتقدون انه بسبب تعذر تفوقها على اميركا في مواجهة عسكرية، ستعمد ايران الى مواجهة «غير متكافئة» بدفعها الميليشيات الموالية لها الى شن هجمات ضد الاميركيين المشاركين في الحرب ضد «داعش». في هذه الحالة، تقول المصادر الاميركية، «ستقصف واشنطن اهدافا عسكرية داخل ايران للرد على اي عدوان محتمل للميليشيات الايرانية ضد القوات الاميركية في العراق».

وسبق وزير الدفاع جيمس ماتيس ان طلب من ادارة الرئيس السابق باراك أوباما السماح له بالرد عسكريا داخل ايران في حال هجوم الميليشيات الموالية لايران على القوات الاميركية في العراق، اثناء عمل ماتيس قائدا للقيادة الوسطى في الجيش الاميركي. لكن طلب ماتيس، الذي كان يعمل قائدا لقيادة المنطقة الوسطى، لم يعجب أوباما، الذي كان يسعى بدوره لاسترضاء ايران وتوقيع اتفاقية نووية معها، فأقال أوباما ماتيس.

وفي ادارة ترامب، شبه الأميّ خصوصا في الشؤون الدولية، يتمتع ماتيس بدور أكبر، ويبدو انه لو اراد الرد على هجمات ايران ضد قوات اميركية داخل ايران، فلن يمنعه ترامب، وهو ما يعزز الانباء المتداولة عن قيام الاميركيين بتوجيه إنذار للايرانيين عبر الروس، وربما قنوات اخرى، يعتقد البعض انها تتضمن مسؤولين في الحكومة العراقية.

اقتصاديو أميركا يخالفون سياسييها: العولمة مصدر ثروات ونمو

واشنطن - حسين عبد الحسين

يروي المؤرخون أن سكان شرق المتوسط ممّن حملوا اسم الكنعانيين أو الصيداويين أو الفينيقيين، لم ينعموا بموارد أولية على غرار سكان حوض النيل وبلاد ما بين النهرين. لكن على رغم ذلك، أسّس الفينيقيون حضارة امتدت منذ عام ١٣٠٠ قبل الميلاد حتى عام ٣٠٠ ميلادي، وهي حضارة غزت المتوسط واستوطنت شواطئ تونس وشبه الجزيرة اللإيبيرية وصقلية. ويجمع المؤرخون على أن التجارة هي المهنة التي أدت إلى ثراء الفينيقيين، وسمحت لهم بتأسيس امبراطورية وصلت جيوشها حدود روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية.

والحكمة الاقتصادية القائلة بأن التجارة تضاعف من ثروات الشعوب وبحبوحتها، تكاد تشهد إجماعاً بين الاقتصاديين الأميركيين من اليمين واليسار، وكان آخرها دراسة لمعهد «بيترسون للبحوث الاقتصادية». وعلى رغم أن المعهد محسوب على اليمين الوسط ومعروف بتأييده للتجارة الحرة، إلا أن الدراسة التي أعدها غاري هفباور وزهياو لو، جاءت تفصيلية جداً ومقنعة إلى حد بعيد بمنافع العولمة، على عكس الخطاب السائد بين فئات واسعة من اليمين الأميركي اليوم.

وورد في الدراسة أن التجارة «ساهمت في رفع مستوى معيشة الأميركيين منذ الحرب العالمية الثانية». واحتسبت أن التجارة «شكلت 11 في المئة من النشاط الاقتصاد الأميركي السنوي، إذ ساهمت عام 2016 مثلاً في 1.2 تريليون دولار من الناتج المحلي للولايات المتحدة، الذي كان يبلغ 5.18 تريليون».

وكتب المعلق الاقتصادي في صحيفة «واشنطن بوست» روبرت سامويلسون، وهو من مؤيدي مدرسة اليساريين، أن فوائد العولمة والازدياد في النشاط التجاري الناجم عنها، تتمثل في واردات تعطي الأميركيين خيارات في سلع أقل ثمناً من السلع الأميركية، مثل الثياب والأحذية والإلكترونيات. ورأى أن التجارة «تفيد تحديداً استهلاك العائلات ذات الدخل المنخفض»، معتبراً أيضاً أن «المنافسة الخارجية أجبرت الصناعات المحلية الأميركية على تحسين منتجاتها مثل السيارات، إذ ألزمت شركة «تويوتا» اليابانية نظيرتها الأميركية «جنرال موتورز» صناعة سيارات بجودة أفضل».

لكن عدداً من السياسيين لا يستمعون إلى الاقتصاديين بل أكثر إلى ناخبيهم، خصوصاً ممّن خسروا أعمالهم بعدما أقفلت أبواب المصانع التي كانوا يعملون فيها أمام المنافسة الأجنبية، أو انتقلت إلى دول أخرى، حيث تنخفض كلفة الإنتاج مقارنة بالولايات المتحدة.

وهكذا، بنى الرئيس دونالد ترامب حملته الانتخابية الرئاسية على أساس معارضة العولمة واعداً بمحاربتها ووقفها، وتمزيق اتفاقات التجارة الحرة التي تجمع الولايات المتحدة مع عدد من دول العالم. وأكد ترامب أن بتبنيه الحمائية التجارية وعرقلته العولمة، «ستعود أميركا عظيمة مرة ثانية»، وسيعود الأميركيون إلى اليوم «الذي يعرفون فيه كيف يصنعون الأشياء».

وفي مخيلة السياسيين من معارضي العولمة والمحرضين ضدها، مثل ترامب ومَن خلفه مستشاره للشؤون الاستراتيجية اليميني المتطرف ستيفن بانون، أن عودة إقفال الولايات المتحدة حدودها ينعش تلقائياً الصناعات المحلية والمصانع، ويتحوّل العجز التجاري فائضاً فينقلب العجز السنوي للموازنة الفدرالية السنوية فائضاً كذلك، وتبدأ واشنطن رحلة تقليص الدين العام الذي قاربت نسبته مئة في المئة مقارنة بالناتج المحلي البالغ 5.18 تريليون دولار.

وعلى عكس ما يقول السياسيون إن التجارة الحرة توّلد بطالة بين الأميركيين، أظهرت دراسة هفباور ولو أن العولمة والتجارة الحرة «عززت فعلياً عدد الوظائف في البلاد». ولاحظت أن الخسائر في عدد الوظائف طفيفة منذ العام 2001، في سوق يتشكل من 160 مليون وظيفة.

ولفتت الدراسة إلى أن «التجارة الحرة بين عامي 2001 و2016، أفضت إلى خسارة الأميركيين 500312 وظيفة سنوياً، لكن الواردات أضافت 250156 وظيفة بديلة سنوياً، بسبب الطلب على الخدمات التي ترافق عمليات التخزين والتسويق والمبيعات». وأظهرت أن «ثلثي الذين خسروا أعمالهم بسبب المنافسة الخارجية، وجدوا أعمالاً بديلة ولو كان نصفها بمرتبات أقلّ». ولم تحتسب الوظائف الناجمة عن الزيادة في الصادرات الأميركية، في قطاعي الصناعة والخدمات.

في المحصلة، يعتبر الاقتصاديون الأميركيون أن معدل البطالة في الولايات المتحدة يقلّ عن 5.4 في المئة، على رغم العولمة والتجارة الحرة، ما يعني أن سوق الوظائف الأميركية استوعبت خسائرها الوظيفية الناتجة عن الانفتاح التجاري الأميركي.

ويرون أن ما خسره الأميركيون في بعض الوظائف الصناعية، كسبوه في صناعات مختلفة أو قطاعات خدمات مستجدة. ويكرر عدد من الاقتصاديين الأميركيين القول، إن مدن ولاية ميشيغان وحزام الصدأ الأميركية خسرت مصانعها بسبب العولمة، لكن ولاية كاليفورنيا كسبت شركات ضخمة بديلة عابرة للقارات في «سيليكون فالي».

وربما تعتقد غالبية الأميركيين الاقتصاديين، أن العولمة في مصلحة بلادهم فيما تعارضها اقلية، ما انعكس في صناديق الاقتراع أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فالخاسرة هيلاري كلينتون حصدت 3 ملايين صوت أكثر من منافسها الفائز ترامب، ما يعني أن على رغم وصول معارض العولمة والتجارة الحرة إلى سدة القرار، فإن غالبية الأميركيين وتلك الساحقة بين الاقتصاديين، لا تزال تتمسك بالعولمة والتجارة الحرة، وتعتبر أنها تساهم في إثراء الأميركيين وبحبوحتهم، وليس إفلاسهم وضعضعة اقتصادهم.

الخميس، 25 مايو، 2017

ترامب المنافق

حسين عبدالحسين

“نحن لسنا هنا لنعظكم، ولسنا هنا لنقول للناس كيف يعيشون، ماذا يفعلون، من يكونون او كيف يعبدون”، قال الرئيس دونالد ترامب في خطابه في السعودية. واضاف ترامب، متوجها الى الدول العربية والاسلامية في معرض حديثه عن الارهابيين، بالقول: “اطردوهم من اماكن عبادتكم، اطردوهم من مجتمعاتكم، اطردوهم من ارضكم المقدسة، اطردوهم من كوكب الارض”. 

 في خطاب واحد ناقض ترامب نفسه بقوله انه لا ينوي وعظ العرب كيف يعيشون او ماذا يفعلون، قبل ان ينهال عليهم بأوامره التي حضهم فيها على طرد الارهابيين من مجتمعاتهم. وقبل ان نبحث في تناقض ترامب ونفاقه، لا بد من الاشارة الى ان فقرة “اطرودهم” قد تبدو نصيحة من الرئيس الاميركي للعرب، ولكنها في الواقع بيان إدانة بحق العرب والمسلمين يحاكي فيه قاعدته الشعبية الاميركية المتطرفة. 

 ودعوة ترامب العرب والمسلمين الى طرد الارهابيين تعني ان العرب يأوون الارهابيين في اماكن عبادتهم ومجتمعاتهم، وهي فكرة تتطابق مع دعوات ترامب، اثناء حملته الانتخابية، الى اقامة “قاعدة بيانات” للمسلمين الاميركيين هدفها مراقبتهم وتحميلهم مسؤولية اي ارهابيين قد يخرجون من صفوفهم. طبعا مسلمو أميركا ليسوا قديسين، ويخرج من بينهم مجانين يقتلون باسم الدين احيانا، لكن المجموعات السكانية الاميركية الاخرى ليست اقل جنونا، فتارة يخرج منها ابيض متطرف يقتل سوداً في كنيستهم، وطورا يخرج أميركي من اصل آسيوي يرتكب مجزرة في جامعة في فيرجينيا. 

وصار معروفا ان الاعلام الاميركي يطلق صفة ارهابي على مجانين المسلمين، ويكتفي بالاشارة الى الاضطراب العقلي لدى مجانين المجموعات الاميركية الاخرى. 

 ولأن ترامب كان يعلم ان “قاعدة بيانات” لمسلمي أميركا هي موضوع عنصري فاقع، فهو استعاض عنها بحظر سفر المسلمين، الذي اسقطته المحاكم الاميركية. 

 هكذا في زيارته السعودية، وربما لامتصاص نقمة مناصريه الحاقدين على الزيارة اصلا، تفوه ترامب بعبارات تبدو لطيفة، ولكنها في الواقع تنم عن عنصرية لدى بعض بيض اميركا ضد المسلمين، وتظهر تحاملهم على العرب، ويمكن لاي متابع لمواقع المتطرفين من مؤيدي ترامب ان يلاحظ فورا تهليلهم عندما طلب رئيسهم من المسلمين طرد الارهابيين المزعومين الذين يترعرعون في الاوساط العربية والاسلامية. 

 في منتصف التسعينات، منعت الرقابة في لبنان كتاب رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو، والذي حمل عنوان “مكان تحت الشمس”، قبل ان يقوم رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري بواحدة من خطواته الاكثر تنورا برفعه الرقابة. يومها، قبل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كان متعذرا الوقوف على رأي الاسرائيليين، فكان كتاب نتنياهو نافذة قيمة على ما يدور في اروقة القرار الاسرائيلية. 

في كتابه، كتب نتنياهو ان القيادة الفسلطينية تتحدث عن السلام بالانكليزية، وتحرّض على العنف بالعربية، وطالب بانهاء هذه الازدواجية كشرط لاي عملية سلمية. 

 الازدواج المزعوم في الخطاب العربي تحول الى عنوان عريض في اسرائيل واميركا، ونشأ في ظلّه موقع ميمري اليهودي، الذي يراقب الاعلام العربي بحثا عن اي تحريض ضد اميركا او اسرائيل. ثم اتسعت الشكوى الغربية بعد هجمات ١١ ايلول، وطالت البرامج التعليمية العربية والايرانية. حتى برامج الاطفال، لاحقتها عيون الرقابة الاسرائيلية والاميركية واصطادتها لحظة بلحظة.

ربما حان الوقت ليعرف السيدان ترامب ونتنياهو انهما كما يقرآن اعلام العرب، كذلك العرب يقرأون ما يردده متطرفو اميركا واسرائيل في اوساطهم، من “الدكتور” سبستيان غوركا، مساعد ستيفن بانون الذي كان في عداد وفد ترامب في السعودية، الى باميلا كيلير وروبرت سبنسر، اللذين يمولان حملات المصلقات العامة في اميركا التي تظهر مفتي القدس أمين الحسيني في مجلس زعيم النازية ادولف هتلر، للاشارة الى التماهي العنفي المزعوم بين عقيدتي الاسلام والنازية. 

وليعرف السيد ترامب ان العرب يقرأون ترميزاته المعادية للمسلمين في خطابه، وانهم يعرفون ما يرد في ادبيات حزب “البيت اليهودي” والوزير المتطرف نفتالي بينيت، الذي يؤمن بواجب استيطان اليهود للضفة والقدس واعادة احياء “مملكة يهوذا” التاريخية. 

 ليست حماس وحدها التي لا تعترف بدولة اسرائيل. “البيت اليهودي” كذلك يريد اسرائيل دولية يهودية صافية من النهر الى البحر. ليست السلطة الفلسطينية وحدها التي تنفق على عائلات الفلسطينيين ممن يقتلون في عمليات ضد اسرائيليين، بل نتنياهو نفسه يموّل احزاب الاستيطان، التي لا تؤمن بالسلام ولا بدولة فلسطينية، لتثبيت ائتلافه الحاكم.

فليعرف ترامب ان العرب يعلمون انه ينافق.

جولة ترامب الخارجية لم تنجح في تشتيت الانتباه عن «روسيا غيت»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

رغم المظهر الرئاسي المهيب الذي اسبغته عليه زيارته الى الرياض ولقاؤه قادة العالمين العربي والاسلامي، ورغم أن زيارته حائط البراق (المبكى عند اليهود) صنعت التاريخ لكونها اول زيارة يقوم بها رئيس أميركي اثناء ولايته، لم ينجح الرئيس دونالد ترامب في تشتيت انتباه الاميركيين عن فضيحة «روسيا غيت»، التي تلاحقه ومستشاريه منذ أشهر.

آخر التطورات في مسلسل «روسيا غيت» تمثل في ما فجّرته صحيفة «واشنطن بوست» في نقلها عن مسؤولين رفيعي المستوى ان ترامب كان طلب شخصيا من كل من مديري «الاستخبارات القومية» دان كوتس و«الأمن القومي» مايكل روجرز ان يعلنا ان لا ترامب ولا اركان حملته الانتخابية متورطون في علاقة مع موسكو لاختراق حسابات البريد الالكتروني التابعة لقياديي الحزب الديموقراطي المعارض.

وأول من أمس، مثل كوتس امام لجنة الشؤون المسلحة في مجلس الشيوخ، التي يترأسها السيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين، الذي لم يتأخر في الطلب من كوتس توضيح ان كان صحيحا ان ترامب طلب منه اعلان «عدم وجود تورط له» مع الروس. كوتس اجاب بالقول انه يتحدث في شكل متكرر مع الرئيس بحكم موقعه، وانه لا يمكنه ان يقدم تفاصيل عن فحوى أي من هذه الاتصالات. لكن عدم نفي كوتس لطلب ترامب اثار حفيظة مسؤولي الادارة، الذين كانوا يودون لو ان المسؤول الاستخباراتي نفى التقرير الاعلامي لوأد القصة في مهدها، وهو ما لم يحصل.

وعلى الجانب الثاني في الكونغرس، أطل جون برينان المدير السابق لـ «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي) ليقول - للمرة الاولى منذ تركه الوكالة - انه اثناء عمله على رأسها، كان يخشى ان موسكو تعمل «لتجنيد» عدد من مستشاري ترامب والعاملين في حملته الانتخابية. وسبق لمحكمة اميركية ان كشفت ان احد مستشاري ترامب للشؤون الخارجية، كارتر بايج، كان تعرض لعملية تجنيد قام بها عملاء روس في مدينة نيويورك.

وقال برينان الذي كان يجيب عن أسئلة للجنة الاستخبارات في مجلس النواب «قُدّمت لي معلومات وتقارير استخباريّة كشفت عن وجود اتصالات وتفاعلات بين مسؤولين روس وأشخاص أميركيين منخرطين في فريق حملة ترامب». أضاف «هذا أثار قلقي لأنّنا نعرف المحاولات الروسية لشراء أشخاص مثل هؤلاء». وأردف «على الجميع أن يُدرك أنّ روسيا تدخّلت بوقاحة في انتخاباتنا الرئاسية عام 2016 وأنها فعلت ذلك رغم احتجاجاتنا وتحذيراتنا الحازمة والواضحة بعدم التصرف على هذا النحو».

وشدّد برينان الذي ترأس «سي آي إي» من 2013 حتى يناير 2017، على أنه وجّه تحذيراً واضحاً لموسكو الصيف الماضي من أيّ تدخّل في الانتخابات الرئاسية الأميركيّة لكنّ روسيا اختارت تجاهل التحذير.

وأوضح برينان أنه اتصل في 4 أغسطس 2016 برئيس الاستخبارات الروسية لتحذيره.

وقال في هذا السياق «أبلغته بأنّ جميع الأميركيين، مهما كانت انتماءاتهم السياسية أو توجهاتهم في الانتخابات، متمسّكون بحرّيتهم في اختيار قادتهم بلا تدخّلات. قلتُ إنّ الناخبين الأميركيين سيشعرون بالاستياء من أي تدخّل في الاقتراع».

وذكر ان محاوره نفى اي تورط لروسيا، وابلغه انه سينقل التحذير الاميركي الى الرئيس فلاديمير بوتين.

وعن الانتقادات الاخيرة لترامب لكشفه للسفير الروسي ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف معلومات سرية تلقاها من دولة حليفة، قال برينان انه اذا تأكدت المعلومات، فقد يكون ترامب «انتهك قاعدتين. الاولى هي ان مثل هذه المعلومات السرية يجب عدم كشفها لسفراء (...) والثانية هي انه قبل تقاسمها مع حلفاء اجانب يجب التحقق من عدم كشف المصدر وكيفية الحصول عليها».

من جهته، نفى البيت الابيض مجدداً وجود اي علاقة بين حملة ترامب وموسكو، مشددا على ان افادة برينان تؤكد ما دأب على قوله في هذا الصدد.

وأكد في بيان ان «جلسة الاستماع تدعم ما كنا نقوله طوال الوقت: انه على رغم التحقيق على مدى سنة، لا يوجد بعد اي دليل على حصول اي تواطؤ بين روسيا وحملة ترامب، وليس هناك بعد اي دليل على ان الرئيس عرّض للخطر اي مصدر او انه تَشارَك معلومات استخبارية».

وبين تقرير «واشنطن بوست» وتصريحات برينان، رفض الجنرال مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الذي أجبره ترامب على الاستقالة في فبراير الماضي، المثول امام لجنة الشؤون الاستخباراتية في مجلس الشيوخ، التي تجري تحقيقاً في إمكانية تورط ترامب مع روسيا، وهي لهذا الغرض ارسلت إخطاراً طلب من فلين تقديم كل المستندات التي بحوزته عن الاموال التي تقاضاها من حكومات اجنبية، بما فيها روسيا. كما طلبت اللجنة من فلين المثول امامها للادلاء بشهادته، لكن الجنرال السابق أعلن تمسكه بالتعديل الخامس من الدستور، والذي يسمح لأي مواطن بعدم التقديم - طوعا - لأي وثائق او ان يدلي بأي تصريحات قد تؤدي الى ادانته.

واثار موقف فلين غضب اللجنة، التي قال رئيسها السيناتور الجمهوري مايكل بير، انه يبحث في الوسائل المتاحة لاجبار فلين على تقديم وثائقه والشهادة، بما في ذلك امكان اعلان ان فلين «يحتقر الكونغرس» بعدم تعاونه. وحتى يتم اجبار فلين على التعاون وتقديم الوثائق، يحتاج الكونغرس الى مذكرة قضائية، وهي متعذرة حاليا في غياب اي ادعاء عام رسمي ضد فلين او اي من مسؤولي ترامب.

الثلاثاء، 23 مايو، 2017

واشنطن تنتزع سوريا من موسكو

حسين عبدالحسين

للمرة الخامسة على الأقل منذ تدخلها العسكري في سوريا، في خريف 2015، تعلن روسيا أنها أحكمت إقفال المجال الجوي لسوريا، فتخترقه الولايات المتحدة او إسرائيل. عندما تخترق صواريخ أميركا او مقاتلاتها المجال الجوي السوري، ترفع روسيا صوتها بالادانة، يلي ذلك عادة إعلان روسي عن إقفال نهائي، اتضح أنه وهمي، للاجواء السورية. أما عندما تغير المقاتلات الاسرائيلية على أهداف داخل سوريا، تعلو أصوات مسؤولي نظام الرئيس السوري بشار الأسد بالإدانة والتوعد برد لم يأت منذ اربعة عقود.

كما دمشق، موسكو تثرثر. في مؤتمر أستانة، أعلنت موسكو اقامة مناطق "خفض تصعيد"، وأصرّ المسؤولون الروس أنهم اقفلوا المجال الجوي السوري أمام المقاتلات الاميركية. لم تكترث أميركا لما قالته روسيا.

ووسط شلل البيت الابيض بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تولى قيادة القوة العسكرية الاميركية وزير الدفاع جايمس ماتيس، الذي كان ساهم، اثناء عمله قائداً للمنطقة الوسطى للجيش الاميركي، في تعزيز التحالف الاميركي مع كل الميليشيات الكردية، عراقية، سورية أم تركية، المصنفة منها ارهابية وغير المصنفة.

وزارة الدفاع الاميركية كانت أعلنت انها ستتوقف عن اذاعة عديد قواتها البرية في العراق وسوريا؛ والآن، بعيداً عن الاضواء، يبدو أن ماتيس قرر أيضاً فرض منطقة حظر جوي وبري يمتد من قاعدة التنف على الحدود السورية الشرقية مع الاردن والعراق، إلى بلدة عين العرب/كوباني على الحدود السورية الشمالية مع تركيا. هذه المنطقة الاميركية - الكردية الآمنة هدفها قسم قوتين تتصارعان على رقعة تمتد من من شرق دجلة الى غرب الفرات: القوة الشيعية ونظيرتها السنية.

بقسم القوة الشيعية، تكسر الولايات المتحدة "الهلال الشيعي" العتيد الممتد من طهران الى بغداد، فدمشق وبيروت. أما بقسم القوة السنية، فتمهد أميركا لحلفائها الاكراد للانقضاض على تنظيم "الدولة الاسلامية" في الرقة وديرالزور وباقي شمال سوريا الشرقي، وتسمح لحلفائها الشيعة بانهاء "داعش" في الموصل ومناطق غرب الفرات العراقية.

تنبهت طهران إلى نوايا واشنطن العسكرية، وحاولت ان تمتحن جدية الاميركيين، فأرسلت ميليشيات شيعية برية، وأرسل الأسد طائرة استطلاع سوخوي روسية فوق الاجواء الكردية التي تحميها أميركا. طردت المقاتلات الاميركية سوخوي الأسد من الاجواء السورية التي اقفلتها، ورافقتها الى المنطقة المسموح للأسد والروس التحليق فوقها. ثم حذّرت المقاتلات الاميركية القوات الشيعية البرية بالتحليق فوقها على علو منخفض، ولما لم تذعن الاخيرة وتنسحب، دمرتها القوة الجوية الاميركية عن بكرة أبيها.

بسبب المتاعب والفضائح التي يعاني منها ترامب داخلياً، تبدو الولايات المتحدة وكأنها خسرت توازنها عالمياً. لكن ضعف ترامب أطلق فعلياً ايدي الجنرالات التي كان قيّدها سلفه باراك أوباما القوي. هكذا، انقلبت الصورة تماماً في واشنطن من رئيس يثرثر ولا يفعل، هو أوباما، الى رئيس دفعته أميته الى الصمت والى تسليم دفة السياسة الاميركية الخارجية الى وزير دفاعه، الذكي والحازم.

وكما انقلبت الصورة في واشنطن، كذلك انقلب الوضع الروسي، فروسيا في زمن أوباما كانت صورتها مهزوزة مع انها كانت تمسك بالأرض السورية، فأصبحت في زمن ترامب تبدو قوية وممسكة بترامب، بالتزامن مع صعود القوة الاميركية وامساكها فعلياً بالارض السورية، أو على الأقل بالاراضي السورية التي تعتبرها الولايات المتحدة ذات أهمية استراتيجية لها او لحلفائها. هذه الاراضي السورية هي وادي الفرات، حسبما أشرنا أعلاه، والاراضي المحاذية للمنطقة العازلة بين سوريا وهضبة الجولان السورية التي تحتلها اسرائيل.

فعليا، انتزعت واشنطن، التي تنهكها فضائح الداخل، المبادرة من موسكو، التي اعتقدت انها انتصرت بوصول ترامب للرئاسة. والانتصار الاميركي على الروس لا يعني تلقائياً فوز المعارضين السوريين على الأسد، بل يعني أن انتصار أميركا هو انتصار لأكراد سوريا، وفي الغالب انتصار اسرائيل، خصوصاً إذا ما نجحت أميركا في طرد الميليشيات الموالية لايران من سوريا، وهزيمة "داعش"، والابقاء على الأسد ضعيفاً يحكم دويلته، وهو هدف يراود مخيلة الاسرائيليين منذ سنوات.

أما الخاسرين، فهم الذين سيواصلون حربهم المدمرة داخل رقعة سورية أصبحت أصغر من ذي قبل. ومع القضاء على "داعش" واقامة منطقة أميركية كردية آمنة، سيتقلص في الغالب الاهتمام العالمي بالارهاب في سوريا، وستصبح الحرب السورية عبثية أكثر فأكثر، ومرتبطة بغرور شخص وأوهام طوائف.

خلف الكواليس في قمة الرياض

حسين عبد الحسين

• للمرة الأولى منذ ترشحه للرئاسة وفوزه فيها، استبدل ترامب في خطابه عبارة «الارهاب المسلم» (Islamic Terrorism) التي دأب على تكرارها بعبارة «الإرهاب الاسلامي» (Islamist Terrorism). وكان ترامب دأب على لوم سلفه باراك أوباما لتفادي كلمة مسلم أو إسلامي واستبدالها بوصف «العنف المتطرف».

• نشط مستشار ترامب المولج رعاية عملية السلام جايسون غرينبلات، أمس، وشارك في معظم اللقاءات التي عقدها ترامب. غرينبلات كان التزم غرفة فندقه منذ مغيب شمس يوم الجمعة حتى مغيبها يوم السبت التزاماً بالسبت اليهودي. ومثل ابنة ترامب، ايفانكا، التي تحولت الى طائفة اليهود الارثوذكس للاقتران بزوجها اليهودي الارثوذكسي جارد كوشنير. وكان الثلاثة، الزوجان ترامب وغرينبلات، حازوا على موافقة استثنائية من الحاخام اليهودي في نيوجيرسي للسفر الى السعودية على متن الطائرة الرئاسية الاميركية مساء الجمعة الماضي بالتوقيت المحلي.

• مشاركة غرينبلات في لقاءات ترامب، أمس، خصوصا الثنائية، تشي بأن ترامب تطرق الى موضوع السلام العربي مع اسرائيل أثناء لقاءاته مع الزعماء العرب والمسلمين. ولا يعتقد غرينبلات ان المستوطنات الاسرائيلية في الضفة والقدس تعوق السلام الاسرائيلي مع الفلسطينيين ولا يعتقد ان على العرب انتظار السلام الاسرائيلي مع الفلسطينيين للدخول في معاهدات مع الاسرائيليين.

• تراجع ترامب عن طلبه إلقاء خطاب في قلعة مسعدة، جنوب الضفة، المطلة على البحر الميت. كما توصل ترامب لاتفاق مع الاسرائيليين بزيارة حائط المبكى منفرداً (ربما ترافقه ايفانكا وزوجها اليهوديين). وفي حال قيامه بالزيارة، يصبح أول رئيس اميركي يزور الحائط أثناء ولايته (اوباما زاره اثناء ترشحه، بوش وكلينتون قبل رئاستيهما وبعدها).

• وعد بعض مستشاري ترامب من المسيحيين العرب بحضور زعماء «يمثلون الاقليات» في قمم السعودية. لكن غياب هؤلاء عن القمة أجبر ترامب على الاستعانة بزيارة الفاتيكان بعد اسرائيل وقبل وصوله مقر حلف الاطلسي في بلجيكا.

• عقد كبار أركان فريق ترامب لقاء مغلقا مع الصحافيين، شارك فيه صحافيو واشنطن عبر الهاتف، للحديث عن نتائج زيارة ترامب للسعودية ولقاءاته.

الجمعة، 19 مايو، 2017

«حزام أمني» أميركي من جنوب سورية إلى... شمالها

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أثارت الغارة التي شنتها، أول من أمس، مقاتلات أميركية على 26 آلية تابعة لقوات الرئيس السوري بشار الأسد والقوات المتحالفة معه تساؤلات الخبراء الأميركيين حول ان كانت بلادهم تفرض «حزاماً أمنياً» أو «منطقة آمنة» داخل سورية، بقوة الأمر الواقع، تحت مسمى «منطقة تخفيض الصراع».

ويبدو أن الحزام الأمني الأميركي يمتد نحو 500 كيلومتر، من التنف على الحدود السورية - الاردنية جنوباً، إلى عين العرب (كوباني) على الحدود السورية - التركية شمالاً، ويحرسه مقاتلو «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) براً، بالاشتراك مع قوات أميركية خاصة ومقاتلين من المارينز، فيما يتمتع بحماية جوية من المقاتلات الأميركية.

وترافق قصف المقاتلات الأميركية، الاول من نوعه، لقوات في تحالف الأسد، مع رصد المقاتلات الأميركية وطردها لمقاتلة «سوخوي» روسية تابعة للأسد كانت تقوم بطلعة استطلاعية في المناطق القريبة من قاعدة التنف العسكرية، التي تعرضت قبل ستة اسابيع لهجوم شنه تنظيم «داعش»، اثر الهجمة الصاروخية التي وجهتها أميركا لقاعدة الشعيرات الجوية التابعة للأسد في ابريل الماضي.

وعلى مدى الأسابيع الماضية، ترددت في العاصمة الأميركية تقارير مفادها ان واشنطن تسعى لاقامة حزام أمني، بري وجوي، لقطع خط طهران - بغداد - دمشق - بيروت، ومحاولة حرمان ايران من تموين حلفائها، مثل الأسد و«حزب الله» اللبناني وميليشيات شيعية عراقية وافغانية، بالسلاح والمال والمستشارين العسكريين الايرانيين.

وبعد اقامة الحزام المذكور، ستسعى واشنطن، بالتعاون مع حلفائها، إلى دعم اقامة حزام عازل شبيه بطول 300 كيلومتر من الشرق الى الغرب، يمر على بعد عشرات الكيلومترات جنوب دمشق، ويمتد من قاعدة التنف العسكرية المذكورة الى محافظة القنيطرة، لمنع الميليشيات الموالية لايران، وفي طليعتها «حزب الله» اللبناني «من التمدد»، او من اقامة بنية تحتية عسكرية في المناطق السورية المجاورة لهضبة الجولان السورية، التي تحتلها اسرائيل. لكن الحزام الأمني الجنوبي لا يرجح ان يكون بحماية جوية أميركية، اذ يتوقع خبراء ان تستمر اسرائيل في مهمة الحراسة الجوية، التي تقوم بها منذ سنوات والتي شنت خلالها عشرات الغارات الجوية ضد اهداف تابعة خصوصا لـ «حزب الله».

ويبدو ان «المناطق الآمنة» التي اعلنتها روسيا وتركيا وايران في مؤتمر آستانة في وقت سابق من الجاري، هي فعلياً مناطق آمنة للمعارضين السوريين من حلفاء الولايات المتحدة، وانه على عكس ما ادعت موسكو في قولها ان اتفاقية الآستانة اغلقت المجال الجوي على المقاتلات الأميركية، فان الواقع يشي بأن واشنطن هي التي اغلقت المجال الجوي، فوق مناطق حلفائها، في وجه مقاتلات روسيا والأسد.

وكانت تركيا حاولت توجيه ضربات جوية للمعارضة السورية المتحالفة مع أميركا، أي «قوات سورية الديموقراطية» المؤلفة في غالبها من مقاتلين كرد وبعض العرب، فما كان من واشنطن الا ان ارسلت قواتها للانخراط في صفوف الميليشيا الكردية، وهو ما جعل من أي قصف تركي لها عملية محفوفة بالمخاطر من ان تقوم تركيا في قتل أميركيين.

وفي وقت جعلت الولايات المتحدة الميليشيات الكردية عصية على الضربات التركية شمالاً، بنشرها قوات أميركية إلى جانب الاكراد، كذلك يبدو ان واشنطن عازمة على فرض منطقة عصية جواً وبراً جنوباً على حلفاء ايران في سورية، مثل قوات الأسد و«حزب الله»، ما يشي بأن أميركا تنوي فرض «منطقتها الآمنة»، التي ستطرد منها «داعش»، وتسلّم أمنها الى الميليشيات الكردية، باشراف اميركي.

ترامب يختبئ خلف «الوحدة الوطنية» وسط تداعي رئاسته

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

الفضائح والتحقيقات تنذر بإمكان الإطاحة برئاسة ترامب قريباً ليحل محله نائبه بنستلاحق الفضائح المتوالية الرئيس دونالد ترامب حتى صارت تهدد بقاءه في البيت الابيض، وهو تهديد كانت صحيفة «وول ستريت جورنال»، المحسوبة على ترامب الجمهوري، أول من اشارت اليه في معرض اعتراضها على «ثرثرة» ترامب عبر تغريداته او في مقابلاته، اذ ان غالبية تصريحات ترامب تقوض تصريحات مساعديه او اعضاء الكونغرس الجمهوريين ممن انبروا للدفاع عنه في فضيحة تورطه وحملته الانتخابية الرئاسية مع روسيا.

ومن اليسار، انبرت مجلة «ذي اتلانتيك» بعنوان «رئاسة ترامب تتداعى».

وعلّق روبرت رايخ، وزير العمل في ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون، بالقول انه في الايام المئة الاولى على تسلمه الحكم، كان يمكن لترامب ان «ينسف كل من يعارضه الرأي، او ان يغير الموضوع، او ان ينتظر حتى تخطئ (منافسته المرشحة الديموقراطية للرئاسة) هيلاري كلينتون وتقدم له هدية سياسية، او ان يوقع مراسيم اشتراعية تبهر قاعدته».

لكن بعد مرور ما يعتبره الخبراء فترة «شهر العسل» لأي رئيس مع مؤيديه، «اصبح ترامب في موقع مغاير». ويقول الخبير دايفد غراهام ان «التحقيقات القانونية بطيئة ومنتظمة، ويصعب تشتيت انتباهها مثل تشتيت انتباه الناخبين». ويتابع انه «في اللحظة التي تبدأ فيها المذكرات القضائية بالصدور، يصبح ظهور الاثباتات عملية لا يمكن لترامب، صاحب الانتباه الذي يقاس باللحظات وحب النفس الذي يقاس بالسنين الضوئية، ان يتهرب من التحقيقات».

وتكاثرت ازمات ترامب منذ اطلالة وزيرة العدل السابقة بالوكالة سالي يايتس في جلسة استماع امام مجلس الشيوخ في التاسع من الجاري، وقالت ان البيت الابيض انتظر 18 يوما قبل طرد مستشار الأمن القومي الجنرال مايكل فلين في يناير، حتى بعدما حذرته من ان الروس يمسكون بفضائح سرية على فلين قد يستخدمونها لابتزازه. وبعد يوم من اطلالة يايتس، التي سبق لترامب ان طردها لرفضها الدفاع عن قرار حظر السفر على المسلمين امام المحاكم، قام ترامب بطرد مدير «مكتب التحقيقات الفيديرالية» (اف بي آي) جيمس كومي، بداعي ان كومي اخطأ التقدير في عدم ملاحقته كلينتون قضائيا بسبب استخدامها بريدا الكترونيا خاصا اثناء عملها وزيرة للخارجية. لكن ترامب نفسه، نسف الحجة التي قدمها في رسالته الى كومي، وقال في مقابلة في اليوم التالي انه طرد كومي بعدما شعر ان موضوع فضيحة روسيا أخذ اكثر من حجمه، وان المطلوب هو اقفاله.

وربما لم يتراجع ترامب الا تحت تهديدات وكيل وزير الخارجية رود روزنستاين، الذي عينه ترامب في منصبه، بالاستقالة في حال تابع البيت الابيض تصوير طرد كومي وكأنه جاء على اثر توصية من روزنستاين. وفي الايام التي تلت، توالت التسريبات الاعلامية التي اظهرت احداها ان ترامب طلب من كومي اغلاق تحقيق تورط فلين مع روسيا، فرد ترامب بتغريدة انه ربما بحوزته تسجيلات للحوار الذي اجراه مع كومي في حفل عشاء في البيت الابيض. وبعد تلويحه بتسجيلات ذكّرت الاميركيين بالتسجيلات التي اطاحت برئاسة الراحل ريتشارد نيكسون، انبرى المشرعون من الحزبين باعتبار ان الطلب من كومي اقفال التحقيق هو بمثابة عرقلة للعدالة. وطالب المشرعون ترامب بتقديم اي تسجيلات قد تكون بحوزته، والا تكون عرقلة للعدالة كذلك.

وفيما الاعلام يغرق في فضائح ترامب المزعومة، فجّر اعلاميون فضيحة اخرى بكشفهم انه اثناء استقباله وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وسفيرها في واشنطن سيرغي كيسلايك، في وقت سابق من هذا الشهر، قدم ترامب لهما معلومات استخباراتية حساسة كشف ان مصدرها هو اسرائيل، وهو ما يهدد أمن مصدر اسرائيل داخل تنظيم «داعش».

وقبل ان يستفيق ترامب من متاعبه، أعلن روزنستاين تعيين مدير (اف بي آي) السابق، سلف كومي، روبرت مولر «مدعيا عاما خاصا» للتحقيق في امكانية تورط ترامب او افراد فريقه مع الروس، وهو ما لاقى ترحيبا من الحزبين، كما من البيت الابيض، الذي نقل عن لسان ترامب انه يتطلع قدما لانتهاء التحقيقات وبراءته.

وفي وسط السباق بين الفضائح والتحقيقات، التي صارت تنذر بامكانية الاطاحة برئاسة ترامب في وقت قريب حتى يحل محله نائبه مايك بنس، أطل الرئيس الاميركي في مؤتمر صحافي مشترك جمعه وضيفه نظيره الكولومبي خوان ايمانويل سانتوس. وبدا ترامب هادئا على غير عادته، ولم يهاجم الصحافيين او الديموقراطيين، وحاول الاختباء خلف «الوحدة الوطنية»، معتبرا ان تحقيقات مولر ستضر بالمصلحة الاميركية، وستؤخر مشاريعه التي من شأنها ان تحقق نموا كبيرا في الاقتصاد.

كره ايران وحب اسرائيل

حسين عبدالحسين

اذا صحّ ما نشرته صحيفة “وال ستريت جورنال” حول مبادرة بعض العواصم العربية باقتراح المباشرة بخطوات سلام مباشرة بينها وبين اسرائيل، من دون المرور بالفلسطينيين، فان ذلك يعكس ما عكف المسؤولون الاسرائيليون على تكراره،على مدى الاعوام القليلة الماضية، لناحية ان الخوف الاسرائيلي والعربي المشترك من اطماع ايران وتمددها في منطقة الشرق الاسط دفع العرب الى تقارب مع الاسرائيليين، وان عواصم عربية اقامت قنوات اتصال سرية مع تل ابيب. ويتابع الاسرائيليون انهم يأملون في ان يؤدي التقارب السري الى التوصل الى سلام عربي مع اسرائيل، وان هذا السلام من شأنه ان يساهم في التوصل الى سلام اسرائيلي مع الفلسطينيين. 

 ادعاء اسرائيل ان “الخوف من ايران” هو خوف عربي اسرائيلي مشترك هو قول حق يراد به باطل، فالعرب لا يهابون ايران، ولا يعتقدونها تهديدا لوجودهم، بل هم يتذمرون من عدم احترام ايران اصول حسن الجوار، وسعيها المتواصل لتقويض سيادة الحكومات العربية بدعمها وتسليحها ميليشيات غير حكومية موالية لها، كما يعترضون على وقوفها في صفّ طغاة عرب يكاد يجمع الرأي العام العربي على ضرورة التخلص منهم. 

لكن مشاكل العرب مع ايران لا تعني تقاربا تلقائيا مع اسرائيل، ويخطئ بعض العرب ممن يعملون على مقارنة دموية حلفاء ايران بحق السوريين بالظلم الاسرائيلي الأقل دموية بحق الفلسطينيين. صحيح ان عدد ضحايا ومهجري سوريا صار اكبر من عدد ضحايا اي حرب او أزمة في الذاكرة المعاصرة، لكن مقتل فلسطيني واحد وعشرة سوريين لا يعني ان اسرائيل افضل من ايران، بل يعني ان العرب يعانون من ظلم وقتل من قوتين اقليميتين هما اسرائيل وايران، ولا سبب للمفاضلة بينهما وتجميل دموية واحدة وتقبيح دموية اخرى. 

لم يكن الربيع العربي سياسيا، ولم تكن اهدافه سياسية، بل كان انتفاضة شعبية عفوية للاطاحة بظلم وغبن، ومحاولة استبدال الطغاة بحكومات أكثر تقيدا بمبادئ الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان، حكومات تتمتع بشفافية أوضح ومصداقية أكبر وقادرة على التجاوب مع طموحات العرب الاقتصادية والمعرفية، وهو ما يعني ان الانتفاضة على طاغية لا يعني مسايرة طاغية آخر، وان اهداف الربيع العربي هي اهداف سامية لا تأخذ في عين الاعتبار التواءات سياسية مثل “عدو عدوي هو صديقي”. 

 ولأن الربيع العربي هو ثورة من اجل المبادئ لا السياسة، لا يشكل “غياب البديل” في الحكم أزمة كالتي دأب الديكتاتوريون العرب على تصويرها، فهدف الانتفاضات الشعبية اعادة احياء القوانين والمؤسسات، بغض النظر عن الاداء في الحكم لهذا الفريق او ذاك، فالقوانين والمؤسسات شؤون ثابتة نسبيا، فيما اداء فريق في الحكم هو موضوع متحرك يتغير مع الانتخابات الدورية المثبتة في الدساتير. 

هكذا، يخطئ كل عربي يعتقد انه يمكن الفرار من القبضة الايرانية الى الحضن الاسرائيلي، كما يخطئ كل عربي ممن يعمد الى المفاضلة بين ظلم قاس وظلم لين، فالظلم ظلم، واولوية التخلص من دموية حلفاء ايران في سوريا، مثلا، لا تعني التغاضي عن المأساة التي تتسبب بها اسرائيل للفلسطينيين. ولا تعني مكافحة ايران واسرائيل سوية ضرورة القبول بفساد بعض الحكومات العربية، او التغاضي عن اختبائها خلف غبار المعارك والأزمات للاثراء غير المشروع. 

الحرية من الطغيان، الايراني ام الاسرائيلي ام حتى العربي، الشيعي كما في حالة الرئيس السوري بشار الأسد ام السني كما في حالة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، هي حرية على العرب ان يصبوا اليها في كل زمان وفي كل حين، حتى لو تعثروا هنا او هناك.أما كيف تتعامل اسرائيل مع هواجسها تجاه ايران، فهذا شأنها. هذه الهواجس، ان كانت حقيقية، لا تحول جلادي الفلسطينيين المطلوب التخلص من ظلمهم الى ضحايا لايران مطلوب التعاطف معهم.

الخميس، 18 مايو، 2017

ترامب لمحمد بن زايد: أسعى لإنهاء إرهاب «داعش» وإيران

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

وضعت مصادر أميركية «الراي» في أجواء المحادثات التي أجراها الرئيس دونالد ترامب مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، واصفة إياها بـ «الممتازة»، ومؤكدة أنها تطرقت إلى الحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي ومواجهة النفوذ الإيراني التخريبي في المنطقة، والسعي للتوصل إلى سلام شامل بين العرب وإسرائيل.

وقالت المصادر الأميركية المتابعة لزيارة الشيخ محمد بن زايد إلى واشنطن، إن الحوار بين الزعيمين، خلال اللقاء في البيت الأبيض ليل الاثنين الماضي، تركز على «إرساء السلام الشامل في المنطقة»، مع ما يعني ذلك من مناقشة حلول تنهي الصراع في سورية واليمن، والتوصل إلى اتفاقية سلام بين العرب والاسرائيليين تمنح الفلسطينيين حقوقهم.

والتوصل إلى «سلام شامل» في الشرق الاوسط، حسب الحوار بين ولي العهد الاماراتي والرئيس الاميركي، يتطلب أولاً «القضاء على الارهاب».

وقالت المصادر إن ترامب الذي يصل الرياض بعد غد حيث يعقد لقاء قمة مع خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، ثم يلتقي زعماء دول مجلس التعاون الخليجي وقادة دول عربية وإسلامية، وعد ضيفه الشيخ محمد بن زايد بأن «واشنطن ستضع حداً لنشاطات إيران الارهابية في المنطقة»، وأنها «تعمل على اقرار عقوبات على الايرانيين وحلفائهم المتورطين في الارهاب، بمن فيهم مسؤولون في الحكومتين العراقية واللبنانية».

ووفقاً للمصادر الأميركية، قال ترامب للشيخ محمد بن زايد ان القضاء على تنظيم «داعش» صار «قريباً»، وجرى اتفاق على ضرورة الاستمرار في جهود مكافحة «الفكر الارهابي».

وأبلغ الرئيس الأميركي ضيفه أيضاً بأن الولايات المتحدة «تسعى لادراج جماعات اسلامية متطرفة على لائحتها للتنظيمات الارهابية الاجنبية»، وأنها «ترغب في أن تصل إلى رؤية موحدة مع حلفائها» في شأن المجموعات المصنفة إرهابية.

الأربعاء، 17 مايو، 2017

واشنطن تواجه خيارين لحفظ النمو: تشجيع الإنجاب او فتح باب الهجرة

واشنطن - حسين عبدالحسين

التعثر المستمر في نمو الناتج المحلي للولايات المتحدة، وحفاظ النمو الأميركي على معدل ٢ في المئة سنوياً على مدى العقدين الماضيين، وتسجيل الصين نمواً اقتصادياً قوياً بلغ 9.6 في المئة، كلها تقارير تُقلق بعض الاقتصاديين الأميركيين من أن تكون بلادهم قد وقعت في «فخ» النمو المنخفض.

وكانت تقارير وزارة التجارة الأخيرة أظهرت أن الاقتصاد الأميركي نما بنسبة 0.7 في المئة فقط في الربع الأول من هذا العام.

وفي هذا السياق، نشرت دورية «فورين أفيرز» تحقيقاً مفصّلاً حول تعثر النمو الأميركي والعالمي، كتب فيه روشير شارما أن معدلات النمو التي بلغت ٤ في المئة سنوياً على مدى العقدين اللذين تليا الحرب العالمية الثانية، هو الاستثناء وليس القاعدة للنمو الاقتصادي في أميركا والعالم. واعتبر شارما أن الاقتصاد العالمي لطالما سجّل نمواً سنوياً في حدود 2 إلى 3 في المئة، وأنه حتى في ذروة الثورة الصناعية الأوروبية، لم يتعد نسبة 5.2 في المئة، وهي نسبة النمو ذاتها التي شهدها العالم منذ نهاية «الركود الكبير»، الذي اندلع في خريف عام 2008. ويعزو شارما التباطؤ الحالي إلى ثلاثة أسباب، هي الشيخوخة التي تصيب التركيبة السكانية في الدول ذات الاقتصادات الكبرى، وقيام مواطني العالم بتسديد الديون التي ترتبت عليهم منذ أزمة 2008، وتعثّر العولمة.

وأثناء حملته الانتخابية، وعد الرئيس دونالد ترامب بأن يدفع الولايات المتحدة إلى تحقيق نمو اقتصادي يصل إلى 4 في المئة سنوياً. لكن الاقتصاديين شككوا بوعود ترامب، واعتبروا أن من شبه المستحيل تحقيق هذه النسبة من دون قيام الحكومة الفيديرالية بتنفيذ برامج اقتصادية ضخمة ممولة بالاستدانة، ما يرفع العجز السنوي إلى معدلات أعلى من المعدل التاريخي المستقر عليه على مدى السنوات الأربعين الماضية بواقع 2 إلى 3 في المئة، وما يفاقم من أزمة الدين العام الذي بلغ 20 تريليون دولار، أو ما يمثل 100 في المئة من الناتج المحلي السنوي، وهي نسبة مرتفعة بالمقاييس العالمية.

وبسبب الدَين الهائل، تسدد الولايات المتحدة 240 بليون دولار سنوياً خدمة للدَين، وهو مبلغ مرشح للارتفاع، وهو يقضم من الموازنة السنوية الفيديرالية، ويقلّص الإنفاق الحكومي، ما يساهم في تقليص نمو الناتج المحلي.

ويعتقد الاقتصاديون الأميركيون أن الفاتورة الصحية للبلاد تقضم جزءاً كبيراً من الموازنة السنوية، بسبب إنفاق الحكومة على صناديق الرعاية الصحية والمتقاعدين، وهو ما دفع الرئيس السابق باراك أوباما إلى إقرار قانون الرعاية الصحية للحد من هذه الفاتورة.

إلا أن ترامب والجمهوريين اعتبروا أن قانون أوباما مُكلّف للحكومة الفيديرالية، وأن من الأفضل الاستغناء عنه واستبداله بمشروع يمكنه خفض الكلفة الصحية. لكن خفض الكلفة الصحية يبدو مستحيلاً، إذ إن ارتفاع معدل أعمار الأميركيين هو المسؤول الأول عن ارتفاع هذه الكلف، ولا يمكن للأميركيين لجم هذا الارتفاع من دون زيادة في عدد من هم في عمر الشباب، وهو ما يتطلب إما تشجيع الإنجاب، أو فتح باب الهجرة.

وتحتاج برامج تشجيع الإنجاب إلى دعم حكومي في قطاعات الصحة والتربية، وهو ما يعارضه الجمهوريون الذين يرفضون كل أشكال الإنفاق الحكومي. أما استقبال مهاجرين شباب، فهو أمر مرفوض لدى الجمهوريين، الذين يرغبون في الحفاظ على غالبية سكانية من البيض.

وترافق انسداد أفق قيام واشنطن بتبني سياسات تؤدي إلى تعديل في معدل الأعمار الأميركي مع صعود موجة معاداة العولمة، إذ تعتقد شريحة من الأميركيين أن انتقال المصانع إلى الدول ذات اليد العاملة الرخيصة سلبهم أعمالهم. ولا يبدو أن هؤلاء الأميركيين يلتفتون إلى الانخفاض في أسعار السلع الشرائية، الناجم عن التجارة الحرة، ولا يهمهم أن الولايات المتحدة هي أكبر مصدّر في العالم للصناعة والخدمات، إذ تبلغ قيمة صادراتها 2.2 تريليون دولار، ما يعني أن عرقلة التجارة الحرة سيؤثر سلباً في الصادرات، وتالياً على مداخيل الأميركيين.

لكن هل يعني تراجع نسب النمو في أميركا والغرب أن القوة الاقتصادية العالمية رحلت شرقاً، خصوصاً مع التقارير التي تظهر أن اقتصاد الصين نما بواقع 9.6 في المئة في الفصل الأول من هذه السنة؟ الإجابة لدى غالبية الاقتصاديين الأميركيين تشي بأنهم لا يعتقدون أن النمو العالمي ينتقل من الغرب إلى الشرق، بل إلى أن هذا النمو يتراجع في شكل عالمي وعام.

ويلفت الاقتصاديون الأميركيون إلى أن النمو الصيني حالياً مبني على عنصرين: ديون من خارج النظام الرسمي وارتفاع في الاستثمارات الحكومية أمام انخفاض في الاستثمارات الخاصة. وتظهر التقارير الرسمية الواردة من الصين أن الاستثمارات الخاصة ارتفعت بواقع 2.3 في المئة في 2016، مقابل ارتفاع في الاستثمارات الحكومية بلغ 2.18 في المئة في الفترة ذاتها.

وكانت الاستثمارات الخاصة في الصين تنمو بمعدل ضعفي نظيرتها الحكومية حتى 2011، لتبدأ الاستثمارات الخاصة بالتراجع وراحت الحكومة تزيد من إنفاقها بهدف الإبقاء على نسب عالية للنمو الاقتصادي، وهو ما يشي أن النمو الصيني، وإن بدا مرتفعاً بالنسبة لبقية اقتصادات العالم الكبرى، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في الاستدارة من اقتصاد تُموّله الاستثمارات الحكومية إلى اقتصاد مبني على القطاع الخاص والاستهلاك.

ويرى الاقتصاديون الأميركيون أن مشكلة الاستثمارات الحكومية تكمن في أنها تكبّد الدولة مديونية، وأن مردودها أدنى من مردود نظيرتها الخاصة بأضعاف.

لهذه الأسباب، يكاد يجمع الاقتصاديون الأميركيون أن التباطؤ الاقتصادي يحصل على مستوى العالم، على رغم التباينات التي يعتقدونها مصطنعة، وأن سبب التباطؤ هو عودة النمو العالمي إلى نسبته الطبيعية تاريخياً، بعيداً عن «فلتة الشوط» التي عاشها في النصف الثاني من القرن الماضي.

الاثنين، 15 مايو، 2017

أكراد سوريا.. و"اليوم التالي"

حسين عبدالحسين

يحاول الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، أثناء زيارته واشنطن هذا الأسبوع، ثني نظيره الأميركي دونالد ترامب عن تسليح الميليشيات الكردية السورية، التي تدعمها واشنطن وتوجهها في معركة استعادة الرقة من تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش). لكن المتابعين لا يتوقعون تغييراً في الموقف الأميركي، الذي تم إعلانه استباقاً لزيارة الرئيس التركي إلى العاصمة الأميركية.

ويشكك مؤيدو تسليح الأكراد بمواقف معارضي التسليح ويتهمونهم بالولاء لأردوغان، ويتهمون اردوغان بعنصرية تاريخية تركية واضطهاد للأكراد. لكن بعيداً عن المواقف العصبية الحماسية، لا بدّ من تسجيل الملاحظات التالية.

أولاً، بالنظر إلى الماضي القريب، لا يبدو اردوغان ممن يكنّون حقداً عنصرياً ضد الأكراد، ولا يبدو ممن يحاولون وأد أي محاولة حكم ذاتي أو حتى قيام دولة كردية في الدول المجاورة، والدليل هو العلاقة الممتازة التي تتمتع بها الحكومة التركية مع حكومة كردستان العراق، وقيام أنقرة بافتتاح قنصلية لها في أربيل منذ أكثر من عقد، وتشجيع العلاقات الثنائية، وخصوصاً التجارية، بين تركيا وكردستان العراق.

ثانياً، تخشى الاستخبارات التركية ارتباط الميليشيات الكردية السورية بطهران، وقيام الأخيرة باستغلال هذه العلاقات لحضّ الأكراد على شن هجمات داخل تركيا، أو استغلال ايران علاقاتها مع الميليشيات الكردية السورية لدفعها على القيام بخطوات عسكرية غالباً ما تتناسق مع خطوات قوات الرئيس السوري بشار الأسد والمليشيات الموالية لإيران المتحالفة معه.

ثالثاً، بتسليحها الميليشيات الكردية السورية لطرد "داعش" من الرقة، تخترق واشنطن كل القواعد التي حددتها لنفسها في التعاطي مع الحروب التي تخوضها ميليشيات في العالم. فالولايات المتحدة لا تسلّح المليشيات بعد تجربة أفغانستان في الثمانينات وانقلاب تنظيم "القاعدة"، حليف واشنطن آنذاك، على الولايات المتحدة نفسها. هذه المرة، تقوم أميركا بتسليح تنظيم غير حكومي عسكري مُدرج على لائحة وزارة الخارجية الأميركية لـ "التنظيمات الإرهابية الأجنبية". ولا تنفع أوراق التوت المبتكرة، مثل محاولة إخفاء مقاتلي "حزب العمال الكردستاني" خلف ميليشيات بأسماء جديدة أو تحالفات مليشيوية هشة على طراز "قوات سوريا الديموقراطية".

رابعاً، على الرغم من وعد ترامب بتقديم "خطة سرية" لإلحاق الهزيمة بـ"داعش"، لا تبدو خطة تسليح الميليشيات الكردية السورية مُبتكرة، ولا سرية. هذه الخطة المذكورة ورثها ترامب عن سلفه باراك أوباما، وتجربة الأخير في التحالف مع ميليشيات محلية لإلحاق الهزيمة بـ"القاعدة" هي تجربة، أقلّ ما يقال فيها، أنها بائسة وأدت إلى كوارث، كما يبدو جلياً في اليمن، حيث أقام مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" السابق جون برينان تحالفاً مع ميليشيات الحوثيين لطرد "القاعدة" من اليمن، فاستغلّت هذه الميليشيات قوتها الجديدة لطرد الحكومة اليمنية من صنعاء واحتلالها، مع ما نجم ذلك من حرب بين أقلية مذهبية تحتل العاصمة وغالبية مذهبية تعمل على استعادتها.

خامساً، تتعارض المراهنة على ميليشيا معينة لاستعادة أرض ما مع إصرار واشنطن على منع التسليح عن ميليشيات أخرى، فالأسباب التي ساقتها الولايات المتحدة، في عهدي أوباما والآن ترامب، لعدم تسليح المعارضة السورية الساعية للإطاحة بالأسد، هي أسباب يمكن تلخيصها في قول واشنطن إنها تخشى أن يتم استخدام السلاح، الذي قد تزوّد به المعارضين السوريين، في هجمات ضد مصالح أو أهداف أميركية في وقت لاحق، وفي قول واشنطن أن استعادة مدينة أو بلدة ما يطرح مشكلة "اليوم التالي" ومن يحكم المساحات المستعادة وكيف.

وفي تسليح واشنطن لميليشيات كردية سورية ستستعيد الرقة، سيتكرر السؤال نفسه، من يحكم الرقة في "اليوم التالي" لتحريرها؟ وهل يمكن الاستعانة بأقلية كردية لتثبيت أمن مناطق ذات غالبية عربية؟ وكيف ستضمن واشنطن- حسبما وعدت ومن المتوقّع أن يعد ترامب اردوغان كذلك- بضبط كمية ونوعية تسليح الميليشيات الكردية وتأكيد أن السلاح لن يتم استخدامه ضد أميركيين، أو ضد اتراك، أو ضد معارضين سوريين للأسد؟

معارضة تسليح واشنطن ميليشيات كردية سورية ليست عنصرية ضد الأكراد، ولا محاولة عرقلة معركة طرد إرهابيي "داعش" من الرقة، المدينة والمحافظة، بل هو تساؤل سياسي مشروع حول مصير الرقة وأهلها بعد تحريرها من "داعش"، ومصير الميليشيات الكردية التي سيتم إطلاقها من القمقم، فيما لا تلوح أي بوادر أن هذه الميليشيات ستعدّل من مواقفها المرتبطة بمحور طهران والأسد.

الأحد، 14 مايو، 2017

ترامب يسعى لاتفاق مع قادة دول الخليج يقضي بمعاملة «الإخوان» كتنظيم إرهابي

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في أول إطلالة علنية له أثناء جلسة المصادقة على تعيينه وزيراً للخارجية في ديسمبر من العام الماضي، أعلن ريكس تيلرسون، بشكل متوقع، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستحارب التنظيمات الإرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش» و«حزب الله» اللبناني، على اعتبار أنها مدرجة على اللائحة الأميركية لـ «التنظيمات الإرهابية الأجنبية»، لكن ما لم يكن متوقعاً، في جلسة الاستماع تلك، هو إضافة تيلرسون جماعة «الإخوان المسلمين» إلى المجموعات الإرهابية، على الرغم من أنها ليست مدرجة على اللائحة الأميركية.
ويحتاج إدراج أو رفع أي تنظيم من اللائحة إلى عملية إدارية تشارك فيها وكالات فيديرالية، بما فيها وزارات الخزانة والعدل والخارجية، وهي عملية غالباً ما تستغرق أشهراً عدة. ويفتح إدارج أي تنظيم على اللائحة المذكورة الباب للإدارات الأميركية لفرض عقوبات مالية على الجمعيات والأفراد ممن تعتقد واشنطن أنهم يرتبطون بالتنظيم. كما يتم إدراج أسماء الأفراد الذين تُفرض عليهم عقوبات على لائحة «عدم الطيران» في عدد من دول العالم، في طليعتها الولايات المتحدة وبعض حلفائها.

وعلى الرغم من أن «الإخوان المسلمين» ليسوا على لائحة الإرهاب الأميركية، إلا أن ترامب يأمل أن يصل لاتفاق ضمني مع زعماء دول مجلس التعاون الخليجي، أثناء لقائه معهم بقمة الرياض في 22 الجاري، يقضي بمعاملة التنظيم على أنه إرهابي، خصوصاً أن دولة خليجية مؤثرة حضّرت منذ فترة طويلة ملفاً كبيراً عن تحركات «الإخوان» في المنطقة، وتعمل ديبلوماسيتها في واشنطن بشكل مركز مع مختلف قطاعات الإدارة الأميركية على حشد السياسات ضد التنظيم وفروعه في منطقة الخليج.

وتنقسم دول مجلس التعاون حيال تصنيف «الإخوان»، فهي تدرجهم على لائحتها للتنظيمات الارهابية، إلا أن بعض الدول يعتبر أن المقصود بـ «الإخوان» هو التنظيم العالمي فقط وليس الحركات المحلية المنبثقة عن التنظيم، ولها أسماء محلية وتشارك في العملية السياسية وتمتلك أذرعاً وأنشطة خيرية واجتماعية ومؤسسات اقتصادية.

ويأمل ترامب في إضافة «الإخوان» رسمياً إلى اللائحة الأميركية السوداء، لكن ذلك قد يستغرق وقتاً، كما أن النتيجة ليست مضمونة، خصوصاً أن التنظيم المذكور لم يستوفِ الشروط الأميركية لاعتباره إرهابياً.

لكن التصنيف شيء، وكيفية التعامل مع التنظيم شيء آخر. «حزب الله» اللبناني، مثلاً، مدرج على اللائحة الأميركية للإرهاب منذ منتصف التسعينات، لكن في زمن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، تواصلت واشنطن مع الحزب اللبناني بشكل غير مباشر عن طريق قنوات لبنانية، غالباً أمنية، وإيرانية، مثل وزير الخارجية جواد ظريف الذي كان على اتصال مباشر بنظيره الأميركي السابق جون كيري. صحيح أن الحزب على اللائحة الأميركية للتنظيمات الارهابية، لكن إدارة أوباما تجاهلت التصنيف وتعاملت معه بواقعية تتناسب مع سياستها في المنطقة.

وكما «حزب الله»، كذلك «حزب العمال الكردستاني»، المصنف إرهابياً في الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يمنع مسؤولاً عسكرياً رفيعاً من لقاء أحد أبرز قياداته، الشهر الماضي، في إطار التنسيق الأميركي مع الحزب الكردي في المعركة لاستعادة الرقة السورية من «داعش»، وهو لقاء أثار غضب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي يزور البيت الأبيض ويلتقي ترامب الأسبوع المقبل.

هكذا، تنوي إدارة ترامب التزام لائحة وزارة الخارجية الأميركية، حيث يناسبها، مثل العودة إلى اتباع سياسة حازمة ومشددة مع «حزب الله»، فيما تتجاهل اللائحة حيث يناسبها أيضاً، مثل التعامل مع «الإخوان المسلمين» على أنه تنظيم إرهابي، رغم أنه غير مدرج على اللائحة.

وعندما يزور ترامب الرياض، من المرجح أن يتطرق في محادثاته مع زعماء دول مجلس التعاون الخليجي إلى موضوع التنظيم، وأن يحضهم على اعتباره إرهابياً، وتجميد أرصدته، وملاحقة مسؤوليه بتهم الإرهاب، على غرار ما فعل ترامب أثناء محادثاته مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي زار واشنطن الشهر الماضي.

حتى الآن، لم يتم إدارج «الإخوان المسلمين» على لائحة «التنظيمات الإرهابية الاجنبية» الأميركية التابعة لوزارة الخارجية، لكن محادثات ترامب مع زعماء العالم تشي بأن فترة حكم الرئيس الأميركي الحالي ستشهد ضغطاً عالمياً كبيراً على «الإخوان» وقياداتهم.

الجمعة، 12 مايو، 2017

هذا ما سيبحثه ترامب مع قادة الخليج

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

كشفت مصادر أميركية لـ «الراي» عن أبرز مواضيع المحادثات المطروحة في القمة المقررة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة دول مجلس التعاون الخليجي، في الرياض في الثالث والعشرين من الجاري، التي تتلخص بتعزيز التعاون في مواجهة إرهاب «داعش»، والسعي لعقد صفقات أسلحة ضخمة قد تصل قيمتها إلى نحو 30 مليار دولار، والتأكيد على أن التصدي لأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار على رأس أولويات واشنطن، ومحاولة التسويق لسلام خليجي - إسرائيلي يَسبق السلام الفلسطيني - الإسرائيلي ويُمهّد له.
وقالت المصادر المشاركة في الإعداد لزيارة ترامب إلى الرياض، إن الرئيس الأميركي ينوي عرض عقد صفقات تتراوح قيمتها بين 10 و15 مليار دولار مع السعودية، وأخرى تتراوح قيمتها بين 15 و20 مليار دولار مع الكويت وقطر والامارات، مؤكدة أنه «يسعى إلى بيع ما قيمته 30 مليار دولار من الأسلحة الاميركية لحلفاء الولايات المتحدة في مجلس التعاون الخليجي».

وتتضمن مبيعات الأسلحة إلى السعودية، موافقة ترامب على الإفراج عن أسلحة كانت توصلت الرياض لاتفاقية مع واشنطن لتسلمها في العام 2015، قبل أن تعمد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما إلى عرقلة التسليم بحجج متعددة، فيما يؤكد العارفون أن حرب اليمن هي التي دفعت أوباما إلى عرقلة الصفقة.

وفي شأن مواجهة إيران و«داعش»، أوضحت المصادر أن ترامب سيشرح للزعماء الخليجيين «التغيير الكبير في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، خصوصاً لناحية اعتبار ان ايران هي جزء من مشكلات المنطقة، ولا يمكنها أن تكون جزءاً من الحلول»، وأن «التصدي لإيران والميليشيات الموالية لها في عموم المنطقة هي في طليعة أولويات واشنطن».

وتتضمن مواجهة إيران فرض عقوبات اقتصادية على كل المسؤولين الإيرانيين المتورطين في «دعم الإرهاب» بالمنطقة. ويأتي تصعيد ترامب في وقت لم تنجح إدارته حتى الآن، أو هي لا ترغب، في تعطيل صفقتي مبيعات طائرات «بوينغ» المدنية إلى شركات إيرانية، يصل مجموعهما إلى 19.6 مليار دولار. وكانت «بوينغ» وقعت الصفقة الثانية، البالغة قيمتها 3 مليارات دولار، مع خطوط «أسيمان» الايرانية، مطلع الشهر الماضي.

ولا يضاهي مواجهة إيران، من وجهة النظر الأميركية، إلا مواجهة «داعش» وتنظيم «القاعدة».

وفي هذا السياق، قالت المصادر إن ترامب سيشرح للزعماء الخليجيين «خطة طرد (داعش) من الرقة»، وسيطلعهم على تطورات الحرب ضد التنظيم في العراق، خصوصاً على ضوء تعثر الحملة العسكرية العراقية في استعادة كامل مدينة الموصل.

وكشفت المصادر عن طرح جديد يحمله ترامب معه، موضحة أنه «سيسعى إلى إقناع زعماء السعودية ودول الخليج بأهمية التوصل لاتفاق سلام دولهم مع اسرائيل، قبل التوصل إلى سلام اسرائيلي مع الفلسطينيين»، فيما سبق لمسؤولين كبار في البيت الابيض، في طليعتهم جاريد كوشنر صهر الرئيس ومستشاره المكلف عملية السلام، أن تحدثوا عن «قلب عملية السلام رأساً على عقب»، من عملية مبنية على «الخروج من الداخل إلى الخارج»، إلى عملية مبنية على «الدخول من الخارج إلى الداخل».

وحسب رأي إدارة ترامب، فإن «الخروج من الداخل إلى الخارج»، يعني التوصل إلى سلام فلسطيني - اسرائيلي، يُصار بعده إلى توقيع اتفاقيات سلام عربية مع اسرائيل، وهو ما تنص عليه مبادرة بيروت العربية للسلام للعام 2002. أما «الدخول من الخارج إلى الداخل» فهو يعني التوصل إلى سلام عربي مع إسرائيل، يمكن البناء على الإيجابية الناتجة عنه، ويسمح للمسؤولين الخليجيين الانخراط في المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين وتسهيل عملية التوصل إلى سلام فلسطيني - اسرائيلي.

على أن المقاربة الجديدة لا تنال تأييد أصدقاء إسرائيل الأميركيين كافة.

وفي هذا السياق، كتب في «فورين بوليسي» جون هانا، مستشار نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، «لا تضيعوا التعاون العربي - الاسرائيلي على عملية السلام الاسرائيلية - الفلسطينية»، معرباً عن خشيته من أن يطيح أي إقحام لعرب الخليج في عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية في عرقلة «العلاقات اليافعة الماضية في التحسن» بين إسرائيل ودول الخليج، التي حددها هانا على أنها «البحرين والسعودية والامارات»، فيما لم يأت المسؤول السابق وأحد صقور الحزب الجمهوري على ذكر الكويت.

الخميس، 11 مايو، 2017

عن تعديل النصوص الدينية

حسين عبدالحسين

على مدى العقد الماضي، دأبت اوساط المثقفين الغربيين، وخصوصا اليمينيين، على تكرار مقولة ان مشكلة الارهاب تنبع من النصوص الدينية الاسلامية، وان الدين الاسلامي نفسه بحاجة الى ثورة اصلاحية، على غرار البروتستانتية الاوروبية، للخروج من الأزمة التي يعيشها، ولوضع حد للتحريض الذي يقوم به رجال دين مسلمون يغررون بالشباب الطائش. 

وابتلع جزء لا بأس به من العرب هذه المقولة، وتبنوها، وقدموا انفسهم كنخبة طليعية اصلاحية في مواجهة الاسلاميين، متطرفين منهم وغير متطرفين، حتى وجد الكثير من الاصلاحيين العرب انفسهم في احضان الانظمة الديكتاتورية، ووجدوا انفسهم يتماهون مع اكثر شخصيات العالم عنصرية، من المرشحة اليمينية الخاسرة في الانتخابات الفرنسية مارين لوبن الى رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو. ومن نافل القول ان لا المثقفين الغربيين، ولا نظراءهم العرب، ممن اشعلوا النقاش حول النصوص الاسلامية، حاولوا الالتفات الى نصوص أديان اخرى. 

هذا الشهر، من المقرر ان يزور الرئيس دونالد ترامب اسرائيل، وان يلقي خطابا في قلعة مسعدة المشرفة على البحر الميت. واختيار مسعدة، التي سبق لترامب الأميّ ان اقترح في الماضي اجراء مسابقة ملكة جمال الكون فيها، هو اختيار اسرائيلي لرمزية هذه البقعة في المخيلة الدينية والعسكرية اليهودية، اذ سيطر عليها مقاتلون يهود اثناء ثورتهم على الرومان العام ٧٠ قبيل الميلاد، قبل ان يستعيدها الرومان، ويتحول شعار “مسعدة لن تسقط مرة ثانية” الى الشعار الاكثر تحببا الى قلوب الصهاينة اليوم. واختيار مسعدة فيه رمزية للمستوطنين اليهود، اذ انها تقع في حدود “مملكة يهوذا” التاريخية، التي كانت تقوم على اراضي الضفة الغربية في القرن الميلادي الأول، وهي المملكة التي يسعى المستوطنون لاستعادتها وطرد الفلسطينيين منها، واستعادة الارض التي تعدهم بها التوراة. 

وموافقة ترامب على زيارة مسعدة ليس ممالأة لليهود الارثوذكس فحسب، وصهره ومستشاره جارد كوشنر منهم، بل هي هدية الفصائل “الانجيليين” اليمينيين الاميركيين، الذين يقرأون في نصوصهم الدينية ان عودة المسيح تحصل بعد قيام دولة اسرائيل، وبعد وقوع معركة “ارماجدون” في تل مجيدو، الواقع على بعد 30 كيلومترا شرق مدينة حيفا الساحلية. وفي هذا السياق، عكفت بعض كبرى الصحف الاميركية على نشر تحقيقات مطولة حول “عذابات” المستوطنين اليهود ممن اخرجتهم السلطات الاسرائيلية من مواقع في الضفة الغربية بسبب “عدم حصولهم على تراخيص حكومية”. 

يظهر هؤلاء اليهود على شكل عائلات، رمتهم حكومتهم خارج منازلهم ومدارسهم وقراهم، ووعدتهم باعادة توطينهم في مواقع اخرى، ولم تنفذ وعودها، وهم يرفضون السكن داخل اسرائيل لأنهم يصرون ان نصوصهم الدينية منحتهم حق السكن في الضفة. لا يرى بعض مثقفي الغرب، ولا اصدقاؤهم العرب، مشكلة في النصوص الدينية اليهودية والمسيحية، التي تحرّض على اقتلاع شعب بأكمله من مسقط رأسه، والاستيطان بدلا منه. 

لنفرض ان رئيس دولة عربي وقف في الخليل وقال ان المسلمين لن يخرجوا من ارض اجدادهم، وانهم سيقاتلون مثل صلاح الدين، كما يستعيد اليهود ملحمة مسعدة. كان اصدقاؤنا الغربيون، واصدقاؤهم العرب، اقاموا الدنيا على التحريض على العنف المنصوص عليه في كتب المسلمين وتاريخهم الدموي. 

النصوص الدينية نصوص كغيرها، والتعامل معها محكوم بثقافة وزمان قارئيها. اما السؤال فهو: كيف انقلبت الصداقة بين المسلمين واليهود عداء؟ كيف سكن الملك فيصل الأول في بيوت اليهود على ضفاف دجلة، وعيّن اليهودي ساسون حسقيل وزيرا لماليته؟ كيف أمدّ المصرفيون اليهود حكومة العراق الفتية بالديون اللازمة لبناء مؤسسات الدولة؟ ومن اخرج اليهود من العراق في الخمسينات؟ 

التاريخ المتداول يشير الى ما يسمى “عملية الفرهود”، التي شهدت عنفا عراقيا اجبر اليهود على التخلي عن جنسيتهم العراقية والخروج من البلاد، حيث هاجرت غالبيتهم الى اسرائيل، الدولة اليهودية التي كانت تبحث عن يهود. 

صحيفة “واشنطن بوست” نشرت ان الشرطة الاميركية القت القبض على مايكل كادار، الذي قام بـ 245 اتصالا بدور عبادة ومؤسسات يهودية اميركية حملت تهديدات بالعنف وبوجود قنابل. وكشفت الشرطة ان وسائل كادار كانت على درجة عالية من الاحترافية لاخفاء هوية موقع اتصاله. وكادار يهودي أميركي هاجر الى اسرائيل ويسكن عسقلان، وتشي هجرته بأنه على الارجح ممن يودون دفع يهود العالم على “العودة” الى اسرائيل. 

على الفور، أطل اصدقاء اسرائيل ليؤكدوا ان الشاب يعاني امراضا عقلية، وقدموا وثيقة من الجيش الاسرائيلي تظهر رفض تجنيد كادار بسبب امراضه. كل التبريرات بدت مشكوك بصحتها، وهو ما يعيد الى الاذهان “فرهود” العراق ومحاولات اخافة اليهود، ودفعهم الى الهجرة الى اسرائيل والتقوقع فيها.

لو كان السيد كادار مسلما، لقامت الدنيا على بربرية العرب والمسلمين ومشكلة نصوصهم الدينية. اما ان تلقي الشرطة الاميركية القبض على ما يبدو شابا محترفا يعمل وفقا لاهداف سياسية واضحة، فتلك اعاقة عقلية وعمل فردي!

«روسيا غيت»... تطيح مدير «اف بي آي»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قنبلة سياسية بطرده مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي (اف بي آي) جيمس كومي، الذي يشرف على التحقيقات في تورط مستشارين لترامب مع موسكو في تدبير هجوم إلكتروني على حسابات بريد تابعة للحزب الديموقراطي وقيادته في ما يطلق عليها الاميركيون اسم فضيحة «روسيا غيت»، وهي الفضيحة التي يعتقد كثيرون أنها أهدت الرئاسة لترامب على حساب منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون.

وفيما كان كومي يتحدث أمام مجموعة من العاملين في «اف بي آي» بمدينة لوس انجليس على الساحل الغربي للبلاد، ظهرت على شاشات التلفزة خلف كومي الأنباء العاجلة عن إقالته. وأفادت المعلومات أنه بعد ظهور الخبر العاجل على الشاشة، ضحك كومي، ووصفه بأنه «خدعة إعلامية ناجحة»، لكن مرافقيه أرسلوا إشارات له مفادها أنه مضطر لقطع كلمته والانسحاب من القاعة. وبعد ساعة، أعلم ترامب كومي، في رسالة وجهها إليه، أنه قرر طرده «بسبب سوء إدارته التحقيقات في موضوع البريد الالكتروني (الخاص) الذي كانت تستخدمه كلينتون» أثناء عملها وزيرة للخارجية بين العامين 2008 و2012.

وأشار إلى أن إنهاء عمل كومي تم بناء على «توصيات واضحة» من وزير العدل جيف سيشنز ونائبه رود روزنشتاين.

وأمس، قال ترامب في تغريدة «سيتم تعيين شخص في منصب جيمس كومي يقوم بعمل أفضل بكثير ويعيد الى (اف بي آي) هيبته»، مضيفاً «لقد خسر كومي ثقة الجميع في واشنطن من المعسكرين الجمهوري والديموقراطي. عندما تهدأ الامور سيشكرونني!».

وفي موسكو، قال الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف «إنها قضية داخلية تماماً للولايات المتحدة، قرار سيادي اتخذه الرئيس الاميركي وليس له ولا يمكن أن يكون له أي علاقة بروسيا»، مضيفاً «نأمل في ألا يترك أي أثر» على العلاقات الثنائية.

وفور صدوره، أثار قرار ترامب طرد كومي ردود فعل عنيفة، خصوصاً من الديموقراطيين، إذ ردّ شريك كلينتون المرشح السابق لمنصب نائب الرئيس السيناتور تيم كاين على القرار بالقول إن طرد كومي يعني أن ترامب بدأ يشعر بالخوف من اقتراب التحقيقات منه بشأن التورط مع روسيا.

ورأى زعيم الديموقراطيين بمجلس الشيوخ شاك شومر أن إقالة كومي «خطأ فادح»، ودعا إلى تعيين قاضٍ مستقل كي يتسلم التحقيق في قضية التدخل الروسي المحتمل.

وأطلق الأميركيون على طرد ترامب كومي اسم «ليلة الثلاثاء الأسود»، تيمناً بـ«ليلة السبت الاسود»، التي قام فيها الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، وهو الوحيد من الرؤساء الذي استقال بعد تصويت مجلس النواب على عزله وقبل تصويت مجلس الشيوخ، بطرد المحقق الخاص آريتشبالد كوكس، الذي كان مكلفاً التحقيقات في «فضيحة ووترغيت». وكان نيكسون أمر باقتحام مكاتب الديموقراطيين الانتخابية في مبنى «ووترغيت» للتجسس على نشاطاتهم إبان الانتخابات، وهي الفضيحة التي اودت برئاسة نيكسون العام 1974، قبل عامين على نهاية ولايته الثانية.

وقرار ترامب طرد كومي هو الثالث من نوعه، بعد طرده وزيرة العدل بالوكالة سالي يايتس، التي كانت حذرت البيت الابيض من تورط مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين مع الروس. وفي وقت لاحق، طرد ترامب المدعين العامين في الولايات الخمسين، بمن فيهم مدعي عام نيويورك بريت بارارا. وتبين في وقت لاحق أن بارارا كان يحقق في عمليات تبييض أموال متورط فيها مقربون من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالاشتراك مع مستشارين لترامب، كان في طليعتهم مدير حملته الرئاسية السابق بول مانوفورت.

وترافق طرد ترامب المسؤولين الثلاثة ممن كانوا مولجين بتحقيقات تشمل ترامب وشركاء روس مع استقالة بعض كبار العاملين في وزارة العدل، وتنحي عضوين في الكونغرس من الجمهوريين ممن كانوا مكلفين الاشراف على التحقيقات في تورط ترامب مع روسيا.

وفي خضم الأزمة السياسية والدستورية التي تغرق فيها الولايات المتحدة، دعا أعضاء الكونغرس من الديموقراطيين بغالبيتهم الساحقة، والسيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين، الى تعيين محقق خاص، أي مستقل عن الحزبين والحكومة، لاستئناف التحقيقات في تورط ترامب مع الروس.

وفور شيوع أنباء طرد كومي، غصت البرامج الاعلامية الاميركية بالتحليلات، وسرت تقارير عن أن التحقيقات في تورط ترامب مع الروس لا تشمل تورط عاملين في حملته فحسب، بل تشمل أيضاً أعماله التجارية في روسيا وفي دول أخرى، والتي يبدو انه يشوبها عمليات «تبييض أموال».

وكان مستشار الأمن القومي السابق فلين، الذي أقاله ترامب في فبراير الماضي بعد أقل من شهر على تعيينه، عرض على الكونغرس تعاونه مع التحقيقات وكشف ما يعرفه، مقابل حصانة يمنحه إياها الكونغرس، وهو ما يشي بأن خلف الأكمة ما وراءها من مؤامرات وعمليات غير قانونية يمكنها الاطاحة بعدد كبير من كبار مسؤولي الادارة الاميركية، قد يكون ترامب في طليعتهم.

الأربعاء، 10 مايو، 2017

أميركا: ردود فعل متباينة على خفض الضرائب

واشنطن - حسين عبدالحسين

أثار الاقتراح الذي أرسله الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الكونغرس في شأن الخفوضات الضريبية، تأييد فئات واسعة من الخبراء الاقتصاديين والمعنيين والمتابعين واعتراضهم. وتركز النقاش المشتعل حول اقتراح ترامب خفض الضرائب على الشركات بواقع 20 نقطة مئوية، من 35 إلى 15 في المئة.

وتعود الضرائب المفروضة على الشركات الأميركية بنحو نصف تريليون دولار سنوياً على الخزينة الفيديرالية، أو ما يشكل 2.5 في المئة من الناتج المحلي. ويعتقد خبراء أن خفض 20 في المئة من هذه الضرائب، يؤدي إلى خسارة الخزينة نحو 200 مليون دولار سنوياً، أو ما يعادل واحداً في المئة من الناتج المحلي.

وعلى مدى العقدين الماضيين، انهمك المسؤولون والخبراء الأميركيون في النقاش حول الفارق بين الجباية والإنفاق الفيديرالي، إذ تبلغ الجباية نحو 18 في المئة من الناتج المحلي، فيما يصل الإنفاق إلى 21 في المئة، بعجز سنوي في الموازنة نسبته 3 في المئة، وهو عجز مع تراكم السنوات، أدى إلى رفع الدَين العام إلى 20 تريليون دولار، أو ما يوازي 100 في المئة من الناتج المحلي.

ورفض الزيادة في العجز السنوي وتالياً في الدَين العام، هي الحجة التي ساقها معارضو خفض الضرائب على الشركات، ليقابلهم المؤيدون معتبرين أن الخفض سيترافق مع إغلاق الثغرات في القانون الضريبي، ما يعود على الخزينة بـ 150 بليون دولار سنوياً، أي ما يجعل العجز الإضافي، بعد تقليص الضرائب على الشركات نحو 350 بليون دولار سنوياً.

ويتابع مؤيدو الخفض قائلين إن من شأن خفض الضرائب أن يرفع نسبة نمو الناتج المحلي، ما يعود على الخزينة الفيديرالية بمداخيل اضافية تتكفل بتعويض خسارة 350 بليون دولار سنوياً، عملاً بـ «قانون لافر» الذي ينص على أن رفع الضرائب لا يفضي بالضرورة إلى عائدات إضافية على الخزينة، إذ هو يدفع المستثمرين إلى الإحجام عن الاستثمار، فينخفض النمو وتتراجع العائدات الضريبية الحكومية. فيما يؤدي خفضها إلى رفع النمو وتالياً العائدات الضريبية الحكومية.

ويدعو مؤيدو الخفض إلى منح تقليص جانبي (13 في المئة) لمرة واحدة على كل أموال الشركات الأميركية المكدسة في مصارف عالمية، إذ تقل الضرائب على الشركات عن نظيرتها الأميركية. ويعتقد الخبراء أن في حوزة الشركات الأميركية نحو 3.5 تريليون دولار في مصارف الخارج، وأن إعادتها بضريبة منخفضة تعود على الخزينة بما بين 400 مليون دولار إلى 500 مليون، مع إمكان قيام هذه الشركات باستثمار أموالها في أميركا، ما يرفع نسبة النمو ويؤدي إلى إضافة وظائف.

لكن المشككين بالوعود الزهرية للخفوضات الضريبية، يشيرون إلى أن الشركات الأميركية ستبحث دائماً عن مخابئ ضريبية أدنى من الحد الأدنى الأميركي، وحتى ضريبة الـ15 في المئة في الولايات المتحدة لن تكون الأدنى في العالم، وهو ما سيبقي الاستثمارات في مخابئها.

ولفت المشككون أيضاً إلى أن معدل الضرائب على الشركات في الاقتصادات المتطورة هو 23 في المئة، وأن لا حاجة للولايات المتحدة لخفضه إلى 15 في المئة. ويعتبر معارضو الخفض الضريبي أن اقتصادات الصناعية مثل ألمانيا، تحقق فائضاً في صادراتها، في وقت تبلغ ضريبتها على الشركات 30 في المئة. ويتابع المعارضون أن مقولة تكفّل الخفوضات الضريبية بتنشيط الاستثمارات قد لا تكون صحيحة، لأن المستثمرين غالباً ما يأخذون في الاعتبار عوامل أخرى، مثل سهولة إنجاز المعاملات الحكومية ونزاهة القضاء، وجودة البنية التحتية وتوافر الأدمغة واليد العاملة، وقرب المناطق الصناعية من مرافئ الاستيراد والتصدير ومصادر الطاقة.

وتعاني الولايات المتحدة من ندرة في اليد العاملة المؤهلة، وفق الخبراء، ما يتطلب دعم الحكومة لبرامج تطوير المهارات للعمال، وليس خفض الضرائب لتنشيط رأس المال فحسب.

يذكر أن القانون الأميركي لا يعامل المؤسسات كشركات ما لم يتخط عدد موظفيها الـ50، أو إذا أرادت الشركة التسجيل في دوائر الدولة، ما يعني أن الأعمال الصغيرة مثل التي تملكها عائلات ذات دخل متوسط، لن تستفيد من الخفوضات الضريبية للشركات الكبرى، بل سيكون المطلوب في حالات الأعمال الصغيرة، تقليص ضريبة الدخل، وهو لا يشجع الاستثمار بل الاستهلاك، ويؤدي إلى ارتفاع في العجز التجاري، الذي كانت إدارة ترامب أعلنت أن تقليصه هو واحد من أولوياتها الاقتصادية.

«فضيحة روسيا» تدفع ترامب للبحث عن انتصارات... في سورية

حسين عبدالحسين

في الأول من أيار/مايو 1517، وفيما كانت القوات العثمانية تجتاح شرق المتوسط وشمال افريقيا، شنّت جموع من البريطانيين، المسلحين بالحجارة والعصي، غارات ضد غير البريطانيين المقيمين في جنوب لندن، وحطموا وأحرقوا بيوت ومحال المقيمين. واتهم البريطانيون "الغرباء" بأنهم "يحتكرون التجارة" و"يسرقون الوظائف" المحلية. هذه الهجمات ضد المقيمين الأجانب استمرت على مدى القرن السادس عشر، وما زالت اصواتها مسموعة حتى اليوم في معظم الدول الغربية: بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها.

عدد كبير من البريطانيين لا يدرك، حتى يومنا هذا، أن المقيمين الأجانب هم مصدر تنوع وغنى. هؤلاء المقيمون الأجانب، فقراء في الغالب، سكنوا أصلاً الضفة الجنوبية لنهر التايمز. في هذه الضاحية الخارجة، يومذاك، عن قوانين لندن البروتستانتية المحافظة، وجد مسرحيو بريطانيا، من أمثال وليام شكسبير، مساحة موائمة لتقديم عروض تحولت إلى اعمال خالدة، منها أعمال كان من بين شخصياتها مسلمون ممن كانوا يحملون تسمية "مور" في أوروبا في ذلك الزمان. هذه "الضفة الجنوبية" نفسها هي اليوم قلب لندن الثقافي، فيها متحف "تايت" للفن الحديث، ومسارح متنوعة للعروض الثقافية.

علاقة الإسلام ودنيا المسلمين بأوروبا عموما، وبريطانيا خصوصاً، هي محور كتاب "السلطان والملكة"، الصادر حديثاً لجيري بروتون، استاذ "دراسات عصر النهضة" في جامعة لندن. ويستعرض بروتون في كتابه، ما يعتبره البدايات الأولى للتعارف بين الأوروبيين والمسلمين، بدءاً من الحوارات النمطية التي ألفها مسيحيون لمحاججة مسلمين مفترضين وتفنيد المعتقدات الإسلامية، مروراً بالمراحل العديدة التي سبقت ظهور اول ترجمة انكليزية للقرآن. ويقتصر تاريخ بروتون على علاقة المسلمين ببريطانيا، إذ أن علاقة الأوروبيين بالمسلمين تعود الى القرن الثامن، على الأقل، والحكم العربي في الأندلس.

ويعتبر بروتون، في كتابه الموجز نسبياً، أنه، بسبب الانقسام بين إسبانيا وفرنسا وإيطاليا الكاثوليكية والبابا، من جهة، وبريطانيا وألمانيا وهولندا، اللوثرية الإصلاحية، من جهة ثانية، وجدت بريطانيا نفسها في عزلة عن القوى الأوروبية وعرضة لمحاولات القضاء عليها اقتصادياً وعسكرياً. لم يكن أمام البريطانيين، يقول بروتون، إلا البحث عن قوى لإقامة شراكة معها أبعد من أوروبا، فشكلوا شركات مالية محلية مساهمة، كانت الأولى من نوعها، لتمويل مغامرات بحرية، قادتهم إحداها عبر المحيط الشمالي المتجمد، إلى موسكو، ومنها إلى إيران. كذلك زار البريطانيون السلطنة العثمانية، وتم تأسيس صداقة بين الطرفين ضد عدويهما المشترك، أي أوروبا الكاثوليكية. أما القوة الأقرب لبريطانيا، فكانت المغرب العربي، الذي كان يخضع لعمليات بسط نفوذ من البرتغاليين والإسبان.

وأسس البريطانيون علاقات تجارية، وحصلوا على امتيازات من اسطنبول، وباعوا الأسلحة إلى العثمانيين والمغاربة، على الرغم من قيام بابا روما، بتحريم بيع أي أسلحة مسيحية الى حكومات إسلامية. وتوّج البريطانيون شركاتهم المساهمة التجارية، بشركة الشرق، التي حكمت شبه القارة الهندية، جوهرة التاج البريطاني على امتداد القرن التاسع عشر، وحتى نيل الهند الاستقلال في العام 1947.

ويقدم بروتون عرضاً شيقاً للرسائل المتبادلة بين اليزابيث الأولى ملكة بريطانيا، والسلاطين العثمانيين المتعاقبين، ويعرض كيف أقام البريطانيون مكتب مصالح تجارية حكومياً في السلطنة، والذي تحول الى بعثة ديبلوماسية في زمننا الراهن. كما يقدم الكاتب المراسلات التي أطلع فيها المندوب البريطاني في اسطنبول، أسياده في لندن، على الرشاوى التي قدمها الى من شغلوا مناصب رفيعة في الباب العالي العثماني، وكيف اشترى صداقاتهم، وحاز ثقتهم، ووضع ذلك في خدمة مصالح بريطانيا وتجارتها. واستمر فرمان الامتيازات العثمانية للبريطانيين قائماً 383 عاماً، حتى دخول السلطنة إلى جانب ألمانيا، في الحرب العالمية الأولى، ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا في العام 1918.

ومن الحكايات المثيرة للاهتمام في كتاب "السلطان والملكة"، عرض قدمه حكام المغرب لنظرائهم في بريطانيا للدخول في شراكة، يمولها المغاربة، لإقامة مستوطنات في القارة الأميركية الشمالية، وهو عرض لم يتبلور لأسباب مختلفة. إلا أن معرفة أن المغرب كان ينوي استيطان اميركا، على غرار الامبراطوريات الفرنسية والاسبانية والبرتغالية، وقبل البريطانيين أنفسهم، هي قصة شيقة من التاريخ.

ومن التاريخ أيضاً نموذج عن العلاقات الدولية، ما زال سائداً حتى يومنا هذا. فالإيرانيون الشيعة تحالفوا مع أوروبا الكاثوليكية، نكاية بخصومهم العثمانيين السُنّة. والبريطانيون البروتستانت، تحالفوا مع السلطنة والمغرب السُنّة، في مواجهة أوروبا الكاثوليكية. فيما الدول الصغيرة، مثل الإمارات الإيطالية وبابا روما، دعت إلى تشكيل تحالف مسيحي عريض، في تكرار للحملات الصليبية، للهجوم على السلطنة واحتلال أراضيها.

أما الدول الصغيرة في القرن السادس عشر، فلم تكن في حسبان اللعبة الدولية، مثل تحالف توسكانا مع الأمير اللبناني فخرالدين المعني الثاني. وكانت توسكانا تسعى الى فتح طريق تجاري عبر أراضي السلطنة من دون المرور باسطنبول، لكن توسكانا لم تكن قوة بارزة مثل جارتها دوقية البندقية، وفخرالدين لم يصمد أمام أول تحرك عثماني اقتلعه من جبل لبنان.

يختم بروتون كتابه بالإشارة إلى أن علاقة أوروبا بالمسلمين قديمة، وليست وليدة الساعة، وأن عداء أهل البلد للمقيمين هو عداء قديم كذلك. ويأسف الكاتب لأنه عداء ما زال يتكرر في أوروبا وأميركا حتى اليوم. ومع أن بروتون يغوص، أكثر من المطلوب أحياناً، في تفسير المسرحيات البريطانية، أو في حياكة قصص المبعوثين والمغامرين البريطانيين الى دول الشرق، إلا ان كتابه شيق ويستحق القراءة.

الاثنين، 8 مايو، 2017

مناطق سورية آمنة لمن؟

حسين عبدالحسين

لا يضاهي الاضطراب في معنى إعلان أربع مناطق آمنة في سوريا إلا الإعلان الروسي أن المجال الجوي فوق هذه المناطق سيكون مقفلاً على مقاتلات التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، في الحرب ضد تنظيم "الدولة الاسلامية".

وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الإيحاء وكأنه حاز على تأييد وموافقة واشنطن على إثر محادثته الهاتفية مع نظيره الأميركي دونالد ترامب. لكن أقصى ما تمخضت عنه المحادثة الهاتفية موافقة ترامب على إرسال مراقبين أميركيين للمشاركة في المؤتمرات الدولية المخصصة لسورية، في أستانة وغيرها. ويقيناً، فإن بوتين لم يأت على ذكر إغلاق المجال الجوي السوري أمام المقاتلات الأميركية، وهو لو أبلغ ترامب ذلك، لثارت ثائرة الأخير حتى لو أنه بالكاد يفقه معنى إقفال المجال الجوي.

والمفارقة تكمن في مطالبة روسيا للمعارضة السورية، الطرف الوحيد في الصراع السوري الذي لا يملك قوة جوية، بالتوقيع على الاتفاقية، التي لم يوقعها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والذي يملك بدوره قوة جوية عملت على الفتك بالسوريين على مدى الاعوام الستة الاخيرة.

لكن روسيا أرادت توقيعاً ما لتظهر انتصارها، وعندما رفض المعارضون التوقيع، أراد الروس تقديم استعراض قوة، فقالوا إن الاتفاقية تحظر تحليق مقاتلات أميركا وحلفائها فوق المناطق الأربع التي تم تحديدها في أستانة، وكأن المقاتلات الأميركية كانت تزدحم أصلاً فوق سماء اللاذقية أو إدلب أو درعا.

أما المقاتلات التي تحلق غالباً في سماء دمشق والقنيطرة، والتي غالباً ما تشن غارات ضخمة على أهداف تعود للمليشيات الموالية لإيران والمتحالفة مع الأسد، فهي المقاتلات الإسرائيلية، وهذه الاخيرة لم يجرؤ المسؤولون الروس على ذكرها، ربما لعلمهم أن في قادم الأيام، في خضم الحرب السورية، أو في زمن السلم الذي كان يفرضه يوماً آل الأسد، ستغير إسرائيل على ما يحلو لها من أهداف، من دون الالتفات للقانون الدولي، ولا إلى السيادة السورية، ولا إلى اتفاقيات أستانة وغيرها، ولتواصل موسكو إدانة الغارات الاسرائيلية، التي تخترق المجال الجوي، الذي تعلن روسيا بين الفينة والاخرى أنها اقفلته، فتخترقه يوماً صواريخ "توما هوك" الأميركية، ويوماً آخر مقاتلات "اف-١٦" الاسرائيلية.

وهذه الحال، إذا كان المجال الجوي السوري مازال مفتوحاً، بعد إقامة روسيا مناطقها الآمنة الأربع، للمقاتلات الإسرائيلية، وللصواريخ الأميركية، ولمقاتلات الأسد، التي لم تحترم أياً من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي رعاها الروس في الماضي، وطالما أن موسكو حافظت لنفسها على استثناءات لاستهداف "الإرهابيين" بمقاتلاتها، هذا يعني أن اتفاقية أستانة لم تكن أكثر من مسرحية ديبلوماسية، وأن مصير الاتفاقية التي تمخضت عنها سيكون على الأرجح كمصير سابقاتها من اتفاقيات الهدنة في سوريا.

لن يستتب الأمن في المناطق الأربع المزعومة، ونصفها تحت سيطرة النظام أصلاً، لعودة المهجرين السوريين، كما زعم المسؤولون الروس، ولن تغيّر الهدنة كثيراً في الوقائع على الأرض، ولا في الاصطفافات الديبلوماسية، بل إن أفضل ما قدمته مفاوضات أستانة حول سوريا، والاتفاقية الناجمة عنها التي لم يوقعها أي طرف سوري، هي المزيد من الاستعراضات الديبلوماسية التي تبقي موسكو في دائرة الضوء، وتبقي بوتين سعيداً أنه يتربع على رأس امبراطورية تتصدر أخبار العالم.

أما الطرف الدولي الأقوى والقادر على تغيير الموازين العسكرية والديبلوماسية في سوريا، أي الولايات المتحدة، فما زالت تغرق في انعدام توازن لا يبدو أنها ستخرج منه في المستقبل المنظور، وهو انعدام توازن لا يهدد العالم فحسب، بل يهدد أميركا نفسها، التي تمضي من دون موظفين في إداراتها، والتي تحوّل فيها أقوى رجل في العالم إلى بائع شنطة يحب الثرثرة وبث التغريدات المثيرة للجدل.

الجمعة، 5 مايو، 2017

لقاء ترامب - عباس: إيجابية في الشكل... وغياب المضمون

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لخّص مصدر مطلع على مجريات اللقاء بين الرئيسين دونالد ترامب والفلسطيني محمود عباس بالقول انه «كان يمكن للرجلين تبادل وجهات النظر عبر البريد الالكتروني»، معتبرا ان الاجتماع في المكتب البيضاوي، الذي تلاه غداء عمل، أول من امس، لم يخرج عن الشكليات، والتزم النصوص المعدة سلفا.

وشارك في لقاء الغداء، من الجانب الاميركي، نائب الرئيس مايك بنس، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، ورئيس موظفي البيت الابيض رينس بريبس، والناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر، ومستشار الرئيس وصهره جارد كوشنر، وهو المكلف تقنيا الاشراف على عملية التوصل الى سلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين.

اما من الجانب الفلسطيني، فشارك، الى عباس، كبير المفاوضين صائب عريقات، ونائب رئيس الحكومة زياد ابو عمر، والمستشار الرئاسي للشؤون الديبلوماسية مجدي خالدي، ومستشار الشؤون السياسية نبيل ابوردينة، ومدير الاستخبارات الفلسطينية مجدي فرج، وممثل السلطة الفلسطينية في واشنطن حسام زملط، والناطق باسم حركة «فتح» اسامة قواسمة، ومسؤول اعلام الوفد احمد عساف.

ورغم المجهود الذي يقوم به كوشنر من اجل «تثقيف» نفسه حول تفاصيل الصراع وعملية السلام المتوقفة، ورغم المجهود الذي يقوم به الديبلوماسي المحترف جايسون غرينبلات لتلقيم جارد وتعليمه، ورغم الصداقة الوثيقة التي تجمع كوشنر ببعض كبار الديبلوماسيين العرب في العاصمة الاميركية، الا ان لقاء ترامب عباس بقي في اطار العموميات، ولم يبد ان لدى اي منهما افكارا جديدة يقدمها لتحريك مسار العملية السلمية، حسب المصادر المتابعة للقاء.وعلمت «الراي» ان عباس كرر ما دأب على قوله، لناحية تمسك السلطة بمبدأ قيام دولتين، فلسطينية في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، واسرائيلية بجوارها. كما دأب عباس على الاشادة والمديح بترامب، وبقيادته وحكمته، وقوله انه يعتقد ان ترامب من القلائل ممن يمكنهم ايصال العملية السلمية الى خاتمتها.

ويبدو ان الايجابية من الجانب الفلسطيني، وكذلك من جانب المسؤولين الاسرائيليين الذين يشددون على اعتقادهم بأن ترامب قادر على رعاية التوصل الى سلام، هي موقف يحرص كل من الطرفين على اتخاذه، اذ لا يبدو ان ايا منهما يرغب في ان يظهر في موقع المعرقل او المعارض لاستئناف المفاوضات والتوصل الى سلام.

ولاحظ مراقبو زيارة عباس ان الاخير بدا أكثر تشددا في مطالبه تجاه السلام اثناء حواراته مع وجوه الجالية العربية في واشنطن، منه اثناء نقاشاته مع ترامب. ولم يثر عبّاس الا نقطة واحدة خارج السياق اثناء لقاء ترامب، وهي تمثلت بمطالبته ان يكون الاعتراف بين الفلسطينيين والاسرائيليين بدولتي بعضيهما البعض متبادلا، اذ لا يمكن ان يعترف الفلسطينيون بدولة يهودية سلفا وقبل المفاوضات، كما تطالب حكومة اسرائيل، فيما تحارب حكومة اسرائيل في الوقت نفسه المجهود الفلسطيني والدولي من اجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ويبدو ان عباس شدد على تمسكه بمبادرة بيروت العربية للسلام للعام 2002 كخطة سلام، في حواراته الخاصة واثناء لقاءاته الجانبية، لكنه ابدى ليونة أكثر اثناء لقائه ترامب.

وتثير مبادرة بيروت العربية اعتراضات اسرائيلية بسبب تمسك الخطة المذكورة بمبدأ عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم، بما في ذلك اراضي 1948.

في هذه الاثناء، ورغم الايجابية المصطنعة من كل الاطراف المعنية، عدا ترامب الذي يبدو تفاؤله حقيقيا ولا يمكن تبريره الا باعتبار ان الرئيس الاميركي لا يدرك حقيقة تعقيدات العملية السلمية، مازالت اسرائيل تتمسك بمعظم مطالبها التي من شأنها ان تفشل عملية السلام برمتها. ولم تكتف اسرائيل بهذه المطالب، اذ يبدو انها اقنعت ترامب وادارته بمطلب جديد يتضمن قيام السلطة الفلسطينية بايقاف مرتبات أي عائلة فلسطينية يتورط احد من ابنائها او بناتها في اي هجوم على اسرائيليين، بما في ذلك عمليات الطعن التي قام بها فلسطينيون بحق اسرائيليين في الآونة الاخيرة.

الجانب الاميركي أكد ان لقاء ترامب عباس كان «ممتازا»، وكذلك فعل الفلسطينيون الذي ابلغوا من التقاهم ان الاجتماع مع ترامب كان من افضل الاجتماعات التي شاركوا بها منذ فترة. لكن وسط الايجابية الكلامية، يصعب العثور على اي ايجابية فعلية، اذ لا تصور لكيفية اعادة اطلاق العملية السلمية، ولا جدول زمنيا، ولا ترتيبات. فقط كلام واصرار من قبل ترامب انه سينجح في التوصل الى سلام، وانه «لا يرى اي سبب، ايا كان، لعدم التوصل الى سلام حتى الآن»، حسب ما قال الرئيس الأميركي في آخر مقابلاته التي سبقت لقاءه عباس.

الخميس، 4 مايو، 2017

ترامب أضعف رؤساء أميركا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يحتاج الرئيس دونالد ترامب إلى معجزة لإنقاذ نفسه من الورطة التي وقع بها منذ دخوله البيت الأبيض، فخبرة الرجل في الشؤون الحكومية والسياسية معدومة، وهو يأتي من خلفية رجل أعمال، ورث ثروته التي لا يشاركه كثيرون بها، وهو كان يتصرف من تلقاء نفسه من دون الحاجة إلى استشارات وبناء تحالفات.

لكن عالم الأعمال شيء والرئاسة شيء آخر، إذ بات جلياً أن الخبرة التي يملكها ترامب لا تؤهله لقيادة الحكومة الفيديرالية، فهو دأب منذ ما قبل انتخابه على تقديم لائحة طويلة جداً من الوعود، حتى ناقضت بعضها بعضاً. واعتقد مؤيدوه أن إحدى نقاط قوته تكمن في أنه يأتي من خارج عالم السياسة، وهو ما يجعله مترفعاً عن العداوات، وقادراً على تقديم رؤية جديدة. لكن خبرة ترامب تحولت الى احدى نقاط ضعفه وسبب تعثره، إلى درجة صرّح الرئيس أنه «يشتاق» الى عمله السابق، وانه لم يكن يعرف أن الرئاسة تتطلب هذا الكم من العمل.

وفي عالم أعماله، كان ترامب يستند الى دائرة ضيقة من الأشخاص، معظمهم من أفراد عائلته وأصدقائه المقربين ممن يثق بهم. لكن الحكومات لا تسير على من يثق بهم الرئيس، بل على من يتمتعون بالخبرة اللازمة في الحكم.

هكذا، صار الفشل بادياً على أداء إدارة ترامب، لا في السياسات الكبرى وفي محاولة استصدار قوانين في الكونغرس فحسب، بل في الامور الروتينية البسيطة. مثلاً، لا يبدو أن لدى أي من العاملين في مكتب الناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر خبرة في الاعلام، فبيانات الحوارات الثنائية بين ترامب وزعماء العالم تأتي خالية من العناوين العريضة، على جري العادة، وغالباً ما تقتصر على عبارة «كان الاتصال إيجابياً»، وهو خروج عن الاعراف الاعلامية المعتمدة في واشنطن وفي معظم عواصم العالم.

كذلك، يبدو ان المكتب الاعلامي في البيت الابيض لا يعرف هدف البيانات التي يصدرها، فالإدارات عادة ما تصدر مواقفها في بياناتها. أما إدارة ترامب، فتصدر بيانات فيها مجموعة من التصريحات المأخوذة خصوصاً من كبار العاملين في الادارة، وفي طليعتهم الوزراء، وهي تصريحات مديح وإشادة برؤية ترامب وحكمته، على غرار بيانات الحكومات الديكتاتورية في العالم. ولم يمر وقت طويل قبل أن تتحول هذه البيانات الى مواد للبرامج الفكاهية المتلفزة.

حتى وزارة الخارجية، الذائعة الصيت لناحية حسن إدراتها ومعرفتها ببروتوكولات الحكومة، وقعت في أخطاء فادحة، من قبيل رفعها بياناً على موقعها يتحدث عن نادي ترامب للغولف في ولاية فلوريدا الجنوبية، الذي يطلق عليه الاميركيون اسم «البيت الابيض الشتوي» بسبب كثرة زيارات ترامب إليه وإقامته فيه على مدى الاشهر القليلة الماضية. وعلى الفور، انبرى الإعلام الاميركي لبيان الخارجية، واعتبره دعاية لنادي ترامب، وهو نادٍ تجارٍ يبغي الربح ويسدد أعضاؤه رسوماً سنوية باهظة للانتساب إليه، فحجبت الوزارة بيانها بهدوء.

وخطوة وزارة الخارجية لم تكن الأولى التي نظر إليها الاميركيون على أنها استغلال ترامب لموقعه في الرئاسة للإفادة التجارية، فايفانكا ترامب، ابنته الأكثر قرباً إليه من عائلته، حصلت على 175 إبراء تجاريا لمبيعاتها في الصين، أثناء زيارة الرئيس الصيني الرسمية الى فلوريدا ولقائه ترامب الشهر الماضي.

وسط ارتباك من هذا النوع، كان واضحاً أن ادارة ترامب ستتخبط في معظم مشاريعها، فمحاولة الغاء واستبدال قانون الرعاية الصحية الذي أقره الرئيس السابق باراك أوباما فشلت للمرة الثالثة في الحصول على غالبية الاصوات في مجلس النواب، وهو فشل بمثابة فضيحة، إذ يسيطر حزب ترامب الجمهوري على غالبية الكونغرس بغرفتيه.

وإلى فشله في إلغاء قانون الرعاية الصحية، تلقى ترامب صفعة ثانية من الكونغرس، الذي رفض المصادقة على الموازنة حسبما طلبها البيت الابيض، بما في ذلك رصد مبلغ 10 مليارات دولار من أجل البدء بتشييد جدار ضخم على الحدود الأميركية-الجنوبية مع المكسيك. لكن أعضاء أقصى اليمين في الحزب الجمهوري رفضوا الموافقة على أي أموال إضافية في الموازنة فد ترفع من العجز السنوي، وتالياً من الدين العام، فاضطر ترامب للاستعانة بالديموقراطيين، وهؤلاء استغلوا أزمة ترامب للحصول على الاموال لابقاء الحكومة تعمل، ففرضوا رؤيتهم، وأجبروا الرئيس على تقديم موازنة هي بمثابة تمديد للموازنة الحالية التي ترصد أموالاً لبرامج اجتماعية وعلمية متعددة كان ترامب وعد بالقضاء عليها اثناء حملته الرئاسية.

ومع خساراته المتكررة في الكونغرس، ولأنه من الواضح أن ترامب لا يعرف كيف يبني تحالفاً سياسياً عريضاً حول أمور محددة يمكنه تمريرها في الكونغرس، بات من شبه المؤكد أن تصطدم وعود ترامب بتقديم تخفيضات ضريبية ضخمة للاميركيين بقلة خبرة الرئيس السياسية، وبذلك تفشل في الكونغرس.

وفي ظل الاخفاقات، حاولت إدارة ترامب الحديث عن أي إنجاز يمكنه أن يسعف شعبيته، التي تظهر استطلاعات الرأي انها الادنى في التاريخ الاميركي في هذه المرحلة من عمر رئاسته، فأشارت إلى أنه بسبب وساطة ترامب، أعادت الشركات الاميركية ستة آلاف وظيفة الى الولايات المتحدة، ليرد الاقتصاديون من الحزبين ان الاقتصاد الاميركي أضاف 12 مليون فرصة عمل أثناء رئاسة أوباما، وان رقم ستة آلاف هو بمثابة العدم عند المقارنة.

Since December 2008