الخميس، 30 يوليو 2020

ترامب يلتزم الانضباط الانتخابي لتحسين وضعه في السباق الرئاسي

واشنطن - من حسين عبدالحسين

أخذ الرئيس دونالد ترامب بمشورة كبار قادة حملته الانتخابية، إذ هو يسعى للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات المقررة في 3 نوفمبر. أما نصيحة المستشارين لترامب فمفادها أن عليه التخلي عن فوضويته في المواقف والتصريحات، والتزام «انضباط انتخابي»، وعدم الخروج عن النصوص التي يعدّها له مستشاروه، وذلك لوقف النزيف في شعبية الرئيس، التي بلغت أدنى مستوياتها.
لكن على الرغم من انضباطه، لم يسع ترامب إلا أن يعيد، في تغريدة، بث فيديو لطبيبة أفريقية تقول فيه إن المرض الناجم عن فيروس «كورونا» المستجد هو من عمل الشياطين. ودعت الطبيبة الناس للامتناع عن ارتداء كمامات للوقاية من الإصابة بالفيروس، كما دعت لاستخدام دواء «هيدروكسي كلوروكين»، على الرغم من شبه الإجماع الطبي، بما في ذلك من أرفع وكالات حكومية صحية أميركية، أن مضار الدواء المذكور أكثر بكثير من منافعه.
وأجبرت تغريدة ترامب، أنتوني فاوتشي، رئيس «قسم مكافحة الأمراض المعدية والحساسية» في «المركز الوطني للصحة»، على القول إنه لا يتعاطى في مواضيع التغريد وإعادة التغريد، لكن أي دعوة لعدم ارتداء كمامات للوقاية من الفيروس هي «أمر لا يساعد» في التغلب على الوباء.
وشرح فاوتشي في مقابلة مع مجلة «وايرد»، سبب تأخر الولايات المتحدة عن باقي دول العالم في السيطرة على انتشار الوباء، قائلاً «إنه ليس مجرد عامل واحد... فالدول الأخرى، مثل الدول الآسيوية والاتحاد الأوروبي، عندما طبقت سياسة الإغلاق أو الحجر، شمل ذلك نحو 95 في المئة من بلدانهم، أي أنهم طبقوا الحجر بكامل قوتهم». 
وأضاف «تعرضت بعض البلدان لأزمات تفشي سيئة، ولكن بمجرد أن أغلقت، سيطرت على الأمور، وهبطت الأرقام إلى معدل منخفض للغاية، نحو العشرات أو المئات من الحالات الجديدة يومياً، لا الآلاف، أي أن أرقامهم انخفضت وبقيت منخفضة».
أما في الولايات المتحدة، فقال فاوتشي، «عندما أغلقنا، على الرغم من أن الإغلاق تسبب في ضغط وتوتر لدى الكثير من الناس، إلا أننا فعلنا ذلك حتى تدنت الأرقام إلى نحو 50 في المئة فقط، لكننا لم نصل أبداً إلى معدل منخفض بشكل معقول، بل وصلنا إلى نحو 20 ألف إصابة جديدة يومياً، وبقينا عند هذا المستوى لأسابيع عدة متتالية، ثم بدأنا في الانفتاح وإعادة أميركا إلى طبيعتها».
لهذا السبب، أضاف فاوتشي، «بدأنا نرى الحالات ترتفع من 20 ألف يومياً الى 30 ألفاً و40 ألفاً، والأسبوع الماضي، وصلنا رقم 70 ألف حالة جديدة في اليوم».
ووجه سهام نقده القاسية إلى ترامب، من دون أن يسميه، وحكّام الولايات الجمهوريين ممن مضوا في فتح ولاياتهم من دون أن يسيطروا أولاً على الوباء، قائلاً «لم يلتزموا المبادئ التوجيهية التي اقترحت بشكل أساسي طريقة حكيمة محسوبة للغاية لإعادة الفتح خطوة بخطوة». 
وتابع العالم الأميركي: «في بعض الولايات، فعل المحافظون ورؤساء البلديات ذلك بشكل صحيح، ولكن في البعض الآخر، ما عليك إلا إلقاء نظرة على بعض الصور في الإعلام واللقطات التلفزيونية لترى الناس يتجمعون في حشود في الحانات، من دون أقنعة». 
وختم فاوتشي: «لم نغلق البلاد بشكل كامل، ولم ينخفض خط الأساس إلى مستوى منخفض فعليا، وعندما بدأنا في الانفتاح، لم ننفتح بشكل موحد وفق معايير صارمة موضوعة سلفاً».
وبسبب أداء إدارته اللامركزي في إدارة أزمة «كورونا» المستجد، راحت أرقام ترامب تتدهور في استطلاعات الرأي، وتوسعت الفجوة بينه ومنافسه الديموقراطي، نائب الرئيس السابق، جو بايدن، حيث تظهر الأرقام أن ترامب صار متأخراً عن بايدن بتسع نقاط مئوية، بعدما كان متأخراً بخمسة نقاط قبل أسابيع. 
ولتدارك المأزق، التزم ترامب انضباطاً انتخابياً، مع خروقات معدودة في تغريدة هنا أو تصريح هناك، وراح يتفادى الحديث عن شؤون «كورونا»، وسلّط اهتمامه على عدد من المواضيع التي يعتقد أنها مفيدة في رفع أرقام شعبيته في الولايات المتأرجحة، التي يزداد عددها بدورها لتشمل ولايات كانت - حتى الأمس القريب - محسومة في جيب ترامب والجمهوريين، مثل ولاية تكساس، حيث عنونت صحيفة «دالاس نيوز» التكساسية أنه «على الرغم من زيارته السادسة عشرة للولاية، لايزال ترامب متأخراً في استطلاعات الرأي بفارق نقطتين عن بايدن».
وسعى ترامب لإقناع قطاع إنتاج الطاقة، وخصوصاً الأحفورية، وهو عصب اقتصاد تكساس، أن انتخاب بايدن ليس في مصلحتهم، وأن المرشح الديموقراطي سيقوم، تحت ضغط المجموعات البيئية، بمنع التنقيب واستخراج الوقود الأحفوري. لكن القطاع المذكور يعاني من تدهور وإغلاق عدد كبير من شركاته أصلاً، وذلك بسبب الفورة النفطية العالمية، ووجود هذه المادة في الأسواق بكثافة، ما يؤدي لتخفيض أسعارها الى مستويات تجعل الاستخراج الأحفوري غير مربح.
كما سعى الرئيس الأميركي إلى خطب ود البيض من سكان الضواحي، وهؤلاء كانوا من أكثر المؤيدين له في الانتخابات الماضية قبل أربعة أعوام، في وقت تظهر استطلاعات الرأي ابتعادهم عنه هذه الدورة. وفي هذا السياق، أصدر ترامب مرسوماً إشتراعياً ألغى فيه مرسوماً سابقاً، كان أصدره الرئيس باراك أوباما، يربط المساعدات التي تقدمها وزارة الإسكان إلى المدن والولايات بانتهاج الأخيرة سياسات اختلاط عرقي، أي أن تقوم ببناء وحدات سكنية شعبية في أحياء الأثرياء، وهو ما يسمح لأولاد الفقراء بالذهاب إلى مدارس أولاد الأثرياء نفسها (المدارس الرسمية الأميركية تستقبل الطلاب حسب مناطق سكن ذويهم). 
وقال ترامب، في تغريدة مفعمة بالعنصرية البيضاء ضد غير البيض: «يسعدني أن أبلغ جميع الناس الذين يعيشون حلمهم في أسلوب حياة الضواحي أنكم لن تكونوا منزعجين أو تتأذوا ماليا بسبب بناء مساكن منخفضة الدخل في منطقتكم».
وختم الرئيس الأميركي: «سترتفع أسعار بيوتكم حسب أسعار السوق، وستنخفض الجريمة في أحيائكم... لقد ألغيت قانون أوباما - بايدن، فاستمتعوا!»

الأربعاء، 29 يوليو 2020

«بشرى سارة» لإيران من أميركا... بايدن سيُعيد تطبيق سياسة أوباما إذا فاز بالرئاسة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

أثارت مسودة البيان الانتخابي للحزب الديموقراطي، المزمع الموافقة عليها في المؤتمر العام الذي سينعقد - في الغالب عبر الإنترنت - في السابع عشر من أغسطس المقبل، مخاوف متابعي سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، في وقت استبشر أصدقاء «الجمهورية الإسلامية» في الولايات المتحدة وحول العالم أن عودة الديموقراطيين للبيت الأبيض ستعني حكماً العودة إلى سياسة الرئيس السابق باراك أوباما، والتخلي عن سياسة الرئيس الحالي دونالد ترامب، والقاضية بممارسة أقصى الضغط على طهران لإجبارها على إعادة المفاوضات والخروج باتفاقية نووية أفضل من التي تم تكريسها في قرار مجلس الأمن رقم 2231. 
وورد في البيان أن الديموقراطيين سيوقفون «سباق إدارة (الرئيس دونالد) ترامب للحرب مع إيران، وسيعطون الأولوية للديبلوماسية النووية، ولخفض التصعيد، وللحوار الإقليمي». 
وأضاف البيان أن الديموقراطيين يعتقدون أنه «لا ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى لفرض تغيير النظام على دول أخرى، وترفض ذلك كهدف لسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران»، وهو موقف لا يختلف عن موقف الجمهوريين، الذين يكررون أنهم لا يسعون لتغيير النظام، على الرغم أنهم لا يمانعون إن قام الإيرانيون بالتغيير.
ثم أغدق البيان الديموقراطي المديح على الاتفاقية النووية، المعروفة بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة»، التي وصفها أنها «لا تزال أفضل وسيلة لتحقيق» خفض التصعيد، إذ هي كانت «نجحت في قطع جميع مسارات إيران إلى قنبلة نووية بشكل يمكن التحقق منه». 
وهاجم البيان إدارة ترامب «لانسحابها الأحادي الجانب» من الاتفاقية النووية، وتالياً «فتح الباب أمام إيران لاستئناف مسيرتها نحو قدرة إنتاج الأسلحة النووية»، التي كانت أوقفتها الاتفاقية. 
لذا، يدعو الحزب الديموقراطي «للعودة للامتثال المتبادل بالاتفاقية كأمر مُلح للغاية». على أن الحزب المعارض يعد بالبناء على الاتفاقية وتوسيعها وتحسينها، ويذكر في بيانه أن «الاتفاقية النووية كانت مصممة دائماً لتكون بداية، لا نهاية، ديبلوماسيتنا مع إيران»، وأن الديموقراطيين يدعمون «جهداً ديبلوماسياً شاملاً لتوسيع القيود على برنامج إيران النووي، ولمعالجة أنشطة إيران الأخرى المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك عدوانها الإقليمي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، والقمع المحلي».
الجمهوريون، بدورهم، لن يقدموا برنامجاً انتخابياً هذا العام، ويتمسكون ببرنامج ومرشح 2016، أي ترامب. وكان البيان الجمهوري في الانتخابات الماضية اعتبر أن «صفقة إدارة (الرئيس السابق باراك أوباما) مع إيران لرفع العقوبات الدولية عنها وإتاحة مئات المليارات من الدولارات للملالي»، هي «اتفاقية شخصية بين الرئيس وشركائه في المفاوضات، وغير ملزمة للرئيس المقبل» أي ترامب. 
ويعتقد الجمهوريون أنه «من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، لا تتمتع الاتفاقية النووية مع إيران بصفة المعاهدة». ويحمّل الجمهوريون اتفاقية أوباما مع إيران مسؤولية مضي طهران في «رعاية الإرهاب في جميع أنحاء المنطقة، وتطوير سلاح نووي، وتجربة الصواريخ الباليستية المكتوب عليها الموت لإسرائيل، وإساءة استخدام حقوق الإنسان لمواطنيها».
ويسعى الجمهوريون لإظهار الفارق حول إيران بين سياسات ترامب والجمهوريين، من ناحية، وأوباما أو المرشح الديموقراطي جو بايدن والديموقراطيين، من ناحية ثانية، بالإشارة إلى أن استعادة الديموقراطيين البيت الأبيض تعني حكماً وتلقائياً عودة الاتفاقية النووية مع إيران إلى الحياة، وقيام الولايات المتحدة برفع العقوبات الاقتصادية الأحادية التي تفرضها على طهران، والتي أدت لانهيار غير مسبوق في الاقتصاد الإيراني.
على أن الفارق الذي قد يبدو جلياً في المواقف الانتخابية قد لا ينعكس على سياسة بايدن والديموقراطيين، في حال استعاد هؤلاء البيت الأبيض، إذ إن أحداث كثيرة وتطورات حصلت منذ توقيع الاتفاقية مع الإيرانيين في العام 2015. أهم هذه الأحداث هو نجاح الإسرائيليين بالاستيلاء على أرشيف ضخم يقدم تفاصيل وافرة حول البرنامج الإيراني النووي، ويؤكد أنه برنامج مخصص لصناعة سلاح نووي، لا لأغراض الطاقة والطب فحسب، على ما دأب المسؤولون الإيرانيون تكراره.
ومما كشفه الأرشيف النووي الإيراني إحداثيات موقعين يعتقد أن الإيرانيين قاموا بإجراء تجارب تسليح نووي فيهما، بالإضافة إلى موقع بارشين العسكري، الذي كان معروفاً أن الإيرانيين أجروا فيه تجارب من هذا النوع. وتحول بارشين إلى عقدة الاتفاقية النووية، قبل أن ينجح أوباما والإيرانيون في تجاوزه بتحويل التفتيش الدولي فيه إلى عملية شكلية. بعد ذلك، صار ممكناً المصادقة على إصرار الإيرانيين أن فتوى مرشدهم علي خامنئي تحظر عليهم صناعة أو حيازة أسلحة نووية. 
لكن الموقعان الجديدان دفعا وكالة الطاقة الذرية إلى طلب تفتيشهما، ليقابلها الإيرانيون بإصرار على إقفال المواقع ورفض تفتيشها تحت ذرائع متنوعة، وهو ما أدى إلى صدور بيانات عن الوكالة ضد طهران. ويمكن لمشكلة الوكالة مع طهران أن تبقى في الظل، طالما أن عقوبات واشنطن قائمة على إيران والاتفاقية النووية شبه معلّقة. لكن لو فاز بايدن وحاول العودة الفورية للاتفاقية، من المرجح أن يتحوّل موضوع الموقعين إلى مأزق دولي لاستمرار الاتفاقية النووية. 
وإلى معضلة الموقعين اللذين قد يعرقلان عودة واشنطن للاتفاقية النووية مع إيران، حتى بعد استعادة الديموقراطيين البيت الأبيض، تبرز مشكلة «بند السلاح» في الاتفاقية، وهو بند ينص على انتهاء الحظر الدولي الذي كان مفروضاً على تصدير واستيراد أسلحة إلى ومن إيران، وهو بند تنتهي صلاحيته في 18 أكتوبر، ويحاول الأميركيون إما تمديد الصلاحية في قرار منفصل في مجلس الأمن، أو محاولة نسف الاتفاقية النووية في المجلس، وهو ما ينسف بند انتهاء الصلاحية ويعيد حظر السلاح على إيران. ويساند الأوروبيون ومعظم دول العالم - ما عدا الصين وروسيا - إبقاء حظر السلاح على إيران.
في الكلام الانتخابي، قد يبدو وعد العودة الأميركية الفورية للاتفاقية النووية مع إيران سهلاً، لكن بعد خمس سنوات على توقيع الاتفاقية، حصلت تطورات وأحداث قد تعرقل العودة الأميركية، وتجعل من موقف الديموقراطيين مشابهاً لموقف الجمهوريين، المعارضين للاتفاقية برمتها. 
«خامنئي يخوض معركة خاسرة، بغض النظر عمَنْ هو في السلطة في واشنطن»، يقول الباحث في «معهد الدفاع عن الديموقراطيات» مارك ديبوويتز في تغريدة، ويضيف انه «من خلال مزيج من الضغط الشديد والقوة الناعمة، سينتهي نظام خامنئي إلى كومة الرماد من التاريخ الذي ينتمي إليه».

الثلاثاء، 28 يوليو 2020

ديموقراطيو أميركا بين «تصفير العلاقات» و«علاقات فعالة مع شركائنا الخليجيين»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

من غير المألوف أن يرد ذكر دول الخليج في البيان الانتخابي لأي من الحزبين، الجمهوري أو الديموقراطي. والبيان يقدم عادة رؤية الحزب للحكم، وتتم مناقشته وإقراره في المؤتمر الذي ينعقد مرة كل أربع سنوات لإعلان اسم مرشح الحزب للرئاسة.
في العام 2016، لم يرد ذكر دول الخليج في بيان الجمهوريين، وورد عرضياً في بيان الديموقراطيين، وكان ذلك من باب مواصلة التنسيق مع الخليج لإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» المتطرف والإرهاب عموماً. لكن هذا العام، كان لافتاً أن مسودة البيان الانتخابي للحزب الديموقراطي دعت الى «تصفير» العلاقات «مع شركائنا الخليجيين».
وتحت خانة «الشرق الأوسط»، ورد في مسودة الديموقراطيين أنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة بحاجة لـ«تصفير علاقاتنا مع شركائنا الخليجيين، من أجل دفع مصالحنا وقيمنا قدماً بطريقة أفضل». 
وجاء في البيان أن «للولايات المتحدة مصلحة في مساعدة شركائنا في مواجهة التهديدات الأمنية» الحقيقية التي تتعرض لها، مضيفاً أنه في حال فوز المرشح الديموقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن بالرئاسة، فإن واشنطن ستعمل على دعم «التحديث السياسي والاقتصادي»، وعلى تشجيع «الجهود المبذولة للحد من التوترات» الإقليمية.
لكن «تصفير العلاقات» لا يمنع الديموقراطيين من الدعوة «لإقامة علاقات فعالة مع الخليج»، إذ من شأن هذه العلاقات أن «تساعدنا على إعادة ربط العراق بجيرانه، وحماية استقراره، وأمنه وسيادته»، في تناقض صار يسم السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً في عهدة الديموقراطيين، الذين يطالبون دول العالم - بانتقائية - بتنفيذ إصلاحات تعجب واشنطن، لكنهم يطلبون في الوقت نفسه واقعية في العلاقات الإقليمية والدولية لا تتوافق مع الدعوة الأميركية للإصلاحات. 
مثلاً، لا يمانع الديموقراطيون بإقامة علاقات جيدة مع النظام في إيران، لأن في ذلك مصلحة أميركية، حسب اعتقادهم، مع أن مثل هذه العلاقات تتعارض مع كل دعوات واشنطن للانفتاح السياسي والاصلاحات الحكومية في عموم دول العالم.
البيانات الحزبية الانتخابية في الولايات المتحدة، ليست ملزمة للرؤساء أو لأعضاء الكونغرس، وهي بيانات قلّما التزمها الحزب أو ممثلوه في الدولة. وغالباً ما تكون وسيلة لبناء تحالفات داخل الحزب وتحفيز القاعدة الحزبية ودفعها للاقتراع بكثافة، وذلك من خلال تضمين البيان الانتخابي عبارات تمثل طموحات هذا الفصيل أو ذاك الجناح. 
في كتابة بيان الديموقراطيين الانتخابي هذا العام، طغى جناح المرشح السابق السناتور بيرني ساندرز، الذي يرى نفسه قائداً لموجة شعبية أو ثورة، لا حركة انتخابية محدودة. وجناح ساندرز، على قلة عدده، اذ بالكاد يتجاوز مؤيدوه ربع عدد الأعضاء الديموقراطيين، إلا انه الأعلى صوتاً والأكثر حضوراً ومشاركة. 
بايدن، الذي يتمتع بدعم أكثر من ثلثي الحزب، والذي يتفوق في استطلاعات الرأي على ترامب بشكل غير مسبوق في انتخابات الرئاسة، يعتقد أنه يحتاج لحماسة قاعدة ساندرز يوم الانتخابات، وهو ما دفع نائب الرئيس السابق الى القيام بمجهود استثنائي لمراضاة ساندرز وخطب وده. 
ساندرز، ورغم الهزيمة التي تعرض لها في الانتخابات التمهيدية الحزبية أمام بايدن، لم يتنازل عن ترشيحه حتى مرور وقت طويل، والى أن مارس كبار قادة الحزب، وفي طليعتهم الرئيس السابق باراك أوباما، ضغوطاً كبيرة عليه لإعلان انسحابه واحترامه خيار القاعدة الحزبية، وإعلان التزامه دعم بايدن في انتخابات الثالث من نوفمبر المقبل.
وفي إطار جهوده خطب ود ساندرز، أبدى بايدن مرونة في تعامله مع مطالب السناتور الثوري داخل الحزب، بل أنه تبنى معظمها لعلمه أن التوصيات الحزبية غير ملزمة ولا قيمة سياسية كبيرة لها. 
ساندرز، بدوره، سعى لمساومة على انسحابه مقابل تبني الحزب عدداً من مطالبه وسياساته، فوافق بايدن، وعقد فريقا الرجلين لقاءات مكثفة أصدرا على أثرها سلسلة من «مذكرات التفاهم»، تضمنت إقامة لجان مشتركة لمتابعة تنفيذ السياسات التي يتم تدبيجها في برامج مفصّلة، شملت تحديد سياسات الحزب الديموقراطي في مواضيع البيئة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والسياسات الداخلية. 
على أن سياسة وحيدة لم تدخل في حيز المساومات بين بايدن وساندرز، وهي السياسة الخارجية. حتى أن وزير الخارجية السابق المحسوب على بايدن، جون كيري، ترأس لجنة البيئة ومكافحة الاحتباس الحراري. ولرفض بايدن المساومة مع ساندرز في شؤون السياسة الخارجية أسباب متعددة، أولها أن نائب الرئيس السابق أقدم بكثير من ساندرز في هذه السياسة، فقد ترأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ لسنوات طويلة، وكان اختيار أوباما له مبنياً، الى حد كبير، على خبرته في السياسة الخارجية. 
ثم إن مستشاري بايدن للشؤون الخارجية، من أمثال وكيل وزارة الخارجية السابق بيل بيرنز وزميله جايك سوليفان، هما من تيار «الوسطيين» في السياسة الخارجية، لا تيار «أقصى اليسار» مثل ساندرز ومستشاريه في السياسة الخارجية، عضو الكونغرس رو خانا والناشط مات داس. 
من يقرأ بيان الحزب الديموقراطي حول السياسة الخارجية ويرى إقحام «حلفائنا الخليجيين» فيه، يخال نفسه يستمع لخطابات ساندرز وتصريحات مستشاريه. أما من يعرف واقع السياسة الخارجية ويعرف بايدن، يدرك أن الأخير من أصدقاء الخليج، وأنه يتحلى بواقعية ومعرفة، وأن سياسة «تصفير العلاقات» هي سياسة نسبة تحولها الى حقيقة أقرب الى صفر!

صواريخ الإمارات إلى المريخ وصواريخ العراق على مطاره

حسين عبدالحسين

اختصر الأسبوع الماضي الانفصام الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط بين دول حكوماتها رشيدة وشعوبها تعيش في سلام وبحبوحة، ودول حكوماتها فاشلة وناسها يعيشون في حروب وفقر. الإمارات أعلنت إطلاق أول صاروخ فضائي عربي في رحلة علمية استكشافية إلى كوكب المريخ، والميليشيات العراقية أعلنت إطلاق صواريخ على مطار بغداد الدولي.

خياران واضحان أمام الشعوب العربية والإيرانية والتركية: إما تنمية اقتصادية وحوكمة وازدهار وانخراط في النظام العالمي واقتصاده، مثل دول الخليج، أو انهيار اقتصادي وحكومات فاشلة وميليشيات ومحاولة إرهاب المجتمع الدولي والانعزال عن اقتصاده، مثل في إيران والعراق ولبنان.

لم يعد خافيا الفشل الذريع الذي خلّفه الإسلام السياسي، بشقيه الشيعي في إيران والسني في تركيا. القداسة غذاء الروح والحياة الآخرة، والحكم ناموس المادة والحياة الدنيا. من يفصل بين الاثنين يعش سعيدا، ومن يخلط بينهما ينتهي به المطاف بلا حياة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

الدولة الإسلامية مشروع فاشل استلهمه مؤسسا "الجمهورية الإسلامية في إيران"، روح الله الخميني وعلي خامنئي، من كتابات مؤسسي الإخوان المسلمين المصريين حسن البنا وسيد قطب، ثم قام الخميني وخامنئي بمزج أفكار الإخوان المتهالكة بأفكار اليسار العالمي المعادي للغرب والرأسمالية. هكذا، ورثت إيران الإسلامية انهيار الاتحاد السوفياتي الشيوعي، وورثت أيتام الشيوعية، فأشهر الإرهابي اللينيني كارلوس إسلامه في سجنه الفرنسي، وساوى الحزب الشيوعي العراقي بين مقتل الإمام الشيعي الثالث الحسين بن علي والأرجنتيني الكوبي تشي غيفارا.

لم يثن الفشل الشيوعي إيران عن تبني النموذج السوفياتي المعادي للنظام العالمي. وبالاستناد إلى عائداتها النفطية، لم تحتج طهران إلى إصلاحات أو خطط لتنمية نفسها واقتصادها، بل تصرّفت وكأن الاقتصاد يدير نفسه، وإن صدقنا أحد أصدقاء النظام من الإيرانيين الأميركي ولي نصر، في أحد كتبه، لرأينا أن ملالي إيران لم يروا أنفسهم يوما معنيين بالاقتصاد، بل أن الخميني أجاب على سؤال حول كيفية الخروج من متاعب إيران الاقتصادية بالقول إن "الثورة الإسلامية لم تأت لتخفيض أسعار البطيخ".

صدق الخميني. "الجمهورية الإسلامية" هي عكس الحكومة الرشيدة. "الجمهورية الإسلامية" هي حكومة تعمل وفقا لأساطير دينية، ودعاية حربية، وشعارات وخطابات، وشتم وتخوين. من يطالع خطابات خامنئي وجنوده، مثل اللبناني حسن نصرالله، لن يعثر فيها على رؤى واضحة لكيفية الحكم وإدارة الاقتصاد. خامنئي شعر بضيق اقتصادي قبل أعوام، فأطلق نظريات خنفشارية حول "اقتصاد المقاومة"، وهذا اقتصاد مبني على تحويل إيران والدول العربية التابعة لها، والصديقة مثل كوبا وفنزويلا، إلى وحدة اقتصادية متكاملة ومكتفية ذاتيا. مرة أخرى، لم يدرس حكام إيران تجربة السوفيات الفاشلة. الاتحاد السوفياتي وكتلة الدول الشرقية التي كان يحكمها أقامت وحدة اقتصادية منعزلة عن الاقتصاد العالمي، وادعت أنها مكتفية ذاتيا ومزدهرة. لم يمرّ زمن طويل قبل أن يتبين أن النجاح السوفياتي كذبة، وأن الناس في الكتلة الشرقية كانوا يتضورون جوعا، مثل الإيرانيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين واليمينيين اليوم.

النمو الاقتصادي ورفاه الشعوب بحاجة لسلام، أو كما أسمته تركيا يوما وأفادت منه "تصفير المشاكل" في العلاقات الخارجية. كما يحتاج النمو لبناء أكبر قاعدة من الأصدقاء الدوليين والشركاء التجاريين، وإقامة أكثر حكومة فعّالة وشفافة مبنية على حكم القانون، بما يكفل تدفق الاستثمارات الخارجية. لكن إيران الإسلامية هي نموذج مبني على الحروب، وهو ما يعني استحالة بناء صداقات دولية وشراكات تجارية، وهو ما يعني الاعتماد على مبيعات النفط، وهذه إن تعطلت، بسبب عقوبات أو غيرها، تجوع إيران.

تركيا الإسلامية كانت على الطريق الصحيح في النمو والبحبوحة، لكن حاكمها رجب طيب إردوغان طاب له البقاء في الحكم، فبدأت شعبيته واقتصاده بالتراجع بسبب استبداده. وللتعويض عن التقهقر، استعان إردوغان، كما خامنئي، بالشعبوية، فراح يشتم إسرائيل والغرب، ويبث الدعاية حول عظمة تركيا وتآمر العالم عليها، ومضى إردوغان يطعم وحش الإسلاميين في الداخل، ويراكم الأعداء في الخارج، فخسرت تركيا تجارة وأسواق، وبدأ اقتصادها بالانحدار وعملتها بالتراجع، فما كان من إردوغان إلا أن ضاعف من شعبويته، وانخرط في سباق نحو الهاوية مع إسلامه السياسي.

لم تقدم أي نماذج حكم في التاريخ البشري بديلا أفضل من التجارة الحرة والتفاعل السلمي بين الشعوب كوسيلة نمو اقتصادي وبشري ورفاه وبحبوحة. حتى رسول المسلمين كان تاجرا، وانحدر من قبيلة تجّار، وساوم ووقع معاهدات سلام أكثر مما خاض حروبا. لكن الخرافات الدينية التي تمارسها إيران وتركيا والإسلام السياسي عموما، والشعوذة حول إقامة نماذج إسلامية في الحكم، كلها أساطير مستوحاة من نماذج طغيان، سوفياتية أو غيرها، لم تنجح ماضيا، ولن تنجح مستقبلا.

في لبنان شعب توارث التجارة والانفتاح على العالم على مدى الألفيات الثلاثة الماضية، وأفاد أيّما إفادة من تحييد القوى الإقليمية له عن الصراعات بين 1949 و1969، وهي الفترة التي يتذكرها اللبنانيون على أنها ذهبية. حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد، قال علنا إنه عندما بدأت دبي مشوارها لتصبح قبلة المهاجرين من كل العالم، كانت تنظر إلى لبنان كنموذج. لكن إيران كان لديها رؤية مختلفة للبنانيين: أن يتحولوا إلى أداة لفرض الهيمنة الإيرانية وابتزاز الغرب وإسرائيل. هكذا، وصلت دبي إلى المريخ، فيما لبنان غارق في الظلام الدامس بسبب انقطاع الكهرباء، في صيف حار، ووسط بنية تحتية منهارة ترشح منها المياه المبتذلة، وبدون مياه للبيوت، مع عصابات تقبض على البلاد وأرواح ناسها.

ومثل اللبنانيين، انشغل العراقيون بتهديدات بلهاء للولايات المتحدة، وبإطلاق الصواريخ على مطارهم. أما البصرة، التي تقع على ملتقى أقدم نهرين في العالم وتعوم على احتياطي نفطي ضخم، فلا ماء ولا كهرباء فيها. فقط صور تمجد خامنئي والأموات، الماضين والمستقبليين.

الأربعاء، 22 يوليو 2020

الأميركيون يثنون على موقف الراعي

واشنطن - من حسين عبدالحسين

نفت مصادر أميركية رفيعة المستوى، ان تكون واشنطن هي من حضت البطريرك بشارة الراعي على تصعيد مواقفه، بضرورة تبنّي لبنان الحياد في الصراعات الإقليمية، وقالت إن «الكنيسة المارونية عمرها قرون، وساهمت في قيام دولة لبنان، ولا تزال تدير شؤون رعيتها بحكمتها».
وأشارت إلى أن حياد لبنان أمر اتفق عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف، وبعده في اتفاقية الدوحة، التي أفضت لانتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيسا توافقياً.
وتابعت المصادر أن سليمان حاول تنفيذ بنود الاتفاقية السياسية التي أدت لوصوله للرئاسة، وهي بنود وافقت عليها كل الأطراف مجدداً في العام 2012، وقضت بتطبيق سياسة حياد أطلق عليها سليمان اسم «إعلان بعبدا»، وهي عبارة عن استراتيجية دفاعية لا تؤدي إلى حل «حزب الله» ولا إلى دمجه بالجيش والقوى الأمنية، لكنها تقيد نشاطات الحزب العسكرية بقرارات الدولة اللبنانية.
وكان «حزب الله» من المنادين بحياد لبنان إبان اندلاع الثورة السورية في 2011. لكن بعدما بدأت قوات الرئيس بشار الأسد بالتقهقر، انخرط الحزب في الحرب السورية، وصوّر تدخله أولاً لحماية المقامات الدينية الشيعية في ضواحي دمشق، لكنه في وقت لاحق عدّل من هدفه وصوّره على أنه مشاركة في «حرب ضد الإرهاب»، وهي مفارقة حسب المصادر الأميركية، «في أن تكون الميليشيا التي تقوّض سيادة دولة لبنان منخرطة في حرب لتمنع ميليشيات مثلها من تقويض سيادة الدولة السورية». 
وفي مقالة لتلميع صورة قائد «فيلق القدس» السابق قاسم سيلماني في 2012، كتب ديكستر فيلكنز - صديق طهران - في مجلة «نيويوركر»، أنه «بعد أن استولى المتمردون على بلدة القصير السورية بالقرب من الحدود اللبنانية، دعا سليماني، حسن نصرالله، زعيم حزب الله، لإرسال أكثر من ألفي مقاتل»، وقال إن «سليماني ونصرالله صديقان قديمان، وقد تعاونا لسنوات في لبنان وحول العالم حيث قام عناصر حزب الله بمهام إرهابية بناء على طلب الإيرانيين». 
... «عزّزت الحرب السورية انخراط حزب الله في الصراعات الإقليمية، ووسّع الحزب نشاطاته في العراق واليمن»، حسب المصادر، التي تضيف أن «كل مغامرات الحزب الإقليمية، فضلاً عن التعنيف اللفظي الذي مارسه مسؤولو الحزب بحق الدول الصديقة للبنان، حوّل لبنان بالكامل إلى قاعدة عسكرية إيرانية، أو إلى قاعدة صواريخ متقدمة». 
وتقول المصادر إن واشنطن واكبت محاولات اللبنانيين، منذ 2000، للخروج من الصراعات الإقليمية وتبني سياسات أسماها اللبنانيون النأي بالنفس، ويسميها بطريرك الموارنة اليوم «حياداً إيجابياً». 
وكانت الولايات المتحدة وفرنسا دعمتا «الحركة الاستقلالية» باستصدار قرار مجلس الأمن الرقم 1559 القاضي بنزع سلاح كل الميليشيات، اللبنانية وغير اللبنانية. «حزب الله» وحلفاؤه يعتبرون أن القرار المذكور لا يعني الحزب لأنه ليس ميليشيا، بل «مقاومة» تتمتع بموافقة ودعم الحكومة، لكن المصادر تؤكد أن «مَنْ وضعوا نص القرار في مجلس الأمن كانوا يقصدون حزب الله»، وأن «التلاعب الكلامي لا يجعل من الحزب شرعياً أو دستورياً». 
في 2005، زار البطريرك الراحل بطرس صفير، البيت الأبيض والتقى الرئيس السابق جورج بوش. واقترح على واشنطن استيعاب «حزب الله» وقبول تحوله حزباً سياسياً، وهو ما وافق عليه بوش علناً، وقال إن لا مشكلة مع الحزب، الذي تصنفه واشنطن إرهابيا، في حال نبذ العنف وسلّم سلاحه للجيش.
وواصلت واشنطن محاولات تعزيز سيادة دولة لبنان، بمواصلة الانفاق على الجيش والقوات الأمنية، وتدريبها وتسليحها، وهي السياسة نفسها التي تنتهجها في العراق، حيث تسعى لحصر استخدام العنف بالقوات التابعة لحكومة منتخبة، وحلّ كل التنظيمات المسلحة. 
أما في حال قامت أقاليم فيديرالية في العراق وأقامت قوة أمنية خاصة بها، مثل البيشمركة الكردية، فيمكنها أن تكون على طراز الحرس الوطني في الولايات الأميركية، وهو جيش احتياط، وقلّما يستخدم السلاح أو الأسلحة الثقيلة، على عكس الجيش النظامي التابع للحكومة الفيديرالية.
«لبنان يحتاج الحياد والاستقرار لإعادة بناء اقتصاده واعادة اكتساب ثقة المجتمع الدولي»، حسب المصادر الأميركية، في موقف يتماهى مع تصريحات الراعي.وكان البطريرك قال إن حياد لبنان «الناشط والإيجابي مسؤوليتنا جميعاً، وهي مسؤولية كبيرة وضخمة، خصوصاً وأن لبنان كان مستشفى العرب، وفندق العرب، وسياحة العرب، وحرية العرب، وحياده سمح له بهذه التسميات، وعندما تداخلنا مع أحلاف وأحزاب وأعمال عسكرية، أصبحنا بعزلة تامة عن العرب وعن الغرب، وأصبحنا لوحدنا كما السفينة في البحر الهائج». 
ومما قاله الراعي إن «الحياد هو لمصلحة كل اللبنانيين وهو وحده مصدر الانصهار الوطني، والحياد مصدر استقرار يؤدي إلى الازدهار والنمو، وإذا كان لدينا كل يوم أزمة فلا استقرار عندنا وبالتالي لا حياة اجتماعية ولا كرامة ولا حياة اقتصادية. وأقول وأكرر إننا عشنا حالة ازدهار ونمو وبحبوحة في الماضي واليوم أصبحنا شعباً شحاذاً لأننا مرتبطون هنا وهناك». 
تختم مصادر واشنطن تعليقاً على تصريحات الراعي، بالقول: «مواقف ممتازة، والولايات المتحدة تأمل أن تنضم لغبطة البطريرك قوى لبنانية أخرى، وأن ينجح في تحويل الحياد إلى سياسة قائمة تخدم لبنان ومصالحه ومصالح مواطنيه».

إنهيار لبنان قد ينهي "الجامعة الأميركية في بيروت"

حسين عبدالحسين

في المنتصف الثاني من التسعينات، عقدنا في "لجنة الطلاب والاساتذة"، وهي الحكومة الطلابية في "الجامعة الأميركية في بيروت"، اجتماعاً في غرفة اجتماع الشيوخ في ماركواند هاوس، وهو بيت الرئيس داخل حرم الجامعة، وكان مهجوراً منذ مقتل الرئيس مالكوم كير في العام 1984. محور اللقاء كان الرئيس المعين حديثاً جون واتربري، الذي كان أول رئيس أميركي للجامعة يعود للاقامة في حرمها منذ اغتيال كير. 

نحن الطلبة المناضلون في صفوف العمّال والفلاحين، بحسب مخيلتنا في ذلك الزمان، لم نعط الرئيس الجديد، عميل "وكالة الاستخبارات المركزية" (سي آي ايه)، حسب مخيلتنا كذلك، الفرصة لالتقاط أنفاسه، وانهلنا عليه، وبوقاحة، بسلسلة من الأسئلة حول زيادة عشرة في المئة كانت الجامعة فرضتها على الأقساط حتى قبل تعيينه رئيساً. أبدى واتربري تعاوناً وشفافية لم نعتد عليها. قال ان جزءاً من الزيادة يرتبط بالتضخم العالمي، والجزء الثاني لتغطية عجز المستشفى لأن الحكومة اللبنانية تعالج مرضى على "حساب الضمان الوطني الاجتماعي" و"تعاونية موظفي الدولة" ولا تسدد ديونها. أما التبرعات في ذلك الزمان، فكانت مخصصة لاعادة بناء "كولدج هول"، الذي تم تفجيره وتدميره بالكامل قبل سنوات. 

في الاستراحة، وقف نفر منا مع مخلوف حدادين، وهو بروفسور أردني كان قام بدور رئيس الجامعة بالوكالة لسنوات. أخبرنا أنه بعد تفجير "كولدج هول"، ترأس وفداً من الجامعة وذهب للقاء رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي. وضع حدادين في جيبه ورقة بيضاء، وجلس قريباً من الهراوي، وقال له وهو يهم لاخراج الورقة من جيبه أنه يريد أن يريه رسالة من مجلس أمناء الجامعة في نيويورك تدعو لاقفال الجامعة تماماً. أمسك الهراوي بيد حدادين، وقال له: "خلي الرسالة في جيبك وقل للأمناء أننا لن ندعهم يقفلون، وسنحمي الجامعة". 

بعد سنوات على اللقاء مع الهراوي، وبعد أيام على اعلان الجامعة انتقال واتربري اليها، ألقى مجهولون قنبلة يدوية فوق سياج الجامعة البحري. بروفسورة تسكن في الجامعة رأت المرتكبين يفرّون بسيارة بيجو بيضاء، وهذه كانت المفضلة لدى الاستخبارات السورية. قال لنا حدادين أن القنبلة اليدوية رسالة للأميركيين أن الجامعة هي في ضيافة الاخوة السوريين الذين يحكمون لبنان.

نحن الطلبة الثوار، لم تعننا تبريرات ادارة جامعتنا الامبريالية. أعدنا الصحيفة الطلابية "أوتلوك" الى العمل بعد توقفها ابان اندلاع الحرب الاهلية اللبنانية، وترأست أنا تحريرها، ما فتح لي ولزملائي أبواباً واسعة للاستقصاء عن الفساد الذي كنا نبحث عنه وعن المؤامرات التي كنا نتخيلها، حول ارتباط الادارة بالاستخبارات العالمية والماسونية وباقي التفاهات. لم نعثر على الكثير من الفساد، ولا أي من المؤامرات. 

في مكتبة يافث، جلست أطالع عقوداً من أرشيف "أوتلوك". الراحل جورج حبش، مؤسس ورئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخريج كلية الطب في الجامعة، أعلن اقامة وحدات طلابية لجيش الانقاذ العربي لتحرير فلسطين أمام مبنى "وست هول". جنّد حبش طالب طبّ آخر في الجامعة، وكان اسمه وديع حداد، الذي جنّد بدوره كارلوس. 

وفي الجامعة، التقيت المؤرخ الراحل أمجد غنما، وهو كان حما استاذي في التاريخ. غنما كان نشر لتوّه كتاباً عن جمعية "العروة الوثقى"، وحركة القوميين العرب في "الجامعة الأميركية في بيروت"، ودور البروفسور الراحل قسطنطين زريق، الذي التقيته وكان بصحبة ابنته هدى، التي كانت عميدة "كلية الصحة العامة في الجامعة".

وحتى لا نتأخر، نحن الطلاب الثوريون، قمنا بدورنا للتشويش على الامبريالية. يوم زارت وزيرة الصحة الأميركية دونا شلالا (وهي من أصل لبناني واليوم عضو في الكونغرس عن ولاية فلوريدا) بيروت، واستضافها نظيرها كرم كرم، عقدت الوزيرة لقاء مع القيادات الطلابية، فشاركت في اللقاء وعلى كتفي الكوفية الفلسطينية، وسألتها بوقاحة عن سياسات بلادها المنحازة والحصار على العراق. 



هكذا هي "الجامعة الأميركية في بيروت"، معقل لمعاداة الامبريالية وأميركا ولنصرة فلسطين. لا شيء في الجامعة الأميركية أميركياً باستثناء اسمها، وبعض تمويلها، والأهم، مساحة الحرية التي وفرتها لنا. لكن الجامعة منعتنا من انتقاد "الوجود السوري" الذي كان "شرعياً وضرورياً وموقتاً". في أوتلوك، استضفت قادة الاحزاب الطلابية، وتحاورنا حول ذاك الوجود. عادت صحيفتنا من المطبعة فأمرتنا الادارة بعدم التوزيع، فقمنا بشق الصفحة وتوزيع العدد ناقصاً بسبب الرقابة. هذا الدرس حملته معي منذ أيامي في "الجامعة الأميركية في بيروت": مسموح شتم الولايات المتحدة والامبريالية، وممنوع التعرض للممانعة وقوى الأمر الواقع وانظمة الاستخبارات الحاكمة. 

اليوم في واشنطن، نخوض معارك في وجه المطالبين بوقف دعم واشنطن المالي والمعنوي للجامعة الأميركية في بيروت، بحجة أن هذه الجامعة معادية للسياسة الخارجية الأميركية، وأنها تنجب اجيالاً من المعجبين بالاكاديمي الفلسطيني الراحل اداور سعيد، وأنها تقاطع اسرائيل. نردّ عليهم بالقول بأن "الجامعة الأميركية في بيروت" ليست معسكراً للتثقيف العقائدي، بل هي واحة تمنح الطلاب الحرية، وتدربهم على الفكر النقدي وعلى حرية الحوار والاختيار. 

أما في بيروت، فمجموعة من الأصدقاء الثوريين منذ زمن زمالتنا في الجامعة، صاروا اليوم أساتذة فيها ولا يبدو أن ثوريتهم نضجت، إذ بقيت مرتبطة بالمشاغبة والمعارضة، وبأفكار متناقضة. هؤلاء الأصدقاء عارضوا مشاريع الجامعة التوسعية لاعتبارهم أن الوضع الاقتصادي في لبنان والمنطقة لا يسمحان بذلك، ثم عارضوا قيام الجامعة بتسريح عاملين فيها وطالبوا بابقاء هؤلاء وخفض رواتب كل العاملين في الجامعة، وذلك بعد توقيعهم عريضة لمطالبة الادارة برفع مرتباتهم او تسديدها لهم بالدولار. أي خيار يريده هؤلاء؟ تخفيض رواتب الجميع وعدم التوسيع، أو زيادة رواتبهم والابقاء على الموظفين المسرّحين؟ أم الصراخ من أجل الصراخ؟

لكن "الجامعة الأميركية في بيروت" في مأزق، بغض النظر عن سياسات ادارتها وصراخ الاساتذة الثوريين ومحاولة الممانعة استغلال القضية لتشتيت الانتباه عن المشكلة الأساس، وهي تحوّل لبنان الى فنزويلا، أي دولة فاشلة ذات اقتصاد منهار. 

رأس المال البشري بدأ يترك لبنان. الصديقان منذ زمن المدرسة خليل وسمر، درسا الطب في الجامعة، ثم في الولايات المتحدة حيث أقاما، وعادا ليعملا في"الجامعة الأميركية في بيروت"، خابراني الاسبوع الماضي ليعلماني أنهما عادا الى أميركا لأن العيش في لبنان متعذر. البروفسورة في القانون وحقوق المرأة لمى، تركت جامعة جورجتاون العريقة وانتقلت للتعليم في "الجامعة الأميركية في بيروت"، ثم كسرت عقدها وعادت لأنه تعذر عليها تحويل دولارات من بيروت لتسديد اقساط منزلها في واشنطن. "الجامعة الأميركية في بيروت" تنزف، مع أو بدون فلوس، لأنه صار مستحيلاً وقف نزيف الموارد البشرية من لبنان.

"الجامعة الأميركية في بيروت" لا تنهار بسبب رعونة ادارتها الحالية. كل الادارات المتعاقبة كان فيها بعض الفساد والرعونة والكثير من المناكفات والشخصانية. الجامعة تنهار لأن البلد الذي يستضيفها ينهار من تحت قدميها. بعض الاصدقاء من اساتذة الجامعة ابتلعوا طعم الممانعة وصدّقوا أن مشكلة الجامعة هي ادارتها. الحقيقة هي أن المشكلة هي في الممانعة ونموذج "الدولة المقاومة" غير القابل للحياة، لا في الجامعة التي عاشت 154 عاماً، وعاصرت حروباً عالمية ومحلية بدون أن تغلق أبوابها يوماً، لكنها قد تغلقها قريباً. هذه المرة، لن تكون رسالة الاقفال ورقة بيضاء للمناورة، بل بياناً فعلياً من الأمناء ينعي بيروت وجامعتها الأميركية.

*كاتب سياسي مقيم في واشنطن

الثلاثاء، 21 يوليو 2020

"ثقافة الإلغاء" والإسلام السياسي وفلسطين

حسين عبدالحسين

في رسالة تضمنت نقدا لاذعا لصحيفة نيويورك تايمز، استقالت الكاتبة باري وايز من منصبها في الصحيفة، وعزت استقالتها إلى "ثقافة الإلغاء" السائدة في صفوف العاملين في الصحيفة، وهي ثقافة التمسك برأي سائد بين مجموعة، ورفض نقاش أي آراء مغايرة، بل اعتبار الآراء المغايرة عنصرية لا تستأهل حتى التعبير عنها أو مناقشتها، تحت طائلة اقتطاعها من الصحيفة وتعيير من يعبّرون عنها، بل شتمهم وتقذيعهم، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والدعوة لمقاطعتهم، أو دعوة من يوظفهم إلى طردهم من مناصبهم، أو دعوة الشركات المعلنة إلى الامتناع عن الاعلان في مواقعهم أو برامجهم التلفزيونية.

قبل وايز بأسبوع، وقّع 150 من أشهر الكتّاب والمثقفين في العالم — مثل سلمان رشدي ومؤلفة سلسلة هاري بوتر جاي كاي راولينغ — على عريضة أثنت على إعادة فتح موضوع العدالة العرقية في الولايات المتحدة، ولكنها أعربت عن قلقها من أن النقاش العرقي أفضى إلى "خنق النقاش المفتوح"، وأدى لانتشار ثقافة التعييب العام والإقصاء، والتمسك بمواقف يصرّ أصحابها، بشكل أعمى، أنها أخلاقية حتما.

"ثقافة الإلغاء" في الولايات المتحدة والغرب تأتي غالبا من صفوف المعروفين بأقصى اليسار، أي الجناح الذي يسمي نفسه "تقدميا" في الحزب الديموقراطي، من أمثال السناتور بيرني ساندرز وأعضاء الكونغرس إليشا كورتيز وإلهان عمر ورشيدة طليب. وهذا الجناح لا يواجه اليمين، أي الحزب الجمهوري، فحسب، بل هو يواجه يسار الوسط، أي باقي الحزب الديموقراطي، بمن في ذلك الرئيس السابق باراك أوباما، والمرشح للرئاسة جو بايدن، ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وهو ما دفع أوباما نفسه الى مهاجمة هذه الثقافة علنا.

لم يكن الآباء المؤسسون للدولة الأميركية غافلين عن الفارق بين الهوية والمصلحة، فشيدوا الولايات المتحدة بناء على مصلحة مواطنيها، أي الحياة والحرية والسعي للسعادة، وأبقوا الدين خارج الدولة. لم يمنعوا الدين أو ممارسته، اذ أن حرية العبادة في صلب الحريات، لكنهم رفضوا اقامة وطن بناء على أي هوية دينية او عرقية.

أما اليسار الأميركي، فيبدو أنه يهوى مناكفات الهويات، وهو أمر ينافي مبادئ اليسار، الذي ينظر الى الشأن العام من زاوية المصلحة والتنافس بين الطبقات، لا من زاوية التنافس بين القبائل والأعراق. لهذا السبب، رفض ساندرز مقترح تعويض سليلي العبيد عن عبودية أجدادهم، وأصر تخصيص الإنفاق الاجتماعي الحكومي لمن هم أكثر حاجة، بيضا كانوا أم سودا أم من أعراق أخرى. لكن حتى ساندرز، الذي يقدم نفسه كعقائدي يحكي ضميره، تراجع — أمام "ثقافة الإلغاء" الجارفة — عن رفضه تعويضات العبودية.

المثقف المشهور بمقالته "نهاية التاريخ"، فرانسيس فوكوياما، نشر بحثا في دورية "فورين أفيرز" تعجّب فيه كيف دار الزمان وصار الناس يعلون هويتهم على مصالحهم. في الماضي، كان الموظف يتلون بحسب السائد ليحقق نجاحات، واليوم، صار الموظف يضحي بوظيفته للحصول على امتيازات تناسب هويته، وهو أمر جيد أحيانا، ولكنه سيء في أحيان كثيرة اخرى. مثلا، اشتكت موظفة مسلمة أميركية محجبة من تمييز عانت منه حرمها عملها في محلات ثياب "ايبر كرومبي فيتش"، فحكمت المحكمة العليا بوجوب منحها الوظيفة. لكن من يعرف محلات الثياب هذه يعرف أن "الموضة" فيها ترتكز على بعض العري، وهو ما يجعل من عمل محجبة في محل لا تتناسب موضته وزيّها الديني مواجهة هوياتية سياسية أكثر منها منطقية مصلحية.

للمنحدرين من جذور شرق أوسطية، تبدو "ثقافة الإلغاء" مألوفة. مثلا، يستحيل أن يفهم بعض الشيعة كيف يمكن لمن هم مثلي، من المولودين في عائلات شيعية، أن يتخذوا مواقف سياسية معارضة لإيران وميليشياتها، مثل "حزب الله" اللبناني، وكأن رأي الناس بالوراثة. أما من يعثرون على إجابة لهذه الأحجية المحيرة لهم، فغالبا ما يعتبرون أن مواقفي مصالحية مبنية على خطب ود آراء أرباب عملي. في مخيلة هؤلاء الشيعة، يستحيل أن يتوصل المرء إلى رأي خارج عن رأي الجماعة، وإن حصل ذلك، يكون صاحب الرأي المخالف إما مرتزقة، أو يعاني من عقدة نقص وكاره لجذوره.

ومن نافل القول أنني فخور بجذوري الشيعية العراقية واللبنانية، وأني على الرغم من نصائح أهل وأصدقاء، رفضت توقيع مقالاتي باسم مستعار بدلا من اسمي الذي يشي فورا بجذوري الشيعية. والى فخري بهذه الجذور، أفخر كذلك بهويتي العربية، التي حرصت على منحها لأولادي، فصاروا يعربون بطلاقة في بلاد لغتها إنجليزية. لكن فخري لا يعني انحيازي لأي مجموعة شيعية أو عربية أو غيرها، بل يعني حرصي على أن يتبنى الشيعة والعرب الأفكار التي شكّلت هويتي، وهي مبادئ عصر الأنوار، المبنية على الحرية، والعدالة، والمساواة، وهو ما يفضي الى مواطنية تستبدل الهوية القبلية البدائية، ان شيعية عربية، أو أفريقية، أو أميركية لاتينية، حسب المجموعات العرقية الفاعلة في الولايات المتحدة.

لا بأس في أن يتباهى المرء بإرث ثقافي أو ديني، أو أن يشارك في مجموعات تحتفل بتراث ما، ولكن لا حاجة لتحويل الهويات العرقية والثقافية والدينية إلى أحزاب سياسية، وتحويل التنافس السياسي إلى سباق بين الهويات بدلا من التنافس حول المصالح، فالهويات العرقية والدينية ثابته لا تتغير، وقد لا تناسب مصالح بعض أفرادها أو مصلحة وطنهم، فيما المصلحة عابرة للهويات العرقية والدينية، وتناسب الوطن.

أبناء العرب يعرفون تماما كيف تكون "ثقافة الإلغاء"، غالبا على شكل قضايا مقدسة تحيل النقاش كفرا، إذ لا سبيل لمخالفة ولي فقيه أو مرشد عام يدّعون أن سياستهم هي الدين. كما لا جدوى من نقاش قضايا فلسطين، التي حولتها غالبية العرب والمسلمين إلى طوطم يمكن التصفيق والهتاف له حصرا، ولا يمكن الانخراط في أي نقاش حوله بدون التعرض للتخوين والتعييب. 

في "ثقافة الإلغاء"، سبق العرب والمسلمون أميركا بعقود، واليوم يبدو أن بعض الأميركيين يظنون أن "ثقافة الإلغاء" التي يمارسونها هي تحرر أو حرية، ويحاولون اللحاق بتخلف يعتقدونه تقدما.

الاثنين، 20 يوليو 2020

قراءة أميركية في الدعوى القضائية ضد الجراح... مصادرة ممتلكاته والملاحقة الجزائية تعود للكويت


كشفت مصادر أميركية مطلعة لـ «الراي» أن الدعوى القضائية المتعلّقة بأرض كان اشتراها وزير الدفاع السابق الشيخ خالد الجراح، والتي تسعى السلطات الأميركية إلى مصادرتها «كانت رفعتها وزارة العدل الأميركية، وهي مدنية وليست جزائية، أي أنها تهدف الى مصادرة كل الأصول التي تم شراؤها بأموال وزارة الدفاع، بما في ذلك التل المتنازع عليه في ولاية كاليفورنيا بين وزير الدفاع السابق ووكيله فيكتورينو نوفال. كما ستقوم وزارة العدل الأميركية بمصادرة قصر بيفرلي هيلز وثلاثة عقارات، فضلاً عن طائرة خاصة ويخت وسيارة لامبورغيني ومقتنيات بقيمة 40 ألف دولار، وستقوم بحلّ كل الشركات والجمعيات في الولايات المتحدة التابعة للطرفين».
وأوضحت المصادر أن «وزارة العدل لن تصادر أي مبالغ مالية»، مبينة أن «عملية المصادرة ستنهي دعوى الوزير السابق ضد وكيله من دون تحميله أي مسؤوليات جزائية».
ورأت أن «الحكومة الأميركية كانت على علم بهذه العملية منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وأنّها لم تتحرّك الى أن سمعت من الحكومة الكويتية أنها لا تغطي أي عمليات من هذا النوع يقوم بها أي من المسؤولين الكويتيين».
وأشارت المصادر إلى أنه «في مثل هذه القضايا لا يتوقف الادعاء الأميركي عند المصادرة فحسب، بل يلاحق المتورطين جزائياً وعبر الانتربول، وهذا الأمر لم يحدث في هذه القضية، وتُرك الأمر للسلطات الكويتية».
وذكرت المصادر أنه «وفقاً للدوائر الأميركية، فإنه لو أرادت واشنطن ملاحقة كل من يشتبه بضلوعه في قضايا من هذا النوع من الدول الصديقة لتطلب ذلك إقامة وحدة خاصة في وزارة العدل»، مبينة أنه «على ما يبدو، فإن المصارف حول العالم تبلغ واشنطن بأي عمليات مماثلة، وواشنطن تتحرّك في حال مرّ أي من هذه العمليات عبر مصارف أميركية أو أدى لشراء أصول أميركية. ولكن في حال الدول الصديقة، يتم التشاور أو انتظار رأي الحكومات الصديقة. الأرجح أن الحكومة الكويتية لم تقف ضد ملاحقة الجراح، ما دفع السلطات الأميركية إلى السعي لانتزاع الأموال منه ولكن من دون ملاحقته قضائياً».
ويذكر أن السفيرة الأميركية لدى البلاد ألينا رومانوسكي أشادت أخيراً بجهود الحكومة الكويتية في اتباع المعايير الدولية وإنفاذ القانون، مشيرة إلى ملاحقة المخالفين في قضايا اتجار بالبشر من مسؤولين وغيرهم أمام القضاء.

واشنطن... لقيام «يونيفيل» بمهمتها ... أو تحويلها إلى مكتب ارتباط

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في وقت يندلع النقاش في العاصمة الأميركية حول تمديد مهمة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، (يونيفيل) في أغسطس المقبل، اعتبر مسؤول أميركي، ان انفاق مئات الملايين «على قوة فشلت في ملاحظة أن حزب الله يقوم بحفر انفاق عبر الحدود اللبنانية - الاسرائيلية، يماثل رمي الأموال في النفايات».
وكانت الادارة الأميركية طالبت بتعديل مهمة «يونيفيل»، وتمديد مساحة عملها من الحدود اللبنانية مع اسرائيل لتغطي كذلك حدود لبنان مع سورية، بهدف وقف عمليات تهريب أسلحة ايرانية ممكنة الى «حزب الله». لكن يبدو أنها استعاضت عن التعديل بالسعي الى «تطبيق مهمة اليونيفيل، حسب ما يحددها قرار مجلس الأمن 1701... بحذافيره». 
كما يبدو أن الولايات المتحدة مستاءة من أن الأمم المتحدة تنفق، غالباً بتمويل أميركي، أكثر من نصف مليار سنوياً لتمويل انتشار آلاف الجنود من قوات حفظ السلام في منطقة ممتدة بين نهر الليطاني اللبناني جنوباً حتى الحدود مع اسرائيل. 
ويقول المسؤولون الأميركيون إن «القرار 1701 تم التوصل اليه في العام 2006 وفقا لتفاهم يقضي باقامة منطقة محايدة خالية من مقاتلي حزب الله وسلاحه، في مقابل نشر الجيش اللبناني، الذي كان يمنعه حزب الله من الانتشار جنوب الليطاني قبل حرب 2006 بين اسرائيل وحزب الله».
وللتأكيد على ابعاد الحزب عن الحدود، تمّت زيادة عديد «يونيفيل» الى 15 ألفاً وتوسيع مهمتها لتشمل قيامها بتفتيش مواقع قد يتم الاشتباه في أن تكون مخابئ سرية للحزب أو مخازن لسلاحه. 
لكن منذ توسيع مهمة القوة الدولية وزيادة عديدها وتمويلها، لم يتغير دورها، اذ «عمد حزب الله مرارا إلى تعطيل مهمات التفتيش التي حاولت القوة القيام بها، غالبا بتصوير مقاتليه المدنيين على انهم من السكان المحليين الذين يعترضون على تفتيش نقاط تابعة لهم»، وفق المسؤول الأميركي، ويضيف أن الحزب والاعلام الموالي له، غالباً ما يطلقان على هؤلاء الحزبيين، تسمية «أهالي». 
ويتابع: «القرار 1701 يفرض سحب هؤلاء الأهالي الى شمال نهر الليطاني، ويفوّض القوة الدولية القيام بتفتيش أي مواقع، ومن دون انذار مسبق أو موافقات». 
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أورد في تقريره لمجلس الأمن، في مارس الماضي، أن «يونيفيل فشلت في دخول بعض المناطق للتفتيش عن مخابئ أسلحة، ومُنعت دورياتها من القيام بمهامها في بعض القرى، مثل برعشيت، التي تعرض فيها جنودها لاعتداء على أيدي الأهالي». 
وأشار التقرير الى أن الجيش اللبناني أهمل طلبات كانت القوة الدولية تقدمت بها للتحقيق في مواقع تابعة لجمعية «أخضر بلا حدود». كما تجاهل القيام بجولات تفتيش على الأنفاق التي كشف عنها الجيش الإسرائيلي، عبر الحدود الدولية.
ويقول المسؤول الأميركي لـ «الراي»، إن «المطلوب من لبنان وجيشه تسهيل عمل يونيفيل جنوب الليطاني في مساحة لا تتعدى الـ 700 كيلومتر مربع، حتى تقوم بتطبيق مهمتها، والقاضية بتحويل جنوب الليطاني الى منطقة منزوعة من الميليشيات وسلاحها، وهو ما يتطلب السماح الفوري للقوات الدولية بتفتيش أي مواقع تطلبها... وان اعترض من يسمون بالاهالي عملها، تقوم الشرطة اللبنانية أو الجيش بتفريقهم وتسهيل عمل يونيفيل».
ويضيف: «ما سنطلبه في مجلس الأمن، بسيط، ويقضي بتنفيذ يونيفيل مهمتها المنصوص عليها وتعاون من يلزم تعاونهم». 
أما في حال فشلت القوات الدولية في مهمتها، حسب المسؤول، «سيكون مفروضاً علينا وعلى شركائنا في المجتمع الدولي مراجعة جدوى استمرار وجود هذه القوة والانفاق الكبير الذي تُكبّده للمانحين الدوليين».
وفي وقت رفض المسؤول الافصاح عن الخطوات المقبلة في حال لم تنجح القوات الدولية في تطبيق ما أوكله مجلس الأمن اليها، تردد في العاصمة الأميركية أن الأفكار الأكثر تداولاً تتمثل بتقليص عديد القوة الى أدنى ما كانت عليه قبل العام 2006، وتحويلها الى مكتب ارتباط ترعى الاتصالات بين الجيشين اللبناني والاسرائيلي، كما هو دورها حالياً، لتخفيف الاحتقان وتفادي التصعيد.

الأحد، 19 يوليو 2020

هل يلتصق الأسد بروسيا أكثر لينجو من... الإيرانيين؟

واشنطن - من حسين عبدالحسين

رصدت الدوائر الأميركية المعنية توتراً متزايداً في العلاقة بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد وحليفته إيران. ولفت متابعون الى تزايد في المواجهات التي غالباً ما تتطور الى عراك بالأيدي والعصي والحجارة، وأحياناً تصل حد التهديد المتبادل باستخدام الأسلحة.
في مدينة الميادين في دير الزور، شرق سورية، أقفل «المركز الثقافي الايراني» شارعاً في وسط البلد، للإعداد للاحتفال بذكرى استشهاد الإمام الشيعي التاسع محمد الجواد، وصادف مرور مجموعة من ميليشيا «الدفاع الوطني» التابعة لنظام الأسد، في طريقها الى مقرّها القريب. 
حاول الإيرانيون، منع السوريين من المرور، ما أدى إلى تطور الموقف وتضارب ورفع السلاح، فما كان من الإيرانيين إلا أن استقدموا مجموعة من المقاتلين الأفغان التابعين لـ«لواء فاطميون»، من مواقع قريبة من وسط المدينة. 
وتشير التقارير إلى أن الإيرانيين هددوا السوريين بقتلهم جميعاً في حال كرروا افتعال مشاكل من هذا النوع، وأن قائد مجموعة «الدفاع الوطني» اعتذر من نظرائه في «الحرس الثوري» على سوء التفاهم، ووعد بمعاقبة المسؤولين من رجاله.
يقول مسؤولون أميركيون إن الحادثة ليست الأولى من نوعها، وأن هناك تزايداً ملحوظاً في المواجهات بين قوات الأسد والميليشيات الموالية لايران. ويلفتون إلى أنه سبق لـ«حزب الله» أن منع قوات الأسد من الانتشار في مناطق في القصير، القريبة من حمص، على مقربة من الحدود السورية - اللبنانية.
ويعتقد المسؤولون أن «الحرس الثوري» والميليشيات الموالية له في سورية، لم تُعِد لنظام الأسد أي من المناطق التي استعادتها من المعارضة المسلحة، وأن الإيرانيين لم يقاتلوا على كل الجبهات، بل حصروا معاركهم في الأماكن التي تعنيهم استراتيجياً، ومن بينها الطريق الذي يصل بغداد ببيروت عبر البادية السورية، ومناطق قريبة من الحدود مع لبنان، ومناطق في الجنوب السوري تسعى طهران لاقامة بنية تحتية عسكرية فيها قادرة على تهديد إسرائيل منها.
ويقول المسؤولون إنه رغم مما يبدو تحالفاً، الا أن نزاعاً خفياً يدور في الكواليس. فالأسد يعتقد نفسه يتعامل مع طهران بـ«ندية»، فيما النظام الايراني يتعامل مع نظيره السوري كـ«تابع»، وكذلك الأمر بين الأسد وروسيا، اذ يرى الرئيس السوري نفسه نداً لنظيره الروسي، فيما لم يفوت فلاديمير بوتين فرصة لتأكيد أن لا ندية بينهما، وأن رئيس روسيا العظمى يدير إمبراطورية، وأن الأسد أحد التابعين لها. 
ويتابع المعنيون بالشأن السوري في العاصمة الأميركية، أن الأسد يسعى للتلاعب على أي تناقضات بين روسيا وايران، «لكن إمكاناته متواضعة جداً، ولا يمكنه إلا الانصياع لأوامر كل منهما». 
على أنه، حسب الاعتقاد الأميركي، يبدو أن الأسد يخشى الإيرانيين أكثر منه الروس... لديهم خبرة وباع في تطويع ميليشيات عربية لديها معرفة بطبيعة الأرض السورية وسكانها أكثر من ميليشيات المرتزقة الروس ممن قاتلوا لدعم النظام.
في الآونة الاخيرة، يرى مسؤولون أميركيون أنه بسبب اعتقاد الأسد أن الإيرانيين يشكلون خطراً أكبر على نظامه من الروس، صار يبدو أنه يسعى للتقارب أكثر مع موسكو لتقوية موقفه، وهي سياسة لا تمانعها موسكو، بل تحبذها، اذ تعطيها سيطرة أكبر على سورية.
وأدت محاولات الأسد لإثبات أنه صاحب اليد العليا في سورية، إلى توتر على الأرض بين مقاتليه والميليشيات الإيرانية، كما بدا جلياً في حادثة دير الزور الاسبوع الماضي، بالتزامن مع لقاءات بين مسؤولين ايرانيين ونظرائهم السوريين في محاولة لرأب الصدع.
في هذا السياق، لفت نظر المسؤولين الأميركيين، تصريحات أطلقها مسؤولون إيرانيون أعلنوا فيها مقتل ثمانية من الحرس الثوري في الضربات الجوية الاسرائيلية المتكررة على مواقع إيرانية داخل سورية. وكان التصريح بمثابة اعتراف، هو الأول من نوعه، إذ سبق لطهران أن تفادت الاعلان عن أي خسائر أو ضحايا بين صفوف جنودها المنتشرين في سورية... في الغالب حفظاً لماء الوجه، وحتى لا تجد نفسها مضطرة للرد على الضربات الإسرائيلية الموجعة. 
على أن أهم ما ورد في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، أن الضربات لن تؤدي لانسحابهم من سورية، معتبرين أن انتشارهم «قانوني وشرعي وبطلب من الحكومة». 
وأن يعلن الايرانيون، وجود قوات تابعة لهم على الأراضي السورية، والإصرار على أنه قانوني، من دون سبب، يشي بأنهم يردّون علناً على ما يجري وراء الكواليس بينهم وبين نظام الأسد. «هو نوع من التذكير الإيراني للأسد بأنهم دخلوا سورية، وقاتلوا وخسروا مقاتلين، بناء على طلب الأسد»، يقول مسؤول أميركي. 
من غير المرجح أن تتحول «المواجهة الخفية» الى مواجهة مسلحة، لكن عمليات التحرّش على الأرض والعراك ستتصاعد وتيرتها، خصوصاً إن اعتقد الأسد أن «طهران تغرق»، وأن أمامه فرصة لينجو إن التصق بالروس أكثر وتخلى عن الإيرانيين، لكنه وإن حاول ذلك، قد لا يكون بمقدوره التنفيذ بسبب ضعفه على الأرض مقارنة بالإيرانيين، يختم المسؤول قوله.

مستشارون إسرائيليون لرفعت الأسد!

أفاد الإعلام العبري بأن شخصيات إسرائيلية بارزة كانت ضمن الفريق الاستشاري لرفعت الأسد، عم رئيس النظام السوري بشار الأسد.
وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه تم تقديم الاستشارة لرفعت بعد ملاحقته القضائية في فرنسا، حيث عاش لسنوات عدة.
وأشارت إلى أن من بين مستشاريه، كان نائب سابق من حزب «الليكود»، ومسؤول رفيع المستوى سابق في مكتب الحكومة، ومحام إسرائيلي معروف، ورجل أعمال يهودي ألماني، ورجل أعمال يهودي إسباني، واثنين من المحامين اليهود الفرنسيين المشهورين.
ودانت محكمة في باريس الشهر المنصرم رفعت الأسد، باختلاس المال العام في سورية وتبييض الأموال وامتلاك عقارات في فرنسا تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات جمعها بوسائل غير مشروعة. وقضت المحكمة بسجنه 4 سنوات.

الخميس، 16 يوليو 2020

تقهقر ترامب جماهيرياً يجبره على تغيير مواقف وسياسات

واشنطن - من حسين عبدالحسين

يندر أن يتراجع دونالد ترامب عن موقف أو سياسة. كما يندر أن يعتذر عن خطأ أو يعترف بارتكابه. وغالباً ما يمعن الرئيس الأميركي في أمر، حتى لو ثبت خطأه، لاعتقاده أن شخصيته المتمردة هي جزء من السحر الذي يجذب مؤيديه إليه ويمنحه أصواتهم. لكن فيروس كورونا المستجد وتأرجع شعبيته، أجبراه على تبني بعض التغييرات.
هكذا، في أقل من أسبوع، تراجع ترامب عن عدد من السياسات، كان أبرزها استبدال، مدير حملته الانتخابية، في قرار يأتي قبل أربعة أشهر فقط من الاستحقاق الرئاسي ويأمل من خلاله الملياردير الجمهوري تحسين شعبيته الآخذة في التراجع في استطلاعات الرأي.
وقال الرئيس الأميركي في تغريدة على «تويتر»، الاربعاء: «يسرّني أن أعلن ترقية بيل ستيبيين إلى منصب مدير حملة ترامب».
وكان ستيبيين يشغل منصب نائب مدير الحملة، وقد حلّ بموجب هذا القرار محلّ براد بارسكيل الذي قال ترامب إنّه لن يغادر فريق حملته بل سيعود لمزاولة مهامه السابقة بصفته مسؤولاً عن «الاستراتيجيات الرقمية والبيانية العظيمة» للحملة.
كما ظهر ترامب، علناً، مرتديا كمامة واقية من الفيروس، بعدما أمضى الأشهر القليلة الماضية وهو يسخر من الكمامات وممن يرتدونها، ويعيّرهم بالجبن، بما في ذلك سخريته من ارتداء منافسه، المرشح الديموقراطي للرئاسة جو بايدن، كمامة. 
كذلك لفت الأنظار قيام ادارة ترامب بالتراجع عن إعلان سابق لها، كانت منعت بموجبه الطلبة غير الأميركيين، المقيمين في الولايات المتحدة بموجب تأشيرة مخصصة للطلبة، من البقاء في حال قامت الجامعات والكلّيات التي يدرسون فيها بتحويل صفوفها الى صفوف عبر الإنترنت فقط. 
وفي المواقف التي لم يتراجع فيها ترامب، قام الحزب الجمهوري بتزوير تغريدته تفادياً للمشكلة التي أثارتها. وفي التفاصيل، أن ترامب دأب على مهاجمة التصويت الانتخابي عبر البريد لاعتقاده أن الجمهوريين يقبلون على صناديق الاقتراع بكثافة أكثر من نظرائهم الديموقراطيين، وهو ما يعطي ترامب وحزبه الجمهوري أفضلية في عدد المقترعين. 
ثم ان التصويت في أقلام الاقتراع يتطلب وثائق ثبوتية تكلّف أصحابها رسوما حكومية، وهي رسوم تبقي الأقل دخلاً بعيدين عن استصدار هذه الوثائق، وتالياً يحرمهم التصويت. 
والجمهوريون عموماً أعلى دخلاً من الديموقراطيين، وهو ما يعني أن الاقتراع شخصياً هو في مصلحة الحزب الجمهوري، فيما الاقتراع في البريد لا يتطلب وثائق ثبوتية لأنه يرتكز الى مقارنة اسم الناخب ورقمه الوطني السري مع الكشوفات الحكومية، وهو ما يعني أن الاقتراع في البريد لمصلحة الديموقراطيين، أو هكذا على الأقل يعتقد ترامب.
لكن في ولاية فلوريدا الجنوبية، أكبر الولايات المتأرجحة انتخابيا بين الحزبين، تعتمد غالبية سكان الولاية، وعدد كبير منهم من المسنين والمتقاعدين، على الانتخاب عبر البريد، لصعوبة تنقل هؤلاء، خصوصا في وقت يفرض غالبية المسنين على أنفسهم حجراً منزلياً خوفاً من امكانية اصابتهم بعدوى فيروس كورونا المستجد. 
وتظهر بيانات الانتخابات الماضية أن الاقتراع البريدي بين الجمهوريين كان أكبر بكثير، في فلوريدا، من اقتراع الديموقراطيين، البريدي.
لكن حملة الرئيس الأميركي ضد الاقتراع بريدياً دفعت الجمهوريين، بمن فيهم جمهوريي فلوريدا، الى الاحجام عن طلب أوراق اقتراع لاستخدامها في اقتراعهم بريديا، وهو ما أظهر تفوقا بين الديموقراطيين، الذين تقدم عدد ناخبيهم البريديين على نظرائهم الجمهوريين بنحو نصف المليون ناخب. 
وكان ترامب تغلب على منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون، في فلوريدا في انتخابات 2016، بأقل من 80 ألف صوت، وهو ما يعني ان تأخر الجمهوريين بنصف المليون ناخب يؤدي الى خسارة جمهورية حتمية في هذه الولاية.
للتعامل مع هذا المأزق، قام مسؤولو الحزب الجمهوري في الولاية بارسال رسائل بريدية لقاعدة الحزب اقتبسوا من تغريدة لترامب يقول فيها إنه لا يمانع التصويت الغيابي في البريد، لكنه يمانع التصويت عبر البريد لمن استطاع الحضور الى اقلام الاقتراع، فحذف الجمهوريون الجزء الذي يعبّر فيه ترامب عن معارضته التصويت البريدي بشكل عام، وأبقوا على الجزء الأول الذي أظهر وكأن ترامب يؤيد هذا النوع من الاقتراع، وهو اجتزاء يجافي الحقيقة.
الفوضى التي يثيرها ترامب لم تعد مربحة انتخابياً له وللجمهوريين، خصوصاً أن مواقفه المعارضة لارتداء كمامة، والمعارضة لقيام الحكومة الفيديرالية بدور مركزي في مكافحة وباء فيروس كورونا وترك الأمر بيد حكّام الولايات، ثم الاصرار على تعليق الحجر الصحي للاسراع في اعادة اطلاق عجلة الاقتصاد، فشنّ هجوم على الاقتراع بالبريد الذي يساهم في فوز الجمهوريين في فلوريدا، كلها مواقف وسياسات صارت تتطلب تراجعاً. 
اما علنياً، كما في انقلاب ترامب في مواقفه من ساخر من الكمامات الى مؤيد لها، أو سرا، كما في قيام قادة الحزب الجمهوري في فلوريدا باجتزاء تغريدة لترامب لتحسين موقفهم في الانتخابات بـ«التي هي أحسن»، طالما ان اقناع الرئيس بالتراجع عن موقفه المعادي للتصويت البريدي يبدو أمراً متعذراً.
أما سبب تراجع ترامب العلني، وان من دون تبرير، وتراجع الجمهوريين، فيعود إلى شبه الانهيار الذي يعانيه الرئيس قبل أشهر قليلة من الانتخابات المقررة في 3 نوفمبر المقبل، والتي يسعى فيها للفوز بولاية رئاسية ثانية. 
وبلغ تدني أرقام شعبية ترامب، ليس في الولايات المتأرجحة فحسب بل في ولايات محسوبة على الجمهوريين مثل تكساس، ان رأت حملة بايدن فرصة سانحة لبث دعايتها الانتخابية عبر التلفزيون ووسائل الاعلام الاخرى في الولاية الجنوبية، وهو ما يشي أن الديموقراطيين باتوا يعتقدون أنه يمكنهم التغلب على الجمهوريين في عقر دارهم، وتحقيق انتصار انتخابي كاسح لاستعادة البيت الأبيض ومجلس الشيوخ.
وأظهر أحدث استطلاعات الرأي أن «معدل الموافقة» على أداء ترامب تدنى إلى مستوى قياسي بلغ 45 في المئة بين الناخبين المحتملين في ست ولايات متأرجحة. ووفقاً لاستفتاء أجرته شبكة «سي إن بي سي»، بلغت نسبة الناخبين الراضين عن اداء ترامب في ولايات أريزونا وفلوريدا وميشيغن ونورث كارولينا وبنسلفانيا وويسكونسن 45 في المئة فقط، مقابل 55 في المئة ممن عبّروا عن عدم رضاهم على اداء الرئيس الأميركي.
ولحظ الاستطلاع زيادة 4 نقاط مئوية في عدد الناخبين ممن يعتقدون ان انتشار الوباء يزداد سوءا، لتبلغ نسبتهم 59 في المئة. وقال أكثر من 45 في المئة في الولايات المتأرجحة ان الشركات والمؤسسات الأخرى تمت إعادة فتحها بسرعة كبيرة جداً. 
وبلغت نسبة المعترضين على سرعة اعادة الفتح 62 في المئة في فلوريدا، و60 في المئة في أريزونا، وكلاهما تعانيان من تفشي كبير لوباء فيروس كورونا المستجد.
وسجّلت الولايات المتّحدة مساء الأربعاء، أكثر من 67,632 إصابة جديدة بالفيروس خلال 24 ساعة، في حصيلة يومية قياسية، إضافة إلى 795 وفاة، ليرتفع بذلك إجمالي ضحايا الفيروس الفتّاك إلى أكثر من 140 ألف شخص من أصل أكثر من 3.62 مليون مصاب.
وقال حاكم ولاية أوكلاهوما كيفن ستيت، إنه أصيب بمرض «كوفيد - 19»، ليصبح أحد أبرز السياسيين الأميركيين المنتخبين الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس.
من جانبه (وكالات)، قال بايدن، إن ترامب يصر على إعادة فتح المدارس انقاذاً لمساعيه للفوز بفترة ولاية ثانية، وذلك رداً على أسئلة لأطفال سألوا عن الموضوع أثناء لقاء ضم 25 مانحاً، الأربعاء، وأمكن فيه جمع 3.8 مليون دولار لحملته.
وتتبنى الإدارات التعليمية في أرجاء الولايات المتحدة نهجاً حذراً إزاء إعادة فتح أبوابها بعد العطلة الصيفية، ما يثير توتر أولياء الأمور الذين يسعون جاهدين لتحقيق توازن بين واجبات العمل ومسؤوليات المنزل.
وطالب ترامب الأسبوع الماضي، بإعادة فتح المدارس، وهو ما يتعارض مع الإرشادات التي وضعها خبراء الصحة العامة في الحكومة. وهدد بحرمان المدارس من الأموال الحكومية إذا لم تمتثل.

الأربعاء، 15 يوليو 2020

طهران تصوّر «خريطة طريق»... اتفاقية إستراتيجية!

واشنطن - من حسين عبدالحسين

ليست المرة الأولى التي تقع فيها «نيويورك تايمز» المرموقة والأقدم والأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة، في أفخاخ دعاية الحكومة الإيرانية. في المرات السابقة، نشرت الصحيفة أن عدد مشيعي قائد «فيلق القدس» السابق الراحل قاسم سليماني، تعدى المليون، فيما أظهرت الصور أن العدد لم يتجاوز عشرات الآلاف.
هذه المرة، نشرت «نيويورك تايمز» مقالة ذكرت أنها حصلت فيها على سبق صحافي عبارة عن 18 صفحة هي نص «اتفاقية الشراكة» بين إيران والصين.
وأرفقت الصحيفة المقالة بصورة للقاء جمع الرئيس الإيراني حسن روحاني بنظيره الصيني شي جينبينغ، أثناء زيارة الأخير لطهران في العام 2016. وكتبت أن شي، هو الذي اقترح الشراكة الإستراتيجية حينها.
واعتبرت كاتبة المقالة فرنز فصيحي، وهي أميركية من أصل إيراني، أن الاتفاقية المزمع توقيعها من شأنها أن تقوّض سياسة «أقصى الضغط» التي تفرضها إدارة الرئيس دونالد ترامب على إيران، والتي أدت لانهيار واسع لاقتصادها، بالتزامن مع تضخم كبير وانهيار في سعر العملة المحلية أمام العملات الدولية.
وخوفاً من أن تتخلف عن اللحاق بالسبق الصحافي، قامت الصحف الأميركية الأخرى، مثل «واشنطن بوست»، بإعادة نشر «موضوع الشراكة»، ونسبت معلوماتها إلى «نيويورك تايمز» وفصيحي نفسها. واهتم المسؤولون الأميركيون، والباحثون، والمتابعون، كما المعنيون في إسرائيل، بفحوى الاتفاقية، وراح بعض المعلقين الأميركيين والإسرائيليين يتحدثون عن خطورة الاتفاقية على الولايات المتحدة وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك على إسرائيل وأمنها.
وفي غمرة الانهماك بالتدقيق في الاتفاقية، والتواصل مع أميركيين خبراء في الشأن الصيني، ومع خبراء صينيين في الصين نفسها، بدا أن بكين غافلة عمّا يجري، وأن لا علم لدى القيادة بأي اتفاقية إستراتيجية مع ايران.
وقال الصحافي الإيراني المخضرم المعارض أمير طاهري، المقيم في لندن، لـ«الراي»، إن معارفه في مراكز الأبحاث الصينية أعربوا عن مفاجأتهم لدى سؤاله لهم عن الاتفاقية، وذكروا أنهم لم يسمعوا بالأمر، وأن النص المتداول هو عبارة عن بيان ختامي لزيارات إيرانية رسمية بين الصين وإيران، وأن هذه النصوص يتم تدبيجها عادة من حيث اللياقة، وتتضمن الحديث عن بناء علاقات إستراتيجية ومميزة. لكن الأمر لم يتحول إلى تحالف إستراتيجي أو اتفاقية، كالتي يتحدث عنها الإعلام الأميركي.
والاتفاقية المزعومة مدتها 25 عاماً، وتقوم طهران بموجبها ببيع الطاقة بتخفيضات وحسومات كبيرة لبكين. في المقابل، تقوم الصين باستثمار مليارات الدولارات في قطاعات إيرانية، مثل الطاقة والبنية التحتية، وهو ما يساعد في لجم تدهور الاقتصاد ورفده بالدولارات التي يحتاج اليها.
وسبق لروحاني أن أدلى بتصريحات، في 22 يونيو الماضي على إثر اجتماع لحكومته، أشار فيها إلى أن التعاون مع بكين «يمهد الطريق للتعاون في المشاريع الرئيسية وتطوير البنية التحتية، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق العظيمة»، مضيفاً أنها «فرصة لجذب الاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية، مثل الصناعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات».
وقال روحاني إن «تعزيز الفرص المتاحة للدول للحصول على المنافع المشتركة طريقة معقولة لتحسين الأمن الإقليمي والدولي»، كما أن «ربط الأمن والتنمية من خلال تعددية الأطراف سيضمن السلام والتقدم للمجتمع البشري»، مشيراً إلى «الأهمية الإستراتيجية للمعادلات الجديدة في العلاقات بين طهران وبكين».
لكن الرئيس الإيراني لم يسم التعاون اتفاقية، بل أسماه «خطة» أو «خريطة طريق مدتها 25 عاماً للعلاقات الإستراتيجية مع الصين»، حسب الصحيفة الإيرانية الناطقة بالإنكليزية «فاينانشال تريبيون»، التي أوردت أن وزير الخارجية محمد جواد ظريف كان قدمها «إلى السلطات الصينية خلال زيارته لبكين في أوائل 2019»، وتوجز «رؤية لتعاون طويل الأمد في مختلف القطاعات».
كيف صارت الخطة الإيرانية التي تقترحها بكين على طهران، اتفاقية وتحالفاً إستراتيجياً؟ الاجابة تكمن على الأرجح في أن الخطة الإيرانية لا تزال خطة، وأن الدعاية الإيرانية حوّلتها لاتفاقية ناجزة ومبرمة، بل اعتبرت أنها انتصار مكتمل على الولايات المتحدة وعلى ترامب وعقوباته.
ويشير مسؤولون أميركيون لـ «الراي»، إلى أن لا مؤشرات لديهم أن الصين تنوي خوض مواجهة مع الأميركيين حول إيران، أو في شأن مواضيع متعددة أخرى حول العالم، بل أن المسؤولين الأميركيين يشيرون إلى أن بكين لا تزال تسعى لخطب ود واشنطن، كما بدا جلياً في طلبها، الأسبوع الماضي، شراء 1.35 مليون طن من الذرة لهذا العام، وهو أكبر طلب صيني منذ العام 1994.
كذلك طلبت بكين من واشنطن شراء 320 ألف طن من القمح. ويعود الطلب بأرباح ضخمة على القطاع الزراعي، وعلى الاقتصاد الأميركي في شكل عام، وهو ما فسّره المراقبون الأميركيون على أنه خطوات صينية لتحسين العلاقة المتوترة بين البلدين.
في الوقت نفسه، أشار المسؤولون الأميركيون أنه رغم معارضة الصين لإعادة فرض واشنطن عقوبات اقتصادية على طهران، بسبب برنامجها النووي، إلا أن بكين التزمت العقوبات التزاماً كاملاً، ولا مؤشرات تدل على أنها تنوي المخاطرة بأن تطول شركاتها نفس العقوبات المالية الأميركية في حال تعاملت مع إيران.
وتوضح التقارير الأميركية، أن الاستثمارات الصينية في إيران تبلغ 18 مليار دولار، وهو رقم ليس مرتفعاً ولا يشي بأي سياسة إستراتيجية، خصوصاً مقارنة بدول الجوار، مثل المملكة العربية السعودية، التي تبلغ الاستثمارات الصينية فيها أكثر من 25 ملياراً.
ختاماً، يرى مسؤولون أميركيون أنه رغم اعتقاد إيران أن لديها فرصاً اقتصادية عن طريق الانخراط بـ«مبادرة الحزام والطريق الصينية»، إلا أن هذا المشروع لا يعود بالأرباح المرجوة على الدول المشاركة أو التي تنوي المشاركة فيه.
ويشيرون إلى فساد واسع يسود التزامات هذا المشروع، والى نفاد التمويل الصيني المخصص له، وإلى أن بكين تقوم بتنفيذ أجزاء منه في الدول الأخرى على طريقة «بناء وتشغيل ونقل»، أي تستعيد قيمة استثماراتها برسوم مباشرة على المركبات الإيرانية، وهي رسوم تكبح من النمو الاقتصادي المنشود.

الثلاثاء، 14 يوليو 2020

حرب استخباراتية ضد مواقع إيرانية وأزمة «الصواريخ الدقيقة» تقترب من موعد الحسم

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تستعر «الحرب الخفية» الاستخباراتية بين إيران وخصومها، كما صار يبدو جلياً من سلسلة التفجيرات التي تضرب إيران بشكل شبه يومي، وتطاول مواقع حساسة تابعة لنظام الجمهورية الإسلامية، من دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها.
ويرى الخبراء الأميركيون، أن طهران حاولت بادئ الأمر التغطية على التفجيرات، بوصفها «حادث هنا أو هناك»، لكن توالي التفجيرات، خصوصاً منها الذي طاول منشأة ناتانز النووية، أثبت أنها «هجوم سري منظم» تتعرض له إيران.
وفي وقت وجّه بعض المسؤولين الإيرانيين، أصابع الاتهام لإسرائيل بالوقوف خلف التفجيرات، أشار أميركيون معنيون بالشأن الإيراني إلى أنه بغض النظر عن هوية الفاعلين، إلا أن من الواضح أن التفجيرات ليست من عمل هواة، بل عمل منظّم، يتطلب موارد وخبرة، بما في ذلك استطلاع الأمكنة وتفجيرها.
كما يعتقد المتابعون الأميركيون، أنه يبدو واضحاً أن هدف التفجيرات «إستراتيجي»، وأن الأهداف تمّ اختيارها بعناية، وكذلك التوقيت، إذ غالباً ما تحصل في أوقات الليل لتقليص إمكانية إصابة مدنيين.
وتسري إشاعات في العاصمة الأميركية، بأن وكالات استخبارات عالمية، غير غربية، قامت بتمرير معلومات حساسة عن الأهداف الإيرانية إلى المهاجمين. ويقول الخبراء أن الوضع الاقتصادي المتدهور في إيران يسمح بتوسيع دائرة العمل الإستخباراتي وشن الهجمات الخفية، إذ إن تدهور الوضع المعيشي يفتح الباب أمام قيام مسؤولين عن معلومات حساسة، ببيع ما يعرفونه.
وكتب المعلق في موقع «بلومبيرغ» ايلاي لايك، مقالة لفت فيها إلى أنه منذ أواخر يونيو الماضي، هزت الانفجارات ثلاث منشآت عسكرية إيرانية على الأقل، قد يكون آخرها منشأة بحثية تحت الأرض للأسلحة الكيماوية، فضلاً عن اشتعال النيران في مبنى الطرود المركزية في مفاعل ناتانز.
ونقل لايك عن الخبير النووي ديفيد أولبرايت، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، أن صور الأقمار الاصطناعية لمنشأة ناتانز - قبل وبعد الانفجار - تبدو أشبه بعمل متعمد.
ومفاعل ناتانز هو «جوهرة تاج برنامج إيران النووي»، حسب أولبرايت.
ويكتب لايك، من ناحيته، أن «هناك أسباباً وجيهة للاعتقاد بأن الهجمات هي عمل تخريبي إسرائيلي»، إذ سبق أن قام «الإسرائيليون بهذا النوع من الهجمات من قبل، ففي أوائل العقد الماضي، نفّذ (جهاز) الموساد سلسلة من الاغتيالات طاولت علماء نوويين إيرانيين، وقبل ذلك، تعاونت إسرائيل والولايات المتحدة، لتنفيذ هجوم إلكتروني على ناتانز أدى إلى تسريع أجهزة الطرد المركزي، مما تسبب في انهيارها».
ويتابع لايك: «في الآونة الأخيرة، اقتحم جواسيس إسرائيليون مستودعاً في طهران، وسرقوا أرشيفاً حول البرنامج النووي، وهو ما يعني أن لدى الإسرائيليين شبكات بشرية اخترقت الهيكل الأمني لإيران».
ويعتقد المعلّق الأميركي أن ضرر الهجمات الإسرائيلية المزعومة «قد يكون أكثر من مجرد تدمير أجهزة الطرد المركزي، وقد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام بأكمله، إذ كلما بدت حكومة إيران عاجزة، وأعطت انطباعاً بأن الإسرائيليين موجودون في كل مكان، كلما قام مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى بإعادة النظر في وفائهم للنظام، وانفتحوا على إمكانية التعاون مع الأميركيين أو الإسرائيليين، وهو الأمر الذي يخلق فرصاً استخباراتية كبيرة».
ومثل في إيران، كذلك في لبنان، تعمل عدد من وكالات الاستخبارات العالمية - الإسرائيلية خصوصاً - على تحديد مواقع عسكرية حساسة تعود لـ«حزب الله»، وخصوصاً منصّات إطلاق صواريخه.
وفي هذا السياق، نشر مركز أبحاث «آلما» الإسرائيلي المتخصص صوراً جوية، أعلن أنها تكشف مواقع 28 منصة إطلاق صواريخ للحزب، مخبأة في مراكز سكانية حساسة في مناطق جنوب العاصمة بيروت، بما في ذلك بالقرب من «مدارس ثانوية وعيادات ومستشفيات ونوادي غولف وملاعب كرة قدم»، وكذلك قرب السفارة الإيرانية، ,بين مستشفى السان شارل ونادي الضباط، على مسافة قريبة من مقر وزارة الدفاع في اليرزة.
وأضاف المركز أن للحزب أيضاً، قواعد صواريخ أخرى بين المناطق السكنية في الجنوب والبقاع.
وتابع المركز، الذي ترأسه اللفتنانت كولونيل ساريت ذهبي، التي سبق وقاتلت على الحدود الشمالية مع لبنان، أن «حزب الله» يخزن في هذه المواقع صواريخ «الفاتح 110» متوسطة المدى ويصل مداها حتى 300 كيلومتر، وترتبط بمركز «قيادة وسيطرة» قريب.
هذه الصواريخ، حسب المركز الإسرائيلي، ليست «ذكية» ويتعذر توجيهها بموجب نظام «تحديد الموقع العالمي».
وبحسب التقرير، يمتلك «حزب الله» ما يقدر بـ600 صاروخ من طراز «فاتح 110 /‏‏‏‏ M600». لكن الحزب، دأب على مدى السنوات الماضية على تحديث صواريخه بإضافة أنظمة «جي بي أس» إليها. واعتبر المركز أن لدى الحزب نحو 30 صاروخاً مع تقنية «جي بي أس» التي تمنحها دقة في إصابة أهدافها، وأن معظم الصواريخ الدقيقة يصل مداها إلى 700 كيلومتر، ويطلق عليها «ذو الفقار».
وقال تال بيري، رئيس قسم الأبحاث في مركز «ألما» الذي أعد البحث، لصحيفة «جيروزالم بوست»، إن «حزب الله» يستخدم سكان لبنان كدروع بشرية من خلال «عدم التردد في وضع مواقع إطلاق الصواريخ بالقرب من المباني العامة والمؤسسات التعليمية والمصانع وغيرها».
واعتمد التقرير، بحسب الصحيفة، على معلومات استخبارية مفتوحة المصدر نُشرت على Wikimapia.org، رغم من حذف بعض المواقع من قبل مستخدم آخر تم تحديد اسم حسابه بـ Dalany_ Mokus. وأوضح «آلما» أن من المحتمل أن يكون روسي الجنسية مؤيداً للنظام السوري و«حزب الله».
وقال الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات» جوناثان شانزر، في مقالة كتبها بالاشتراك مع جنرال الاحتياط الإسرائيلي جايكوب نايجل، ونشراها في مجلة «ناشونال انترست»، أن اسرائيل «تفتقر حالياً لشركاء موثوقين يمكن التفاوض معهم لإخراج القوات الإيرانية والصواريخ الدقيقة من سورية ولبنان».
ويتابع الخبيران: «لقد بذلت إسرائيل محاولات عديدة لإقناع الروس بأن إخراج الإيرانيين من سورية هو في مصلحة موسكو، وأبلغت (الرئيس) فلاديمير بوتين ودائرته الداخلية، أنه طالما استمر تهديد الصواريخ الدقيقة على إسرائيل، وطالما تنتهك إيران الخطوط الحمر لإسرائيل في سورية ولبنان، فإن الضربات ستستمر، ولن يكون هناك استقرار في سورية، وهو ما يعرّض الرهان الروسي في سورية للخطر».
ويرى الخبيران، أن السياسة الإسرائيلية هذه تحولت إلى مصدر توتر مستمر بين طهران وموسكو، وأن الروس قد لا يمانعون «الحوادث» التي تصيب أهدافاً إستراتيجية داخل إيران أو في سورية.
ويختم شانزر ونايجل بالقول إنه «مع تزايد التحذيرات الإسرائيلية، من المرجح أن يلعب تهديد الصواريخ الدقيقة دوراً رئيسياً في النقاش المندلع في الأمم المتحدة حول رفع الحظر المفروض على الأسلحة الإيرانية، وقد يلعب أيضاً دوراً في الجدال الدائر حول الإنقاذ المالي للبنان... وهو ما يعني أن أزمة الصواريخ الدقيقة تقترب من موعد الحسم».
إلى ذلك (أ ف ب)، أعلنت طهران أمس، إعدام مواطن إيراني «مدان» بالتجسس لصالح الولايات المتحدة عبر «بيع معلومات حول البرنامج الصاروخي».
وقال الناطق باسم السلطة القضائية غلام حسين اسماعيلي، إن رضا عسكري، الذي كان موظفاً في دائرة الفضاء الجوي في وزارة الدفاع حتى تقاعده قبل 4 أعوام، «أُعدم الأسبوع الماضي».

الأربعاء، 8 يوليو 2020

ماريان ترامب: لا مبادئ لدى أخي المهرج

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في وقت يُعاني دونالد ترامب من انخفاض غير مسبوق في شعبيته، قبل 15 أسبوعاً من انتخابات نوفمبر، وفي وقت ساهم كتاب مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون في زيادة ضعف شعبيته، أطلت ابنة شقيق الرئيس الأميركي في كتاب فضائحي جديد ساهم في تعزيز الأزمة الانتخابية التي يعاني منها في سعيه للفوز بولاية ثانية.
وماري ترامب هي إبنة الشقيق الأكبر للرئيس، فريدي ترامب - الذي توفي العام 1981 عن 43 عاماً - بسبب ادمانه الكحول. 
وفي كتابها «الكثير لا يكفي: كيف صنعت عائلتي أخطر رجل في العالم»، والذي تسلمت «الراي» نسخة مسبقة منه قبل صدوره الثلاثاء المقبل، وصفت ماري، عمّها دونالد، بأنه «معتل اجتماعياً»، وحمّلت جدها فريد، مسؤولية اكتئاب والدها وادمانه الكحول، كما حملته مسؤولية تحويل دونالد إلى شخص يعاني من أمراض «معقدة للغاية... فسلوكياته غير قابلة للتفسير في كثير من الأحيان، لدرجة أن التوصل إلى تشخيص دقيق وشامل يتطلب مجموعة كاملة من الاختبارات النفسية والفيزيائية العصبية التي لن يوافق على الخضوع اليها أبداً».
وكتبت المتخصصة في علم النفس، أن دونالد نجا من احتقار والده وسخريته لأن «شخصية الابن خدمت هدف الأب»، و«هذا ما يفعله المعتلون اجتماعياً، يتعاطفون مع الآخرين، ويستخدمونهم لتحقيق أهدافهم الخاصة، بلا رحمة، ومع عدم التسامح مع أي معارضة أو مقاومة».
وتقول إنه «من خلال حرمان وصول دونالد لمشاعره الخاصة، وتحويل الكثير منها إلى مشاعر غير مقبولة، قضى فريد ترامب على كيفية فهم ابنه للعالم، وقوّض الأب قدرة الابن على العيش في العالم». 
وتتابع أن من يرون عمّها «مفكراً استراتيجياً يعمل وفقاً لأجندات محددة أو مبادئ تنظيمية» لا يعون أنه لا يفهم العالم الحقيقي بسبب الحاجز القائم بينه وبين هذا العالم، وأنه «بفضل أموال ونفوذ والده، لم يضطر دونالد ترامب يوماً لمواجهة العالم الفعلي».
واعتبرت أن الرئيس الأميركي أظهر «علامات الاعتلال النفسي بعدم فهمه لقيمة حياة الإنسان» اثناء تعامله مع فيروس كورونا المستجد. وتؤكد أن عمّها يستوفي «كل المعايير السريرية التسعة لكونه نرجسياً، ومع ذلك فإن هذا التصنيف لا يستوعب المجموعة الكاملة من المشاكل النفسية التي يعاني منها». 
وقارنت ماري، الرئيس الأميركي، بطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وقالت إن دونالد «يعرف أنه لم يكن محبوباً أبداً، لذا هو بحاجة دائمة إلى تعزيز شعوره بأن الآخرين يدركون أهميته لأنه يعرف أنه ليس بالأهمية التي يدعيها». 
ماري اتهمت عمّها بدفعه الكثير من المال لزميل مجتهد، وأن الأخير انتحل شخصيته وذهب إلى امتحان «سات»، وهو ما سمح لترامب بدخول كلية وارتن للأعمال في جامعة بنسلفانيا، إذ انه كان «قلقاً من أن درجاته المتواضعة قد تحرمه القبول في الجامعة».
تتابع ماري، أن الأمن المادي الذي وفرته ثروة جدّها لعمّها أعطت الأخير «ثقة لتحويل ما كان في بادئ الأمر، تمثيلية إلى واقع، فراح دونالد يسوّق نفسه، لا على أنه وريث ثري فحسب، بل كرجل أعمال لامع وعصري كذلك». 
في سنوات دونالد الأولى، تقول الكاتبة، «كان جدي يموّل مغامرات إبنه بحماسة، وإن سراً، وهو ما منح دونالد انطباعاً زائفاً بالنجاح رغم تورطه في العديد من المشاريع الفاشلة». 
وكتبت: «كان دونالد بالنسبة لجدي كالجدار الحدودي بالنسبة لدونالد: مشروع غرور تم تمويله على حساب مشاريع أكثر واقعية وجدارة بالاهتمام». 
وتروي الكاتبة أن عمّتها ماريان سخرت من شقيقها دونالد عندما سمعت إعلانه ترشحه للرئاسة. وقالت ماري إنها تتناول الغداء دورياً مع عمتها، وأنه في 2015، بعد إعلان ترامب ترشحه للرئاسة، وصفته شقيقته ماريان بـ«المهرج»، وقالت إنه لن يصل للبيت الأبيض أبداً. 
وشكّكت ماريان في إمكانية أن يحصل شقيقها على دعم بين المسيحيين الإنجيليين المحافظين، وذكرت أن «المرة الوحيدة التي ذهب فيها دونالد إلى الكنيسة كانت عندما كان في الكنيسة كاميرات». وأضافت أنه شيء محيّر، «دونالد ترامب ليس لديه مبادئ... لا شيء»!
المؤلفة سلطت الضوء على خلافات العائلة على اثر وفاة جدّها، واتهمت عمّها بمحاولته الاستيلاء على كل ثروة والده بتغييره وصية الوالد سراً، يوم كان الأخير مريضاً، وأن دونالد ترامب عدّل النص لإبقاء اخوته خارج ورث أبيهم الثري. لكن بعد أن نظرت ماريان وزوجها المحامي في الأمر، أُعيد كتابة وصية ترامب الأب حتى يتمكّن الاخوة الأربعة، بمَنْ فيهم دونالد، من الحصول على حصص متساوية. 
وتنقل ماري عن عمّتها ماريان، أنه لو نجح دونالد في تزوير وصية والده المريض «لكنا سنكون مفلسين، ولكانت (أم دونالد) إليزابيث تتسول في الشارع، ولكان علينا أن نتوسل دونالد إذا أردنا فنجان قهوة». 
وأضافت أن «من حسن الحظ أن أخوة ترامب أحبطوا مخططه». 
ختاماً، أكدت ماري بخل عمّها وأفراد عائلته، وتحدثت عن الهدايا التي تلقتها من عمّها وزوجته الأولى ايفانا، لمناسبة عيد الميلاد، «في إحدى المرات، أهدوني حزمة ملابس داخلية» من محل فاخر. 
وفي العام التالي، تسلمت ما كان من الواضح أنها هدية في الأساس لدونالد، وهي عبارة عن «سلة من البسكويت المالح والسردين والسلامي، وكان في السلة أثر واضح في غلاف السيلوفان، حيث مكان علبة الكافيار التي لم موجودة».

10 مليارات دولار لتجارب لقاح «كورونا» وترامب متفائل بـ «وضع جيد للغاية» خلال أسابيع

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تواصل الولايات المتحدة حربها على وباء فيروس كورونا المستجد، وتسعى للتوصل الى لقاح بأقصى سرعة ممكنة، وهو ما حمل وزارتي الدفاع والصحة على تمويل أكثر من خمس شركات أدوية تجري تجارب مخبرية وبشرية للتوصل الى لقاح، بتكلفة تناهز 10 مليارات دولار.
وتزامناً مع إطلاق الولايات المتحدة، التي سجلت ارتفاعاً قياسياً جديداً بعدد الإصابات بالفيروس، رسمياً عملية انسحابها من منظمة الصحة العالمية، أكد الرئيس دونالد ترامب، أنه لا يتفق مع تقييم مدير المعهد الأميركي للأمراض المعدية أنطوني فاوتشي في شأن الوضع الخطير.
وقال فاوتشي، الاثنين، إن «الوضع الحالي غير جيد حقاً». وتابع: «لا نزال غارقين في الموجة الأولى».
لكن ترامب أكد في مقابلة تلفزيونية الثلاثاء: «أعتقد أننا في موقع جيد. لا أتفق معه».
وتابع: «قال الدكتور فاوتشي لا تضعوا الكمامات، والآن يقول ضعوها»، مضيفاً أن الخبير الصحي «قال أمورا عديدة» اعتبرها ترامب نصائح سيئة.
وأضاف ترامب: «قمنا بعمل جيد... أعتقد أننا سنكون في وضع جيد للغاية» في غضون بضعة أسابيع.
وأكد الرئيس الأميركي، من ناحية ثانية، أنه أبلغ منظمة الصحة بانسحاب الولايات المتحدة، على خلفية اتهاماته للمنظمة الدولية بالتأخر في الاستجابة لظهور الفيروس في ديسمبر الماضي، بهدف إرضاء الصين.
وأعلن الموقع الإلكتروني للمنظمة، ان الولايات المتحدة التي ستنسحب في السادس من يوليو 2021، مدينة لها بأكثر من 200 مليون دولار من المساهمات المقدرة.
ووصفت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، الانسحاب بأنه «فعل من الحماقة الحقة».
وكتبت على «تويتر»، الثلاثاء: «بينما تتعرض حياة الملايين للخطر، يشل الرئيس المجهود الدولي لهزيمة الفيروس».
ويمكن التراجع عن قرار ترامب قبل سريانه إذا مني بهزيمة في انتخابات الثالث نوفمبر المقبل.
وأعلن المنافس الديموقراطي جو بايدن، أنه سيلغي في حال فوزه قرار سحب العضوية في منظمة الصحة.
وعلى صعيد لقاحات «كوفيد - 19»، حصلت شركة «نوفافاكس» على تمويل حكومي بلغ 1.6 مليار دولار، يغطي نفقات الأبحاث وإنتاج أكثر من مئة مليون جرعة من اللقاح في الوقت نفسه. وانضمت بذلك «نوفافاكس» الى عدد من شركات الأدوية التي تسلمت تمويلا فيديرالياً لدعم ابحاث وانتاج لقاح، منها شركة «آسترازينكا» البريطانية، التي تعد أن لقاحها سيكون جاهزا في اكتوبر، وشركات «موديرنا ثيرابوتيكس» و«جونسون اند جونسون» و«ميرك اند سانوفي»، الأميركية.
وتقضي الخطة بتمويل أكثر من شركة أدوية واحدة بسبب اعتقاد الحكومة أن «عليها ألا تضع كل بيضها في سلة واحدة»، حسب التعبير الأميركي المتداول، أي ان تنوع رهاناتها واستثماراتها، وهو ما يزيد من فرص النجاح في التوصل الى لقاح فعّال.
وبالحديث عن الفاعلية، طلبت الحكومة الأميركية من الشركات انتاج مئة مليون جرعة من لقاحها على الأقل، بعد نجاحه في مرحلة التجارب السريرية وقبل التأكد من فعاليته بين البشر. أما السبب في ذلك، فيعود الى السرعة التي تسعى اليها واشنطن، فان ثبتت فعالية لقاح ما، تكون مئة مليون جرعة متوافرة فور ثبات فعاليته، وهو ما يغطي تلقيح أقل من ثلث الأميركيين بقليل. اما ان ثبت عدم الفاعلية، فستقوم الشركات باتلاف المئة مليون جرعة التي انتجتها، وهو اتلاف على حساب الحكومة اصلاً.
وفي وقت يتوقع الخبراء أن تتوصل جامعة أوكسفورد البريطانية و«آسترازينكا» إلى انتاج لقاحات في اكتوبر، تشير التوقعات الى أن الشركات الاخرى التي تمولها واشنطن سيكون لقاحها جاهزاً بين مطلع العام المقبل ومنتصف مارس. وفي حال ثبتت فعالية أي من لقاحات اكتوبر، سيتم تلقين الجرعات الأولى للمنخرطين في الخطوط الأمامية في مكافحة الفيروس، أي الكوادر الطبية والعلماء، يليهم العاملون في انتاج الغذاء والقوات الأمنية، ثم بقية السكان في البلاد.
وفي حال توصل المجتمع العلمي لانتاج لقاح آمن وفعّال قبل منتصف مارس المقبل، يكون قد اجترح معجزة، اذ يشير العلماء، بشكل متواصل، الى ان تطوير أي لقاح غالباً ما يتطلب سنوات.
وحتى التوصل الى لقاح، تواصل قطاعات العناية الطبية باستخدام الأدوية المتاحة، يتصدرها «ريمديسيفير»، الذي يؤدي الى تقصير مدة المرض، ويليه «هيدروكسي كلوروكوين»، الذي تتضارب الأنباء حول فعاليته وامانه، في وقت أشار الرئيس دونالد ترامب، في تغريدة، الى دراسة صادرة عن مؤسسة هنري فورد للأبحاث الطبية اعتبرت أن هذا الدواء أمين وفعال وتكلفته بسيطة.
كما واصل العلماء ابحاثهم حول علاج «ديكساميتاسون»، وهو مزيج من هرمونات ستيرويد مصنعة في المختبرات. وكانت الابحاث الأوروبية الأولية أشارت الى أن هذا العلاج يؤدي الى تقليص نسبة الوفيات بين المصابين، لكن الابحاث الحالية تشير الى أنه علاج ممكن لمن هم في مراحل متقدمة من المرض، اذ هو يمنع جهاز المناعة من اطلاق عاصفته التي تؤدي الى تعطيل عدد من وظائف الجسم، بما فيها الرئتين، لمواجهة انتشار الفيروس، وتاليا، تؤدي ثورة المناعة هذه الى حالات وفاة لدى البعض.
«ديكساميتاسون» يوقف ثورة المناعة، ولكن اعطائه للمرضى قبل الثورة يؤدي الى اضعاف المناعة وتاليا يطيل مدة المرض.
وفيما العلماء والأطباء في صراع مع الوقت للتوصل الى لقاح وعلاج، أظهر استطلاع للرأي انقساماً سياسياً حاداً حول الوباء، اذ أعرب 77 في المئة من الديموقراطيين عن قلقهم من «كوفيد - 19»، فيما قال 68 في المئة منهم إنهم يرتدون كمامات واقية بشكل متواصل اثناء تواجدهم خارج منازلهم. الصورة تنقلب في صفوف الجمهوريين، اذ اجاب 36 في المئة منهم فقط أنهم قلقون من الفيروس، وذكر 34 في المئة أنهم يرتدون كمامات واقية.
وبسبب التباين في المواقف، تشير الرسوم البيانية لانخفاض عدد الاصابات الجديدة في معظم الولايات التي تسكنها غالبية ديموقراطية، مقابل ارتفاعات حادة في الولايات الجمهورية.
وتشير آخر الأرقام الى ان عدد الاصابات في الولايات المتحدة تعدى عتبة الـ3.1 مليون، مع 135 ألف حالة وفاة، بعدما سجُل عدد إصابات قياسي جديد، بحسب جامعة جونز هوبكنز، التي أحصت 60 ألف إصابة جديدة، الثلاثاء، وأكثر من 1100 وفاة خلال 24 ساعة.
ويلقي المعلّقون السياسيون والمحللون باللائمة في تفشي الوباء بين الجمهوريين على ترامب، الذي لا يمانع من أن يؤدي «الارتفاع في عدد الوفيات لارتفاع في عدد الوظائف»، لكن هذه «المكاسب السياسية أثمرت نتائج عكسية»، حسب بول كروغمان، وهو كاتب في صحيفة «نيويورك تايمز» وحائز على جائرة نوبل في الاقتصاد.

الثلاثاء، 7 يوليو 2020

ترامب يواجه تقهقره الشعبي والانتخابي باللعب على الفوارق العنصرية والإثنية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تكاد أرقام الرسوم البيانية لأعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد واستطلاعات الرأي تبدو مترابطة بشكل وثيق، فكلّما ارتفع عدد الاصابات والوفيات انخفضت شعبية الرئيس دونالد ترامب وقلّت فرص فوزه بولاية ثانية، في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. 
ولأن أعداد الأميركيين ممن يعانون من وباء «كوفيد - 19» تكاد ترتفع الى مراحل غير مسبوقة، خصوصاً مقارنة بالدول الاخرى، تنخفض شعبية ترامب الى مراحل غير مسبوقة كذلك، اذ أشار معهد غالوب الى أن نسبة من يؤيدون ترامب انخفضت الى أدنى مستوياتها لتبلغ 38 في المئة فقط. 
وكان لافتاً أن تدني شعبية الرئيس الأميركي شملت كل الأعراق، خصوصاً بين البيض، بما في ذلك الرجال، وهم الذين يشكلون تقليدياً التيار الاكبر الداعم لرئاسته.
ويعاني ترامب من مشكلة في سعيه لولايته الثانية، تتمثل بتضخم حجم المجموعة الجمهورية المنشقة عن الحزب، والتي تشن حربا سياسية شعواء ضده، وتدعم منافسه الديموقراطي ونائب الرئيس السابق جو بايدن. 
وتتألف المجموعة الجمهورية من عدد من أبرز الاستراتيجيين السياسيين ممن عملوا في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، وممن عملوا في حملتي المرشحين الجمهوريين للرئاسة، قبل ترامب: السناتور الراحل عن ولاية آريزونا جون ماكين، والسناتور الحالي عن ولاية يوتا ميت رومني.
المجموعة الجمهورية تنظم نفسها في اطار «مشروع لينكولن»، نسبة الى الرئيس الأسطوري الراحل ابراهام لينكولن، وهو كان من الجمهوريين. هذا المشروع يتمتع بدعم مالي من عدد من المانحين من أصحاب «الجيوب العميقة»، حسب التعبير الأميركي، وهو ما سمح للمشروع ببث دعايات تلفزيونية في عموم البلاد، خصوصاً في الولايات المتأرجحة، التي يبدو أن عددها يتزايد يوماً بعد يوم مع تراخي قبضة الجمهوريين الانتخابية في الولايات التي كانت محسوبة عليهم، حتى الأمس القريب، والمعروفة بـ«الولايات الحمراء». 
ومع تقهقر شعبية ترامب، اتسع الفارق بينه وبين منافسه بايدن الى أكثر من عشر نقاط، ووصل 12 نقطة، فيما اتسع الفارق بين الأميركيين ممن أجابوا أنهم سينتخبون الديموقراطيين الى الكونغرس، واولئك ممن قالوا أنهم سينتخبون الجمهوريين من ثماني نقاط مئوية، قبل أسبوع، الى عشر نقاط مئوية حالياً. 
وللمقارنة، فان «الموجة الزرقاء» التي استعادت للديموقراطيين مجلس النواب من الجمهوريين، في الانتخابات النصفية قبل عامين، سبقها تفوق ديموقراطي على الجمهوريين في استطلاعات الرأي بسبع نقاط مئوية.
وأمام تقهقره الشعبي والانتخابي، عمد ترامب الى أسلوبه المفضّل في محاولته اللعب على الفوارق العنصرية والاثنية والثقافية، فنكأ جراح التاريخ، ووبخ «ناسكار»، المنظمة التي تشرف على لعبة سباق السيارات والمحسوبة على الجمهوريين، بسبب قيامها باصدار قرار منعت فيه رفع علم الكونفيديرالية، وهي الدولة التي أقامها انفصاليو الجنوب، ما أدى الى حرب أهلية فاز فيها الشمال وأعاد توحيد البلاد وفقاً لنظام فيديرالي أكثر مركزية من الكونفيديرالية.
وعلى عادته، استعاد ترامب مواقفه المعادية للهجرة والمهاجرين، فقامت إدارته بإصدار قرار منعت بموجبه الطلاب الأجانب من البقاء على الأراضي الأميركية إذا كانوا مسجّلين في مؤسّسات تعليمية قرّرت، بسبب جائحة «كوفيد - 19»، إعطاء حصصها التعليمية كاملة عبر الإنترنت عند استئناف العام الدراسي الخريف المقبل.
كما بث الرئيس الأميركي سلسلة من التغريدات تضمنت صوراً له وهو يتفقد الحائط الذي وعد ببنائه على الحدود الجنوبية مع المكسيك، لوقف تدفق اللاجئين غير الشرعيين. وقال إن بناء الجدار ماض بسرعة في ولايات تكساس وآريزونا ونيومكسيكو وكاليفورنيا، وأن الديموقراطيين يريدون «أن يتدفق الناس فقط»، و«يريدون حدودا مفتوحة» وصفها بأنها «خطيرة جداً» بالنسبة لأمن البلاد.
ويعكف ترامب على تصوير نفسه على أنها رجل فرض القانون والنظام، مقارنة بالديموقراطيين الضعفاء والمتساهلين مع من يتطاولون على القانون. وواصل حملة تخويف الأميركيين من مغبة اختيارهم بايدن رئيسا لهم، فقال إن «الفاسد جو بايدن والديموقراطيين لا يريدون فتح مدارس في الخريف لأسباب سياسية، لا لأسباب صحية، لأنهم يعتقدون أن ذلك سيساعدهم في نوفمبر». 
وأضاف أن «الديموقراطيين مخطئون لأن الناس يفهمون ويعرفون المشكلة».

من رفيق الحريري إلى هشام الهاشمي: القاتل واحد

حسين عبدالحسين

أطلق مجهولون النار على الخبير العراقي الصديق هشام الهاشمي، فأردوه قتيلا. المجرمون لن يعلنوا مسؤوليتهم، والقضاء العراقي لن يعثر عليهم، على الأرجح، وهو ما يجعل الجريمة مطابقة لعشرات الجرائم في لبنان ولمئات منها في العراق، وهي جرائم تطال دائما معارضي نظام إيران وميليشياتها في المنطقة.

لكل هذه الجرائم نمط واحد يبدأ بتحريض عملاء إيران ضد سياسي، مثل رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري، أو صحفي، مثل اللبناني سمير قصير والعراقي هشام الهاشمي. يلي التحريض عملية اغتيال لا يعلن أحد مسؤوليته عنها، وإذا حدث أن أثارت الجريمة ردة فعل شعبية أكثر مما يتوقعه المجرمون، تنبري إيران وأزلامها في السياسة والإعلام على تعميم نظريات مؤامرة رثّة ومفضوحة، في طليعتها أن قتلة الحريري أو قصير أو الهاشمي هم إما إسرائيل أو "القاعدة" و"داعش".

طيب لماذا تتخصص إسرائيل، عدوة ملالي إيران، باغتيال كلّ من يرفعون صوتهم بوجه استبداد إيران؟ يجيب أزلام طهران أن إسرائيل تسعى لإلصاق تهمة القتل بإيران للنيل من سمعة "الجمهورية الإسلامية". ويقول أزلام إيران إن اسرائيل تسعى كذلك لإثارة القلاقل، وبث بذور الفتنة والتفرقة لإشعال حروب أهلية في لبنان والعراق وغيرها، لأن الحروب الأهلية تؤدي إلى إضعاف "المقاومة" بإشغالها بصراعات داخلية. تبريرات إيران وأزلامها للجرائم هي مجرد ثرثرة.

اللبناني أنيس النقاش كان في صفوف مجموعة الفلسطيني الراحل خليل الوزير "أبو جهاد"، وذاع صيته أبان مشاركته مع كارلوس في اختطاف وزراء دول أوبك في فيينا في العام 1975. ويعزو النقاش إلى نفسه تجنيد القائد العسكري الراحل في "حزب الله" عماد مغنية، كما يعزو لنفسه اقترح تشكيل "الحرس الثوري" لحماية الثورة الإيرانية من إمكانية انقلاب عسكري ضدها. ولقربه من ملالي إيران، قام النقاش بمحاولة اغتيال شهبور بختيار، آخر رئيس حكومة ايراني في زمن الشاه، في باريس في 1980، وأمضى عقدا من الزمن في سجن فرنسي.

بعد 12 يوما على اغتيال الحريري في بيروت، في شتاء 2005، أطلّ النقاش في مقابلة عبر قناة الجزيرة القطرية، وقال إنه قبل شهرين من الاغتيال، قام بعقد لقاء مع أحد مستشاري الحريري لتحذير رئيس الحكومة المغدور من مغبة استمراره في سياسة تأييده السعودية. وقال النقاش إن السعودية كانت تساعد الولايات المتحدة في تثبيت الوضع في العراق، وإن تلك كانت خطوة خاطئة لأن الأميركيين كانوا في طريقتهم للهزيمة. وقدم النقاش دليلا: لأن السعوديين لم يغيروا سياستهم، تعرّض مكتب "قناة العربية" في بغداد لتفجير. النقاش نقل التحذير إلى الحريري بمشاركة "أخ إيراني شاهد في هذه الجلسة يتحدث العربية بطلاقة وشاركنا في الحديث".

بعد تصريحات النقاش بسنوات، توصل الادعاء في محكمة دولية تابعة للأمم المتحدة أن قتلة الحريري هم من قادة "حزب الله". لكن الحزب، بعيدا عن تصريحات النقاش المبطنة، لم يعلن مسؤوليته يوما عن الاغتيال، بل هو مارس عمليات تضليل إعلامي، أولها فيديو ظهر فيه إرهابي لبناني مزعوم من "القاعدة"، اسمه أحمد أبو عدس، وتبنى مسؤولية التفجير. ووجد الفيديو طريقه إلى أيدي إعلامي يدير اليوم إحدى أبرز القنوات الفضائية الإيرانية في بيروت، التي تبث بالعربية. 

ثم لما بدى أن قصة أبو عدس ضعيفة، أطلّ نصرالله في خطاب وأطلق الاتهام الجاهز دائما: إسرائيل قتلت الحريري. وبث نصرالله فيديو قال إن مقاتليه استولوا عليه من طائرة مراقبة إسرائيلية، فيه تصوير للبنان من الجو. وقامت دعاية "حزب الله" برسم دائرة حمراء لإظهار موقع اغتيال الحريري، وتاليا اعتبار أن إسرائيل كانت تستطلع مكان الاغتيال قبل تنفيذه. أما المشكلة، فكانت تكمن في أن الدائرة الحمراء بالكاد ظهرت في الفيديو، وعندما ظهرت، لم تكن ولا مرة في وسط الصورة.

وهكذا دواليك، راح اللبنانيون المعارضون لحكم نصرالله وإيران للبنان يتساقطون واحدا تلو الآخر، في اغتيال عقب اغتيال. في كل جريمة، كان مؤيدو "حزب الله" يشنون حملة تحريض، ثم بعد عملية الاغتيال، يتهمون إسرائيل، ويسيرون في جنازة القتيل، ويتظاهرون أن المغدور كان من أصدقاء "المقاومة". 

هو نمط واحد: القاتل مجهول، والقتيل دائما من معارض ملالي إيران وميليشياتهم. العزيز هشام في بغداد تلقى تهديدات من أحد قادة "كتائب حزب الله" يدعى أبو علي. بعد الاغتيال، ستردد ميليشيا المرشد، على الأرجح، مقولة أن الرجل كان خبيرا في شؤون "داعش" والإرهاب، وأن المجرم هو "داعش".

ميليشيات المرشد الإيراني تمارس التضليل نفسه، في العراق ولبنان كما في سوريا واليمن. تتظاهر أن سلاحها هو لحماية ناسها من إسرائيل أو من "داعش"، ولكن الواقع هو أن السلاح هو الذي يقتل العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين. يغتالهم. يجتاح بيروت وجبل لبنان، وحمص وصنعاء. يحاصر مقر حكومة العراق، كما فعلت "كتائب حزب الله" قبل أسبوع لإجبار حكومة مصطفى الكاظمي على الإفراج عن إرهابيين تم اعتقالهم متلبسين بمحاولة إطلاق صواريخ على مطار بغداد.

ميليشيات المرشد لا تحمي الناس، بل تقتلهم، وبجبن. على الأقل المجموعات الإرهابية الباقية تعلن مسؤوليتها عن جرائمها، أما ميليشيات المرشد، فتحرّض قبل الجرائم، وتكذب بعدها. تستعرض قوتها قبل الجرائم، وتختبئ بعدها. هي ميليشيات ماضية في الكذب، لذا صار في بغداد ميليشيات مجهولة الهوية اسمها "جند سليماني" و"ثوار المهندس".

ميليشيات إيران بدأت تختبأ من غضب العراقيين. في لبنان، يختبئ "حزب الله" خلف الطائفية للحفاظ على تأييد بعض اللبنانيين الشيعة له. لكن الشيعة يجوعون كغيرهم، وسيأتي اليوم الذي يعون فيها، ويثورون، ويصرخون في بيروت، كما في طهران: "مرك بر (الموت لـ) ديكتاتور".

الخميس، 2 يوليو 2020

مقاطعة «فيسبوك»... باتت تُهدّد وجوده

واشنطن - من حسين عبدالحسين

نجحت حملة «أوقفوا الكراهية من أجل الأرباح» في إثارة الرأي العام الأميركي ضد «فيسبوك» وصاحبه مارك زوكربرغ، وراحت كبرى الشركات الأميركية تتباهى بانضمامها إلى الحملة وتعليق إعلاناتها في الموقع الشهير، وهو ما ينذر بعواقب مالية وخيمة على عائدات «فيسبوك»، التي بلغت 70 مليار دولار العام الماضي. نجحت حملة «أوقفوا الكراهية من أجل الأرباح» في إثارة الرأي العام الأميركي ضد «فيسبوك» وصاحبه مارك زوكربرغ، وراحت كبرى الشركات الأميركية تتباهى بانضمامها إلى الحملة وتعليق إعلاناتها في الموقع الشهير، وهو ما ينذر بعواقب مالية وخيمة على عائدات «فيسبوك»، التي بلغت 70 مليار دولار العام الماضي. وتهدف الحملة إلى إجبار الموقع وصاحبه على فرض رقابة وإغلاق المجموعات الافتراضية المرتبطة بمجموعات التمييز العنصري البيضاء، وحذف التعليقات والأخبار المضللة والداعية إلى الكراهية والعنف، ضد السود وضد مجموعات أخرى معرضة للاضطهاد، مثل اليهود الأميركيين، الذي يعانون من تحرشات ودعاية وعنف مجموعات «تفوق البيض» العنصرية، المرتبطة بالنازية، ضدهم.

وشاركت في حملة مقاطعة نشر الإعلانات في «فيسبوك»، أكثر من مئة شركة من كبرى الشركات العالمية، مثل أديداس، كوكا كولا، فورد، هوندا، ليفايس، بوما، ريبوك، ونورثفايس. وطلبت الحملة، على موقعها، من الشركات الداعمة لها «بتعليق دعاياتها (لمدة شهر على الأقل) في موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وانستغرام لإجبار زوكربرغ على معالجة آثار فيسبوك على مجتمعنا». وتبلغ عائدات «فيسبوك» الشهرية نحو سبعة مليارات دولار، ما يعني أن تعليق من هذا النوع سيكلّف الموقع أكثر من أربعة مليارات شهرياً.

وقسّمت الحملة مطالبها إلى ثلاثة: المحاسبة، واللياقة، والدعم. تحت خانة محاسبة، طالبت الحملة بتعيين خبراء في الحقوق المدنية لمراقبة وحذف أي خطاب يحث على التطرف والكراهية. كما طالبت بموافقة «فيسبوك» على الخضوع لتدقيقات مستقلة تقوم بها أطراف ثالثة للتأكد أن الموقع يقوم فعلياً بحجب أي كتابات متعلقة بالكراهية القائمة على الهوية والمعلومات الخاطئة، ونشر نتائج موجزة عن التدقيق على موقع متاح للجمهور. «لم يعد بإمكاننا»، حسب الحملة، «الوثوق بما يفعلونه في فيسبوك أو ما لا يفعلونه في سياق مكافحة الكراهية».

وأضافت الحملة إلى مطالبها «إزالة المجموعات العامة والخاصة لمجموعات التفوق الأبيض، ومؤيدي إقامة ميليشيات مسلحة، ومعادي السامية، والتآمر لاستخدام العنف، وإنكار المحرقة (اليهودية في أوروبا)، والمعلومات الخاطئة عن اللقاحات، وإنكار التغيرات المناخية».تحت خانة اللياقة، طالبت الحملة بإنشاء «آلية داخلية للإبلاغ تلقائياً عن المحتوى الذي يحض على الكراهية وعن المجموعات الخاصة، وهذه ليست تجمعات صغيرة من الأصدقاء، بل يمكن أن يكون في عضويتها مئات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من المجموعات البغيضة». وعرّجت الحملة على موضوع شديد الحساسية في الأوساط السياسية الأميركية، إذ طالبت «فيسبوك» بضمان «الدقة في الموضوعات السياسية» التي يحمّلها المستخدمون على الموقع، و«إزالة المعلومات الخاطئة، وحظر دعوات العنف من قبل السياسيين بأي شكل».

وموضوع المعلومات المضللة التي ينشرها غالباً مستخدمون يحملون هويات مزيفة يخضع لنقاش صاخب منذ كشفت أجهزة الاستخبارات الأميركية قيام أجهزة حكومية حول العالم، مثل الاستخبارات الروسية، في إقامة حسابات مزيفة لمستخدمين وبث عبرها معلومات مضللة وتلفيقات، غالباً في خدمة الدعاية التي تحاول الاستخبارات العالمية بثها، أو لبث التفرقة بين الأميركيين ونشر عدم الثقة والعداوة بينهم. وفيما طالب أميركيون كثيرون «فيسبوك» بإزالة هذه الحسابات المزيفة وأخبارها المضللة، أصرّ زوكربرغ على أنه لن يقيم أجهزة رقابية لتفرض رقابة على الآراء، وأن الدستور الأميركي يكفل حق التعبير، حتى لو كان التعبير عبارة عن بث تلفيقات ودسّ أخبار مزيفة. وتعرض زوكربرغ لضغط كثيف بعد قيام ترامب ببث تصريحات حرّضت على العنف ضد المتظاهرين ووعدت بإطلاق النار عليهم، وهي التصريحات نفسها التي دفعت موقع «تويتر» إلى إضافة تعليق، إلى جانب تغريدة الرئيس دونالد ترامب، قدمت فيها للمطالعين مصادر للتحقق من التصريح الرئاسي، الذي شككت بمصداقيته.

وأدى تشكيك «تويتر» بمصداقية تغريدات ترامب إلى إثارة غضب الرئيس، الذي عمد إلى إصدار مرسوم اشتراعي يعامل مواقع التواصل الاجتماعي مثل الإعلام التقليدي، وهو ما يسمح لأي متضرر من الأخبار المضللة أن يقاضي الموقع ويطالب بعطل وضرر. مرسوم ترامب قلّص فعلياً الفارق بين الإعلام التقليدي، المسؤول قانونياً عن كل ما يرد فيه، وإعلام التواصل الاجتماعي غير المسؤول، وهو ما يجبر وسائل التواصل على تعيين مديرين مسؤولين عن محتوى ما ينشره المستخدمون، وهي عملية معقدة وبحاجة إلى عدد ضخم من المحررين ومراقبي المضمون.

وحاول زوكربرغ امتصاص نقمة مطالبيه بالسيطرة على خطاب الكراهية على موقعه، فقام بتعيين، سرق الأضواء، إذ هو نصّب اليمنية الفائزة بجائزة نوبل للسلام توكل كرمان في صفوف المسؤولين عن مراقبة فحوى منشورات المستخدمين. لكن التعيين لم يغير في مجرى الأمور، بل إن عدداً لا بأس به من المستخدمين، مثل معارضين إيرانيين وسوريين، أبدوا امتعاضهم بسبب الرقابة غير المبررة التي صارت تطالهم بسبب نشرهم موضوعات تعارض نظامي إيران وسورية. الحملة ضد «فيسبوك» لن تكون الأولى ولا الأخيرة، والأرجح أن الموضوع، الذي يحوز اهتمام الأميركيين منذ انكشاف أمر استخدام الاستخبارات الروسية لمواقع التواصل الاجتماعي للتلاعب بمواقف الأميركيين وأصواتهم، سيبقى في دائرة الضوء إلى أن يتم التوصل إلى بعض التسويات.وكان البعض قدم نصائح لمواقع التواصل الاجتماعي بالقيام بمراقبة ما يتم نشره عبرها تفادياً لتدخل الكونغرس وقيامه بسنّ تشريعات لفرض هذه المراقبة.

زوكربرغ بدوره، يتمسك بموقفه القائل إن لا دور له أو لموقعه في اتخاذ قرارات بما يمكن وما لا يمكن نشره، وأن هذا نوع من المسؤولية أكبر مما يجب أن تتحمله شركات متخصصة بالتكنولوجيا. ويبدو أن الأمور متجهة لصدور بعض التشريعات الأميركية التي تفرض قوانين نشر على «فيسبوك» و«تويتر» مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، خصوصاً في حال فوز المرشح الديموقراطي للرئاسة جو بايدن في الانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل، وسيطرة الديموقراطيين على الغالبية في مجلس الشيوخ، لإضافتها إلى الغالبية التي يتمتعون بها في مجلس النواب.

والديموقراطيون يسعون إلى دور رقابي حكومي أكبر، فيما يعارض ترامب والجمهوريون أي أدوار رقابية للحكومة، ويعتقدون أنها تتعارض مع التعديل الأول للدستور الذي يكفل حرية الرأي، بغض النظر عن المحتوى، وهو ما جعل أميركا وحيدة، بين ديموقراطيات العالم، من التي لا تمنع وجود أحزاب نازية ولا تعاقب من ينكرون وقوع المجازر الأوروبية بحق اليهود، على عكس القوانين الأوروبية التي تمارس دوراً أكبر في حظر ما تراها خطابات كراهية أو تحريض.

وفي السياق (رويترز)، أزال «تويتر» صورة نشرها ترامب على منصتها للتواصل الاجتماعي بعد أن تلقت شكوى تتعلق بحقوق الملكية الفكرية من صحيفة «نيويورك تايمز». ونشر ترامب التغريدة يوم 30 يونيو الماضي، وكتب فيها «في الواقع هم لا يلاحقونني بل يلاحقونك أنت، أنا فقط أقف في طريقهم»، واستخدم صورة له في الخلفية. وصورة الخلفية كان التقطها مصور «نيويورك تايمز» لتنشر مع تحقيق في سبتمبر 2015 عن ترامب مرشح الرئاسة في ذلك الوقت. ويعرض «تويتر» في مكان الصورة التي أزالتها، رسالة مفادها: «هذه الصورة أزيلت استجابة لبلاغ من صاحب حقوق الملكية الفكرية». وهذه أحدث خطوة يتخذها «تويتر» لإزالة تغريدات لترامب بسبب ما تعتبر الشركة أنها شكاوى تتعلق بحقوق الملكية الفكرية أو لأنها تمثل انتهاكاً لسياستها المناهضة للتهديد بالعنف أو لأسباب أخرى.

Since December 2008