السبت، 19 أغسطس، 2017

اليمين المتطرّف يلوّح بانتفاضة ضد ترامب

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في مؤشر على مدى التخبط الذي يعيشه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ تسلمه الحكم في يناير الماضي، أعلن البيت الأبيض استقالة مستشار الرئيس للشؤون الاستراتيجية ستيفن بانون، اليميني المتطرف الذي أثار تعيينه مديراً لحملة ترامب الرئاسية، ومستشاراً رئاسياً في ما بعد، الكثير من الجدل في صفوف الأميركيين، بمن فيهم الجمهوريون داخل حزب ترامب.

ومع خروج بانون من البيت الابيض، يكون ترامب طرد، خلال نحو سبعة أشهر، أول ثلاثة قام بتعيينهم منذ أصبح رئيساً، بعد إجباره، في أوقات سابقة، كلاً من مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين ورئيس موظفي البيت الابيض رينس بريبس على الاستقالة.

ورغم أن خروج بانون بدا وكأنه بسبب ورطة ترامب وتصريحاته على إثر أحداث شارلوتسفيل، التي شهدت صدامات بين «نازيين جدد» ومعارضين لهم، إلا أن الأنباء المتواترة من داخل البيت الابيض أشارت الى أن عملية خروج كبير مستشاري الرئيس بدأت قبل أحداث شارلوتسفيل، وان بانون وضع استقالته بتصرف ترامب منذ 7 أغسطس الجاري، وأن رئيس موظفي البيت الأبيض جون كيلي هو من طلب استقالة بانون، كجزء من محاولته إعادة ترتيب فريق ترامب.

كذلك، تواترت أنباء مفادها أن ترامب يبدي امتعاضه من بانون منذ فترة، إذ كرر أمام مقربين منه أن بانون يقف خلف التسريبات، التي يعمل ترامب وكيلي على وقفها، خصوصاً أن بانون كان يعمل في الماضي مديراً تنفيذياً لموقع «برايتبارت» اليميني المتطرف. وما يؤكد أنباء ان استقالة بانون كانت معدة سلفاً قبل إعلانها هي المقابلات الاربع التي أدلى بها بانون في الايام الثلاثة الاخيرة، في محاولة بدت بمثابة كتابته لوصيته السياسية قبل خروجه من الحكم ودائرة الاضواء.

وفور شيوع خبر خروج بانون من البيت الابيض، غرّد جول بولاك، أحد كبار الصحافيين العاملين في «برايتبارت» بكلمة واحدة هي «حرب»، ما يؤشر على أن طرد بانون سيؤدي إلى مواجهة بين الرئيس الاميركي والــقاعدة الشعبية اليمينية المتطــرفة، التي تـــــتبع بانون.

ونشر بولاك مقالة شبّه فيها ترامب بمحافظ كاليفورنيا السابق آرنولد شوارزنيغر، وقال ان الرجلين جاءا من عالم الشهرة الى السياسة من دون خبرة، وأن الحركة اليمينية المحافظة كانت تأمل أن يقوم كل منهما بتنفيذ أجندة يمينية ثورية واعدة بالقضاء على الفساد وعلى المؤسسة الحاكمة، إلا أن الأخيرة تصدت - بمساعدة الاعلام الاميركي - لكل منهما، فتراجع حاكم كاليفورنيا السابق وتبنى برنامجاً ليبيرالياً بدلاً من وعوده اليمينية.

وقال بولاك إن قاعدة ترامب صبرت عليه حتى الآن، وهي بالانتظار لترى إن كان سيلتزم بتنفيذ وعوده لليمين المتطرف، أم أن طرد بانون يعني انقلاب ترامب نحو الوسط واليسار والمؤسسة الحاكمة، وهو ما يوجب على القاعدة اليمينية إذ ذاك القيام بانتفاضة على ترامب.

وتعزو غالبية المراقبين أكثر قرارات ترامب تطرفاً، مثل محاولته فرض «حظر سفر» على المسلمين، وانسحابه من اتفاقية باريس حول المناخ واتفاقية «الشراكة عبر الهادئ»، الى تأثير بانون عليه. على ان السؤال، بعد خروج بانون، هو هل سيبقى ترامب «ترامباً»؟ أم أنه سيتغير ويصبح أكثر حكمة وهدوءاً مع خروج أحد اكثر المستشارين المتطرفين من فريقه؟

الخميس، 17 أغسطس، 2017

إيران تُغامر بعودة العقوبات إذا نفذ روحاني تهديداته

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ربما لم يعنِ الرئيس الإيراني حسن روحاني ما قاله عن انسحاب بلاده من الاتفاقية النووية في حال إقرار الولايات المتحدة رزمة جديدة من العقوبات على طهران.

ربما كان حديث روحاني موجهاً إلى الداخل الإيراني، في محاولة استعراض قوة بعد إعادة انتخابه لولاية ثانية.

على ان النصيحة الافضل لمصالح ايران جاءت من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي دعا طهران الى عدم تنفيذ تهديدات روحاني، وانتقد في الوقت نفسه اي عقوبات أميركية أحادية ممكنة على الايرانيين، فروسيا أيضاً تعاني من هذا النوع من العقوبات التي وصفها الوزير الروسي بأنها غير شرعية.

ونصيحة لافروف مبنية على نص الاتفاقية النووية، وهو نص غامض في مواضع كثيرة، لكنه واضح في أمر وحيد: إذا ما انسحبت ايران من الاتفاقية النووية، تعود تلقائياً - ومن دون حاجة العودة الى مجلس الأمن او الأمم المتحدة - كل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على الجمهورية الاسلامية.

هذا يعني أنه إذا قررت إيران مواجهة العقوبات الاميركية الأحادية الجديدة، فالمواجهة التي هددت بها ستجبر المجتمع الدولي، بما فيه أصدقاء ايران مثل روسيا، على التزام عودة العقوبات الدولية بأكملها. وهذا يعني أيضاً أن إيران ستكون بين خيارين: إما قبول العقوبات الأميركية الأحادية، وإما رفضها والعودة إلى عقوبات دولية كاملة. صحيح أن العقوبات الاميركية الاحادية موجعة، وللروس تجربة واسعة في هذا الاطار بسبب العقوبات الاميركية المتصاعدة عليهم، الا أن توسيع العقوبات لتشمل أوروبا والصين وباقي العالم ستكون موجعة أكثر للايرانيين.

ومن المرجح أن تحمل العقوبات الاميركية عدداً كبيراً من الشركات غير الاميركية على البقاء خارج السوق الايرانية، بسبب خوفهم من أن يحرمهم تعاملهم مع ايران سوق اميركا، وقطاعها المصرفي، الذي يغطي معظم النشاط الاقتصادي العالمي.

خطة فرض عقوبات أميركية تربك إيران، وقد تدفعها الى التهور والانسحاب من الاتفاقية النووية. وكان أول من تناقل هذه الخطة في العاصمة الاميركية الخبراء والمسؤولون السابقون من أصدقاء إسرائيل، إذ يعتقد هؤلاء أن فرض عقوبات اميركية على ايران، بتهم تتعلق بدعمها الارهاب، سيدفع طهران الى ردة فعل تنسحب بموجبها من الاتفاقية النووية، وهو ما يعيد العقوبات الدولية، وينسف الاتفاقية التي توصل اليها العالم مع الايرانيين، وهو الهدف الاول لاصدقاء اسرائيل ومعظم اليمين الاميركي.

ومنذ وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الابيض في يناير، عمدت الادارة الاميركية إلى اتهام إيران بتجاوز بنود الاتفاقية النووية عبر قيامها بتجارب صواريخ بالستية. الا ان الاتفاقية لم تتطرق إلى هذه الصواريخ، ما يعني أن إيران ملتزمة الاتفاق، وهو ما حمل الادارة على إجبار ترامب على توقيع تمديد اعفاء إيران من العقوبات مرتين. لكن ترامب تمرد بعد ذلك، واعتبر ان ايران تلتزم نص الاتفاقية النووية، لكنها «لا تلتزم روحها»، وهو ما سيدفعه الى عدم توقيع الاعفاءات في الموعد المقبل لها، اي في أكتوبر المقبل.

بدورها، اتهمت إيران أميركا بتجاوز الاتفاقية بعدم رفعها كل العقوبات عن ايران، لكن الاتفاقية حددت بشكل واضح ان توقيعها يؤدي الى رفع أميركا والعالم العقوبات المفروضة بسبب نشاطات ايران النووية، ولم تذكر الاتفاقية ان العالم يرفع العقوبات المفروضة على ايران بتهم تتعلق بدعمها الارهاب، وهو ما يعني ان اتهامات ايران لاميركا بانتهاك الاتفاق هي، مثل اتهامات اميركا لايران، غير صحيحة، وتأتي من باب التحريض الاعلامي والسياسي، الذي يأمل البعض في الادارة الاميركية ان يحمل إيران على الانسحاب من الاتفاقية، وتالياً تنهار وتعود الامور بين ايران والعالم الى نقطة الصفر، مع شبه استحالة الوصول لاتفاقية نووية جديدة، فتعيش ايران تحت العقوبات الدولية القاسية حتى إشعار آخر.

الأربعاء، 16 أغسطس، 2017

عندما يجمع العالم على الأسد

حسين عبدالحسين

أن يحلف نازيو أميركا الجدد بحياة الرئيس السوري بشار الأسد ويرفعوا صورته تباهيا، وان تصر اسرائيل الصهيونية على ابقاء الأسد في الحكم واعادة سيطرته على الجنوب المحاذي للأراضي السورية التي تحتلها، وان يتمتع الأسد بدعم ايران المعادية لاسرائيل، وان يتمتع بتأييد اليمين الاوروبي والاميركي بحجة دفاعه عن مسيحيي الشرق، وان يتمتع بتأييد اليسار الاوروبي والاميركي ممن يرون فيه عنوانا للتصدي للامبريالية…

أن تُجمع تيارات العالم المتناقضة على الأسد هي ضربة حظ ربما لم تسنح لطاغية في التاريخ الحديث. ان يتوافق النازيون والصهاينة على الأسد، وان تتوافق ايران واسرائيل و“حزب الله“ على الأسد، وان يتوافق اقصى اليمين المسيحي مع اقصى اليسار اللامبريالي عليه…

في عالم قاس غير عادل، في عالم يلقّن الاجيال ان القوة هي العدل، في عالم تنهار فيه المحاكمات الدولية وتتزاحم في سمائه مقاتلات جيوش العالم على انواعها واشكالها، لا يعارض الأسد ويرغب في رؤيته يرحل الا غالبية السوريين. هؤلاء السوريون كانوا غالبية يوم ثاروا، واليوم صاروا أقلية في بلادهم، بعدما صارت غالبيتهم في مخيمات اللجوء، وفي قعر المتوسط، وتحت ركام مدنهم، وفي دول الشتات.

لم يعد لدينا ما نقوله للسوريين. لم يعد لدينا، نحن من نعدد التصريحات ونحصي المواقف، ونربطها ببعضها البعض، ثم نفككها، ونشرح للسوريين سبب مآساتهم، ونحاول ان نمنحهم بعض الأمل بقرب نهاية ازمتهم، لم يعد لدينا الكثير لنقوله. كل ما بوسعنا قوله هو ان العالم بارد، مظلم، قاس، يحكم فيه القوي الضعيف، حظكم ان امهاتكم ولدتكم حيثما ولدتكم في سوريا، وهي لو ولدتكم في الحي المجاور، لكنتم شبيحة تضربون وتشتمون وتقتلون وتعفشون، بلا حسيب.

والدين افيون الشعوب، به يتداوى السوريون، وبه يخففون ألمهم من أسد كاسر عليهم ولا يجد من يردعه. بأفيون الدين يتمسك السوريون بالعدالة، ان لم تكن ارضية، فإلهية. ذاك الصبي الذي لفظه البحر ميتا، وتلك الفتاة التي خرجت اشلاء من تحت الركام، كيف قتلوا؟ من يعزي اهلهم وينصفهم بعدالة؟ لولا السماء، لما تبقى للسوريين بقعه يوجهون نظرهم اليها.

اما الاشقاء، فمن غالبيتهم الشقاء، يذلّون السوريين في لبنان، يستقوون عليهم، يضربونهم من دون حساب، يعذبونهم في اقبية الاستخبارات، فيموتون.

هؤلاء الاشقاء الذين يبيعون الحرية بالعلمنة، فيخسرون الاثنين معا. لم يسبق ان عاش شعب في شقاء كالذي يعيشه العرب اليوم. اصبح حكام بنادق فلسطين الفاسدة ابطالا قياسا ببعض حكام العرب اليوم، وتآمرهم في لوبيات الفنادق، وعلى شاشات الفضائيات.

نحن من تابعنا الثورة السورية بشغف منذ اندلاعها قبل ست سنوات، صرنا نفهم التصريحات من الاشارة. هي طلاسم عادة يفهمها من ينغمس فيها، ويستخدمها ترميزا لافهام الآخرين. نحن من نفهم طلاسم السياسة حول سوريا نعرف ان من كان يعد بخروج الأسد من الحكم، بالسياسة او بالحرب، تراجع اليوم وقبل بقاء الأسد، واستعار موقفه من الغموض الاميركي، الذي كان يبدو وكأنه يطلب رحيل الأسد، فيما هو كان واقعا يطالب ببقائه. كان الاميركيون يقولون ان ”الأسد ليس جزءاً من مستقبل سوريا“، وهذا يعني على الأقل انه سيكون جزءاً من عمليتها الانتقالية، او مهيمنا على هذه العملية، وهي العملية التي تقرر المستقبل.

لم يكن تخلي بعض الاشقاء العرب عن السوريين وتراجعهم امام الأسد الاول من نوعه. سبق للاشقاء ان قالوا ان العدالة اتهام سياسي، وتخلوا عمن هو لهم، فلم يجنوا عدالة، ولا سياسة.

العالم يجمع على الأسد، ويتفرق عن العدل والعدالة. مازال العالم بعيدا عن مبادئ التنوير، التي يتظاهر الغرب انه يتبناها ويتباهى بها. هو عالم مبني على القوة، والقوي ليس من يمارس القوة فحسب، بل من يمارسها ويختبئ في ثياب الحملان والمستضعفين والمظلومين والمحروقين والاقلويين.

لا حرية رأي في السعودية وإيران


أصدرت النيابة العامة السعودية بيانا حذّرت بموجبه المواطنين من الإدلاء بأي "كلمة تضر بالمجتمع"، معتبرة أن من صلاحياتها "متابعة خطورة الكلمة التي تثير الكراهية"، ومتوعدة "بملاحقة أي مشاركة تضر بالمجتمع أيا كانت ذرائعها أو وسائل نشرها". وجاء بيان السعودية بعد شهرين على تحذيرها والإمارات لمواطنيهما والمقيمين لديهما من بث أي تغريدات مؤيدة لقطر، تحت طائلة عقوبة سجن تصل إلى ست سنوات.

وجاء البيان على خلفية محاولة منع بعض المغردين السعوديين من تكفير من يترحمون على الممثل الكويتي الراحل عبدالحسين عبدالرضا. صحيح أن هدف النيابة العامة سام، لكن استسهال محاسبة الناس على آرائهم مشكلة. والسعودية تنخرط في مواجهة عقائدية ودينية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية غير مباشرة، ضد جارتها إيران، إلا أن العداء المستشري بين الرياض وطهران لا يعني أن أيا منهما يظهر احتراما لحرية الرأي.

وعلى الرغم من التباين الواسع بين حكم ولي الأمر في المملكة السعودية وحكم الولي الفقيه في الثيوقراطية الإيرانية، تتشابه الدولتان في ثقافة الحكم، لناحية تسيير "شرطة دينية" تحدد اللباس، والمأكل، والمشرب في الأماكن العامة والخاصة، في وقت تسعى فيه أجهزة رقابة الدولتين للسيطرة على الآراء، وقمع الحريات.

هكذا، على الرغم من الاختلاف الكبير بين المملكة العربية السعودية والثورة الإسلامية الإيرانية، تحتل الدولتان مركزا يكاد يتطابق في قعر سلم الحريات، حسب تصنيف "مراسلين بلا حدود"، إذ تحل إيران في المرتبة ١٦٥ عالميا، تليها السعودية في المركز ١٦٨، من بين ١٨٠ دولة حول العالم يشملها التصنيف.

واعتقاد أي حاكم أو حكومة أن مهمته تحديد ما يقرأه، أو يسمعه، أو يشاهده، أو يقوله المحكوم، هو اعتقاد لا يقتصر على السعودية وإيران، على الرغم من قسوة الرقابة في هذين البلدين.

حتى لبنان، الذي يحل في المرتبة ٩٩ عالميا والثانية بين الدول العربية بعد تونس، حسب التصنيف ذاته، يعاني من اعتقاد حكامه أنه يمكنهم ممارسة الوصاية الفكرية على اللبنانيين.

قبل أسابيع، شاركت في مباراة كرة قدم مع أبناء جيلي في بيروت، وعمد المنظمون إلى تصوير الحدث، وأرسلوا لي بالبريد السريع إلى واشنطن قرصين مدمجين، أحدهما فيديو والآخر صور فوتوغرافية. فتحت البريد فإذا بالمظروف سبق أن تم فتحه، ثم إغلاقه بشريط لاصق، مع اختام "مديرية الأمن العام، دائرة البث المرئي والمسموع".

حكومة لبنان تلصصت علنا على خصوصيات لا تعنيها، على الرغم من أن شبكة الإنترنت فتحت الباب لنقل أي معلومات بعيدا عن أعين الرقابة، إلا في حال تحويل البلاد إلى زنزانة يسود فيها رأي واحد وحيد، تجيزه الحكومة، وتسمح بتداوله، على غرار السعودية وإيران والصين وروسيا، حيث إغلاق مواقع على الإنترنت، وتحريم استخدام تقنية "في بي أن"، التي تسمح بتجاوز الرقابة، تحت طائلة الملاحقة القانونية.

في الآونة الاخيرة، تصاعدت عملية قمع الرأي في لبنان، إذ قام وزير الخارجية جبران باسيل، وهو صهر رئيس لبنان ميشال عون وطفله المدلل، بالادعاء ضد لبنانيين ممن كتبوا ضده في وسائل التواصل الاجتماعي. وتم توقيف صحافيين ومواطنين، والتحقيق معهم، وتهديدهم بالسجن.

لبنان تحكمه دولتان: دولة "حزب الله" صاحبة اليد العليا، ودولة الطبقة السياسية الفاسدة الضعيفة التي تستقوي على من هم أضعف منها. واللبنانيون يعانون من مشكلة العيش في ظل دولتين، ودستورين، وقانوني حرية. فيكتب صحافي أو ناشطة عبارات ضد وزير الخارجية تقود صاحبها إلى التوقيف والتحقيق، فيما يقوم صحافيو "حزب الله" وقادته بإصدار تهديدات علنية وواضحة بالتصفية الجسدية والقتل ضد معارضي الحزب، من دون محاسبة.

في بعض الدول العربية وإيران والصين وروسيا، لا حرية رأي، بل لا حرية بشكل عام، فقط أنظمة متسلطة يقوم فيها القوي بفرض رأيه على الضعيف، تحت طائلة السجن والتعذيب، وحتى التصفية الجسدية. ثم تشكو حكومات هذه الدول المتسلطة من تدخل حكومات العالم في شؤونها، وتعتبر أن قمع حرية الرأي يندرج ضمن إطار "سيادة الحكومات"، وخصوصيات المجتمع المحكوم، وأن ثقافات هذه المجتمعات تحتم عدم خضوعها لـ "شرعة حقوق الإنسان"، وهذا موقف يوافق عليه للأسف بعض الغربيين من المعروفين بـ "الاستنسابيين الثقافيين"، ممن يدعون لترك المجتمعات تقرر قوانينها، من دون فرض مبادئ عصر التنوير الغربي عليها، وفي طليعتها الحرية الفردية.

هنا في الولايات المتحدة، مشى النازيون في تظاهرة لم تمنعها أي سلطة أميركية، على الرغم من خوض البلاد حربا عالمية لإلحاق الهزيمة بالنازية نفسها. لكن حرية الرأي مقدسة، حتى لو أثارت بلبلة ومواجهات وأدت إلى سقوط قتلى.

ولضبط الأوضاع، أعلن حاكم فيرجينيا حظر تجول، لكنه لم يعلن حظر رأي، فيما طالب الأميركيون رئيسهم دونالد ترامب بإدانة النازية ومؤيديها الأميركيين، لكن لم يطالب ولا أميركي الرئيس بحظر النازية أو منع مؤيديها من التعبير عن نازيتهم. هكذا تكون حرية الرأي.

الاثنين، 14 أغسطس، 2017

واشنطن تعوّل على استخدام الكويت «كل إمكاناتها» لتسوية الأزمة الخليجية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

عادت إلى واشنطن البعثة الاميركية المولجة دعم الوساطة الكويتية بين قطر، من جهة، والسعودية والامارات والبحرين ومصر، من جهة ثانية. وتألفت البعثة من الجنرال المتقاعد انتوني زيني ومساعد وزير الخارجية تيموثي لندركنغ.

الاوساط الاميركية نقلت عن المبعوثين الاميركيين بعض الملاحظات عن حصيلة جولتهما، التي يبدو ان المبعوثين اعتبرا أنها «لم تكن موفقة»، وتوقعا استمرار الازمة الخليجية في المستقبل المنظور. وتتشابه انطباعات زيني ولندركنغ مع ما سبق ان نقلته «الراي» عن وزارة الخارجية الاميركية، إبان عودة وزير الخارجية ريكس تيلرسون من جولته الخليجية الشهر الماضي، على اثر فشل الوساطة التي انخرط فيها للتوصل الى تسوية للأزمة الخليجية.

وأصدر تيلرسون يومها تعليمات الى وزارته تقضي بضرورة العمل على اساس ان «الأزمة ستطول». وفي وقت لاحق، رصدت «الراي» موقفا مشابها في وزارة الخارجية البريطانية، مع إصدار الحكومة تعميماً بوجوب استنباط سياسات مبنية على «طول الأزمة» الخليجية.

انطباعات البعثة الاميركية الى الخليج لا تختلف عن سابقاتها: يرفض الطرفان الخروج من الأزمة بمظهر المتراجع، وهو ما حدا بالكويت الى محاولة ابتكار مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين، أي العودة الى الساعات التي سبقت اندلاع الأزمة.

تروي المصادر الاميركية ان الاعلان عن توقيع قطر مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن مكافحة تمويل الارهاب، وهي مذكرة تم توقيعها قبل اندلاع الأزمة ولكن تم تكرار الاعلان عنها بعد وقوع الأزمة، كان هدفه تصوير وكأن قطر أظهرت بعض التعاون مع مطالب جيرانها. كما تراجع خصوم قطر عن نصف مطالبهم، والتزموا بالتي يمكن تنفيذها التزاما باتفاقية 2014 بين الطرفين.

في نفس الوقت، حرص القطريون على تضمين أي بيان تسوية بنداً يشير الى ضرورة اللجوء الى القنوات الديبلوماسية، وخصوصاً مجلس التعاون الخليجي، في حل أي أزمات قد تنشأ مستقبلاً، في اشارة واضحة ان الدوحة مستاءة من كيفية قيام الدول الأربع بإعلان مقاطعتها عبر الإعلام، من دون أي تحذيرات ديبلوماسية سابقة للحرب الاعلامية عليها.

«كل هذه النقاط توصلت الكويت الى إقناع الطرفين بها، فانحصر الخلاف ببعض السياسات الفعلية التي تصر الامارات والسعودية على إلزام قطر بها، فيما تعتبر الدوحة أنه مطلب يتعارض مع إصرار هاتين الدولتين على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل بشؤون بعضها البعض»، حسب المصادر الاميركية.

ويبدو ان الامارات والسعودية، اللتين تتمسكان بمبدأ «عدم تدخل الدول في شؤون بعضها البعض»، مصرتان على حمل قطر على عدم الانحياز الى جانب تنظيم «الإخوان المسلمين» في مصر، ووقف أي دعم تقدمه لهذا التنظيم، وتسليم قادته المقيمين في قطر الى القاهرة. لكن الدوحة ترد ان مبدأ «عدم التدخل» يقضي بألا تتدخل الامارات والسعودية في المواقف التي تتخذها قطر في مصر أو أماكن أخرى من العالم.

يقول الاميركيون: «ألا تتدخل بشؤون السعودية أو الامارات يعني ألا تؤوي قطر معارضين من هذين البلدين، ولكنه لا يعني ان تتبنى قطر سياسات اقليمية متطابقة مع جارتيها».

الكويت لاتزال تسعى لرأب الصدع، حسب المصادر الأميركية، التي تضيف ان «الكويت تعتقد أن لا مفر من التوصل إلى تسوية، وان أي بديل هو استمرار الوضع السائد، وهو وضع لا يمكن للكويت أذن تقبل بأن يصبح طبيعياً، أو على الأقل، لن ترضى أن يصبح طبيعياً من دون أن توظف كل إمكاناتها في محاولة لتغييره وإعادته الى سابق عهده».


«الريل» تنقل وحدات تصنيع المترو من دبي إلى الدوحة



دبي - «سي إن إن عربية» - أعلنت شركة سكك الحديد القطرية «الريل»، نقل مقر مركز تصنيع أنظمة إدارة التحكم الآلي لمرافق محطات مشروع مترو الدوحة، من مقرها السابق في دبي بالإمارات إلى الدوحة.

وقال وزير المواصلات والاتصالات القطري جاسم بن سيف السليطي: «سرعة اتخاذ القرار والتحديات اللوجستية التي تم التغلب عليها بصورة عملية، بنقل مقر مركز تصنيع هذه الأنظمة، تؤكد إيماننا بمرونة المشروع وقدرته على التكيف مع الظروف المحيطة، وهي دليل على قدرة إدارة شركة (الريل) على التعامل مع التحديات غير المتوقعة والتغلب عليها»، حسبما نقلت وكالة الأنباء القطرية الرسمية «قنا».

وأضاف السليطي: «تبدد الآن أي شك في احتمال تأخر المشروع جراء العوامل الخارجية، وذلك بفضل العمل الجاد والتفاني اللذين يتحلى بهما فريق الشركة... وبهذا الالتزام والتفاني، يمكن لدولة قطر أن تتطلع قدماً للوقت الذي تنعم فيه بخدمة مواصلات آمنة، وتتسم بالكفاءة ومن الطراز العالمي بإدارة فريق من الخبراء في مجالهم».

من جانبه، قال العضو المنتدب الرئيس التنفيذي لشركة سكك الحديد القطرية عبدالله عبد العزيز السبيعي، إن «إنجاز أعمال التصنيع والتجميع والاختبار في مدينة الدوحة يعني أن هذه الأعمال ستحظى بإشراف أفضل، وإن برنامج التسليم لن يتأثر جراء عمليات تأخير غير متوقعة، حيث سيكون (مركز تصنيع نظم إدارة التحكم الآلي للمرافق) بمثابة مقر اختبار يجري فيه فحص دقيق لعمل وأداء نظم إدارة التحكم الآلي للمرافق الخاصة بكل محطة من محطات المترو، وعند الانتهاء من أعمال الاختبار، سيتم نقل لوحات ومكونات النظام من المركز إلى محطات المترو المختلفة».

وأكدت الشركة القطرية أن مشروع المترو «يسير نحو الانتهاء في وقته المحدد وحسب الخطة، ومن المتوقع أن تصل أول أربعة قطارات من اليابان إلى الدوحة قبل نهاية العام الحالي».

الأحد، 13 أغسطس، 2017

صدامات شارلوتسفيل الدامية تثير تساؤلات عن تغذية خطاب ترامب... عنصرية المتطرفين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

المواجهات العنيفة التي اندلعت في مدينة شارلوتسفيل، في ولاية فرجينيا، بين متطرفين عنصريين بيض ومعارضين لهم، أجبرت محافظ الولاية تيري ماكوليف على إعلان حالة الطوارئ ونشر جيش الولاية (الحرس الوطني) لفرض الأمن ومنع المواجهات من التفاقم.

واندلعت المواجهات على خلفية قيام مجلس المدينة، التي تستضيف جامعة فرجينيا المرموقة وتسكنها غالبية من الليبراليين المؤيدين للحزب الديموقراطي، بإزاحة تمثال يعود لروبرت لي، رئيس الكونفيديرالية التي انهزمت في زمن الحرب الاهلية الاميركية منتصف القرن التاسع عشر. وجاءت عملية الازاحة من ضمن سلسلة من إزاحة تماثيل الكونفيديرالية في عموم البلاد، وهي تماثيل تعود لشخصيات تعتبرها غالبية الاميركيين من الشخصيات البغيضة والعنصرية التي حاربت من أجل بقاء العبودية.

وكانت مجموعة من «النازيين الجدد» وأحزاب «التفوق العرقي للبيض» دعت لتظاهرة ضد إزاحة التمثال، فدعا مؤيدو الازاحة الى تظاهرة مضادة في المكان نفسه. ولما تلاقت التظاهرتان (ليل أول من أمس)، تأزمت الأمور واندلعت اشتباكات تم فيها استخدام العصي والحجارة. واستقدم المتطرفون الدعم على شكل مؤيدين لهم من المسلحين، فخشي المحافظ أن تتأزم الأمور أكثر، وأعلن «حالة الطوارئ»، وهو ما يتضمن فرض حظر تجوال في المدينة ونشر «الحرس الوطني».

وقتلت امرأة في الثانية والثلاثين من العمر عندما صدمت سيارة عمداً، الحشد الذي تجمع للاعتراض على المتطرفين، في حين قتل شرطيان في تحطم مروحيتهما بالقرب من المدينة، من دون أن يُعرف ما إذا كانت هناك علاقة بين هذا الحادث وأعمال العنف. وفيما كان الأميركيون يحبسون أنفاسهم وهم يشاهدون حربهم الاهلية تتجدد على نطاق أحياء وعلى مستوى شباب، التزم الرئيس دونالد ترامب، الثرثار عادة عبر «تويتر»، الصمت، ولم يخرج من فريقه إلا زوجته، السيدة الاولى ميلانيا بتصريح عبر «تويتر»، أشادت فيه بحرية الرأي التي يكفلها الدستور، ودعت الأميركيين الى تفادي إثارة الشغب والقلاقل.

ونشر رئيس تنظيم «كو كلوكس كلان» الابيض المعادي للسود ديفد ديوك تغريدة قال فيها ان المواجهات هي مصادقة لوعود ترامب بعودة البيض الى سابق سطوتهم وقضائهم على الاعراق الاخرى. وفي ظل استمرار صمت ترامب، انهمرت الانتقادات عليه من الجانبين، الجمهوري والديموقراطي، عبر الاعلام.

واعتبر قياديو الحزبين ان المتطرفين البيض كانوا دائماً موجودين بين الاميركيين، الا أن انتخاب ترامب، وتصريحاته العنصرية المعادية للمسلمين والاميركيين من أصول اميركية جنوبية، فتحت الباب للمتطرفين البيض بالتحرك والخروج الى الضوء، والقيام بأعمال شغب لم تشهدها البلاد منذ ستينات القرن الماضي.

ريتشارد باينتر، محامي الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن، اتهم ترامب بتغذية العنصرية لدى المتطرفين البيض، واعادة علم الكونفيديرالية من هامش الحياة السياسية الى صلبها، وعودة ظهور الزوبعة النازية «سواستيكا»، وعودة تنظيم البيض أنفسهم وحمل مشاعل «كو كلوكس كلان».

كما اتهم باينتر مستشار ترامب ستيف بانون ومساعده ستيفان غوركا، وهو من أصول مجرية ولديه علاقات معروفة بنازيي المجر، بتحريك المجموعات المتطرفة بين البيض الاميركيين، معتبراً أن ترامب لا يرغب بوضع حد لهؤلاء لأنهم يشكلون عصب كتلته الناخبة.

بدورهم، اعتبر قياديو الحزب الديموقراطي ان المواجهات والتغطية الاعلامية أعطت المتطرفين ما يريدونه، وهو عودتهم الى صلب الحياة السياسية، بعد بقائهم على الهامش على مدى نصف القرن الماضي. وبعد ساعات على وقوع المواجهات، خرج ترامب عن صمته، وكتب في تغريدة: «علينا أن نتحد جميعاً لندين العنف… لا مكان لهذا النوع من العنف في أميركا… لنتوحد في صف واحد»، الا ان الغالبية اعتبرت ان التغريدة لم تكن كافية، لأنها لم تتضمن إدانة لمجموعات التطرف العنصري البيضاء، بل دانت العنف بشكل عام. وتمسك غالبية الخبراء بالرأي القائل ان ترامب يتفادى إدانة العنصريين خوفاً من تراجع شعبيته في أوساطهم.

وعلى وقع الضغوط، قال ناطق باسم البيت الابيض، مساء أمس، إن «الرئيس قال بقوة امس (السبت) انه يدين كل اشكال العنف وانعدام التسامح والكراهية. وهذا يشمل بالتأكيد المنادين بتفوق العرق الابيض و(جماعة) كو كلوكس كلان والنازيين الجدد وكل المجموعات المتطرفة».

السبت، 12 أغسطس، 2017

الاسلام ليس الحل

بقلم حسين عبد الحسين

يقول صديقي دايف، البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إن مشكلة العرب اليوم تكمن في أن خياراتهم تنحصر بين "أهل الشوارب" و"أهل اللحى"، أي أن خيارات العرب في الحكم تنحصر بين الطغاة وعسكرهم وشواربهم، من ناحية، والإسلاميين ولحاهم، من ناحية ثانية. 

لسنا بحاجة للاستفاضة في الحديث حول الفشل الذريع للحكم الدموي الذي مارسه "أهل الشوارب" على مدى السنوات السبعين الماضية في دنيا العرب، من المصري جمال عبدالناصر، مؤسس نموذج الحكم بقبضة الاستخبارات الحديدية، إلى العراقي صدام حسين وحروبه واجتياحه دولة الكويت وضربه الكرد بأسلحة كيماوية، إلى الأسد الذي لم يتوان عن استخدام الأسلحة الكيماوية نفسها ضد السوريين المدنيين وتحويل مدن سورية إلى ركام فوق رؤوس ساكنيها. 

لكن فشل طغاة العرب في بناء أوطان أو حكمها لا يعني ضرورة استبدالهم بـ "أهل اللحى" من الإسلاميين. وقبل أن نتحدث عن تجربة الأحزاب الإسلامية في العمل العام، لا بد من الخوض في التناقض الذي يفرضه مبدأ الدولة الإسلامية، فالحاكم الإسلامي يفترض أن حكمه يستند إلى مشيئة إلهية، كما في الحالة الشيعية الإيرانية، وهو ما يعني أن لا قيمة لأية انتخابات أو خيارات يقوم بها المواطنون، طالما أن المواطنين هم بشر والحاكم يحكم بنيابته عن "الإمام الغائب"، وهو ما يبطل تسمية "الجمهورية الإسلامية" ويجعلها ديكتاتورية ثيوقراطية (دينية) صرفة. 

وتجربة "الجمهورية الإسلامية" في إيران هي حصيلة تطور الفكر الديني لدى بعض رجال الدين الشيعة، فمحمد باقر الصدر أراد أن يلعب رجال الدين دورا استشاريا لحكومة لا دينية في العراق. ثم حوّل روح الله الخميني دور رجال الدين من استشاري للحكومات إلى دور حاكم، ونصّب نفسه حاكما أوحدا، وهو ما يناقض مبدأ الاجتهاد الذي يقول بتعدد المرجعيات عند الشيعة. وبين الصدر والخميني، أضاف علي خامنئي رؤيته المستوحاة من كتابات الإسلاميين السنة المصريين، ممن ترجم كتبهم إلى الفارسية، فاكتمل خليط الاضطراب حول هوية الحاكم الإسلامي ومن يختاره: هل يستمد حاكم إيران الإسلامي شرعيته من الجماهير، إذن جمهورية غير مرتبطة بالمشيئة الإلهية أو الدين، أم أن حاكم إيران يحكم بنيابته عن الإمام، إذن لا حاجة للجماهير؟

عند المسلمين السنة، لم يفسح المجال كثيرا للإسلاميين لتسلم زمام الحكم في أي من الدول العربية. في السعودية، الحكم يستند إلى مبايعة المجموعات القبلية أو العشائرية ولي الأمر. "الإخوان"، بدورهم، اعترضوا على المبايعة السعودية وتمسكوا بمبدأ "الشورى". لكن الشورى فكرة فضفاضة في التاريخ الإسلامي، ولا تجربة تاريخية واضحة حولها، إذ أن كلا من الخلفاء الراشدين الأربعة — حسب التقليد الإسلامي — تم اختياره بشورى تختلف عن سلفه، وهو ما جعل مبدأ "الشورى" عند "الإخوان" يستند إلى الاقتراع، في عملية ديموقراطية تشبه إلى حد بعيد تلك السائدة في ديموقراطيات العالم.

بيد أن القصور الأكبر في رؤية "الإخوان المسلمين" للحكم لا يتمحور حول كيفية اختيار الحاكم، وللأحزاب الإسلامية تاريخ في اختيار قادتها بالاقتراع. القصور في رؤية
"الإخوان" يكمن في مدى الصلاحيات التي يعتقد مناصرو هذا التنظيم أن الحكام أو الحكومات يكتسبونها بعد انتخابهم بغالبية شعبية، فالغالبية الشعبية تمنح الحاكم المختار صلاحيات رسم وتنفيذ سياسات الدولة، لكن الغالبية الشعبية لا تمنح أي حكومة صلاحيات تغيير أو تعديل شكل الحكم وأسس الدولة، فتعديل نظام الحكم يحتاج إلى غالبية مطلقة، لا غالبية نصف زائد واحد البسيطة.

هكذا رأينا في تجارب الإسلاميين السنة محاولات لتغيير نظام الحكم بالاستناد إلى استفتاءات شعبية وغالبية بسيطة، مثل في الحالة التركية، أو مثل التجربة القصيرة جدا لحكم "الإخوان" في مصر، حيث حاول حكام مصر من "الإخوان" إعادة كتابة الدستور بشكل لا تجيزه الغالبية البسيطة التي كانوا يتمتعون بها.

أما أبرز "تعد على الصلاحيات" من التي يمارسها الإسلاميون في الحكم، باسم الديموقراطية، فهي غالبا ما تشمل محاولاتهم تعديل القوانين الاجتماعية وتلك الناظمة للمساحات العامة، فيمضي "الإخوان" في محاولة تحديد ما يلبسه المواطنون في الأماكن العامة، وما يشربونه، وما يأكلونه، ومن يعبدون، وكيف يتعبدون، وهذه تشريعات تجعل من حكم الغالبية "طغيان الأكثرية".

الإسلام ليس حلا، ولا يمكن للحكم الإسلامي أن يكون بديلا عن حكومات الطغيان التي تحكمت بالعرب، الإسلام هو تجربة روحانية وفكرية، هدفها تحويل الفرد إلى فرد أفضل في أخلاقه وممارساته، وهو قد يغني حياة المواطنين، ولا يرتبط بالحقوق والواجبات المدنية التي يتمتعون بها، ويحصلون عليها من دولهم، التي يختارون حكامها وحكوماتها. 

الإسلام ليس الحل. الديموقراطية هي الحل.

قطر 2017

حسين عبدالحسين

يروي الأصدقاء الكويتيون أن بلادهم كانت في طليعة مؤيدي القضايا العربية، وأنها استضافت يوماً اللاجئ ياسر عرفات، الذي أسس حركة التحرير الفلسطينية "فتح" في الكويت. تلك الحماسة الكويتية أصابها الفتور بعد الغزو العراقي، ووقوف عرفات إلى جانب الغازي العراقي صدام حسين عندما كان يستعرض جيوشه. تجربة الغزو العراقي وعملية التحرير التي تلتها غيّرت الكويت، وحوّلت سياستها الخارجية الى حياد يكاد يجعلها متطابقة مع سياسة سويسرا المحايدة دولياً.

اليوم، يحاول بعض الزملاء المخضرمين العرب تحميل الكويت منّة وقوف دول عربية الى جانبها في التحرير. صحيح أن بعض الدول العربية وقفت الى جانب الكويتيين في محنتهم، ولكن الخوف من جيوش صدام، التي اجتاحت الخفجي السعودية، وصواريخه التي اصابت الرياض، وتصرفات الرئيس العراقي الراحل الرعناء عموماً، أقلقت دولاً عربية كثيرة، وجعلت من تحرير الكويت من جيوش صدام ضرورة اقليمية وعربية.

وكما علّم غزو صدام والتحرير الكويت الكثير، لا شك أن المقاطعة التي أعلنتها السعودية والامارات والبحرين ومصر دفعت قطر إلى مراجعة حساباتها، وهي ليست مراجعة كالتي يريدها مقاطعوها، بل هي مراجعة قلّصت ثقة الدوحة ببعض العواصم الشقيقة، ودفعتها إلى اجراء تغييرات واسعة في سياساتها، خصوصاً الاقتصادية، وهو ما أعلنه أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خطابه المتلفز إلى القطريين قبل أسابيع.

في الدول العربية مجموعة من الخطط الحكومية والرؤى التي تتراوح بين "رؤية قائد وإرادة شعب"، وهو الشعار المصري حول توسيع قناة السويس، و"الإعلان التاريخي"، بحسب فضائية "سكاي نيوز عربية"، الذي أعلنته الامارات لبناء "مدينة متكاملة" على المريخ في عام 2117. لا يهم أن "رؤية قائد" مصر عبدالفتاح السيسي تعود الى منتصف القرن التاسع عشر وقيام المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس بتصميم وتنفيذ شق قناة السويس بين البحرين الاحمر والمتوسط. ولا يهم ان "مدينة على المريخ" هو مشروع ينتمي إلى القرن الثاني والعشرين، مع فرص شبه مستحيلة أن يكون أي منا في صفوف الاحياء ليحكم على مدى نجاحه أو فشله.

أما التغييرات التي باشرت بتطبيقها قطر، منذ اندلاع الأزمة الخليجية، فتكاد تكون الأهم في المنطقة العربية منذ عقود، وهي تغييرات فاجأت الاوساط المتابعة في واشنطن، فالسماح لغير القطريين بالاقامة والتملك من دون وصاية مواطنين قطريين هي من التغييرات الجذرية التي ستؤثر في انماط الاقتصاد القطري، وتسمح له بالانتقال من اقتصاد مبني على عائدات الطاقة الى آخر مبني على قطاع الخدمات.

والانتقال من الطاقة الى الخدمات هي السياسة التي اشتهرت بها دبي، وحازت بها على اعجاب العالم. لكن الثغرات في "اقتصاد الخدمات" في الامارة عرقلت الانتقال، وهي ثغرات تصدرها عدم استقرار الوافدين، وامكانية ترحيلهم بطرفة عين، وهو ما يمنع تحول دبي إلى مركز أعمال إقليمي، وهو الدور الذي يبدو أن الدوحة تسعى إليه عبر سلسلة التعديلات التي تعلنها تباعاً.

وامام التغييرات القطرية، لم يكن أمام بعض الفضائيات العربية إلا القيام بمحاولات غير موفقة للتبخيس بالجهود القطرية، فأشارت إلى أنه من بين الدول الثمانين التي أعلنت الدوحة أنه صار يمكن لمواطنيها دخول البلاد من دون تأشيرة، 27 أوروبية فضلاً عن أميركا وكندا، وأن هذه الدول كانت معفاة أصلاً من تأشيرات الدخول إلى قطر. وأضافت الفضائية أن الدول المتبقية، مثل الفاتيكان، صغيرة جداً ولا يمكنها تصدير أعداد من السوّاح لتفيد قطاع السياحة في قطر.

لا يهم ما تقوله الفضائيات. التغييرات القطرية واسعة وجذرية وتنذر بتحولات كبيرة في الاقتصاد القطري، فإيران وقعت الاسبوع الماضي عقداً قارب 800 مليون دولار مع شركة "رينو" للسيارات، وهو عقد يلي توقيع طهران مع "توتال" الفرنسية و"شل" الهولندية عقوداً بقيمة 5 و3 مليارات دولار تباعاً، فضلا عن 23 مليار دولار مع "بوينغ" الاميركية. وإلى سوق إيران، التي يسكنها 80 مليون نفر، وسوق تركيا و80 مليون آخرين، يمكن للدوحة أن تتحول الى عاصمة المستثمرين في كبرى دول الإقليم، وهو ما يمنح قطر عائدات يمكنها تقليص اعتمادها على قطاع الطاقة.

"رب ضارة نافعة". هكذا يقول المثل. صحيح أن قطر مازالت منفتحة للوساطة ورأب الصدع مع مقاطعيها، إلا أن المقاطعة عجّلت بالتغييرات، التي يبدو أن الدوحة كانت تعمل على القيام بها، وهي تغييرات كلما اقتربت من التمام، كلما منحت قطر حصانة أكبر من التقلبات السياسية في الاقليم.

على عكس الاسماء البراقة للخطط والرؤى الاقليمية، لا تحمل سياسات قطر الجديدة اسماً. ربما يمكن اطلاق اسم "قطر 2017" على سلسلة التغييرات الجذرية التي تقوم بها الدوحة، حتى لو بدا أن القطريين يهتمون بالأفعال أكثر بكثير من الدعاية والإعلان.

واشنطن لا تمانع سيطرة قوات الأسد على مناطق «داعش»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يبدو أن التغيير الدولي والإقليمي في الموقف من الرئيس السوري بشار الأسد جار بوتيرة سريعة، في وقت تمضي سورية في تقسيم «أمر واقع» يبدو أن أبرز القوى الدولية المعنية بالشأن السوري، إيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، وافقت عليه وتستكمل تنفيذه.

آخر المتبقي من استكمال رسم مناطق النفوذ يكمن في انتزاع ما تبقى من مناطق يسيطر عليها تنظيم «داعش»، في ظل محاولة قوات الأسد، والميليشيات المتحالفة معها الموالية لإيران، السيطرة على أكبر مساحة ممكنة في جنوب البلاد الشرقي المحاذي للحدود السورية مع الأردن.

تقاسم النفوذ داخل سورية جرى تحديده في الاتفاقيات الدولية المتعددة لتحديد «مناطق خفض التصعيد». ففي الجنوب، نشرت روسيا «شرطة عسكرية» في المناطق المحاذية للحدود السورية مع إسرائيل لمنع إيران من نشر قواتها في هذه المنطقة التي يمكنها تهديد أمن شمال إسرائيل من خلالها، خصوصاً بعدما أقفلت حرب يوليو 2006 الحدود اللبنانية - الإسرائيلية في وجه أي عمليات قد يقوم بها «حزب الله» اللبناني ضد الدولة العبرية، تحت طائلة قيام الأخيرة بتكبيد لبنان خسائر فادحة في الأرواح والبناء.

في الشمال، كانت المناطق السورية الواقعة شرق الفرات من نصيب الولايات المتحدة وحلفائها: تركيا والميليشيات الكردية. لكن بسبب التوتر السائد بين هذين الفريقين، عمدت الولايات المتحدة إلى نشر قوات خاصة في بلدة منبج للفصل بين المناطق التي تسيطر عليها قوات كل منهما.

وفي حديث مع الصحافيين، أعلن الناطق باسم التحالف الدولي العقيد ريان ديلون أن الميليشيا ذات الغالبية الكردية، المعروفة باسم «قوات سورية الديموقراطية» (قسد)، سيطرت على نصف مدينة الرقة، وأن نحو ألفي مقاتل من «داعش» مازالوا يتمركزون في النصف الثاني من المدينة، ويخوضون قتالاً عنيفاً ضد مقاتلي «قسد»، الذين يحاولون التقدم تحت غطاء جوي أميركي.

وكانت الولايات المتحدة أعلنت تشكيل قوة من الشرطة يبلغ قوامها ألف شرطي لحفظ الأمن في الرقة وبقية المناطق التي يتم طرد «داعش» عنها.

كما أعلنت واشنطن عزمها على تشكيل «الجيش السوري الوطني»، على أن تكون نواته ميليشيا «مغاوير البادية»، للمشاركة في انتزاع مدينة دير الزور من «داعش»، لكن تقدم قوات الأسد نحو دير الزور حمل الأميركيين على التردد في الدفع بحلفائهم في معركة قد تؤدي إلى التحام مع جيش النظام وحلفائه، وهو أمر ترغب واشنطن في تفاديه.

«ألا يقلق الأميركيين أن تسيطر ميليشيات موالية لإيران على المناطق التي يتم انتزاعها من (داعش)»؟ سأل الصحافيون ديلون، الذي أجاب بالنفي، وقال إن المحور الذي تتقدم فيه قوات الأسد والميليشيات الموالية لإيران يقع «جنوب منطقة خفض التصعيد المتفق عليها شمالاً»، وهو ما يعني أن قوات النظام تتقدم وفقاً لخطوط دولية مرسومة سلفاً، لن تخرج عنها.

كرر الصحافيون سؤالهم إلى ديلون: «ألا تخيفكم سيطرة الميليشيات الإيرانية على مناطق (داعش)»؟ فأجاب المسؤول العسكري أن هدف التحالف هو القضاء على التنظيم، وأن عملية القضاء هذه تسير بشكل جيد، وأن التخوف من قوات الأسد أو الميليشيات الإيرانية ليس جزءاً من الخطة المرسومة لتصفية «داعش» وانتزاع المناطق التي يسيطر عليها.

ولطالما أقلق الأميركيين سؤال «اليوم التالي»، أي ما القوة التي يمكنها الإمساك بالمناطق التي يتم تحريرها من «داعش»؟ إلا أنه مع سيطرة الأسد على بعض هذه المناطق، تبدو الولايات المتحدة في حلّ من المشكلة التي تؤرقها منذ بدء الحرب الدولية ضد التنظيم قبل ثلاث سنوات.

وسط هذه الأجواء، لفت المتابعون الأميركيون إلى هدوء معظم الجبهات داخل سورية، واعتبروا أنه «عندما تنتهي الحرب على (داعش)، من المفترض أن يسود سورية هدوء لم تعرفه منذ العام 2011، ومن المتوقع أيضاً أن يتوقف القتال وأن تبقى كل قوة مقاتلة في مكانها من دون الالتحام مع أعدائها».

ويرجح أن يسيطر الأسد على مناطق عدة في سورية من دون أن ينجح في استعادة السيطرة على كامل أجزاء البلاد، كما كان الحال قبل اندلاع الثورة في العام 2011، فيما سيسيطر على المناطق الأخرى أفرقاء خارجون عن سلطة الدولة السورية، وسيتم تثبيت تقسيم «الأمر الواقع» بإشراف دولي. بعد ذلك، ربما يبدأ حكام المناطق السورية في حوار للتوصل إلى تسوية، ولكن إن لم يتوصلوا، لا عجلة في الأمر إذ إن إطلاق النار يكون قد توقف، وتتحول الحرب السورية إلى نزاع سياسي ذي نهاية غير معلومة.

الجمعة، 11 أغسطس، 2017

الأميركيون يخشون «تهوّر» رئيسهم أكثر من «نووي» كوريا الشمالية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يسود الذعر في صفوف عدد لا بأس به من الأميركيين، من العامة والمسؤولين، لا بسبب تهديدات كوريا الشمالية بضرب الولايات المتحدة بصواريخ نووية، وإنما بسبب خوفهم من تهور رئيسهم دونالد ترامب، الذي وجه تهديدات إلى كوريا الشمالية بضربها بالنار وبقوة لم يعرف العالم لها مثيلاً من قبل. وأجمع الاميركيون ان تهديدات ترامب سابقة من نوعها في التصريحات الرئاسية، إذ لم يسبق أن تفوّه رؤساء أميركا السابقين بتصريحات من هذا النوع.

وفي وقت اعتبر أعضاء في الكونغرس من الحزبين، مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أن تهديدات ترامب لكوريا الشمالية هي بمثابة قيامه برسم خط أحمر لبيونغ يانغ، حاول البيت الابيض التقليل من شأن التهديدات بالقول إن تصريحات الرئيس لم تكن معدة سلفاً، بل كانت مرتجلة، وان الورقة التي كانت أمامه، وبدا وكأنه يقرأ منها، كانت ورقة عن أزمة انتشار إدمان الهيرويين بشكل متزايد بين الاميركيين.

وما فاقم من أزمة الذعر الأميركي، التضارب غير المسبوق في مواقف وتصريحات مسؤولي ترامب، بين رئيس يهدد بحرب نووية ويتحدث عن قيامه بتطوير ترسانة أميركا النووية، ووزير خارجية يقول إن واشنطن تشترط التوصل إلى نزع النووي الكوري الشمالي قبل الانخراط في الحوار، ليعلن بعدها بيوم أن بلاده مستعدة للحوار إن أوقفت بيونغ يانغ تجاربها الصاروخية فحسب. وبين ترامب وريكس تيلرسون، أعلن الجيش الاميركي جهوزية كاملة للانخراط في حرب في شرق آسيا في أي لحظة، إذ أكدت القيادة العسكرية أن القاذفات والمقاتلات الاميركية، المركونة في جزيرة غوام، مستعدة للتحرك في أي وقت.

وسرت أنباء في العاصمة الاميركية أن واشنطن فاتحت حلفاءها في طوكيو وسيول بشأن إمكانية شن ضربة استباقية ضد كوريا الشمالية، في حين تناقل الخبراء معلومات مفادها أن الولايات المتحدة تحاول الحصول على دعم الصين وروسيا، اللتين تحاذيان كوريا الشمالية، في أي عملية عسكرية ممكنة.

وكانت الولايات المتحدة عانت من هزيمة عسكرية في الحرب الكورية في الخمسينات، تزامنت مع دعم روسي وصيني لكوريا الشمالية من ضمن جبهة شيوعية عالمية. اليوم، يأمل جنرالات الولايات المتحدة انخراط الصين وروسيا في أي مواجهة عسكرية محتملة ضد كوريا الشمالية، حتى أن بعض الخبراء تكهنوا أن تأتي الضربة عبر حدود الصين بشكل لا تتوقعه بيونغ يانغ.

ويتخوف الأميركيون من امكانية قيام الكوريين الشماليين بقصف حلفاء أميركا في اليابان وكوريا الجنوبية، حيث تكتظ المدن بالسكان، بصواريخ محملة برؤوس كيماوية، إن لم يكن نووية، وهو ما من شأنه إيقاع اصابات فادحة في صفوف المدنيين.

كذلك، عكفت أوساط واشنطن على محاول تقييم أمرين: الاول، مدى ثقة «وكالة الدفاع الاستخباراتية» بتقاريرها التي أشارت الى توصل الكوريين الشماليين الى صناعة رؤوس نووية يمكن تحميلها على صواريخ بالستية، منها صواريخ عابرة للقارات، يمكنها إصابة اهداف على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة، مثل ولايات كاليفورنيا وواشنطن وألاسكا. ويردد الخبراء ان الوكالة أخطأت عندما أكدت حيازة نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، وهو ما تبين في ما بعد أنه كان من التقارير الخاطئة.

الأمر الثاني الذي يشغل بال المسؤولين والخبراء الاميركيين هو مقدرة القوة العسكرية الاميركية على تدمير الامكانيات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. ويعتقد البعض انه لا بد لواشنطن أن تعد «خطة ب» في حال انهيار النظام الكوري الشمالي. ويعتقد الاميركيون أن كوريا الجنوبية يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في تثبيت الوضع في جارتها الشمالية في حال انهيار نظام الاخيرة.

على أن قرع طبول الحرب وكثافة التوقعات والتحليلات العسكرية لا تعني بشكل مؤكد أن العالم سيشهد حربا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، بل يبدو ان ترامب تراجع على إثر تصريحاته النارية التي أرعبت أميركيين كثر، ويبدو ان الادارة الاميركية تجري اتصالات مكثفة، مع بكين خصوصاً، في محاولة للتوصل الى حل جذري للمشكلة النووية العالقة مع كوريا الشمالية منذ أكثر من عقدين.

الثلاثاء، 8 أغسطس، 2017

واشنطن تستبدل «نشر الديموقراطية» بشراكات عسكرية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أصدر وزير الخارجية ريكس تيلرسون تعليمات إلى فريقه قضت بإدخال تعديلات على «مهمة» وزارته حول العالم، وهي تعديلات بدت طفيفة للوهلة الأولى، إذ إنها حافظت على معظم النص القديم، مع فارق وحيد تمثّل بشطب الجزء التقليدي الذي يتحدث عن وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الديموقراطيات والديموقراطيين، واستعدادها تقديم ما يلزم لنشر الديموقراطية حول العالم.

وبتخليه عن دور الولايات المتحدة في «نشر الديموقراطية»، توّج تيلرسون عملية تغييرية كانت بدأت مع قيام الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بتحييد نائبه ديك تشيني وفريق مستشاريه، المعروفين وقتذاك باسم «المحافظين الجدد»، وإسناد مهمة قيادة سياسة أميركا الخارجية إلى وزيرة خارجيته البروفيسورة كوندوليزا رايس.

ولم تتأخر رايس في إحداث انعطافة كبيرة باتجاه بلادها على المسرح الدولي، واستندت إلى تجربة حرب العراق للعودة إلى سياسة أميركا التقليدية المبنية على «الواقعية» أكثر منها على التمسك بـ «مبادئ» الحرية والديموقراطية والمساواة. ومع التغيير الذي تبنته رايس، بدا جلياً أن أميركا دخلت العراق بهدف تغييره، لكن بدلاً من أن تغيّر أميركا العراق، غيّر العراق أميركا.

هكذا، وبتشجيع من إسرائيل، كسرت رايس في العام 2007 جدار العزلة الذي كانت فرضته على الرئيس السوري بشار الأسد في أعقاب مقتل رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري في العام 2005، ووجهت دعوة إلى دمشق للمشاركة في «مؤتمر أنابوليس»، وهو من مؤتمرات السلام الذي لم يكن مصيره أفضل من مصير المؤتمرات المشابهة التي سبقته، وأفضت إلى سلسلة من الخطابات والصور التذكارية، من دون إحداث أي خرق في مسار مفاوضات السلام العربية - الاسرائيلية.

وتابع الرئيس السابق باراك أوباما ما بدأته رايس، وعلى الرغم من وقوفه في القاهرة وإدلائه بخطاب تاريخي استبدل فيه «نشر» أميركا الديموقراطية بـ «دعمها» فحسب، إلا أن سياسة أوباما الخارجية أشارت إلى استمرار واشنطن في المضي بالعودة إلى «السياسة الواقعية»، التي بلغت ذروتها مع أوباما وتمسكه بسياسة «الانخراط» مع الأسد، التي حجبتها لاحقاً سياسته التي حملت عنوان «التسوية الكبرى» مع ايران. فإن كانت واشنطن تعمل على التوصل إلى التسوية مع إيران، يصبح أي حديث عن استقطاب شريك إيران الأصغر، أي الأسد، بمثابة الحديث الجانبي.

وتجلت واقعية أوباما تجاه ايران يوم وقف في العام 2009 يتفرج على طهران وهي تسحق ما عرف بـ «الثورة الخضراء»، وكان موقفه ذلك بمثابة مقدمة لوقوفه «الواقعي» متفرجاً على الأسد فيما كانت قوات الأخير تسحق معارضيه.

أزعجت واقعية أوباما حليفة أميركا الأقرب في الشرق الأوسط، أي إسرائيل، التي لم تعجبها العلاقة المباشرة بين وزيري الخارجية الأميركي السابق جون كيري والايراني الحالي جواد ظريف. كذلك، أزعج إسرائيل العلاقة غير المباشرة التي انخرطت فيها واشنطن مع الميليشيات الموالية لايران، عن طريق حكومة لبنان في بيروت وعن طريق حكومة العراق في بغداد، واستخدمت تل أبيب وزنها الكبير في إعادة تنشيط معاداة إيران و«حزب الله» داخل واشنطن، تحت عناوين «الإرهاب» وتجاوز طهران حقوق الانسان والديموقراطية.

لكن الولايات المتحدة لم تعد تهتم كثيراً لشؤون الديموقراطية حول العالم، وهو ما بدا جلياً في التعديل الذي أدخله تيلرسون على «مهمة» وزارة الخارجية حول العالم، وظهر بوضوح أكثر في توقيع ترامب على إعفاءين على العقوبات التي تفرضها بلاده على ايران، وذلك بموجب الاتفاقية النووية التي توصلت إليها ايران مع المجتمع الدولي.

وأثار توقيع ترامب الاعفاءين حفيظة «أصدقاء إسرائيل»، واتهموا موظفي الخارجية ممن كان عينهم أوباما بتولي عملية إقناع تيلرسون بتمديد الاعفاء، وهو ما حدا بترامب إلى ابداء استيائه وقيامه بـ «نقل ملف ايران والعقوبات» من الخارجية إلى مجلس الأمن القومي، الذي يرأسه الجنرال ايتش آر ماكماستر، على أمل ان يرفض المجلس المصادقة على التزام ايران بالاتفاقية، وهو ما يحتم على ترامب عدم التوقيع على تمديد جديد متوقع في أكتوبر المقبل.

على ان العارفين شؤون البيت الابيض نقلوا عن ماكماستر تمسكه بالاتفاقية واعتقاده أن إيران ما تزال ملتزمة بنودها، وهو ما يعني انه سيحض ترامب على توقيع اعفاء جديد في أكتوبر، على الرغم من محاولات «أصدقاء إسرائيل» فرض عقوبات جديدة على إيران بتهم «دعم الارهاب» و«انتهاك حقوق الانسان» بهدف حمل طهران نفسها على الانتفاضة في وجه عقوبات اميركية جديدة، وتالياً الخروج من الاتفاقية.

لكن أميركا ليست في وارد نشر الديموقراطية، لا في إيران ولا في غيرها، لا في زمن بوش الابن - منذ تحييد تشيني - ولا في زمن أوباما، وحتماً لا في زمن ترامب، فالأخير يبدو الأقرب إلى نظريات ومواقف نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وهي نظريات تشدد على وجوب التمسك بسيادة الحكومات، بغض النظر عن الارتكابات التي قد تقوم بها هذه الحكومات، وهو مبدأ يبدو أن ترامب مضى يعمل بموجبه، فزار بولندا وأثنى على حكومتها، ما حمل الأخيرة على محاولة تعديل قوانينها لتقويض استقلالية قضائها، وهي خطوة لم تتراجع عنها الحكومة البولندية إلا تحت ضغوط التظاهرات الشعبية وتهديدات الاتحاد الأوروبي.

بدلاً من «نشر الديموقراطية» صارت أميركا تبحث عن شراكات عسكرية مع قوات محلية، مثل «خطة زيادة القوات» في زمن بوش بالعراق في العام 2007، ولاحقاً في تحالف واشنطن مع «الحشد الشعبي». وفي لبنان، لا تمانع أميركا، على الرغم من اعتراضات اسرائيل، قيام «حزب الله» بأدوار أمنية، ويتم ذلك غالباً بتنسيق غير مباشر مع واشنطن عن طريق مسؤولين لبنانيين.

وكانت واشنطن، ممثلة بمدير وكالة استخباراتها السابق جون برينان، حاولت الدخول مع شراكة مع ميليشيا «أنصار الله» (الحوثية) اليمنية ضد «تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية» المتمركز في اليمن، إلا أن الشراكة انهارت بسبب تعقيدات المشهد اليمني وارتباط ذلك بقوى إقليمية وصراعاتها.

لن تسعى أميركا إلى دعم ديموقراطيات أو نشرها بعد الآن، وهو ما كرسه تعديل تيلرسون لميثاق وزارته. ستستمر الولايات المتحدة بالتمسك بشراكات عسكرية مع قوات محلية، إن كانت حكومات، مثل في مصر أو حتى في سورية، أو مع ميليشيات، مثل الفصائل الكردية أو تلك الموالية لايران، والتي تصنفها واشنطن على انها إرهابية.

في الولايات المتحدة، ولى زمن نشر أو دعم الديموقراطية وحلّ مكانه زمن الشراكات العسكرية حول العالم، ويبدو أن ترامب سيستمر في هذه السياسة الخارجية الاميركية، بل سيعززها أكثر فأكثر.

عن القوات الأميركية في لبنان

حسين عبدالحسين

استحوذ الحديث عن مشاركة قوات اميركية الى جانب الجيش اللبناني، في الحرب المزمع شنها ضد تنظيم “الدولة الاسلامية” شرق لبنان، على اهتمام عدد من الفرقاء. حلفاء ايران تمسكوا بالموقف القائل بمعارضتهم لدور اميركي من هذا النوع. اسرائيل اعترضت على دعم أميركا لجيش حكومة تعمل بإمرة “حزب الله” الموالي لايران. حكومة لبنان تراقب التطورات عن بعيد من دون رأي ولا سلطة.

على أن إي مشاركة عسكرية اميركية ممكنة في لبنان تستدعي الملاحظات التالية:

اولا، على الرغم من التغيير في البيت الابيض الذي أبدل الرئيس باراك أوباما، صديق ايران، بخلفه دونالد ترامب، صديق اسرائيل، الا ان السياسة الاميركية مازالت تسير حسبما رسمها أوباما، صاحب النموذج المبني على “شراكة اميركية مع قوات محلية”. ولا يهم ان كانت القوات المحلية حكومية او مجرد ميليشيات، مع تفضيل أميركي لتعامل غير مباشر مع الميليشيات عن طريق الحكومات، كما في الحالتين العراقية واللبنانية.

في العراق، أفضت الشراكة الاميركية مع مقاتلين محليين الى رفع صور الخميني وأعلام ايران على دبابات ابرامز الاميركية التي استولت عليها مليشيات ”الحشد الشعبي“ الشيعية من الجيش العراقي. وفي لبنان، لم يحتج “حزب الله” الى اسلحة اميركية، فيما السلطات اللبنانية تلعب، على مدى السنوات السبع الماضية، دور الوسيط بين واشنطن وحارة حريك، وهو ما ادى الى استتباب الساحة اللبنانية سياسيا.

ثانيا، تحولت الحرب ضد تنظيم “الدولة الاسلامية” الى سباق في التباهي العسكري في وقت لم يعد الا بعض من مدينتي الرقة ودير الزور تحت سيطرة هذا التنظيم المتهاوي. ومن المعروف ان قوة التنظيم تكمن في قتاله داخل المدن، وهو ما يحوله الى قوة تخريبية تكبد المهاجمين خسائر كبيرة وتؤدي الى دمار كامل للمدينة التي تجري العمليات العسكرية في شوارعها وازقتها.

خارج المدن، لا يشكل “الدولة الاسلامية” قوة تذكر، اذ يسهل القضاء على مقاتليه وتشتيتهم. ولطالما تنبأت السلطات الاميركية ان يتحول التنظيم من “دولة”، ذات مواقع محددة ومعروفة، الى “عصابة” يختبئ مقاتلوها في الجرود والصحارى. هذا يعني ان المعارك التي خاضها “حزب الله” في جرود عرسال، والمعارك التي يستعد لها الجيش اللبناني حول رأس بعلبك، او ربما انخرط فيها فعليا، هي معارك بسيطة، من دون اهمية استراتيجية، باستثناء محاولة العثور على مخابئ قد يحولها الارهابيون الى مصانع عبوات يرسلونها لشن هجمات داخل المدن والبلدات. وحتى تكون المصانع مؤذية، يشترط ان تكون في مساحات نائية ولكنها موصولة بالمناطق المأهولة، مثلا في منطقة صحراوية على ضفاف الفرات، تسمح للتنظيم باستخدام النهر لنقل العبوات بسهولة نسبيا الى داخل مدن عراقية، وهو ما يعني ان تلال جرود عرسال النائية لا تشكل ”تهديدا داهما“ لمدن لبنان.

ثالثا، ما زالت الشراكة بين الاميركيين والقوات المحلية تملي على القوات الاميركية البقاء في مراكز القيادة الآمنة نسبيا، بعيدا عن خطوط القتال، بهدف تجنيب سقوط قتلى اميركيين. الاستثناءان الوحيدان كانا في شرق سوريا: الشمالي حيث نشرت واشنطن قواتها لمنع الاتراك من استهداف ميليشيات كردية حليفة للاميركين، والجنوبي حيث حاولت القوات الاميركية كسر “الهلال الشيعي” الممتد من طهران الى بيروت عبر بغداد ودمشق، من دون ان يوفق الاميركيون في ذلك، بسبب تفوق خصومهم عليهم عدديا، خصوصا في ظل غياب “الشريك المحلي” السوري.

وبعدما اعترضت اسرائيل على التقاعس الاميركي في كسر ”الهلال الشيعي“، رمى ترامب بنفسه في احضان موسكو، التي أعلنت ان الحل يكمن بفرض وقف القتال في الجنوب السوري، ونشر قوات روسية لمراقبة الهدنة، ما من شأنه ان يحرم ايران وحلفاءها فرصة الانتشار جنوبا وتهديد الشمال الاسرائيلي.

رابعا، مازالت اسرائيل — واليوم معها عدد من العواصم العربية التي كانت تعارض بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم — تتمسك بالأسد وتعتقد بامكانية “فصله عن ايران”، وطرد القوات الموالية للايرانيين من سوريا. هذا يعني ان اسرائيل وحلفاءها العرب يعملون على “اعادة تأهيل الأسد” وتقويض معارضيه لاعتقاد ”جبهة اسرائيل“ انه يمكن اعادة الأسد ليلعب دور الشرطي الحامي للحدود الاسرائيلية من دون ايران، وهو الدور الذي لعبه آل الأسد بين 1974 و2011.

لهذه الاسباب كلها، لا تبدو المشاركة الاميركية في معركة يخوضها الجيش اللبناني شرق لبنان أمرا ذا اهمية استراتيجية، بل تبدو عنواناً سياسياً يتراشق به الايرانيون والاسرائيليون من باب المناورات السياسية فحسب.

الاثنين، 7 أغسطس، 2017

أميركا تكافح نشر الديموقراطية

حسين عبدالحسين

عجيب أمر هذه القوة العظمى التي تتأرجح سياساتها بين استخدام قوتها العسكرية الجبارة لنشر الديموقراطية في دول العالم بين يوم وليلة، وبين وقف تمويل البرامج، التي تديرها وزارة الخارجية الاميركية، والتي تهدف الى ارساء المبادئ والثقافة التي يمكن لدول العالم بناء ديموقراطياتها عليها.

في ولاية الرئيس السابق جورج بوش الابن، قدمت واشنطن الى دول العالم خياراً واحداً: الديموقراطية أو نجتاحكم. في ولاية الرئيس دونالد ترامب، تحول الخيار الاميركي لشعوب العالم إلى التالي: موتوا لا تهمنا ديكتاتورياتكم؛ وبموجب السياستين الاميركيتين، كانت النتيجة واحدة: دماء وخراب ودمار.

على مدى السنوات الماضية خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما، التزمت أميركا بسياسة واحدة تجاه دول العالم، وهي سياسة قضت بتفضيل الاستقرار على الديموقراطية، كما في موقفها من الربيع العربي، إذ لم تتخل واشنطن عن رئيس مصر السابق حسني مبارك الا بعد تلقيها ضمانات من الجيش المصري بالامساك بالأمن، ولم تتخل الولايات المتحدة عن الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي الا بعد ضغط أوروبي وقرار دولي. أما الرئيس السوري بشار الأسد، فلم تتخلَ عنه ادارة أوباما يوماً، ولم تتخل عنه حكومة ترامب حتى اليوم.

لكن شتان ما بين التمسك بالاستقرار والابقاء على برامج دعم الديموقراطية، بالتزامن مع اتخاذ واشنطن لمواقف تدين وتشجب الممارسات الديموقراطية حول العالم، وتخلي الولايات المتحدة في عهد ترامب عن فكرة ومبدأ الديموقراطية من أساسها. 

ربما هي العنصرية الفاقعة لدى بعض مستشاري الرئيس ممن يعتقدون ان الديموقراطية لا تليق الا بالغرب المتقدم، وانها لا تلائم الشرق — خصوصاً الاوسط — المتخلف. ربما هذه العنصرية هي التي دفعت الحكومة الاميركية الى التراجع عن مبدأ دعم الحركات الديموقراطية الفتية حول العالم.

ربما هو الدين السري الذي يدين به ترامب لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وهو الدين الذي يملي على ترامب تبني موقف بوتين المعادي للديموقراطية بالمطلق، أينما وجدت. أما نتيجة التقاعس الاميركي، والغربي عموماً، عن دعم الديموقراطيات والديموقراطيين حول العالم، فهي لا تقتصر على تحوّل ربيع العرب خريفاً وسيل الدماء العربية على ايدي الطغاة العرب، بل تشمل تراجع الديموقراطية في دول ذات ديموقراطيات فتية، مثل بولندا، التي رأت في مديح ترامب لنظامها فرصة للانقضاض على القضاء، لولا انتفاضة الشعب البولندي، الذي أعطى في الماضي الثورات اسم الربيع، فأجبرت تظاهرات البولنديين الاخيرة حكامهم على التراجع عن قوانين تقويض العدل والديموقراطية.

ليست الدول العربية وروسيا هي وحدها ضحية الحملة الاميركية ضد الديموقراطية في العالم، فالصينيون، الذين لجأوا الى بعض الاساليب للتخفيف عن اطباق حكومتهم على خناقهم، وجدوا انفسهم وحيدين امام مقص الرقابة الصينية. هذه المرة، لم يكن ترامب هو من تراجع عن دعم الديموقراطية والديموقراطيين في الصين، بل قامت بذلك كبرى الشركات الاميركية، أي آبل وغوغل، بعدما أغلقت أبوابها في وجه تقنية تجاوز رقابة الصين على الانترنت. وفي هذا السياق، صرّح تيم كوك، رئيس شركة آبل، أن شركته قررت "الالتزام بالقوانين الصينية".

لم يعد نشر الديموقراطية عملاً نبيلاً وشجاعاً يسيطر على مخيلة الغربيين ويحوز تعاطف حكوماتهم. أصبح أسرى الرأي في سجون دمشق والقاهرة وغيرها مجرد ناشطين لا وجوه لهم، ولا أسماء، ولا عائلات. وحدهم بعض المواطنين الغربيين ممن اختطفتهم مجموعات متطرفة أو قتلهم نظام العسكر مازالوا يحركون الوجدان العالمي. أما أن يموت أسرى سوريون في معتقلات الأجهزة الامنية اللبنانية، أو أن يموت أبرز ناشط سوري مدافع عن الديموقراطية في أقبية موت الأسد، فتلك أحداث عابرة إما تمر في شريط الاخبار في اسفل الشاشة، الى مثوى الموتى النهائي، أو لا تمر أبداً، فيما يمضي ترامب في نزع آخر ورقة توت متبقية عن عورة الغرب بمحاولته وقف تمويل البرامج الاميركية الداعمة للديموقراطية، على الرغم من بساطة هذه البرامج وهامشية تأثيرها.

استياء شعبي أميركي من علاقة ترامب بروسيا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بلغ الاستياء الشعبي الاميركي من علاقة الرئيس دونالد ترامب بروسيا ذروته، حسب استطلاعات الرأي، خصوصا بعدما تفادى ترامب الادلاء بأي تعليق او ادانة ضد قيام موسكو بطرد أكثر من 700 ديبلوماسي اميركي عامل في روسيا، من دون ان يفوت الرئيس الاميركي فرصة انتقاد الكونغرس بغرفتيه، الذي كان صوّت بغالبية ساحقة لاقرار عقوبات جديدة ضد روسيا الاتحادية وايران وكوريا الشمالية.

وكتب ترامب في تغريدة ان «الكونغرس يساهم في تأزيم العلاقة الاميركية - الروسية ودفعها الى مراحل في غاية الخطورة». وجاءت تغريدة ترامب بعدما اجبره الكونغرس على التوقيع على قانون عقوبات مع بند يمنع البيت الابيض من رفعها الا بموافقة الكونغرس، في خطوة اعتبرها كثيرون بمثابة تأنيب أميركي لترامب على علاقته غير المبررة بموسكو.

ولاحظ الخبراء الاميركيون ان «ترامب كان وحيدا في استماتته في الدفاع عن روسيا، اذ ان نائبه مايك بنس زار استونيا، وأدلى بتصريحات قاسية بحق موسكو وسياساتها في اوكرانيا وفي دول البلطيق».

كذلك ترافق الغضب الشعبي ضد علاقة ترامب مع روسيا بكشف صحيفة «واشنطن بوست» ان ترامب كان منع مستشاريه من كشف تفاصيل لقاء نجله دونالد جونيور وصهره ومستشاره جارد كوشنر ومدير حملته الانتخابية بول مانوفورت مع محامية روسية كانت تعمل على تقويض «قانون ماغنتسكي»، الذي اصدره الكونغرس في العام 2012، والذي يفرض عقوبات مالية على مجموعة من المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي هذا السياق، مازالت الكلمة التي القاها رجل الاعمال البريطاني من اصل اميركي، وليام برودر، تلقى اعجاب عدد كبير من الاميركيين، الذين تداولوها، ولايزالون، على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان برودر قدم شهادة امام لجنة العدل في مجلس الشيوخ في 26 يوليو الماضي، وصف خلالها، بالتفصيل، السبب الذي أدى الى صدور «قانون ماغنتسكي» في الكونغرس في العام 2012، والسبب الذي يحمل بوتين على شن حرب شعواء لنسف القانون وتقويضه حتى اليوم.

وقال برودر انه اقام شركة استثمارات في لندن وموسكو في العام 1996، وان شركته التي تحمل اسم «هيرميتاج كابيتال» تحولت الى اكبر شركة استثمارية في موسكو، مع حجم استثمارات في سوق المال الروسية بلغ 4 مليارات دولار.

ومع حلول العام 2000، وصل فلايديمير بوتين الى الرئاسة، وشن حملة ضد اثرياء روسيا ممن كان يعتقد انهم صادروا صلاحيات الرئاسة، وهي حملة لاءمت مصالح برودر في مكافحة فساد اثرياء ما بعد انهيار الشيوعية وابعادهم عن اعماله واستثمارات شركته.

«كل ذلك تغير في العام 2003»، يقول برودر، على اثر القاء بوتين القبض على الملياردير ميخائيل خودروفسكي، ومحاكمته بطريقة علنية مذلة ورميه في السجن. وارسلت تلك المحاكمة رسالة الى كل الاثرياء الروس، الذين ركضوا نحو بوتين للتفاهم معه، فطالبهم بالحصول على 50 في المئة من ارباحهم.

وحسب التصنيفات الاميركية، يحل بوتين في المركز الاول بين اثرياء العالم بثروة تقدر بأكثر من 200 مليار دولار.

ومع حلول العام 2005، تم اعتقال برودر لمدة 15 ساعة ابان وصوله مطار موسكو، ثم تم ترحيله، بعد مصادرة شركته والاستيلاء على اسهمها واسهم مستثمريها واموالها. وعيّن برودر المحامي الروسي سيرجي ماغنتسكي، الذي اكتشف ان مقربين من بوتين اختلسوا 230 مليون دولار من ضرائب الشركات المطلوبة للخزينة الروسية، فاعتقلت موسكو المحامي الروسي، ورمته في السجن وعذبته، ما ادى الى وفاته في العام 2009. كذلك، يعتقد برودر ان السلطات الروسية قامت بتصفية عدد ممن كانوا يعملون الى جانب ماغنتسكي، فالقت واحدا من شرفة منزله، وسممت آخر، واغتالت ثالث في شارع على مقربة من الكرملين.

وقال برودر انه يتلقى اتصالات تهديدية بشكل متواصل من جهات روسية، وان رئيس حكومة روسيا توجه الى الصحافيين في احدى مؤتمرات دافوس بالقول انه «من المؤسف ان ماغنتسكي مات فيما برودر حي يرزق»، في تصريح اعتبره رجل الاعمال البريطاني تهديدا صريحا ضد حياته.

وتابع: «يقوم بوتين وغالبية المحيطين به بتخزين اموالهم في مصارف أجنبية ويشترون عقارات في الدول الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة».

ولمكافحة تبييض الاموال، التقى برودر عضوي مجلس الشيوخ الجمهوري جون ماكين والديموقراطي بن كاردن، واقنعهما بضرورة اصدار قانون يوقف فساد بوتين حول العالم، وهو ما حصل في العام 2012، فغضب بوتين، لأن القانون يحرمه والمقربين منه من اموالهم المكدسة حول العالم، كما يطول القانون المقربين من بوتين، وهو ما يضعف من ولائهم له.

ومما قاله برودر في افادته في الكونغرس ان المحامية المكلفة القضاء على «قانون ماغنتسكي» تشتري نفوذ شركات لوبي اميركية لهذا الغرض، وهي نفس المحامية التي التقت ابن ترامب وصهره ومدير حملته في نيويورك. وكان في اللقاء ايضا، حسب وسائل الاعلام الاميركية، روسي معروف لدى السلطات الاميركية بتبييض الاموال حول العالم.

ومع تسليط الضوء على فساد بوتين الذي يبدو انه دفعه الى المراهنة على وصول ترامب الى الرئاسة، ومع انكشاف تفاصيل نشاطات مجموعتي بوتين وترامب، ومع مضي لجنة التحقيق، التي يقودها مدير «اف بي آي» السابق جيمس مولر، في التحري حول تدخل روسيا في الانتخابات الاميركية، ومع سريان الانباء ان مولر يغوص في حسابات ترامب العائدة الى سنوات في بحث عن علاقات الرئيس المالية مع موسكو، ومع اصرار ترامب على الدفاع عن روسيا وحيدا، بدأت الصورة تكتمل حول رئيس أميركي «لديه ما يخفيه»، حسب تعبير معظم الخبراء الاميركيين، وهي صورة لا تنذر بأن الايام المقبلة ستكون يسيرة على ترامب او المقربين منه.

الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

بريطانيا تستعد لأزمة خليجية طويلة ... وتأمل في نجاح الوساطة الكويتية

| لندن - من حسين عبدالحسين |

في لندن إجماع على أن الأزمة الخليجية ستطول، وأن على المملكة المتحدة إعداد سياسات للأخذ في الاعتبار الواقع الجديد، وهو تغيير في السياسة الخارجية يماثل التعليمات التي كان العاملون في وزارة الخارجية الأميركية تلقوها إبان مغادرة وزير الخارجية ريكس تيلرسون الكويت، في ما بدا يومها شبه انهيار للوساطة التي كان يقوم بها بين أفرقاء الأزمة الخليجية.

تقول مصادر بريطانية حكومية إن «الكويت قدمت خطة عمل لرأب الصدع ومعالجة الأزمة وإعادة المياه إلى مجاريها» بين الأطراف الخليجية، لكن قرار إنهاء الأزمة ليس في يد الكويت، حسب المصادر نفسها، بل هو في أيدي أفرقاء النزاع، الذين لا يبدو أن أحداً منهم يشعر بضغط يجبره على التراجع أو المساومة.

وتقول المصادر إن ظاهر الأزمة الخليجية تصريح لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن علاقات بلاده مع إيران، لكن واقع الأزمة أنها تمتد إلى عقود ماضية. وتشير إلى ما سبق أن نشرته «الراي» عن تصريح أدلى به سفير دولة الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، وصف فيه خلاف التحالف الذي تنخرط فيه بلاده، بالاشتراك مع السعودية والبحرين ومصر، من ناحية، وقطر، من ناحية ثانية، على أنه «خلاف فلسفي» حول رؤية كل من الفريقين تجاه الحكومات العربية، وطبيعتها، وهوية القوى التي تشارك في الحكم منها، وتلك المحظورة.

وتعتبر المصادر أيضاً أن ما قاله العتيبة يكاد يتطابق مع ما سمعه المسؤولون البريطانيون من وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، الذي أبلغ مضيفيه، أثناء زيارته الأخيرة إلى لندن قبل ثلاثة أسابيع، أن التحالف الذي تنخرط فيه بلاده ضد قطر، لا يهتم بالتصنيف الدولي حول «إرهابية بعض التنظيمات التي تدعمها الدوحة أم لا».

الإمارات وحلفاؤها يسعون، حسب ما ينقل البريطانيون عن قرقاش، إلى حمل الدوحة على التراجع عن دعم وتمويل تنظيمات غير إرهابية قانونياً ودولياً، مثل تنظيم «الإخوان المسلمين». وتحدث قرقاش إلى البريطانيين أيضاً عن ضرورة تعديل الدوحة لخطاب قناة «الجزيرة»، ورؤية قطر تجاه الإسلام السياسي.

لا يعتقد التحالف الإماراتي - السعودي أن قطر تدعم «الإخوان» بسبب تأييدها للإسلام السياسي، بل يعتقد هذا التحالف أن قطر ترى أن بإمكانها «امتطاء النمر الإسلامي لفرض نفوذها في عموم منطقة الشرق الأوسط».

لكنَّ المسؤولين البريطانيين ليسوا مخولين «البحث في النوايا القطرية أو القراءة بين السطور»، على حد تعبيرهم.

ويقول المسؤولون في لندن أنفسهم، لا تتعاطى بشؤون فلسفة الحكم، بل هي لتنفيذ سياسات تخدم مصالح آنية.

ويتابع المسؤولون: «لو أردنا نحن والحلفاء في الغرب أن نتدخل في رؤية وفلسفة كل حكم، لاختلفنا مع عدد كبير من الدول حول طبيعة أنظمتها وغياب الديموقراطية عنها».

في الوقت الحالي، تخلى الغرب عن طموحات نشر الديموقراطية التي بادر إليها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش العقد الماضي. «ما زالت مرارة تجربة نشر الديموقراطية في العراق في فمنا»، يقول البريطانيون. لذا، عادت العواصم الغربية إلى «العملانية» التي اتسمت بها في الماضي: «بعض الاستقرار، وبعض الأمان، وتعاون دولي استخباراتي، وشراكات تجارية».

في حالة المملكة المتحدة، لا مصلحة لها في اختيار جانب طرف ضد آخر. قطر دولة مع «احتياطي يبلغ 300 مليار دولار»، حسب الخطاب الذي أدلى به قرقاش في مركز أبحاث تاشتهام هاوس في العاصمة البريطانية في 17 الماضي. «السعودية والإمارات دول تتمتع بثروات لا يستهان بها، وللمملكة المتحدة شراكة تجارية متينة مع قطر كما مع السعودية والإمارات، ولا مصلحة لنا في اختيار شريك تجاري دون الآخر»، تختم المصادر البريطانية.

بريطانيا هي ثاني أكبر مزود للمملكة العربية السعودية بالأسلحة بعد الولايات المتحدة، بواقع 37 في المئة من إجمالي الواردات السعودية للأسلحة في الأعوام الخمسة الماضية. الإمارات، بدورها تستثمر في عدد كبير من المؤسسات التجارية في لندن والعقارية. أما قطر، فهي تملك حصة وازنة في «الخطوط البريطانية»، التي تنخرط بشراكة مع نظيرتها القطرية، ناهيك عن استثماراتها الضخمة كذلك في العقارات والمؤسسات التجارية البريطانية.

على غرار واشنطن، تكاد لندن تنتهي من وضع اللمسات الأخيرة على سياسة خارجية جديدة مبنية على أن حلفاءها الخليجيين سيتمسكون بخصومتهم في المستقبل المنظور، وأن «مجلس التعاون الخليجي» سيبقى مقفلاً، رغم محاولات الوساطة الكويتية، التي يبدو جلياً أن المسؤولين البريطانيين يأملون نجاحها وتحقيقها اختراقاً، ولكن الآمال لا يمكن بناء سياسات عليها.

مشكلة تهليل الحريري لترامب

حسين عبدالحسين

في واشنطن، أعطت تصريحات رئيس حكومة لبنان سعد الحريري الاميركيين انطباعا ان العالم العربي يفضّل الرئيس الاميركي دونالد ترامب على سلفه باراك أوباما. وأقوال الحريري تتوج سلسلة من المواقف، التي تظهر اضطرابا مزمنا يعكس العقم الفكري اللبناني، الذي عززه تحالف رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل مع الحريري، فبعد اقوال باسيل ان لبنان يحارب تنظيم “الدولة الاسلامية” منذ مئة عام، وبعد زيارة الحريري وفريقه مع باسيل الى البيت الابيض ولقائهم رئيسا اميركيا يغرق في فضائحه ويعاني من انخفاض حاد في شعبيته، أطلّ السيد الحريري عبر صحيفة “بوليتيكو” ليقول ان ترامب أفضل من أوباما لأن ترامب واضح في مواقفه، على عكس سلفه.

يفتتح الحريري حديثه بتقديم وجهة نظر، كان باسيل حاول تقديمها في زيارته الاخيرة الى واشنطن من دون ان يوفق في ذلك. يقول الحريري انه ادرك ان مشكلة “حزب الله” هي مشكلة اقليمية، فهو حزب يتمدد من لبنان، الى سوريا، فالعراق، واليمن، ولا طاقة للبنان او حكومته مواجهة هذه المعضلة الاقليمية. لذا، ارتأى الحريري وضع حد للفراغ السياسي في القيادة اللبنانية، فدخل مع “حزب الله” وعون في تحالف من اجل معالجة بعض المشاكل التي يتفقون عليها، مثل “محاربة الارهاب” والتعامل مع أزمة لجوء مليون ونصف مليون سوري الى لبنان. لكن حكومة لبنان التي يترأسها الحريري بمشاركة “حزب الله” وحلفائه، يقول المسؤول اللبناني، لا تعني توافقا على الرؤى حول الاقليم، بل تعني ان كل فريق يحتفظ برأيه، مع العلم ان “حزب الله” يحتفظ برأيه ويعمل بموجبه بمشاركته في الحروب الاقليمية، اما الحريري، فيحتفظ برأيه لنفسه.

يقول الحريري ان التأييد الذي يتمتع به ترامب بين العرب سببه “وضوح” ترامب تجاه قضايا الشرق الاوسط. ينهي المسؤول اللبناني جملته بالقول انه توصّل، اثر لقاءاته في واشنطن، الى نتيجة مفادها ان السياسة الاميركية تجاه سوريا لم تنضج بعد. اذا، اعجاب الحريري بترامب هو بسبب وضوح سياسة ترامب غير الناضجة تجاه سوريا. لا يرى السيد الحريري المفارقة في تصريحه هذا.

يضيف الحريري ان سياسات أوباما سمحت لدور روسي كبير في سوريا. لا ينهي رئيس حكومة لبنان جملته هذه قبل ان يدعو الاميركيين الى العمل مع الروس كمخرج وحيد للأزمة السورية، ايضا من دون ان يلاحظ الحريري المفارقة: هل دور روسيا الناجم عن تقاعس اميركي هو دور سلبي في سوريا؟ ام ان على أميركا الانخراط مع الروس وتعزيز دورهم الايجابي للتوصل الى حلول هناك؟

ربما لم يزود فريق الحريري رئيسه بالقصاصات الاعلامية الاميركية التي تشير الى اجماع اميركي مفاده ان سياسة ترامب في سوريا هي استكمال لسياسة سلفه أوباما. ربما لا يعلم فريق الحريري ان ترامب أوقف الدعم النذير الذي كانت تقدمه واشنطن لبعض الثوار، واستبدله بعلاقة أوطد مع موسكو، وهي علاقات سمحت بادخال قوات روسية الى الجنوب السوري لحماية الأسد من الثوار، ولحماية حدود اسرائيل. على قول التعبير الشعبي اللبناني: “يا محلى أوباما امام ترامب” في الموضوع السوري. 

مؤلمة هي تصريحات رئيس حكومة لبنان حول تفضيل العرب لأكثر رئيس عنصري في التاريخ الاميركي، للرئيس الذي أطلق العنان للعنصريين الاميركيين لشن هجماتهم ضد العرب والمسلمين، للرئيس الذي أدت تصريحاته الى تصاعد غير مسبوق في “جرائم الكراهية” الاميركية بحق العرب والمسلمين الاميركيين.

مؤلم ان تصدر تصريحات عربية واسلامية تشيد بترامب، بينما المجموعات الاميركية تقف الى جانب الاميركيين العرب، المسلمين والمسيحيين، في وجه الهجوم غير المسبوق ضدهم الذي يرعاه ترامب. 

ربما لا يقرأ الحريري او باسيل او فريقاهما الكثير، لكن قد يجديهم ان يستمعوا الى بعض النصائح حول الديبلوماسية والسياسية الدولية، فعلاقة لبنان مع الولايات المتحدة لا يفترض ان ترتبط بشخص الرئيس الاميركي، بل بسياسات الحكومة الاميركية بغض النظر عن شخص رئيسها. 

ربما يعتقد السادة عون والحريري وباسيل ان كل الدول تشبه لبنان، وان قوة الدولة تنبع من “الرئيس القوي”. لكن الافضل لو يتأمل هؤلاء الساسة اللبنانيون في ما جعلهم يجلسون في حضرة رئيس أميركي أميّ تقتصر انجازاته على نجومية تلفزيونية وحفنة كازينوات مفلسة.

لو تأمل اللبنانيون من ضيوف ترامب مفارقة قوة ترامب، على الرغم من أميّته، لعرفوا ان قوة المسؤولين تنبع من قوة مؤسسات دولهم، لا مواهب الرؤساء والوزراء. 

كان الاجدى بالحريري لو اكتفى بتقديم مطالب لبنان، وترك العرب والمسلمين يتدبرون مشكلة عنصرية ترامب وعدائه ضدهم.

الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

اضطراب إدارة ترامب يربك حلفاء أميركا في أوروبا

| لندن - من حسين عبدالحسين |

لا شيء يعكس ارتباك العلاقة البريطانية - الاميركية أكثر من محاولة كبار المسؤولين في لندن الاستفسار من صحافيين اميركيين عن سياسة واشنطن وما تريده، فبدلا من ان يجيب المسؤولون البريطانيون عن موقف بلادهم حول القضايا الدولية المتعددة، وكيفية اتخاذ هذه المواقف بالتنسيق مع الولايات المتحدة، شريكة المملكة المتحدة الاولى على المسرح الدولي تاريخيا، يقول البريطانيون انه بعد ستة أشهر على انتخاب الرئيس دونالد ترامب، لا تزال لندن غارقة في حيرة حول كيفية التعامل معه ومع ادارته.

ويضيف المسؤولون البريطانيون انهم استبشروا خيرا يوم انتخاب ترامب، واعتقدوا ان العلاقات الشخصية الجيدة بين عدد كبير من اعضاء حكومة وفريق تيريزا ماي والرئيس الاميركي ستساهم في دفع العلاقة بين البلدين الى افضل حالاتها.

الا ان واقع العلاقة البريطانية - الاميركية جاء معاكسا لما تمنته لندن، ففريق ترامب، حسب المصادر البريطانية، مرتبك، وغالبا ما يتخذ مواقف متضاربة.

وتقول المصادر: «نسأل الخارجية الاميركية عن موقف واشنطن في موضوع ما، فنحصل على اجابة، وصباح اليوم التالي، نقرأ تغريدة من الرئيس الاميركي تناقض ما سبق ان سمعناه من الديبلوماسيين الاميركيين، وفي اليوم الثالث، يطلّ الناطق باسم البيت الابيض بموقف ثالث مغاير تماما، وهكذا دواليك».

اولى المشاكل بين البريطانيين والاميركيين بدأت في الملف الايراني، فالرئيس السابق باراك أوباما كان يعمل بأقصى طاقته لاعادة اللحمة تجاريا مع الايرانيين، وراحت شركات العالم، الغربية والآسيوية والروسية، تتسابق لاقتناص عقود تطوير قطاعي النفط والغاز الايرانيين والتصدير الى طهران صناعات متطورة، خصوصا في حقلي الطيران المدني والمعدات الثقيلة.

وفعلا، وقعت شركتي «توتال» الفرنسية وشل الهولندية عقدين مع طهران بلغت قيمتيهما 5 و3 مليارات دولار على التوالي. وكانت شركة «بي بي» البريطانية للطاقة تأمل بدورها في اقتناص عقود ايرانية، الا ان التصعيد الذي شنه ترامب وادارته ضد طهران اقنع «بي بي» بالتريث، خصوصا ان المساهمين الاميركيين يملكون 40 في المئة من الشركة البريطانية، التي يديرها مدير أميركي ويشكل الاميركيون 30 في المئة من كادرها، وهو ما يعني ان امكانية اختراقها لاي عقوبات اميركية جديدة ضد ايران يعرّضها الى مشاكل اكبر من تلك التي قد تواجهها نظيراتها الاروبية او الأسيوية.

ويقول البريطانيون: «فيما نحن نحجم عن توقيع الاتفاقيات التي نحتاجها لاقتصادنا، خصوصا بعد قرارنا الخروج من الاتحاد الاوروبي، وقعت شركة بوينغ الاميركية عقدا بلغ 3.3 مليار دولار مع شركة اسمان الايرانية للطيران، اثناء وجود ترامب في الرئاسة، ليبلغ مجموع اجمالي عقود بوينغ مع ايران نحو 23 مليار دولار».

وما يزيد الأمر تعقيدا انه على عكس الولايات المتحدة، للمملكة المتحدة سفارة في طهران، وغالبا ما شكّلت لندن قناة الاتصال غير المباشر بين واشنطن وطهران، او بين واشنطن وحلفاء طهران، كما في حالة علاقة أميركا بـ «حزب الله» اللبناني، الذي تصنفه الخارجية الاميركية تنظيما ارهابيا. اما اوروبا وبريطانيا، فتكتفيان بتصنيف «ميليشيا حزب الله» ارهابية، وتقيمان علاقات علنية مع «الجناح السياسي» للحزب، وهو ما ابقى التواصل الاوروبي مع الحزب اللبناني. ولعب هذا التواصل دور القناة غير المباشرة بين «حزب الله» وواشنطن.

واثناء ولايتي الرئيس باراك أوباما، تجاوزت واشنطن القنوات غير المباشرة، وافتتحت اتصالا مباشرا بين وزير الخارجية السابق جون كيري ونظيره جواد ظريف. اما في لبنان، فلجأت الولايات المتحدة الى الاجهزة الامنية اللبنانية للتنسيق بالوساطة مع «حزب الله»، خصوصا في شؤون مكافحة الارهاب.

مع ترامب، لا يعرف البريطانيون ان كانت واشنطن لا تزال راضية على قنوات الاتصال غير المباشرة مع ايران وحلفائها في الشرق الاوسط. ولا يعرف البريطانيون ان كانت اميركا ستصعّد عمليا، بالتزامن مع تصعيدها الكلامي ضد الايرانيين، اذ ان لندن تبحث، عبثا، عن الموقف الاميركي الفعلي لتلتزمه وتبني على اساسه.

المثال الاخير الذي ضربه المسؤول البريطاني كان حول أزمة الخليج المندلعة منذ الشهر الماضي. ويقول المسؤول ان بريطانيا حاولت الوقوف على وقائع الامور باتصالها بالديبلوماسيين الاميركيين، خصوصا اثناء قيام وزير الخارجية ريكس تيلرسون بوساطة. لكن الاميركيين قدموا لنظرائهم البريطانيين تقارير متضاربة الى حد أجبر لندن على الاتصال مباشرة بالافرقاء الخليجيين لمعرفة حقائق الامور ومتابعة تطورات الأزمة.

وبلغ الاحباط البريطاني من واشنطن ذروته عندما اعتقدت لندن ان واشنطن «لا تدري ماذا تفعل»، وان على بريطانيا عدم الاتكال على الاميركيين. هكذا، أعلن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون عن مبادرة بريطانيا للوساطة، «فنحن على علاقة جيدة بالدوحة كما بالرياض وابو ظبي، ويهمنا استمرار الوئام بينهما، وان تعذر ذلك، الابقاء على العلاقة جيدة مع الطرفين في كل حال».

وحسب تقارير «وكالة جاينز» البريطانية الخاصة، تمثل المملكة المتحدة ثاني أكبر مصدر للسلاح الذي تبتاعه السعودية، اذ شكلت واردات الرياض من السلاح البريطاني 37 في المئة من اجمالي واردات السعودية من السلاح العالمي على مدى الاعوام الخمس الماضية.

وفي وقت يتخبط ترامب ويطرد رئيس موظفي البيت الابيض، الذي كان عينه قبل ستة اشهر، بعد طرده مستشار الأمن القومي والناطق باسم البيت الابيض، ويحاول طرد وزير العدل، يعاني حلفاء الولايات المتحدة من اضطرابات واشنطن، ويحاولون استشعار نواياها، في وقت «لا تبدو (أميركا) انها تعرف ما الذي تريده»، وهو اضطراب يؤثر على معظم حلفاء أميركا، ويؤذي علاقاتهم مع دول العالم، كما يؤذي صادراتهم والاسواق التي يتعاملون معها، حسب وصف المصادر البريطانية.

Since December 2008