الخميس، 31 أغسطس، 2017

الإسلام لم يتطرف، التطرف تأسلم

بقلم حسين عبد الحسين

غرّد المدير التنفيذي في "معهد الجزيرة العربية" في واشنطن علي الشهابي مقتطفات من مقالة مثيرة للاهتمام بقلم الباحثة البريطانية إيميلي ونتربوثام، كتبت فيها إن "تحميل العربية السعودية مسؤولية الإرهاب الإسلامي يعفي الحكومات الغربية" من مسؤولياتها حول تورط مواطنيها في نشاطات إرهابية. وقالت ونتربوثام إن في الدول التي "أدت فيها الوهابية إلى عنف"، "حدث ذلك لأن (الوهابية) تماهت مع صراعات موجودة أصلا، لا لأن الوهابية لعبت دورا محركا للإرهاب“. 

وأضافت الخبيرة البريطانية قولها: "بدلا من التركيز على رفض الوهابية أو السلفية، الأجدى بالدول القلقة من الراديكالية أن تركز مواردها على تحديد سبب تماهي هذا المضمون مع أفراد في مجتمعاتهم، وما هي العوامل التي تطلق التصرفات العنفية وتكرّس ضعف هؤلاء الأفراد أمام التجنيد الإرهابي". 

وما كتبته ونتربوثام يتناول جدالا دائرا منذ هجمات 11 سبتمبر الإرهابية حول المحرك الرئيس خلف التطرف الإسلامي، الذي بدا وكأنه طفا إلى السطح فجأة. وذهب عدد لا بأس به من الباحثين إلى أن النصوص الإسلامية تحرّض على العنف، وأن الطريقة الوحيدة لوقف هذا النوع من الإرهاب هو تعديل النصوص الإسلامية حيث أمكن، أو تعديل تفاسيرها على الأقل.

لكن تعديل تفسير نصوص دينية أمر شبه مستحيل في كل الأديان، إذ أن الأديان بطبيعتها ليست مركزية، بل هي مذاهب متنوعة، لكل منها تفاسيرها، وحتى لو قام غالبيتها باستبدال نصوصها المتطرفة بأخرى معتدلة، سيتمسك الإرهابيون بتفاسيرهم المتطرفة الخاصة بهم. 

من ناحية ثانية، لا بد من لفت نظر الباحثين المطالبين بتعديل العقيدة الإسلامية أو نصوصها إلى أن الإرهاب ظاهرة سابقة على انتشار التطرف الإسلامي، فإيليش راميرز سانشيز المعروف بكارلوس، والذي اشتهر بعملية خطف وزراء أوبك وبهجمات متنوعة في أوروبا والعالم في السبعينيات والثمانينيات، لم يكن عربيا ولا مسلما، بل كان فنزويليا شيوعيا، ومثله منفذ عملية مطار اللد كوزو أوكوموتو، عضو الجيش الأحمر الياباني، وغيرهم. فإن كانت الوهابية، أو النصوص الإسلامية عموما، هي المسؤولة عن ظاهرة الإرهاب العالمي، فكيف نفسر الإرهاب العالمي السابق لصعود الحركات الاسلامية؟

أفضل الإجابات تأتي من الباحث الفرنسي الشهير أوليفييه روا، الذي يؤكد أقوال ونتربوثام ويعتبر أن "60 في المئة ممن يتبنون العنف الجهادي في أوروبا هم مسلمون من الجيل الثاني ممن تلاشت علاقتهم مع بلدهم الأصلي وفشلوا في الانخراط في المجتمعات الغربية".

ويقول روا في مقالة نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قبل عام وأعادت نشرها إثر هجمات برشلونة، إن الإرهابيين لا يشنون هجماتهم ضد الغرب لأن لهذه الهجمات أي تأثير استراتيجي من المنظور العسكري، فهذه الهجمات لا تضعف الغرب، والإسلام يدين الانتحار، "لكن هؤلاء الأولاد يسعون للموت كغاية بذاتها". 

ويختم روا بدعوة للباحثين في الغرب وحول العالم، ويقول: "إنها أسلمة التطرف التي علينا أن نحقق فيها، لا تطرف الإسلام".

أما أكثر ما يصادق على رؤية روا، لناحية أن التطرف هو الذي تأسلم وليس الإسلام هو الذي تطرف، فيكمن في انقلاب "الرفيق كارلوس" من الشيوعية إلى الإسلام، ليصبح "الأخ كارلوس". ويمضي كارلوس حكما بالسجن مدى الحياة في فرنسا.

قد يكون العراقيون أكثر من يعرفون أن الإسلام ليس سبب العنف الذي يظهره تنظيم داعش، فالعراقيون غالبا ما يطلقون تسمية "البعثيين الدواعش" على أعضاء هذا التنظيم. العراقيون يعرفون أن القوانين التي فرضها التنظيم في المناطق التي سيطر عليها، مثل منع التداول بالعملات الأجنبية ومنع الصحون اللاقطة ومنع السفر، كلها قوانين متطرفة لم يستوحها التنظيم من الإسلام، بل من تجربة البعثيين أثناء حكم الرئيس الراحل صدام حسين، وهو ما يعني أن القضاء على داعش هو فعليا إنهاء استخدام العنف — علمانيا أم اسلاميا — والتمسك بالديموقراطية البرلمانية كسبيل وحيد لحل النزاعات وإقرار توجهات الدولة وسياساتها.

الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

«رسالة» من ترامب إلى مساعديه... سأعفو عنكم... فلا تتعاونوا مع التحقيقات

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أدى انهمار ثلاثة تريليون غالون ماء من الأمطار إلى سيول جارفة في ولاية تكساس الجنوبية وعاصمتها هيوستن، إلا أن السيول الجنوبية لم تغطِّ على أخبار الرئيس دونالد ترامب، الذي يغرق بدوره في فضيحة تعامله مع موسكو واستمرار التحقيقات على هذا الصعيد، وهي تحقيقات يمكن أن تؤدي الى الاطاحة به، قبل نهاية ولايته الاولى في العام 2020، في حال ثبوت تورطه.

أما آخر اخبار التحقيقات في تعامل ترامب والروس فجاءت من الرئيس نفسه، الذي يعتقد الخبراء انه قام بـ «استعراض قوة» لإظهار صلاحياته الدستورية، وذلك بقيامه بمنح جو ارباشيو، قائد الشرطة السابق في مدينة فينكس في ولاية أريزونا جارة تكساس، عفواً رئاسياً منع عنه المحاكمة والسجن الذي كان متوقعاً.

وكان لافتاً أن ترامب لم يراع الأصول المتعارف عليها لدى إصدار العفو الرئاسي، فهذا النوع من الاعفاءات غالباً ما يتم إصداره بعد ثبوت الادانة وصدور الحكم بحق المتهم، أما ترامب، فتعمد إصدار عفوه حتى قبل مثول الشرطي السابق أمام المحكمة، في خطوة أجمع الخبراء على انها كانت بمثابة رسالة الى مساعديه السابقين والحاليين ممن يمكن أن يثبت تورطهم في فضيحة التعامل مع روسيا للتدخل في الانتخابات الاميركية في نوفمبر من العام الماضي.

ومن الأساليب الأكثر اعتماداً لدى المحققين والمدعين العامين الأميركيين هو العثور على تجاوز للقانون لدى أحد المتورطين، وإقناع المتورط أن ما ارتكبه يمكن أن يودع صاحبه السجن. ثم يعرض المدعون العامون على المتورط التعاون مع التحقيقات، وإدانة الآخرين، مقابل حصوله على حصانة شاهد ونيله حكماً مخففاً.

بإصداره عفواً رئاسياً سبق المحاكمة ومنعها عن أرباشيو، المتهم بتجاوزات عرقية لا قانونية بحق موقوفين عن غير حق، يكون ترامب أرسل الى كل مساعديه، ممن يمكن للمحققين إقناعهم بالتعاون مع التحقيقات مقابل تخفيف الاحكام عنهم، أنه يمكن للرئيس إعفاء أي منهم أو منع المحاكمة عنه من دون أن يتعاونوا مع التحقيقات، ويكون ترامب بذلك اشترى سكوت المعاونين السابقين والحاليين، وأكد عملياً لا تعاونهم، حتى لو أدى ذلك إلى تهديد المدعين العامين لهم بالسجن والعقوبات والغرامات.

وكانت آخر التحقيقات أظهرت ان ترامب كان يسعى لبناء برج باسمه في موسكو، وأن المشروع لم يتوقف الى أن أعلن ترامب ترشحه للرئاسة مطلع 2016. كما أشارت التحقيقات إلى أن أحد كبار المقربين من ترامب كان على تواصل مع مسؤولين روس من أجل ترتيب لقاء، لم ينعقد، بين حملة ترامب الرئاسية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

في هذه الاثناء، يعتقد كثيرون ان المحقق الخاص مدير «اف بي آي» السابق روبرت مولر يعمل على كشف كل التعاملات المالية بين ترامب ومساعديه، من جهة، وروسيا من جهة ثانية، وهو قام لهذا الغرض بإصدار مذكرتي تحقيق شملتا مدير حملة ترامب السابق بول مانوفورت ومستشار الأمن القومي لترامب المستقيل الجنرال مايكل فلين.

ويبدو أن التحقيقات تميل إلى أن موسكو «جنّدت» ترامب منذ خمس سنوات على الأقل، وأن أموال المافيا الروسية أنقذته من إفلاسه وحولته إلى متموّل بالأموال التي تم تبييضها عن طريق شركاته ومشاريعه، خصوصاً أن عدداً لا بأس به من فنادق ترامب حول العالم لم تتبلور، بل بقيت مشاريع «حبر على ورق».

ومما يساهم في تكريس الشبهات حول علاقة ترامب غير الشرعية بالروس قيام الرئيس الاميركي بالاتصال بأعضاء جمهوريين في الكونغرس، والصراخ عليهم، واتهامهم بعدم حمايته من التحقيقات في موضوع روسيا، وهو ما يشي بأن موضوع التحقيقات في فضيحة روسيا هو أكثر ما يشغل بال ترامب، ويدفعه لاختلاق مشكلات مع محازبيه، في وقت يعتقد كثيرون أن ترامب سيكون في حاجة ماسة لأصوات هؤلاء في حال وصلت الأمور الى حد التصويت على خلعه من الرئاسة.


... ونجله سيُجيب عن أسئلة الكونغرس



واشنطن - ا ف ب - أفادت مصادر أميركية أن النجل البكر للرئيس الأميركي دونالد ترامب سيجيب عن أسئلة لجنة في الكونغرس تحقق في تواطؤ محتمل بين فريق حملة ترامب الانتخابية و روسيا العام 2016.

وأعلنت اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ ان النجل البكر لترامب (39 عاماً) وافق على الادلاء بشهادة أمام محققي اللجنة خلال جلسة مغلقة لم يحدد تاريخها.

كما وافق نجل ترامب على تقديم وثائق طلبتها اللجنة، على ما اعلن في بيان مشترك رئيس اللجنة الجمهوري تشاك غراسلي والسيناتورة الديموقراطية ديان فينشتاين.

وكان جاريد كوشنر صهر ترامب، أجاب أيضاً في يوليو الماضي عن أسئلة بشأن صلاته بروسيا قبل وبعد الانتخابات الرئاسية، أمام لجنتي الاستخبارات بمجلسي النواب والشيوخ.

الثلاثاء، 29 أغسطس، 2017

مطالبة قطر او منافستها؟

حسين عبدالحسين

في خطابه عن الحرب في افغانستان، قال الرئيس الاميركي دونالد ترامب ان ادارته مستعدة للحوار مع ”بعض عناصر الطالبان“. بعد ايام، قال الجنرال جون نيكولسن، قائد القوات الاميركية في افغانستان، وهوغو لورنس، القائم في الاعمال فيها، ان الخطة الاميركية تقضي بتسوية مع الطالبان تنهي 16 عاما من الحرب فيها.

في واشنطن، كتب المعلق دايفيد اغناتيوس ان الامارات ومصر تسعيان لتقريب حركة حماس منهما، وان الامارات كلّفت الفلسطيني محمد دحلان التواصل مع صديق طفولته يحيى السنوار، مسؤول حماس في غزة، ”لتموين القطاع بالدعم الاقتصادي والاجتماعي، بمباركة اسرائيل“. ويتضمن الدعم الاماراتي المصري الاسرائيلي، لبعض حماس في غزة، فتح معبر رفح، وهو ما اعلنته القاهرة. كما يتضمن تمويل الامارات بناء معمل كهرباء، على الجهة المصرية، لتزويد القطاع بالكهرباء.

وتزامن انفتاح أميركا على الطالبان، والامارات ومصر على حماس، مع اعلانات ايرانية متكررة ان اعادة العلاقات الديبلوماسية مع السعودية تبدأ في غضون اسبوعين. وتأتي الاعلانات الايرانية بعد اسبوعين على اعلان المسؤولين العراقيين ان زياراتهم الى الرياض كانت بطلب سعودي لوساطة مع ايران.

والى علاقات اميركا بالطالبان، والامارات ومصر بحماس، والسعودية مع ايران، أعلنت وزارة الخارجية الاميركية تعليقها مبلغ 300 مليون دولار من مساعدتها السنوية الى القاهرة، بسبب تجاوزات حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي لحقوق الانسان، ومواصلتها قمع حريات المصريين.

وعلى الفور، اتهم مؤيدو مصر ”ديبلوماسيي (الرئيس السابق باراك) أوباما“ بالوقوف خلف خطوة حرمان المصريين من جزء من الاموال التي كانت مخصصة لهم، فيما راح البعض الى حد اتهام ”الاخوان المسلمين“ بالتأثير في قرار الخارجية الاميركية. طبعا لا يحتاج الامر جماعة أوباما ولا الاخوان، فمصر في قعر كل التصنيفات الدولية المتعلقة بالحريات، ويمكن الاشارة الى تقرير ”فريدوم هاوس“ للعام الحالي للدلالة على استفحال الطغيان في مصر.

”الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة في انقلاب في تموز 2013، يحكم مصر باستبداد… في غياب معارضة سياسية جدية، وفي وقت يواجه الناشطون الليبراليون والاسلاميون ملاحقات جرمية وسجن“، يقول تقرير ”فريدوم هاوس“ حول مصر.

ومركز “فريدوم هاوس“ ليس محسوبا على الديموقراطيين، ولا على أوباما، بل انه ينحدر من صلب اليمين الاميركي والجمهوريين، وسبق ان شغل عضوية مجلسه الاكاديمي الشهير صموئيل هنتيغنتون، اليميني الجمهوري صاحب نظرية صراع الحضارات ونشر الديموقراطية في العالم.

هكذا، ان كانت اميركا تسعى لصداقة الطالبان، والامارات ومصر تسعيان لصداقة حماس، والسعودية تسعى لصداقة ايران واعادة العلاقات الديبلوماسية معها، فماذا يتبقى من مطالب السعودية والامارات والبحرين ومصر لقطر؟ واذا كانت اميركا تصادق الطالبان، فلماذا تطرد قطر قياديين طلبت واشنطن اسكانهم في الدوحة كجزء من عملية تبادل سجناء مع الحركة مقابل افراجها عن الجندي الاميركي بوي بيرغدال؟ واذا كانت الامارات تصادق حماس، فلماذا مطالبة الدوحة بطرد قياديي الحركة الفلسطينية من قطر؟ واذا كانت السعودية تعيد علاقاتها الديبلوماسية مع ايران، فلماذا على قطر مواجهة ايران؟ واذا اتهمت ادارة ترامب السيسي بالاستبداد وقمع الحريات، فما ذنب فضائية الجزيرة القطرية؟

ختاما، لا بد من الاشارة الى ان مطالب دول مقاطعة قطر تتضمن وقف الدوحة تدخلها المزعوم في الشؤون الداخلية لجيرانها، لكن من تابع عملية سماح الرياض لقطريين بحج مكة، ومن يتابع التغطية الاعلامية الناشطة لفضائيات هذه الدول حول ”الانهيار المفروغ منه“ للريال القطري، والمصارف القطرية، والاقتصاد القطري، يدرك ان تدخل بعض الدول في الشؤون الداخلية لبعضها الآخر جار على قدم وساق، وفي اتجاهات متعددة.

مطالبة دول مقاطعة قطر الدوحة بتبني خطوات ”مكافحة الارهاب“ او ”قطع العلاقات الديبلوماسية مع ايران“، في وقت تقوم الدول المطالبة بالخطوات نفسها التي تطلب من قطر عدم القيام بها، هو من الفنون الديبلوماسية التي لا تمرّ الا في زمن السيد ترامب و“عالم الحقائق البديلة“ الذي اتحفنا بها، وعدائه المطلق للاعلام والاعلاميين والحرية بشكل عام، اينما وجدت.

لا تبدو للمطالب الموجهة الى قطر خلفية تتعلق بالارهاب او بايران، بل تبدو مطالب من باب مزاحمة قطر، ومنافستها، والغاء التنوع، وخنق الحريات.

الأحد، 27 أغسطس، 2017

كم دبابة للسيسي في سوريا؟

حسين عبدالحسين

ما تزال افضل الفكاهات عن مفاوضات الحلفاء لتقسيم اوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، تلك التي تحدثت عن ردة فعل زعيم الاتحاد السوفياتي جوزف ستالين، عندما طالبه الاوروبيون والاميركيون بإبقاء ايطاليا خارج تقاسم النفوذ، إكراماً للبابا، فسأل ستالين "وكم دبابة لدى البابا؟".

ردة فعل ستالين تلك، حقيقية ام مفبركة، تنطبق على مايجري في سوريا، وعلى موازين القوى ودور القوى الاقليمية والعالمية فيها، فالمقالة التي نشرتها صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، عن دور مزعوم لمصر في دعم الرئيس السوري بشار الأسد، تدخل في اطار التمنيات الاسرائيلية البعيدة عن الواقع والواقعية. وكانت الصحيفة قالت إن النفوذ المصري في سوريا يمكنه أن يحل محل الدور الايراني، وهو ما أسعد الإسرائيليين، ودفعهم لإيفاد مسؤولين الى واشنطن لتسويق الأمر.

لكن الدروس من الحرب السورية، المندلعة منذ ست سنوات، تشي بأن موازين القوى والنفوذ يحددها عدد المقاتلين على الأرض، وهو ما تتفوق فيه ايران — بما لا يقاس — على كل القوى المنخرطة في هذه الحرب، بما في ذلك القوات النظامية والعصابات التابعة للأسد. حتى روسيا، التي تقي الأسد مخاطر أي قرارات دولية محتملة ضده في مجلس الأمن والتي ساعدت مقاتلاتها في وقف الهزائم التي كان تحالف الأسد يتكبدها امام مقاتلي المعارضة، تبين أن نفوذها محدود لدى الأسد مقارنة بنظيره الايراني.

وسبق لكتاب اسرائيليين ان نقلوا عن كبار قادة الاستخبارات في بلادهم ان الحكومة الاسرائيلية تلّقت ضمانات روسية متكررة، مفادها ان الأسد في جيب موسكو، وأن روسيا ستعمل على طرد ايران والميلشيات المتحالفة معها من سوريا، وانها تحتاج الى دعم ديبلوماسي اسرائيلي لتسويق الأسد واعادة تأهيله عربياً وعالمياً.

ولم تتأخر اسرائيل في مساعدة روسيا، رغبة من الاسرائيليين في اعادة سيطرة الأسد على الجنوب السوري لتثبيت الشمال الاسرائيلي، كما فعلت عائلة الأسد على مدى العقود الاربعة الماضية. واقنعت اسرائيل واشنطن بالتنازل للمطالب الروسية، وتفكيك البنية التحتية العسكرية، على بساطتها، في منطقة التنف، على الحدود السورية مع الاردن والعراق.

واسرائيل، التي يردد مسؤولوها واصدقاؤها في واشنطن ان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يخشاهم كثيراً ويعتقد أنهم يحكمون العالم بأكمله (ربما على جاري عادة غالبية العرب السذج المؤمنين بنظريات المؤامرات العالمية)، يبدو أنها أقنعت السيسي بضرورة الانخراط في الأزمة السورية لمصلحة الأسد، وهو ما نفذه السيسي بأمانة، فأخرج بعض الدول العربية التي كانت تدعم بعض معارضي الاسد من الصورة، وما زال يحاول اقامة جبهة سورية معارضة، على النمط الهامشي الذي يسعى اليه الأسد منذ سنوات.

لكن السيسي والأسد و"منصات" المعارضة السورية مجرد كلام، وثرثرة، ولقاءات في لوبيات الفنادق الفاخرة، فإيران هي التي تمسك فعلياً بالأرض السورية، وعندما أراد مقاتلو داعش على الجانب السوري من الحدود مع لبنان الاستسلام، سلّموا أنفسهم لـ"حزب الله" اللبناني لا لقوات الأسد، ما يشي بأن الميليشيات الموالية لايران تمسك بمعظم الاراضي التي استعادتها من المعارضين.

وبسبب السيطرة الايرانية، لم ينجح الروس في الوفاء بوعودهم لاسرائيل واعادة سيادة الأسد على سوريا من دون ايران، وهو ما يعني أن السيسي — الأقل نفوذا في ساحة المعارك السورية من الروس — لن ينجح كذلك في احداث تغييرات تذكر في مجرى الاحداث السورية، ما لم تقم ايران وميليشياتها بالتغيير، وستبقى سوريا في ايدي الايرانيين اولاً، والروس ثانياً، والأسد ثالثاً.

أما السيسي، و"منصات" المعارضة على انواعها، وبعض القوى الاقليمية، فلهم أن يعدوا اسرائيل كما وعدتهم روسيا من قبل، لكن العبرة في التنفيذ، وهو ما يعني أن تمسّك اسرائيل بالسيسي كخشبة خلاص في سوريا هو من باب التمني والاحلام، وهي احلام اسرائيلية سبق أن تحولت الى كوابيس، والأرجح أنها ستتحول الى كوابيس في سوريا مجدداً.

الجمعة، 25 أغسطس، 2017

المعارضون الأميركيون لـ «النووي» يجدون ضالّتهم: طهران تخرق الاتفاقية بنقل طيرانها مقاتلين إلى سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

وجد معارضو الاتفاقية النووية مع إيران ضالتهم في صور «سيلفي» نشرها موقع «أخبار حروب فارس» الإيراني المعارض، ظهر فيها مقاتلون تابعون لـ«الحرس الثوري» وهم يستقلون الخطوط الجوية الإيرانية في رحلتهم من إيران إلى سورية.

واعتبر معارضو الاتفاقية من الأميركيين أن قرار مجلس الأمن 2231، الذي كرّس بنود الاتفاقية النووية، نصّ صراحة على رفع العقوبات الدولية والاميركية عن قطاع الطيران المدني الايراني، شرط أن تمتنع طهران عن استخدام كل شركات خطوطها الجوية المدنية في نقل «أي تموين أو مبيعات أو صناعات أو صيانة أسلحة»، إلا في حال حصولها على موافقة مسبقة من مجلس الأمن.

ويعتقد بعض الخبراء أن إيران عمدت الى استخدام طائراتها الجوية المدنية لنقل مقاتلين وعتاد من إيران إلى سورية، مع إبقائها هذه الرحلات خارج البروتوكولات الجوية المتعارف عليها، والتي تتطلب استحصال الإيرانيين على عدد من الأذونات من هيئات الطيران المدني للتحليق في الاجواء الدولية، وهو ما عمدت طهران الى إخفائه وسيّرت رحلاتها الجوية في السرّ وبعيداً عن عيون الهيئات الدولية المعنية.

وفور شيوع هذه الأنباء، قفز إلى دائرة الأضواء أربعة مشرعين في الكونغرس، وأرسلوا إلى البيت الأبيض سؤالاً بشأن إمكانية اختراق إيران نص الاتفاقية، مطالبين بإعادة النظر في الاتفاقيات الايرانية مع شركة «بوينغ» الاميركية المتخصصة بصناعة الطائرات المدنية والعسكرية، علماً أنه منذ دخول الاتفاقية النووية حيز التنفيذ، بلغت قيمة العقود الايرانية مع بوينغ نحو 25 مليار دولار.

واعتبر المعارضون أن هذا النوع من الاختراق الإيراني لقرار مجلس الأمن يجبر الرئيس دونالد ترامب على عدم إصدار المصادقة المتوقعة في أكتوبر المقبل، عملاً بالقانون الأميركي، الذي أقر رفع العقوبات الاميركية المتعلقة بالنشاطات الايرانية النووية.

وعلمت «الراي» أن واشنطن تحادثت مع عواصم حليفة لبحث إمكانية إثبات الاختراقات الإيرانية لقرار مجلس الأمن 2231، الذي ينص على أنه في حال أخلّ أي من الطرفين (إيران أو المجتمع الدولي)، ببنود الاتفاقية، تعتبر الاتفاقية لاغية، وتعود العقوبات الدولية على ايران تلقائياً، من دون الحاجة للعودة إلى مجلس الأمن والحصول على موافقته.

وكانت السفيرة الدائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي زارت مقر وكالة الطاقة الذرية في فيينا الاسبوع الماضي، وعقدت جلسات محادثات مع مسؤولي الوكالة، في محاولة منها للعثور على ثغرات تثبت عدم التزام طهران بنص الاتفاقية النووية، ما يسمح للأمم المتحدة بإلغائها وإعادة العقوبات الدولية. ولم تشر البعثة الأميركية التي زارت فيينا الى اختراقات إيرانية تذكر للاتفاقية، وهو ما دفع معارضي الاتفاق الى تكرار دعوتهم لزيادة العقوبات المتعلقة بدعم إيران الارهاب، بهدف استفزاز الايرانيين بما فيه الكفاية، ودفع طهران نفسها للخروج من الاتفاقية، وتالياً العمل على إنهائها وعودة العقوبات الدولية.

الخميس، 24 أغسطس، 2017

الفينقيون الجدد يستعيدون عنصريتهم

حسين عبدالحسين

تصريحان متناقضان صدرا عن قياديين من العنصريين البيض، بعد تظاهرة مدينة شارلوتسفيل الاميركية. رئيس حركة ”كو كلوكس كلان“ دايفد ديوك قال لتلفزيون اسرائيل انه ”صهيوني ابيض“ (على اعتبار ان جميع اليهود ليسوا من البيض، بل من داكني البشرة). اما الناطق باسم التظاهرة كريس كانتويل، فقال ان مشكلته مع الرئيس دونالد ترامب تكمن في ان الاخير زوّح ابنته ”الجميلة ايفانكا لليهودي الصعلوك" جارد كوشنر.

تناقض اليمين الاميركي العنصري حول اليهود واسرائيل يشبه التناقض لدى بعض الاسرائيليين، اذ تفادى رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو ادانة نازيي أميركا الجدد، ربما بسبب انحياز ترامب وبعض اليمين الاميركي لهم، فيما هاجم ابن نتنياهو يائير، ”معادي الفاشستية“ والاميركيين من اصول افريقية. لكن مواقف السيدين نتنياهو جاءت معاكسة، بل محرجة، لغالبية اليهود والصهاينة، حتى ان لوبي اسرائيل ”ايباك“ اصدر بيانا، نادرا من نوعه بسبب تعليقه على شؤون اميركية داخلية، ادان فيه العنصرية البيضاء والنازيين الجدد في أميركا.

في وسط هذه المعمعة العنصرية قفز عنصريو لبنان من ”الفينيقيين الجدد“، ممن يبدو انهم مازالوا يتمسكون بعلوم الماضي، مثل علم قياس الجماجم الوارد في كتاب ”نشوء الأمم“ لانطون سعادة، وهو علم حذفه ”السوريون القوميون الاجتماعيون“ في طبعة الكتاب الصادرة عن دار مصطفى طلاس.

ولم تسخر الاكاديميا وحدها من علم الجماجم واستخدام نقاشات جينية في شرح وتبرير تفوق مزعوم لأمم على أمم، بل سخر منها الادب الشعبي، مثل اللبناني زياد الرحباني، الذي قال في احد برامجه الاذاعية، متهكما، ان الراحلين الشاعر سعيد عقل والسفير شارل مالك كانا يجلسان قلقين في مختبرهما يبحثان عن الدم الفينيقي النقي.

لكن يبدو ان العنصرية عادت لتجدد نفسها بعيدا عن السخرية، هذه المرة عن طريق علوم دراسة التركيبات الجينية للأشخاص، فنشرت صحيفة ”نيويورك تايمز“ مؤخرا ان قبورا لكنعانيين في صيدا اظهرت ان التركيبة الجينية لسكان لبنان اليوم مازالت على ما كانت عليه منذ الاف السنين.

ومثلما كان الشاعر سعيد عقل واستاذ الادب العربي فؤاد افرام البستاني يثرثران عنصريا في امور لم يتخصصا فيها، يطلّ اليوم اكاديمي اميركي من اصل لبناني، متخصص في شؤون الرياضيات، مستعرضا آخر الابداعات الجينية، فيكتب ان ”اليونان كانوا قريبين (جينيا) من اليهود“، وان ”اللبنانيين بعيدون عن العرب“.

هكذا يعتبر نسيم طالب، بالاشتراك مع بيار زلّوعة، ان اليونان كانوا قريبين من اثنين جينيا: اليهود والآريين، اي الايرانيين والالمان. اما اللبنانيون، فتظهر دراسات الاكاديميين انهم كنعانيون فقط، وان في جينات اللبنانيين 10 في المئة من عروبة السوريين والاردنيين، و20 في المئة من عروبة الفلسطينيين. ويتابع الباحثان ان الفارق بين اللبنانيين (من كل الاديان) واليونان هو فارق لا يذكر، على عكس الفارق الكبير بين اللبنانيين والعرب من غير عرب المشرق.

طبعا المشكلة الاكبر في نظريات الاستاذين الفينيقيين تكمن في ان الجينات ليست عاملا انثروبولجيا يعتد به عند قياس تطور المجتمعات وعلومها وثقافتها، والدليل انه يمكن ان ينشأ عربي في ألمانيا، فيحمل المواصفات المجتمعية والعلمية وطبائع الالمان لا العرب، ويمكن له ان يتفوق بين الالمان، على الرغم من تركيبته الجينية العربية.

وعندما يستخدم طالب وزلوعة نظريتهما العنصرية للطعن برأي معلمنا الراحل، المؤرخ كمال الصليبي، حول عروبة الموارنة، لا يفطنان ان الصليبي لم يعتقد يوما ان لعروبة الموارنة، او عدم عروبتهم، تأثيراً في كيفية تطور مجتمعهم تاريخيا.

ربما على هذين الاكاديميين الفينيقيين ان يعلما ان التوراة تعتبر ان اليهود والعرب ساميون، وتنفي هذه الصفة عن الكنعانيين الفينيقيين، ولا شك ان النظرية التوراتية سببها العلاقات السائدة بين هذه المجموعات في وقت تدوين هذا الجزء من التوراة.

كما على صاحبينا الفينيقيين ان يحسما امريهما، فاذا كان الفينيقيون اوروبيين لا ساميين، لا مشكلة في ذلك، لكن العرب واليهود من الساميين، وكيفما ادار صاحبانا الاكاديميان علومهما الجينية، لن يعتبر الاوروبيون انفسهم ولا اليهود انهم ينحدرون من اجداد مشتركين، ولا ثقافة مشتركة، ولا تاريخ، ولا لغة.

حتى العرب، الذين تعتبرهم الدراسات الجينية التافهة عرقاً متجانساً، ليسوا كذلك، بل ان عرب الخليج تعرضوا تاريخيا لتأثير الهنود والفرس، فيما تعرّض عرب الحجاز وعسير لاختلاط مع المصريين والنوبيين والاثيوبيين. اما عمان، فكانت سلطنتها تمتد من شواطئ ايران في هرمز الى ساحل الصومال وزنجبار والنبط، مرورا بعمان وظفار. 

على ”الفينيقيين الجدد“ الاختيار في خزعبلاتهم الجينية بين اثنين: الاوربيين او الاسرائيليين. اما محاولة ربط الاوروبيين بالايرانيين بالاسرائيليين بالفينقيين، وابقاء العرب وحدهم خارج مجموعة الجينات التي يعتقدونها متفوقة، فهو من باب العنصرية البغيضة، التي من الاجدى لاصحابها التخلي عنها، والانشغال بما يعرفونه، وترك التاريخ لأربابه.

الأربعاء، 23 أغسطس، 2017

السنة والشيعة والعصبيات المتخلّفة

بقلم حسين عبد الحسين

على مدى العقد الماضي، ازدحم صندوقي البريدي على مواقع التواصل الاجتماعي برسائل من متابعين أزعجهم اسم عائلتي "عبدالحسين"، إذ تعتبر بعض المذاهب الإسلامية أن العبادة لا تجوز إلا للخالق وحده، وهو ما يجعل اسمي كفرا فاضحا.

هكذا، طلب غالبية المتابعين تغيير اسمي، وتراوحت رسائلهم بين حرصهم على مصلحتي — مشكورين — ورغبة في وقاية لي من نار جهنم، وبين اعتباري من "الروافض" وخوضهم في استهزاء وصل غالبا حد الشتيمة.

ولم ينافس من راسلوني في الوقاحة إلا من علّقوا على بعض مقالاتي المنشورة. حتى مقالاتي الكثيرة التي تضمنت انتقادات لإيران وحلفائها في المنطقة، لم يكلّف بعض المعلّقين عليها أنفسهم عناء قراءتها، بل التفتوا إلى اسمي فقط، وعلّقوا بالقول إن مواقفي مفهومة لأني "رافضي" أحب إيران و"جماعتي" الشيعة، وأكره أهل السنة، مع أن مقالاتي كانت فعليا ضد "جماعتي" المزعومة.

أما الفئة الثالثة من المتابعين والمعلقين على مقالاتي، فكانت الأكثر إنصافا، وقرأت نصوصي، ولكنها مع ذلك لم تبنَ على موقفي، بل أسعدها ما كتبته لأني من الشيعة ممن يهاجمون إيران، على قاعدة "شهد شاهد من أهلها".

حتى بعد عقدين من انتقاداتي لإيران، إن وجدتني يوما أنتقد خصومها، يصبح التفسير الوحيد عند هؤلاء الخصوم هو "نزعتي الشيعية" المزعومة التي أملت كتابتي وموقفي.

على مدى عقدين من الانخراط الإعلامي والكتابة، أضنتني استحالة خروج غالبية العرب من العصبيات التي يغرقون فيها، وإصرارهم على تصنيفي، في السياسة، وتصنيف أمثالي بحسب أسمائنا أو هوياتنا، بغض النظر عن أفكارنا أو ما نقوله أو نكتبه. حتى ما نكتبه يتحول مادة في الشتائم بين العصبيات المتناحرة، بدلا من أن يتحول إلى جزء من حوار أو نقاش بناء.

هذه الثقافة السائدة تدفع المجموعات إلى حب الانتصار، بدلا من حب العدالة، وهي تجعل من المستحيل الانخراط في نقاش خارج العصبيات القائمة في دنيا العرب والفرس. والنقاش الحالي يأتي في نموذجين، مديحا أو هجاء، وهو ما يعقّد من مهمة الباحث، ويجعل من الموضوعية أمرا مستحيلا.

يوم أعلنت الولايات المتحدة "عملية حرية العراقيين" في عام 2003، كنت أول من هللوا للحرب. اعتقدت أن أمام العراق فرصة ذهبية للانتقال من عقود من الطغيان إلى الديموقراطية. كثيرون آخرون هللوا لحرب أميركا في العراق، لكنهم لم يهللوا استبشارا بالديموقراطية، بل لأنهم من الشيعة ممن رأوا فرصة في الانتقام من صدام حسين والسنة وتولي الحكم بدلا منهم.

لم يكن إعدام صدام عدالة وفتح صفحة جديدة بين العراقيين، بل كان انتقام "حزب الدعوة" الشيعي من جلاّده السني، وانتقام أبناء محمد محمد صادق الصدر من الرئيس العراقي الراحل. لم يصرخ من أعدموا صدام اسم العراق، ولا قالوا عدالة أو ديموقراطية، بل صرخوا "مقتدى، مقتدى، مقتدى"، فانتقل العراق من عصبية وزعيم أبدي إلى عصبيات وزعماء أبديين آخرين.

في العراق، تعلمنا أن الديموقراطية بحاجة إلى مواطنين، وأن العراقيين عشائريون، يتصرفون كقبائل ترى في الدولة وخيراتها غنائم، ولا ترى نفسها صاحبة هذه الدولة أو مسؤولة عن حسن سيرها، ولا يعتقدون أن من تعافي الدولة يأتي تعافي المواطنين، أو العكس.

وزيادة في الطين بلة، نسخ الحكم الأميركي في العراق نموذج لبنان، الذي ينص على التعايش بين طوائفه، بدلا من المساواة بين مواطنيه.

ثم وصلت رياح الديموقراطية لبنان. قلّة قليلة من اللبنانيين خرجت من العصبيات الطائفية والقبلية في محاولة بناء لبنان ديموقراطي جديد. أما الغالبية، فغرقت في هوياتها الجماعية، و"أقسمت" على التعايش بين العصبيات المتخلفة.

بعد لبنان والعراق، وصل الربيع سورية. كنا نعرف أن مصير ديموقراطية سورية لن يكون أفضل مما كان في العراق ولبنان، لكن الضمير يملي الانحياز إلى الحرية في وجه أي طغيان. في أسابيع قليلة، تحول السوريون إلى أقليات من العلويين والمسيحيين، وإلى غالبية من السنة، وانخرط الجميع في صراع جعله الأسد دمويا أبعد من أي تصور.

هكذا، قلّما تمحور صراع سورية حول الأفكار عن الحكم وضرورة تحقيق المساواة بين المواطنين والعدالة، بل تمسك كل فريق بهويته الطائفية والقبلية، وصار التعايش بين العصبيات سبيلا وحيدا لوقف القتال، وانعدمت فرص الديموقراطية بسبب الغياب التام للمواطنية.

لكن من يظنون أنفسهم من المواطنين بين العرب لم يستسلموا، فهم خرجوا من قبائلهم، ولا عودة لهم إليها أو لمشاريع التعايش بينها. هؤلاء المواطنون العرب تمسكوا بالعدالة سبيلا وحيدا للمساواة بين الأفراد، وبالديموقراطية سبيلا وحيدا لحكم الأكثرية، لا لاضطهاد عصبية واحدة لعصبيات، لأن في دول المواطنين، لا أكثريات ولا أقليات ثابته حسب الهوية، بل أكثريات وأقليات متحركة حسب برامج الحكم وأداء الحكام، وهو ما يجعل المواطنية والديموقراطية السبيل الوحيد للأمن والسلام.

الثلاثاء، 22 أغسطس، 2017

ترامب «ينتظم» في سياسات الـ «استابلشمنت» من بوابة أفغانستان

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وعده الانتخابي القاضي بالانسحاب من أفغانستان، وتبنى رأي جنرالاته وأركان إدارته بعد أسبوع من المحادثات، توجتها خلوة في منتجع كامب ديفيد الرئاسي.

وقال ترامب، في خطاب أعلن فيه استراتيجيته واستمر نحو 20 دقيقة (فجر أمس بتوقيت الكويت)، إنه تخلى عن غريزته الأولية التي كانت تدفعه للانسحاب الفوري، وذلك بعدما جلس في المكتب البيضاوي واستمع إلى المتخصصين.

وأكد أن انسحاباً متسرعاً من أفغانستان سيوجد فراغاً يستفيد منه الإرهابيون من عناصر «القاعدة» وتنظيم «داعش».

وقدم ترامب ما أسماها «خُطتِّي لتحقيق النصر» في أفغانستان، وهي خطة تكاد تتطابق مع خطط سلفه باراك أوباما، مع فارق وحيد يكمن في إخفاء عديد القوات عن أعين الأميركيين، وترك موضوع تحديد عديد العسكر والموارد المطلوبة للجنرالات، حسب متطلبات المعارك على الأرض في أفغانستان.

وحاول ترامب الظهور بمظهر الحريص على عدم التورط أكثر في المستنقع الأفغاني بقوله إن الولايات المتحدة لن تعود إلى سياسة بناء الدول حول العالم، وهي سياسة كان تخلى عنها أصلاً واضعها الرئيس الاسبق جورج بوش، وكرّس هذا التخلي خلفه باراك أوباما.

إلا أن ترامب تبنّى ما سبق أن تعهد التخلي عنه، فهو قال ان بلاده ستلجأ إلى خطة تعتمد فيها على مزيج من عناصر قوتها، العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية والسياسية. والتلويح بالقوة الديبلوماسية هو بمثابة تراجع من رئيس كان يسعى إلى تقويض وزارة الخارجية بأكملها، والقضاء على برامجها المخصصة لدعم الدول في تحسين أدائها الحكومي.

كذلك، تراجع ترامب عن سياسته المبنية على إظهار دموية مطلقة تجاه الإرهابيين، إذ قال إنه مستعد للحوار مع بعض العناصر في حركة «طالبان» في أفغانستان ممن يمكن الانخراط في حوار معهم وإدخالهم في العملية السياسية. وتراجع ترامب في هذا السياق، وموافقته على الانخراط مع بعض العناصر في تنظيم تصنفه واشنطن إرهابياً مثل «طالبان»، هي سياسة تشبه سياسة سلفه أوباما، وتعني أن ترامب سجّل سابقة، وأنه من غير المستبعد ان تحافظ واشنطن على قنوات اتصالها الحالية القائمة مع بعض التنظيمات التي تصنفها إرهابية حول العالم.

ختاماً، لوّح ترامب بأن ديبلوماسية بلاده ستتضمن الانخراط في حوار مع الدول المجاورة لأفغانستان، خصوصاً باكستان، من أجل إشراكها في الحلول الأفغانية، وهذه سياسة تعني، في الوقت نفسه، أن إدارة ترامب ستجد نفسها في حوار مع جيران أفغانستان الآخرين، وفي طليعتهم إيران، التي أعلن ترامب، وكرر، أنها عدو واشنطن الاوحد، التي سيسعى الى مواجهتها، وتمزيق الاتفاقية النووية معها، وإعادة العقوبات التي كانت مفروضة عليها.

ومن يعرف شؤون واشنطن يعلم أنه لطالما لعبت أفغانستان دور المدخل إلى الحوارات الأميركية - الإيرانية، منذ افتتح السفير السابق ريان كروكر قناة سرية مع الايرانيين في جنيف للتنسيق حول الحرب الاميركية في أفغانستان، وهو حوار توسّع في وقت لاحق ليشمل التعاون بين البلدين في العراق، وإلى حد ما في لبنان.

هكذا، إذا ما التزم ترامب الخطاب الرئاسي الذي أدلى به، ويحمل في طياته سياسات «المؤسسة الحاكمة» (استابلشمنت) في واشنطن، مع فوارق ضئيلة في الشكل، هذا يعني أن الرئيس الاميركي تراجع عن أجزاء أساسية في وعوده وسياساته، وتبنى السياسات التقليدية، وهو انقلاب في موقف وسياسة ترامب يبدو أنه لن يتراجع عنه لأنه السبيل الوحيد لإنقاذه من ورطة أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة منذ قيامها قبل ربع ألفية، مع اقتراب حرب أفغانستان من عامها السابع عشر.

الاثنين، 21 أغسطس، 2017

«تعاطف» ترامب مع «النازيين»... يُغضب اليهود

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

انعكس الانقسام داخل الحزب الجمهوري، واليمين الأميركي بشكل عام، على اليهود الأميركيين وعلى يهود إسرائيل، الذي يبدو أن بعضهم وقع في حيرة حيال كيفية التعامل مع الرئيس دونالد ترامب، فالرئيس الأميركي أعلن منذ أيام رئاسته الأولى ولاء مطلقاً لإسرائيل، ووعد بالمصادقة على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس. ثم سافر الى إسرائيل في أول جولة خارجية له، وأصبح أول رئيس في التاريخ الأميركي يزور حائط المبكى أثناء رئاسته.

لكن لترامب جانب آخر يقلق اليهود، في الولايات المتحدة كما في اسرائيل، وهو الجانب المتعلق بانحيازه لمجموعات التطرف العنصري البيضاء، كما بدا في سلسلة مواقفه التي تلت مواجهات شارلوتسفيل العنيفة بين النازيين الجدد وحلفائهم، من ناحية، وخصومهم، من ناحية أخرى، وهي مواجهات سقطت ضحيتها مواطنة أميركية.

وكان المتظاهرون البيض المتطرفون رددوا شعارات عنصرية متنوعة، كان من بينها «لن نسمح لليهود بأن يحلّوا مكاننا»، في ما يعكس اعتقاد هؤلاء أن اليهود يسيطرون على مرافق السلطة في البلاد، خصوصاً على القطاعين المصرفي والاعلامي. وبدلاً من أن يتخذ ترامب مواقف قاسية ضد المتطرفين البيض، دافع عنهم، وقال إن بعضهم من «أحسن الناس»، وان هؤلاء كانوا يتظاهرون ضد اقتلاع تماثيل شخصيات الكونفيديرالية، أي مجموعة الولايات الجنوبية التي حاولت الانفصال عن الاتحاد الأميركي في حرب أهلية انتصر فيها الشماليون في ستينات القرن التاسع عشر.

وفي إحدى الوثائقيات التي بثتها شبكة «فايس»، ظهر أحد أبرز منظمي التظاهرة العنصرية جيمس كانتويل وهو يقول ان مشكلته مع ترامب ان الأخير وافق على زواج ابنته ايفانكا «الجميلة» من «ذاك اليهودي»، في إشارة إلى صهر الرئيس ومستشاره جاريد كوشنر.

وزاد في الطين بلّة اعتصام رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الصمت على الرغم من تحريض العنصريين البيض ضد اليهود، فيما انتشر فيديو لابن نتنياهو وهو ينتقد «معادي الفاشية» والأميركيين من أصل إفريقي.

وحاول بعض اليهود وأصدقاء إسرائيل الدفاع عن صمت نتنياهو بالقول إن الأخير يدرك مدى «معاداة السامية» حول العالم، وان هذه العدائية هي سبب قيام دولة اسرائيل في العام 1948 كملجأ ليهود العالم من اضطهاد غير اليهود لهم. لكن هذا النوع من التبريرات صوّر اليهود وكأنهم لا يتعاطفون مع ضحايا العنصرية الآخرين، وكأن جلّ ما يعنيهم هو أمنهم وأمن دولتهم إسرائيل.

ويبدو أن نتنياهو كان في عداد القلة القليلة من اليهود و«أصدقاء إسرائيل» ممن التزموا الصمت، في ما اعتبره كثيرون انتهازية سياسية، وهو ما دفع اللوبي الاسرائيلي في واشنطن المعروف بـ «ايباك» لإصدار بيان فريد من نوعه في تناوله شأناً أميركياً داخلياً، إذ لطالما نأى هذا اللوبي بنفسه عن شؤون أميركا الداخلية، واعتبر نفسه خارج انقسام اليمين واليسار، واعتبر ان مهمته هي حشد التأييد الأميركي، من كل المواقع السياسية، خلف إسرائيل، وهو ما يجبره على الابتعاد عن الانقسامات الأميركية الداخلية والتعالي عنها، وحصر اهتماماته وبياناته في أمور السياسة الخارجية.

وجاء في بيان «ايباك» التاريخي انه يشارك «الغضب والقلق العميق لدى الأميركيين من أمثالنا حول العنف غير المبرر والاستعراض المثير للغثيان للعنصرية ومعاداة السامية في شارلوتسفيل».

واضاف اللوبي أن على الجميع إدانة «النازيين الجدد» و«كو كلوكس كلان» وجماعات «التفوق العنصري للبيض»، داعياً كل المسؤولين المنتخبين لرفض المساواة بين من يؤيدون الكراهية ومن يعارضونها.

وفضلاً عن «ايباك»، انبرى أبرز الكتاب اليهود الأميركيين لمهاجمة، لا ترامب فحسب، بل مجموعة اليهود العاملين في فريقه، وفي طليعتهم صهره كوشنر ووزير ماليته ستيف منوشن ومستشاره للشؤون الاقتصادية غاري كوهن. وكتب دانا ميلبانك في صحيفة «واشنطن بوست» ان «في العبرية الاوروبية (يديش) تعبير يصف الثلاثة، وهو شاندا، أي العار».

ووصف ميلبانك كوشنر ومنوشن وكوهن على انهم «يهود القصر» ممن يعملون ما في وسعهم لإرضاء الملك، ولو كان ذلك على حساب يهوديتهم وأبناء ملتهم اليهود. وقال ان الحاخام حسقيل لوكستاين، وهو الذي أشرف على تحوّل إيفانكا ترامب من المسيحية الى اليهودية حتى تقترن بكوشنر، دان قيام ترامب بمساواة العنصريين البيض بمعارضيهم.

«حتى شيلدون اديلسون»، الملياردير اليهودي الجمهوري الذي جمع ثروته من كازينوات لاس فيغاس وممول حملات نتنياهو السياسية، طالب، حسب ملبانك، «بوضوح أخلاقي أكبر من ترامب»، معتبرا أنه «لا يوجد من النازيين من هم جيدين».

وانضم دييفد رمنك، اليهودي الديموقراطي ورئيس تحرير مجلة «نيويوركر»، إلى مجموعة اليهود ممن دانوا ترامب لمغازلته اليمين المتطرف. وكتب انه في الأيام التي سبقت انتخاب ترامب رئيساً، وقف سلفه باراك أوباما في ولاية نورث كارولاينا يحشد التأييد للمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، وتوجه للجمهور بالقول إن «الرئاسة لا تغيّر من شخصيات الاشخاص، بل تضيء على شخصياتهم، فإن كانوا يتلقون دعماً من (كو كلوكس كلان) ويقولون إنهم لا يعرفون، فتأكدوا أن ذلك سيتكرر أثناء ولايتهم الرئاسية»، في تعليق من الرئيس السابق بدا وكأنه نبوءة عن رئاسة خلفه ترامب.

السبت، 19 أغسطس، 2017

اليمين المتطرّف يلوّح بانتفاضة ضد ترامب

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في مؤشر على مدى التخبط الذي يعيشه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ تسلمه الحكم في يناير الماضي، أعلن البيت الأبيض استقالة مستشار الرئيس للشؤون الاستراتيجية ستيفن بانون، اليميني المتطرف الذي أثار تعيينه مديراً لحملة ترامب الرئاسية، ومستشاراً رئاسياً في ما بعد، الكثير من الجدل في صفوف الأميركيين، بمن فيهم الجمهوريون داخل حزب ترامب.

ومع خروج بانون من البيت الابيض، يكون ترامب طرد، خلال نحو سبعة أشهر، أول ثلاثة قام بتعيينهم منذ أصبح رئيساً، بعد إجباره، في أوقات سابقة، كلاً من مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين ورئيس موظفي البيت الابيض رينس بريبس على الاستقالة.

ورغم أن خروج بانون بدا وكأنه بسبب ورطة ترامب وتصريحاته على إثر أحداث شارلوتسفيل، التي شهدت صدامات بين «نازيين جدد» ومعارضين لهم، إلا أن الأنباء المتواترة من داخل البيت الابيض أشارت الى أن عملية خروج كبير مستشاري الرئيس بدأت قبل أحداث شارلوتسفيل، وان بانون وضع استقالته بتصرف ترامب منذ 7 أغسطس الجاري، وأن رئيس موظفي البيت الأبيض جون كيلي هو من طلب استقالة بانون، كجزء من محاولته إعادة ترتيب فريق ترامب.

كذلك، تواترت أنباء مفادها أن ترامب يبدي امتعاضه من بانون منذ فترة، إذ كرر أمام مقربين منه أن بانون يقف خلف التسريبات، التي يعمل ترامب وكيلي على وقفها، خصوصاً أن بانون كان يعمل في الماضي مديراً تنفيذياً لموقع «برايتبارت» اليميني المتطرف. وما يؤكد أنباء ان استقالة بانون كانت معدة سلفاً قبل إعلانها هي المقابلات الاربع التي أدلى بها بانون في الايام الثلاثة الاخيرة، في محاولة بدت بمثابة كتابته لوصيته السياسية قبل خروجه من الحكم ودائرة الاضواء.

وفور شيوع خبر خروج بانون من البيت الابيض، غرّد جول بولاك، أحد كبار الصحافيين العاملين في «برايتبارت» بكلمة واحدة هي «حرب»، ما يؤشر على أن طرد بانون سيؤدي إلى مواجهة بين الرئيس الاميركي والــقاعدة الشعبية اليمينية المتطــرفة، التي تـــــتبع بانون.

ونشر بولاك مقالة شبّه فيها ترامب بمحافظ كاليفورنيا السابق آرنولد شوارزنيغر، وقال ان الرجلين جاءا من عالم الشهرة الى السياسة من دون خبرة، وأن الحركة اليمينية المحافظة كانت تأمل أن يقوم كل منهما بتنفيذ أجندة يمينية ثورية واعدة بالقضاء على الفساد وعلى المؤسسة الحاكمة، إلا أن الأخيرة تصدت - بمساعدة الاعلام الاميركي - لكل منهما، فتراجع حاكم كاليفورنيا السابق وتبنى برنامجاً ليبيرالياً بدلاً من وعوده اليمينية.

وقال بولاك إن قاعدة ترامب صبرت عليه حتى الآن، وهي بالانتظار لترى إن كان سيلتزم بتنفيذ وعوده لليمين المتطرف، أم أن طرد بانون يعني انقلاب ترامب نحو الوسط واليسار والمؤسسة الحاكمة، وهو ما يوجب على القاعدة اليمينية إذ ذاك القيام بانتفاضة على ترامب.

وتعزو غالبية المراقبين أكثر قرارات ترامب تطرفاً، مثل محاولته فرض «حظر سفر» على المسلمين، وانسحابه من اتفاقية باريس حول المناخ واتفاقية «الشراكة عبر الهادئ»، الى تأثير بانون عليه. على ان السؤال، بعد خروج بانون، هو هل سيبقى ترامب «ترامباً»؟ أم أنه سيتغير ويصبح أكثر حكمة وهدوءاً مع خروج أحد اكثر المستشارين المتطرفين من فريقه؟

الخميس، 17 أغسطس، 2017

إيران تُغامر بعودة العقوبات إذا نفذ روحاني تهديداته

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ربما لم يعنِ الرئيس الإيراني حسن روحاني ما قاله عن انسحاب بلاده من الاتفاقية النووية في حال إقرار الولايات المتحدة رزمة جديدة من العقوبات على طهران.

ربما كان حديث روحاني موجهاً إلى الداخل الإيراني، في محاولة استعراض قوة بعد إعادة انتخابه لولاية ثانية.

على ان النصيحة الافضل لمصالح ايران جاءت من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي دعا طهران الى عدم تنفيذ تهديدات روحاني، وانتقد في الوقت نفسه اي عقوبات أميركية أحادية ممكنة على الايرانيين، فروسيا أيضاً تعاني من هذا النوع من العقوبات التي وصفها الوزير الروسي بأنها غير شرعية.

ونصيحة لافروف مبنية على نص الاتفاقية النووية، وهو نص غامض في مواضع كثيرة، لكنه واضح في أمر وحيد: إذا ما انسحبت ايران من الاتفاقية النووية، تعود تلقائياً - ومن دون حاجة العودة الى مجلس الأمن او الأمم المتحدة - كل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على الجمهورية الاسلامية.

هذا يعني أنه إذا قررت إيران مواجهة العقوبات الاميركية الأحادية الجديدة، فالمواجهة التي هددت بها ستجبر المجتمع الدولي، بما فيه أصدقاء ايران مثل روسيا، على التزام عودة العقوبات الدولية بأكملها. وهذا يعني أيضاً أن إيران ستكون بين خيارين: إما قبول العقوبات الأميركية الأحادية، وإما رفضها والعودة إلى عقوبات دولية كاملة. صحيح أن العقوبات الاميركية الاحادية موجعة، وللروس تجربة واسعة في هذا الاطار بسبب العقوبات الاميركية المتصاعدة عليهم، الا أن توسيع العقوبات لتشمل أوروبا والصين وباقي العالم ستكون موجعة أكثر للايرانيين.

ومن المرجح أن تحمل العقوبات الاميركية عدداً كبيراً من الشركات غير الاميركية على البقاء خارج السوق الايرانية، بسبب خوفهم من أن يحرمهم تعاملهم مع ايران سوق اميركا، وقطاعها المصرفي، الذي يغطي معظم النشاط الاقتصادي العالمي.

خطة فرض عقوبات أميركية تربك إيران، وقد تدفعها الى التهور والانسحاب من الاتفاقية النووية. وكان أول من تناقل هذه الخطة في العاصمة الاميركية الخبراء والمسؤولون السابقون من أصدقاء إسرائيل، إذ يعتقد هؤلاء أن فرض عقوبات اميركية على ايران، بتهم تتعلق بدعمها الارهاب، سيدفع طهران الى ردة فعل تنسحب بموجبها من الاتفاقية النووية، وهو ما يعيد العقوبات الدولية، وينسف الاتفاقية التي توصل اليها العالم مع الايرانيين، وهو الهدف الاول لاصدقاء اسرائيل ومعظم اليمين الاميركي.

ومنذ وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الابيض في يناير، عمدت الادارة الاميركية إلى اتهام إيران بتجاوز بنود الاتفاقية النووية عبر قيامها بتجارب صواريخ بالستية. الا ان الاتفاقية لم تتطرق إلى هذه الصواريخ، ما يعني أن إيران ملتزمة الاتفاق، وهو ما حمل الادارة على إجبار ترامب على توقيع تمديد اعفاء إيران من العقوبات مرتين. لكن ترامب تمرد بعد ذلك، واعتبر ان ايران تلتزم نص الاتفاقية النووية، لكنها «لا تلتزم روحها»، وهو ما سيدفعه الى عدم توقيع الاعفاءات في الموعد المقبل لها، اي في أكتوبر المقبل.

بدورها، اتهمت إيران أميركا بتجاوز الاتفاقية بعدم رفعها كل العقوبات عن ايران، لكن الاتفاقية حددت بشكل واضح ان توقيعها يؤدي الى رفع أميركا والعالم العقوبات المفروضة بسبب نشاطات ايران النووية، ولم تذكر الاتفاقية ان العالم يرفع العقوبات المفروضة على ايران بتهم تتعلق بدعمها الارهاب، وهو ما يعني ان اتهامات ايران لاميركا بانتهاك الاتفاق هي، مثل اتهامات اميركا لايران، غير صحيحة، وتأتي من باب التحريض الاعلامي والسياسي، الذي يأمل البعض في الادارة الاميركية ان يحمل إيران على الانسحاب من الاتفاقية، وتالياً تنهار وتعود الامور بين ايران والعالم الى نقطة الصفر، مع شبه استحالة الوصول لاتفاقية نووية جديدة، فتعيش ايران تحت العقوبات الدولية القاسية حتى إشعار آخر.

الأربعاء، 16 أغسطس، 2017

عندما يجمع العالم على الأسد

حسين عبدالحسين

أن يحلف نازيو أميركا الجدد بحياة الرئيس السوري بشار الأسد ويرفعوا صورته تباهيا، وان تصر اسرائيل الصهيونية على ابقاء الأسد في الحكم واعادة سيطرته على الجنوب المحاذي للأراضي السورية التي تحتلها، وان يتمتع الأسد بدعم ايران المعادية لاسرائيل، وان يتمتع بتأييد اليمين الاوروبي والاميركي بحجة دفاعه عن مسيحيي الشرق، وان يتمتع بتأييد اليسار الاوروبي والاميركي ممن يرون فيه عنوانا للتصدي للامبريالية…

أن تُجمع تيارات العالم المتناقضة على الأسد هي ضربة حظ ربما لم تسنح لطاغية في التاريخ الحديث. ان يتوافق النازيون والصهاينة على الأسد، وان تتوافق ايران واسرائيل و“حزب الله“ على الأسد، وان يتوافق اقصى اليمين المسيحي مع اقصى اليسار اللامبريالي عليه…

في عالم قاس غير عادل، في عالم يلقّن الاجيال ان القوة هي العدل، في عالم تنهار فيه المحاكمات الدولية وتتزاحم في سمائه مقاتلات جيوش العالم على انواعها واشكالها، لا يعارض الأسد ويرغب في رؤيته يرحل الا غالبية السوريين. هؤلاء السوريون كانوا غالبية يوم ثاروا، واليوم صاروا أقلية في بلادهم، بعدما صارت غالبيتهم في مخيمات اللجوء، وفي قعر المتوسط، وتحت ركام مدنهم، وفي دول الشتات.

لم يعد لدينا ما نقوله للسوريين. لم يعد لدينا، نحن من نعدد التصريحات ونحصي المواقف، ونربطها ببعضها البعض، ثم نفككها، ونشرح للسوريين سبب مآساتهم، ونحاول ان نمنحهم بعض الأمل بقرب نهاية ازمتهم، لم يعد لدينا الكثير لنقوله. كل ما بوسعنا قوله هو ان العالم بارد، مظلم، قاس، يحكم فيه القوي الضعيف، حظكم ان امهاتكم ولدتكم حيثما ولدتكم في سوريا، وهي لو ولدتكم في الحي المجاور، لكنتم شبيحة تضربون وتشتمون وتقتلون وتعفشون، بلا حسيب.

والدين افيون الشعوب، به يتداوى السوريون، وبه يخففون ألمهم من أسد كاسر عليهم ولا يجد من يردعه. بأفيون الدين يتمسك السوريون بالعدالة، ان لم تكن ارضية، فإلهية. ذاك الصبي الذي لفظه البحر ميتا، وتلك الفتاة التي خرجت اشلاء من تحت الركام، كيف قتلوا؟ من يعزي اهلهم وينصفهم بعدالة؟ لولا السماء، لما تبقى للسوريين بقعه يوجهون نظرهم اليها.

اما الاشقاء، فمن غالبيتهم الشقاء، يذلّون السوريين في لبنان، يستقوون عليهم، يضربونهم من دون حساب، يعذبونهم في اقبية الاستخبارات، فيموتون.

هؤلاء الاشقاء الذين يبيعون الحرية بالعلمنة، فيخسرون الاثنين معا. لم يسبق ان عاش شعب في شقاء كالذي يعيشه العرب اليوم. اصبح حكام بنادق فلسطين الفاسدة ابطالا قياسا ببعض حكام العرب اليوم، وتآمرهم في لوبيات الفنادق، وعلى شاشات الفضائيات.

نحن من تابعنا الثورة السورية بشغف منذ اندلاعها قبل ست سنوات، صرنا نفهم التصريحات من الاشارة. هي طلاسم عادة يفهمها من ينغمس فيها، ويستخدمها ترميزا لافهام الآخرين. نحن من نفهم طلاسم السياسة حول سوريا نعرف ان من كان يعد بخروج الأسد من الحكم، بالسياسة او بالحرب، تراجع اليوم وقبل بقاء الأسد، واستعار موقفه من الغموض الاميركي، الذي كان يبدو وكأنه يطلب رحيل الأسد، فيما هو كان واقعا يطالب ببقائه. كان الاميركيون يقولون ان ”الأسد ليس جزءاً من مستقبل سوريا“، وهذا يعني على الأقل انه سيكون جزءاً من عمليتها الانتقالية، او مهيمنا على هذه العملية، وهي العملية التي تقرر المستقبل.

لم يكن تخلي بعض الاشقاء العرب عن السوريين وتراجعهم امام الأسد الاول من نوعه. سبق للاشقاء ان قالوا ان العدالة اتهام سياسي، وتخلوا عمن هو لهم، فلم يجنوا عدالة، ولا سياسة.

العالم يجمع على الأسد، ويتفرق عن العدل والعدالة. مازال العالم بعيدا عن مبادئ التنوير، التي يتظاهر الغرب انه يتبناها ويتباهى بها. هو عالم مبني على القوة، والقوي ليس من يمارس القوة فحسب، بل من يمارسها ويختبئ في ثياب الحملان والمستضعفين والمظلومين والمحروقين والاقلويين.

لا حرية رأي في السعودية وإيران


أصدرت النيابة العامة السعودية بيانا حذّرت بموجبه المواطنين من الإدلاء بأي "كلمة تضر بالمجتمع"، معتبرة أن من صلاحياتها "متابعة خطورة الكلمة التي تثير الكراهية"، ومتوعدة "بملاحقة أي مشاركة تضر بالمجتمع أيا كانت ذرائعها أو وسائل نشرها". وجاء بيان السعودية بعد شهرين على تحذيرها والإمارات لمواطنيهما والمقيمين لديهما من بث أي تغريدات مؤيدة لقطر، تحت طائلة عقوبة سجن تصل إلى ست سنوات.

وجاء البيان على خلفية محاولة منع بعض المغردين السعوديين من تكفير من يترحمون على الممثل الكويتي الراحل عبدالحسين عبدالرضا. صحيح أن هدف النيابة العامة سام، لكن استسهال محاسبة الناس على آرائهم مشكلة. والسعودية تنخرط في مواجهة عقائدية ودينية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية غير مباشرة، ضد جارتها إيران، إلا أن العداء المستشري بين الرياض وطهران لا يعني أن أيا منهما يظهر احتراما لحرية الرأي.

وعلى الرغم من التباين الواسع بين حكم ولي الأمر في المملكة السعودية وحكم الولي الفقيه في الثيوقراطية الإيرانية، تتشابه الدولتان في ثقافة الحكم، لناحية تسيير "شرطة دينية" تحدد اللباس، والمأكل، والمشرب في الأماكن العامة والخاصة، في وقت تسعى فيه أجهزة رقابة الدولتين للسيطرة على الآراء، وقمع الحريات.

هكذا، على الرغم من الاختلاف الكبير بين المملكة العربية السعودية والثورة الإسلامية الإيرانية، تحتل الدولتان مركزا يكاد يتطابق في قعر سلم الحريات، حسب تصنيف "مراسلين بلا حدود"، إذ تحل إيران في المرتبة ١٦٥ عالميا، تليها السعودية في المركز ١٦٨، من بين ١٨٠ دولة حول العالم يشملها التصنيف.

واعتقاد أي حاكم أو حكومة أن مهمته تحديد ما يقرأه، أو يسمعه، أو يشاهده، أو يقوله المحكوم، هو اعتقاد لا يقتصر على السعودية وإيران، على الرغم من قسوة الرقابة في هذين البلدين.

حتى لبنان، الذي يحل في المرتبة ٩٩ عالميا والثانية بين الدول العربية بعد تونس، حسب التصنيف ذاته، يعاني من اعتقاد حكامه أنه يمكنهم ممارسة الوصاية الفكرية على اللبنانيين.

قبل أسابيع، شاركت في مباراة كرة قدم مع أبناء جيلي في بيروت، وعمد المنظمون إلى تصوير الحدث، وأرسلوا لي بالبريد السريع إلى واشنطن قرصين مدمجين، أحدهما فيديو والآخر صور فوتوغرافية. فتحت البريد فإذا بالمظروف سبق أن تم فتحه، ثم إغلاقه بشريط لاصق، مع اختام "مديرية الأمن العام، دائرة البث المرئي والمسموع".

حكومة لبنان تلصصت علنا على خصوصيات لا تعنيها، على الرغم من أن شبكة الإنترنت فتحت الباب لنقل أي معلومات بعيدا عن أعين الرقابة، إلا في حال تحويل البلاد إلى زنزانة يسود فيها رأي واحد وحيد، تجيزه الحكومة، وتسمح بتداوله، على غرار السعودية وإيران والصين وروسيا، حيث إغلاق مواقع على الإنترنت، وتحريم استخدام تقنية "في بي أن"، التي تسمح بتجاوز الرقابة، تحت طائلة الملاحقة القانونية.

في الآونة الاخيرة، تصاعدت عملية قمع الرأي في لبنان، إذ قام وزير الخارجية جبران باسيل، وهو صهر رئيس لبنان ميشال عون وطفله المدلل، بالادعاء ضد لبنانيين ممن كتبوا ضده في وسائل التواصل الاجتماعي. وتم توقيف صحافيين ومواطنين، والتحقيق معهم، وتهديدهم بالسجن.

لبنان تحكمه دولتان: دولة "حزب الله" صاحبة اليد العليا، ودولة الطبقة السياسية الفاسدة الضعيفة التي تستقوي على من هم أضعف منها. واللبنانيون يعانون من مشكلة العيش في ظل دولتين، ودستورين، وقانوني حرية. فيكتب صحافي أو ناشطة عبارات ضد وزير الخارجية تقود صاحبها إلى التوقيف والتحقيق، فيما يقوم صحافيو "حزب الله" وقادته بإصدار تهديدات علنية وواضحة بالتصفية الجسدية والقتل ضد معارضي الحزب، من دون محاسبة.

في بعض الدول العربية وإيران والصين وروسيا، لا حرية رأي، بل لا حرية بشكل عام، فقط أنظمة متسلطة يقوم فيها القوي بفرض رأيه على الضعيف، تحت طائلة السجن والتعذيب، وحتى التصفية الجسدية. ثم تشكو حكومات هذه الدول المتسلطة من تدخل حكومات العالم في شؤونها، وتعتبر أن قمع حرية الرأي يندرج ضمن إطار "سيادة الحكومات"، وخصوصيات المجتمع المحكوم، وأن ثقافات هذه المجتمعات تحتم عدم خضوعها لـ "شرعة حقوق الإنسان"، وهذا موقف يوافق عليه للأسف بعض الغربيين من المعروفين بـ "الاستنسابيين الثقافيين"، ممن يدعون لترك المجتمعات تقرر قوانينها، من دون فرض مبادئ عصر التنوير الغربي عليها، وفي طليعتها الحرية الفردية.

هنا في الولايات المتحدة، مشى النازيون في تظاهرة لم تمنعها أي سلطة أميركية، على الرغم من خوض البلاد حربا عالمية لإلحاق الهزيمة بالنازية نفسها. لكن حرية الرأي مقدسة، حتى لو أثارت بلبلة ومواجهات وأدت إلى سقوط قتلى.

ولضبط الأوضاع، أعلن حاكم فيرجينيا حظر تجول، لكنه لم يعلن حظر رأي، فيما طالب الأميركيون رئيسهم دونالد ترامب بإدانة النازية ومؤيديها الأميركيين، لكن لم يطالب ولا أميركي الرئيس بحظر النازية أو منع مؤيديها من التعبير عن نازيتهم. هكذا تكون حرية الرأي.

الاثنين، 14 أغسطس، 2017

واشنطن تعوّل على استخدام الكويت «كل إمكاناتها» لتسوية الأزمة الخليجية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

عادت إلى واشنطن البعثة الاميركية المولجة دعم الوساطة الكويتية بين قطر، من جهة، والسعودية والامارات والبحرين ومصر، من جهة ثانية. وتألفت البعثة من الجنرال المتقاعد انتوني زيني ومساعد وزير الخارجية تيموثي لندركنغ.

الاوساط الاميركية نقلت عن المبعوثين الاميركيين بعض الملاحظات عن حصيلة جولتهما، التي يبدو ان المبعوثين اعتبرا أنها «لم تكن موفقة»، وتوقعا استمرار الازمة الخليجية في المستقبل المنظور. وتتشابه انطباعات زيني ولندركنغ مع ما سبق ان نقلته «الراي» عن وزارة الخارجية الاميركية، إبان عودة وزير الخارجية ريكس تيلرسون من جولته الخليجية الشهر الماضي، على اثر فشل الوساطة التي انخرط فيها للتوصل الى تسوية للأزمة الخليجية.

وأصدر تيلرسون يومها تعليمات الى وزارته تقضي بضرورة العمل على اساس ان «الأزمة ستطول». وفي وقت لاحق، رصدت «الراي» موقفا مشابها في وزارة الخارجية البريطانية، مع إصدار الحكومة تعميماً بوجوب استنباط سياسات مبنية على «طول الأزمة» الخليجية.

انطباعات البعثة الاميركية الى الخليج لا تختلف عن سابقاتها: يرفض الطرفان الخروج من الأزمة بمظهر المتراجع، وهو ما حدا بالكويت الى محاولة ابتكار مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين، أي العودة الى الساعات التي سبقت اندلاع الأزمة.

تروي المصادر الاميركية ان الاعلان عن توقيع قطر مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن مكافحة تمويل الارهاب، وهي مذكرة تم توقيعها قبل اندلاع الأزمة ولكن تم تكرار الاعلان عنها بعد وقوع الأزمة، كان هدفه تصوير وكأن قطر أظهرت بعض التعاون مع مطالب جيرانها. كما تراجع خصوم قطر عن نصف مطالبهم، والتزموا بالتي يمكن تنفيذها التزاما باتفاقية 2014 بين الطرفين.

في نفس الوقت، حرص القطريون على تضمين أي بيان تسوية بنداً يشير الى ضرورة اللجوء الى القنوات الديبلوماسية، وخصوصاً مجلس التعاون الخليجي، في حل أي أزمات قد تنشأ مستقبلاً، في اشارة واضحة ان الدوحة مستاءة من كيفية قيام الدول الأربع بإعلان مقاطعتها عبر الإعلام، من دون أي تحذيرات ديبلوماسية سابقة للحرب الاعلامية عليها.

«كل هذه النقاط توصلت الكويت الى إقناع الطرفين بها، فانحصر الخلاف ببعض السياسات الفعلية التي تصر الامارات والسعودية على إلزام قطر بها، فيما تعتبر الدوحة أنه مطلب يتعارض مع إصرار هاتين الدولتين على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل بشؤون بعضها البعض»، حسب المصادر الاميركية.

ويبدو ان الامارات والسعودية، اللتين تتمسكان بمبدأ «عدم تدخل الدول في شؤون بعضها البعض»، مصرتان على حمل قطر على عدم الانحياز الى جانب تنظيم «الإخوان المسلمين» في مصر، ووقف أي دعم تقدمه لهذا التنظيم، وتسليم قادته المقيمين في قطر الى القاهرة. لكن الدوحة ترد ان مبدأ «عدم التدخل» يقضي بألا تتدخل الامارات والسعودية في المواقف التي تتخذها قطر في مصر أو أماكن أخرى من العالم.

يقول الاميركيون: «ألا تتدخل بشؤون السعودية أو الامارات يعني ألا تؤوي قطر معارضين من هذين البلدين، ولكنه لا يعني ان تتبنى قطر سياسات اقليمية متطابقة مع جارتيها».

الكويت لاتزال تسعى لرأب الصدع، حسب المصادر الأميركية، التي تضيف ان «الكويت تعتقد أن لا مفر من التوصل إلى تسوية، وان أي بديل هو استمرار الوضع السائد، وهو وضع لا يمكن للكويت أذن تقبل بأن يصبح طبيعياً، أو على الأقل، لن ترضى أن يصبح طبيعياً من دون أن توظف كل إمكاناتها في محاولة لتغييره وإعادته الى سابق عهده».


«الريل» تنقل وحدات تصنيع المترو من دبي إلى الدوحة



دبي - «سي إن إن عربية» - أعلنت شركة سكك الحديد القطرية «الريل»، نقل مقر مركز تصنيع أنظمة إدارة التحكم الآلي لمرافق محطات مشروع مترو الدوحة، من مقرها السابق في دبي بالإمارات إلى الدوحة.

وقال وزير المواصلات والاتصالات القطري جاسم بن سيف السليطي: «سرعة اتخاذ القرار والتحديات اللوجستية التي تم التغلب عليها بصورة عملية، بنقل مقر مركز تصنيع هذه الأنظمة، تؤكد إيماننا بمرونة المشروع وقدرته على التكيف مع الظروف المحيطة، وهي دليل على قدرة إدارة شركة (الريل) على التعامل مع التحديات غير المتوقعة والتغلب عليها»، حسبما نقلت وكالة الأنباء القطرية الرسمية «قنا».

وأضاف السليطي: «تبدد الآن أي شك في احتمال تأخر المشروع جراء العوامل الخارجية، وذلك بفضل العمل الجاد والتفاني اللذين يتحلى بهما فريق الشركة... وبهذا الالتزام والتفاني، يمكن لدولة قطر أن تتطلع قدماً للوقت الذي تنعم فيه بخدمة مواصلات آمنة، وتتسم بالكفاءة ومن الطراز العالمي بإدارة فريق من الخبراء في مجالهم».

من جانبه، قال العضو المنتدب الرئيس التنفيذي لشركة سكك الحديد القطرية عبدالله عبد العزيز السبيعي، إن «إنجاز أعمال التصنيع والتجميع والاختبار في مدينة الدوحة يعني أن هذه الأعمال ستحظى بإشراف أفضل، وإن برنامج التسليم لن يتأثر جراء عمليات تأخير غير متوقعة، حيث سيكون (مركز تصنيع نظم إدارة التحكم الآلي للمرافق) بمثابة مقر اختبار يجري فيه فحص دقيق لعمل وأداء نظم إدارة التحكم الآلي للمرافق الخاصة بكل محطة من محطات المترو، وعند الانتهاء من أعمال الاختبار، سيتم نقل لوحات ومكونات النظام من المركز إلى محطات المترو المختلفة».

وأكدت الشركة القطرية أن مشروع المترو «يسير نحو الانتهاء في وقته المحدد وحسب الخطة، ومن المتوقع أن تصل أول أربعة قطارات من اليابان إلى الدوحة قبل نهاية العام الحالي».

الأحد، 13 أغسطس، 2017

صدامات شارلوتسفيل الدامية تثير تساؤلات عن تغذية خطاب ترامب... عنصرية المتطرفين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

المواجهات العنيفة التي اندلعت في مدينة شارلوتسفيل، في ولاية فرجينيا، بين متطرفين عنصريين بيض ومعارضين لهم، أجبرت محافظ الولاية تيري ماكوليف على إعلان حالة الطوارئ ونشر جيش الولاية (الحرس الوطني) لفرض الأمن ومنع المواجهات من التفاقم.

واندلعت المواجهات على خلفية قيام مجلس المدينة، التي تستضيف جامعة فرجينيا المرموقة وتسكنها غالبية من الليبراليين المؤيدين للحزب الديموقراطي، بإزاحة تمثال يعود لروبرت لي، رئيس الكونفيديرالية التي انهزمت في زمن الحرب الاهلية الاميركية منتصف القرن التاسع عشر. وجاءت عملية الازاحة من ضمن سلسلة من إزاحة تماثيل الكونفيديرالية في عموم البلاد، وهي تماثيل تعود لشخصيات تعتبرها غالبية الاميركيين من الشخصيات البغيضة والعنصرية التي حاربت من أجل بقاء العبودية.

وكانت مجموعة من «النازيين الجدد» وأحزاب «التفوق العرقي للبيض» دعت لتظاهرة ضد إزاحة التمثال، فدعا مؤيدو الازاحة الى تظاهرة مضادة في المكان نفسه. ولما تلاقت التظاهرتان (ليل أول من أمس)، تأزمت الأمور واندلعت اشتباكات تم فيها استخدام العصي والحجارة. واستقدم المتطرفون الدعم على شكل مؤيدين لهم من المسلحين، فخشي المحافظ أن تتأزم الأمور أكثر، وأعلن «حالة الطوارئ»، وهو ما يتضمن فرض حظر تجوال في المدينة ونشر «الحرس الوطني».

وقتلت امرأة في الثانية والثلاثين من العمر عندما صدمت سيارة عمداً، الحشد الذي تجمع للاعتراض على المتطرفين، في حين قتل شرطيان في تحطم مروحيتهما بالقرب من المدينة، من دون أن يُعرف ما إذا كانت هناك علاقة بين هذا الحادث وأعمال العنف. وفيما كان الأميركيون يحبسون أنفاسهم وهم يشاهدون حربهم الاهلية تتجدد على نطاق أحياء وعلى مستوى شباب، التزم الرئيس دونالد ترامب، الثرثار عادة عبر «تويتر»، الصمت، ولم يخرج من فريقه إلا زوجته، السيدة الاولى ميلانيا بتصريح عبر «تويتر»، أشادت فيه بحرية الرأي التي يكفلها الدستور، ودعت الأميركيين الى تفادي إثارة الشغب والقلاقل.

ونشر رئيس تنظيم «كو كلوكس كلان» الابيض المعادي للسود ديفد ديوك تغريدة قال فيها ان المواجهات هي مصادقة لوعود ترامب بعودة البيض الى سابق سطوتهم وقضائهم على الاعراق الاخرى. وفي ظل استمرار صمت ترامب، انهمرت الانتقادات عليه من الجانبين، الجمهوري والديموقراطي، عبر الاعلام.

واعتبر قياديو الحزبين ان المتطرفين البيض كانوا دائماً موجودين بين الاميركيين، الا أن انتخاب ترامب، وتصريحاته العنصرية المعادية للمسلمين والاميركيين من أصول اميركية جنوبية، فتحت الباب للمتطرفين البيض بالتحرك والخروج الى الضوء، والقيام بأعمال شغب لم تشهدها البلاد منذ ستينات القرن الماضي.

ريتشارد باينتر، محامي الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن، اتهم ترامب بتغذية العنصرية لدى المتطرفين البيض، واعادة علم الكونفيديرالية من هامش الحياة السياسية الى صلبها، وعودة ظهور الزوبعة النازية «سواستيكا»، وعودة تنظيم البيض أنفسهم وحمل مشاعل «كو كلوكس كلان».

كما اتهم باينتر مستشار ترامب ستيف بانون ومساعده ستيفان غوركا، وهو من أصول مجرية ولديه علاقات معروفة بنازيي المجر، بتحريك المجموعات المتطرفة بين البيض الاميركيين، معتبراً أن ترامب لا يرغب بوضع حد لهؤلاء لأنهم يشكلون عصب كتلته الناخبة.

بدورهم، اعتبر قياديو الحزب الديموقراطي ان المواجهات والتغطية الاعلامية أعطت المتطرفين ما يريدونه، وهو عودتهم الى صلب الحياة السياسية، بعد بقائهم على الهامش على مدى نصف القرن الماضي. وبعد ساعات على وقوع المواجهات، خرج ترامب عن صمته، وكتب في تغريدة: «علينا أن نتحد جميعاً لندين العنف… لا مكان لهذا النوع من العنف في أميركا… لنتوحد في صف واحد»، الا ان الغالبية اعتبرت ان التغريدة لم تكن كافية، لأنها لم تتضمن إدانة لمجموعات التطرف العنصري البيضاء، بل دانت العنف بشكل عام. وتمسك غالبية الخبراء بالرأي القائل ان ترامب يتفادى إدانة العنصريين خوفاً من تراجع شعبيته في أوساطهم.

وعلى وقع الضغوط، قال ناطق باسم البيت الابيض، مساء أمس، إن «الرئيس قال بقوة امس (السبت) انه يدين كل اشكال العنف وانعدام التسامح والكراهية. وهذا يشمل بالتأكيد المنادين بتفوق العرق الابيض و(جماعة) كو كلوكس كلان والنازيين الجدد وكل المجموعات المتطرفة».

السبت، 12 أغسطس، 2017

الاسلام ليس الحل

بقلم حسين عبد الحسين

يقول صديقي دايف، البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إن مشكلة العرب اليوم تكمن في أن خياراتهم تنحصر بين "أهل الشوارب" و"أهل اللحى"، أي أن خيارات العرب في الحكم تنحصر بين الطغاة وعسكرهم وشواربهم، من ناحية، والإسلاميين ولحاهم، من ناحية ثانية. 

لسنا بحاجة للاستفاضة في الحديث حول الفشل الذريع للحكم الدموي الذي مارسه "أهل الشوارب" على مدى السنوات السبعين الماضية في دنيا العرب، من المصري جمال عبدالناصر، مؤسس نموذج الحكم بقبضة الاستخبارات الحديدية، إلى العراقي صدام حسين وحروبه واجتياحه دولة الكويت وضربه الكرد بأسلحة كيماوية، إلى الأسد الذي لم يتوان عن استخدام الأسلحة الكيماوية نفسها ضد السوريين المدنيين وتحويل مدن سورية إلى ركام فوق رؤوس ساكنيها. 

لكن فشل طغاة العرب في بناء أوطان أو حكمها لا يعني ضرورة استبدالهم بـ "أهل اللحى" من الإسلاميين. وقبل أن نتحدث عن تجربة الأحزاب الإسلامية في العمل العام، لا بد من الخوض في التناقض الذي يفرضه مبدأ الدولة الإسلامية، فالحاكم الإسلامي يفترض أن حكمه يستند إلى مشيئة إلهية، كما في الحالة الشيعية الإيرانية، وهو ما يعني أن لا قيمة لأية انتخابات أو خيارات يقوم بها المواطنون، طالما أن المواطنين هم بشر والحاكم يحكم بنيابته عن "الإمام الغائب"، وهو ما يبطل تسمية "الجمهورية الإسلامية" ويجعلها ديكتاتورية ثيوقراطية (دينية) صرفة. 

وتجربة "الجمهورية الإسلامية" في إيران هي حصيلة تطور الفكر الديني لدى بعض رجال الدين الشيعة، فمحمد باقر الصدر أراد أن يلعب رجال الدين دورا استشاريا لحكومة لا دينية في العراق. ثم حوّل روح الله الخميني دور رجال الدين من استشاري للحكومات إلى دور حاكم، ونصّب نفسه حاكما أوحدا، وهو ما يناقض مبدأ الاجتهاد الذي يقول بتعدد المرجعيات عند الشيعة. وبين الصدر والخميني، أضاف علي خامنئي رؤيته المستوحاة من كتابات الإسلاميين السنة المصريين، ممن ترجم كتبهم إلى الفارسية، فاكتمل خليط الاضطراب حول هوية الحاكم الإسلامي ومن يختاره: هل يستمد حاكم إيران الإسلامي شرعيته من الجماهير، إذن جمهورية غير مرتبطة بالمشيئة الإلهية أو الدين، أم أن حاكم إيران يحكم بنيابته عن الإمام، إذن لا حاجة للجماهير؟

عند المسلمين السنة، لم يفسح المجال كثيرا للإسلاميين لتسلم زمام الحكم في أي من الدول العربية. في السعودية، الحكم يستند إلى مبايعة المجموعات القبلية أو العشائرية ولي الأمر. "الإخوان"، بدورهم، اعترضوا على المبايعة السعودية وتمسكوا بمبدأ "الشورى". لكن الشورى فكرة فضفاضة في التاريخ الإسلامي، ولا تجربة تاريخية واضحة حولها، إذ أن كلا من الخلفاء الراشدين الأربعة — حسب التقليد الإسلامي — تم اختياره بشورى تختلف عن سلفه، وهو ما جعل مبدأ "الشورى" عند "الإخوان" يستند إلى الاقتراع، في عملية ديموقراطية تشبه إلى حد بعيد تلك السائدة في ديموقراطيات العالم.

بيد أن القصور الأكبر في رؤية "الإخوان المسلمين" للحكم لا يتمحور حول كيفية اختيار الحاكم، وللأحزاب الإسلامية تاريخ في اختيار قادتها بالاقتراع. القصور في رؤية
"الإخوان" يكمن في مدى الصلاحيات التي يعتقد مناصرو هذا التنظيم أن الحكام أو الحكومات يكتسبونها بعد انتخابهم بغالبية شعبية، فالغالبية الشعبية تمنح الحاكم المختار صلاحيات رسم وتنفيذ سياسات الدولة، لكن الغالبية الشعبية لا تمنح أي حكومة صلاحيات تغيير أو تعديل شكل الحكم وأسس الدولة، فتعديل نظام الحكم يحتاج إلى غالبية مطلقة، لا غالبية نصف زائد واحد البسيطة.

هكذا رأينا في تجارب الإسلاميين السنة محاولات لتغيير نظام الحكم بالاستناد إلى استفتاءات شعبية وغالبية بسيطة، مثل في الحالة التركية، أو مثل التجربة القصيرة جدا لحكم "الإخوان" في مصر، حيث حاول حكام مصر من "الإخوان" إعادة كتابة الدستور بشكل لا تجيزه الغالبية البسيطة التي كانوا يتمتعون بها.

أما أبرز "تعد على الصلاحيات" من التي يمارسها الإسلاميون في الحكم، باسم الديموقراطية، فهي غالبا ما تشمل محاولاتهم تعديل القوانين الاجتماعية وتلك الناظمة للمساحات العامة، فيمضي "الإخوان" في محاولة تحديد ما يلبسه المواطنون في الأماكن العامة، وما يشربونه، وما يأكلونه، ومن يعبدون، وكيف يتعبدون، وهذه تشريعات تجعل من حكم الغالبية "طغيان الأكثرية".

الإسلام ليس حلا، ولا يمكن للحكم الإسلامي أن يكون بديلا عن حكومات الطغيان التي تحكمت بالعرب، الإسلام هو تجربة روحانية وفكرية، هدفها تحويل الفرد إلى فرد أفضل في أخلاقه وممارساته، وهو قد يغني حياة المواطنين، ولا يرتبط بالحقوق والواجبات المدنية التي يتمتعون بها، ويحصلون عليها من دولهم، التي يختارون حكامها وحكوماتها. 

الإسلام ليس الحل. الديموقراطية هي الحل.

قطر 2017

حسين عبدالحسين

يروي الأصدقاء الكويتيون أن بلادهم كانت في طليعة مؤيدي القضايا العربية، وأنها استضافت يوماً اللاجئ ياسر عرفات، الذي أسس حركة التحرير الفلسطينية "فتح" في الكويت. تلك الحماسة الكويتية أصابها الفتور بعد الغزو العراقي، ووقوف عرفات إلى جانب الغازي العراقي صدام حسين عندما كان يستعرض جيوشه. تجربة الغزو العراقي وعملية التحرير التي تلتها غيّرت الكويت، وحوّلت سياستها الخارجية الى حياد يكاد يجعلها متطابقة مع سياسة سويسرا المحايدة دولياً.

اليوم، يحاول بعض الزملاء المخضرمين العرب تحميل الكويت منّة وقوف دول عربية الى جانبها في التحرير. صحيح أن بعض الدول العربية وقفت الى جانب الكويتيين في محنتهم، ولكن الخوف من جيوش صدام، التي اجتاحت الخفجي السعودية، وصواريخه التي اصابت الرياض، وتصرفات الرئيس العراقي الراحل الرعناء عموماً، أقلقت دولاً عربية كثيرة، وجعلت من تحرير الكويت من جيوش صدام ضرورة اقليمية وعربية.

وكما علّم غزو صدام والتحرير الكويت الكثير، لا شك أن المقاطعة التي أعلنتها السعودية والامارات والبحرين ومصر دفعت قطر إلى مراجعة حساباتها، وهي ليست مراجعة كالتي يريدها مقاطعوها، بل هي مراجعة قلّصت ثقة الدوحة ببعض العواصم الشقيقة، ودفعتها إلى اجراء تغييرات واسعة في سياساتها، خصوصاً الاقتصادية، وهو ما أعلنه أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خطابه المتلفز إلى القطريين قبل أسابيع.

في الدول العربية مجموعة من الخطط الحكومية والرؤى التي تتراوح بين "رؤية قائد وإرادة شعب"، وهو الشعار المصري حول توسيع قناة السويس، و"الإعلان التاريخي"، بحسب فضائية "سكاي نيوز عربية"، الذي أعلنته الامارات لبناء "مدينة متكاملة" على المريخ في عام 2117. لا يهم أن "رؤية قائد" مصر عبدالفتاح السيسي تعود الى منتصف القرن التاسع عشر وقيام المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس بتصميم وتنفيذ شق قناة السويس بين البحرين الاحمر والمتوسط. ولا يهم ان "مدينة على المريخ" هو مشروع ينتمي إلى القرن الثاني والعشرين، مع فرص شبه مستحيلة أن يكون أي منا في صفوف الاحياء ليحكم على مدى نجاحه أو فشله.

أما التغييرات التي باشرت بتطبيقها قطر، منذ اندلاع الأزمة الخليجية، فتكاد تكون الأهم في المنطقة العربية منذ عقود، وهي تغييرات فاجأت الاوساط المتابعة في واشنطن، فالسماح لغير القطريين بالاقامة والتملك من دون وصاية مواطنين قطريين هي من التغييرات الجذرية التي ستؤثر في انماط الاقتصاد القطري، وتسمح له بالانتقال من اقتصاد مبني على عائدات الطاقة الى آخر مبني على قطاع الخدمات.

والانتقال من الطاقة الى الخدمات هي السياسة التي اشتهرت بها دبي، وحازت بها على اعجاب العالم. لكن الثغرات في "اقتصاد الخدمات" في الامارة عرقلت الانتقال، وهي ثغرات تصدرها عدم استقرار الوافدين، وامكانية ترحيلهم بطرفة عين، وهو ما يمنع تحول دبي إلى مركز أعمال إقليمي، وهو الدور الذي يبدو أن الدوحة تسعى إليه عبر سلسلة التعديلات التي تعلنها تباعاً.

وامام التغييرات القطرية، لم يكن أمام بعض الفضائيات العربية إلا القيام بمحاولات غير موفقة للتبخيس بالجهود القطرية، فأشارت إلى أنه من بين الدول الثمانين التي أعلنت الدوحة أنه صار يمكن لمواطنيها دخول البلاد من دون تأشيرة، 27 أوروبية فضلاً عن أميركا وكندا، وأن هذه الدول كانت معفاة أصلاً من تأشيرات الدخول إلى قطر. وأضافت الفضائية أن الدول المتبقية، مثل الفاتيكان، صغيرة جداً ولا يمكنها تصدير أعداد من السوّاح لتفيد قطاع السياحة في قطر.

لا يهم ما تقوله الفضائيات. التغييرات القطرية واسعة وجذرية وتنذر بتحولات كبيرة في الاقتصاد القطري، فإيران وقعت الاسبوع الماضي عقداً قارب 800 مليون دولار مع شركة "رينو" للسيارات، وهو عقد يلي توقيع طهران مع "توتال" الفرنسية و"شل" الهولندية عقوداً بقيمة 5 و3 مليارات دولار تباعاً، فضلا عن 23 مليار دولار مع "بوينغ" الاميركية. وإلى سوق إيران، التي يسكنها 80 مليون نفر، وسوق تركيا و80 مليون آخرين، يمكن للدوحة أن تتحول الى عاصمة المستثمرين في كبرى دول الإقليم، وهو ما يمنح قطر عائدات يمكنها تقليص اعتمادها على قطاع الطاقة.

"رب ضارة نافعة". هكذا يقول المثل. صحيح أن قطر مازالت منفتحة للوساطة ورأب الصدع مع مقاطعيها، إلا أن المقاطعة عجّلت بالتغييرات، التي يبدو أن الدوحة كانت تعمل على القيام بها، وهي تغييرات كلما اقتربت من التمام، كلما منحت قطر حصانة أكبر من التقلبات السياسية في الاقليم.

على عكس الاسماء البراقة للخطط والرؤى الاقليمية، لا تحمل سياسات قطر الجديدة اسماً. ربما يمكن اطلاق اسم "قطر 2017" على سلسلة التغييرات الجذرية التي تقوم بها الدوحة، حتى لو بدا أن القطريين يهتمون بالأفعال أكثر بكثير من الدعاية والإعلان.

واشنطن لا تمانع سيطرة قوات الأسد على مناطق «داعش»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يبدو أن التغيير الدولي والإقليمي في الموقف من الرئيس السوري بشار الأسد جار بوتيرة سريعة، في وقت تمضي سورية في تقسيم «أمر واقع» يبدو أن أبرز القوى الدولية المعنية بالشأن السوري، إيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، وافقت عليه وتستكمل تنفيذه.

آخر المتبقي من استكمال رسم مناطق النفوذ يكمن في انتزاع ما تبقى من مناطق يسيطر عليها تنظيم «داعش»، في ظل محاولة قوات الأسد، والميليشيات المتحالفة معها الموالية لإيران، السيطرة على أكبر مساحة ممكنة في جنوب البلاد الشرقي المحاذي للحدود السورية مع الأردن.

تقاسم النفوذ داخل سورية جرى تحديده في الاتفاقيات الدولية المتعددة لتحديد «مناطق خفض التصعيد». ففي الجنوب، نشرت روسيا «شرطة عسكرية» في المناطق المحاذية للحدود السورية مع إسرائيل لمنع إيران من نشر قواتها في هذه المنطقة التي يمكنها تهديد أمن شمال إسرائيل من خلالها، خصوصاً بعدما أقفلت حرب يوليو 2006 الحدود اللبنانية - الإسرائيلية في وجه أي عمليات قد يقوم بها «حزب الله» اللبناني ضد الدولة العبرية، تحت طائلة قيام الأخيرة بتكبيد لبنان خسائر فادحة في الأرواح والبناء.

في الشمال، كانت المناطق السورية الواقعة شرق الفرات من نصيب الولايات المتحدة وحلفائها: تركيا والميليشيات الكردية. لكن بسبب التوتر السائد بين هذين الفريقين، عمدت الولايات المتحدة إلى نشر قوات خاصة في بلدة منبج للفصل بين المناطق التي تسيطر عليها قوات كل منهما.

وفي حديث مع الصحافيين، أعلن الناطق باسم التحالف الدولي العقيد ريان ديلون أن الميليشيا ذات الغالبية الكردية، المعروفة باسم «قوات سورية الديموقراطية» (قسد)، سيطرت على نصف مدينة الرقة، وأن نحو ألفي مقاتل من «داعش» مازالوا يتمركزون في النصف الثاني من المدينة، ويخوضون قتالاً عنيفاً ضد مقاتلي «قسد»، الذين يحاولون التقدم تحت غطاء جوي أميركي.

وكانت الولايات المتحدة أعلنت تشكيل قوة من الشرطة يبلغ قوامها ألف شرطي لحفظ الأمن في الرقة وبقية المناطق التي يتم طرد «داعش» عنها.

كما أعلنت واشنطن عزمها على تشكيل «الجيش السوري الوطني»، على أن تكون نواته ميليشيا «مغاوير البادية»، للمشاركة في انتزاع مدينة دير الزور من «داعش»، لكن تقدم قوات الأسد نحو دير الزور حمل الأميركيين على التردد في الدفع بحلفائهم في معركة قد تؤدي إلى التحام مع جيش النظام وحلفائه، وهو أمر ترغب واشنطن في تفاديه.

«ألا يقلق الأميركيين أن تسيطر ميليشيات موالية لإيران على المناطق التي يتم انتزاعها من (داعش)»؟ سأل الصحافيون ديلون، الذي أجاب بالنفي، وقال إن المحور الذي تتقدم فيه قوات الأسد والميليشيات الموالية لإيران يقع «جنوب منطقة خفض التصعيد المتفق عليها شمالاً»، وهو ما يعني أن قوات النظام تتقدم وفقاً لخطوط دولية مرسومة سلفاً، لن تخرج عنها.

كرر الصحافيون سؤالهم إلى ديلون: «ألا تخيفكم سيطرة الميليشيات الإيرانية على مناطق (داعش)»؟ فأجاب المسؤول العسكري أن هدف التحالف هو القضاء على التنظيم، وأن عملية القضاء هذه تسير بشكل جيد، وأن التخوف من قوات الأسد أو الميليشيات الإيرانية ليس جزءاً من الخطة المرسومة لتصفية «داعش» وانتزاع المناطق التي يسيطر عليها.

ولطالما أقلق الأميركيين سؤال «اليوم التالي»، أي ما القوة التي يمكنها الإمساك بالمناطق التي يتم تحريرها من «داعش»؟ إلا أنه مع سيطرة الأسد على بعض هذه المناطق، تبدو الولايات المتحدة في حلّ من المشكلة التي تؤرقها منذ بدء الحرب الدولية ضد التنظيم قبل ثلاث سنوات.

وسط هذه الأجواء، لفت المتابعون الأميركيون إلى هدوء معظم الجبهات داخل سورية، واعتبروا أنه «عندما تنتهي الحرب على (داعش)، من المفترض أن يسود سورية هدوء لم تعرفه منذ العام 2011، ومن المتوقع أيضاً أن يتوقف القتال وأن تبقى كل قوة مقاتلة في مكانها من دون الالتحام مع أعدائها».

ويرجح أن يسيطر الأسد على مناطق عدة في سورية من دون أن ينجح في استعادة السيطرة على كامل أجزاء البلاد، كما كان الحال قبل اندلاع الثورة في العام 2011، فيما سيسيطر على المناطق الأخرى أفرقاء خارجون عن سلطة الدولة السورية، وسيتم تثبيت تقسيم «الأمر الواقع» بإشراف دولي. بعد ذلك، ربما يبدأ حكام المناطق السورية في حوار للتوصل إلى تسوية، ولكن إن لم يتوصلوا، لا عجلة في الأمر إذ إن إطلاق النار يكون قد توقف، وتتحول الحرب السورية إلى نزاع سياسي ذي نهاية غير معلومة.

الجمعة، 11 أغسطس، 2017

الأميركيون يخشون «تهوّر» رئيسهم أكثر من «نووي» كوريا الشمالية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يسود الذعر في صفوف عدد لا بأس به من الأميركيين، من العامة والمسؤولين، لا بسبب تهديدات كوريا الشمالية بضرب الولايات المتحدة بصواريخ نووية، وإنما بسبب خوفهم من تهور رئيسهم دونالد ترامب، الذي وجه تهديدات إلى كوريا الشمالية بضربها بالنار وبقوة لم يعرف العالم لها مثيلاً من قبل. وأجمع الاميركيون ان تهديدات ترامب سابقة من نوعها في التصريحات الرئاسية، إذ لم يسبق أن تفوّه رؤساء أميركا السابقين بتصريحات من هذا النوع.

وفي وقت اعتبر أعضاء في الكونغرس من الحزبين، مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أن تهديدات ترامب لكوريا الشمالية هي بمثابة قيامه برسم خط أحمر لبيونغ يانغ، حاول البيت الابيض التقليل من شأن التهديدات بالقول إن تصريحات الرئيس لم تكن معدة سلفاً، بل كانت مرتجلة، وان الورقة التي كانت أمامه، وبدا وكأنه يقرأ منها، كانت ورقة عن أزمة انتشار إدمان الهيرويين بشكل متزايد بين الاميركيين.

وما فاقم من أزمة الذعر الأميركي، التضارب غير المسبوق في مواقف وتصريحات مسؤولي ترامب، بين رئيس يهدد بحرب نووية ويتحدث عن قيامه بتطوير ترسانة أميركا النووية، ووزير خارجية يقول إن واشنطن تشترط التوصل إلى نزع النووي الكوري الشمالي قبل الانخراط في الحوار، ليعلن بعدها بيوم أن بلاده مستعدة للحوار إن أوقفت بيونغ يانغ تجاربها الصاروخية فحسب. وبين ترامب وريكس تيلرسون، أعلن الجيش الاميركي جهوزية كاملة للانخراط في حرب في شرق آسيا في أي لحظة، إذ أكدت القيادة العسكرية أن القاذفات والمقاتلات الاميركية، المركونة في جزيرة غوام، مستعدة للتحرك في أي وقت.

وسرت أنباء في العاصمة الاميركية أن واشنطن فاتحت حلفاءها في طوكيو وسيول بشأن إمكانية شن ضربة استباقية ضد كوريا الشمالية، في حين تناقل الخبراء معلومات مفادها أن الولايات المتحدة تحاول الحصول على دعم الصين وروسيا، اللتين تحاذيان كوريا الشمالية، في أي عملية عسكرية ممكنة.

وكانت الولايات المتحدة عانت من هزيمة عسكرية في الحرب الكورية في الخمسينات، تزامنت مع دعم روسي وصيني لكوريا الشمالية من ضمن جبهة شيوعية عالمية. اليوم، يأمل جنرالات الولايات المتحدة انخراط الصين وروسيا في أي مواجهة عسكرية محتملة ضد كوريا الشمالية، حتى أن بعض الخبراء تكهنوا أن تأتي الضربة عبر حدود الصين بشكل لا تتوقعه بيونغ يانغ.

ويتخوف الأميركيون من امكانية قيام الكوريين الشماليين بقصف حلفاء أميركا في اليابان وكوريا الجنوبية، حيث تكتظ المدن بالسكان، بصواريخ محملة برؤوس كيماوية، إن لم يكن نووية، وهو ما من شأنه إيقاع اصابات فادحة في صفوف المدنيين.

كذلك، عكفت أوساط واشنطن على محاول تقييم أمرين: الاول، مدى ثقة «وكالة الدفاع الاستخباراتية» بتقاريرها التي أشارت الى توصل الكوريين الشماليين الى صناعة رؤوس نووية يمكن تحميلها على صواريخ بالستية، منها صواريخ عابرة للقارات، يمكنها إصابة اهداف على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة، مثل ولايات كاليفورنيا وواشنطن وألاسكا. ويردد الخبراء ان الوكالة أخطأت عندما أكدت حيازة نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، وهو ما تبين في ما بعد أنه كان من التقارير الخاطئة.

الأمر الثاني الذي يشغل بال المسؤولين والخبراء الاميركيين هو مقدرة القوة العسكرية الاميركية على تدمير الامكانيات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. ويعتقد البعض انه لا بد لواشنطن أن تعد «خطة ب» في حال انهيار النظام الكوري الشمالي. ويعتقد الاميركيون أن كوريا الجنوبية يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في تثبيت الوضع في جارتها الشمالية في حال انهيار نظام الاخيرة.

على أن قرع طبول الحرب وكثافة التوقعات والتحليلات العسكرية لا تعني بشكل مؤكد أن العالم سيشهد حربا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، بل يبدو ان ترامب تراجع على إثر تصريحاته النارية التي أرعبت أميركيين كثر، ويبدو ان الادارة الاميركية تجري اتصالات مكثفة، مع بكين خصوصاً، في محاولة للتوصل الى حل جذري للمشكلة النووية العالقة مع كوريا الشمالية منذ أكثر من عقدين.

الثلاثاء، 8 أغسطس، 2017

واشنطن تستبدل «نشر الديموقراطية» بشراكات عسكرية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أصدر وزير الخارجية ريكس تيلرسون تعليمات إلى فريقه قضت بإدخال تعديلات على «مهمة» وزارته حول العالم، وهي تعديلات بدت طفيفة للوهلة الأولى، إذ إنها حافظت على معظم النص القديم، مع فارق وحيد تمثّل بشطب الجزء التقليدي الذي يتحدث عن وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الديموقراطيات والديموقراطيين، واستعدادها تقديم ما يلزم لنشر الديموقراطية حول العالم.

وبتخليه عن دور الولايات المتحدة في «نشر الديموقراطية»، توّج تيلرسون عملية تغييرية كانت بدأت مع قيام الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بتحييد نائبه ديك تشيني وفريق مستشاريه، المعروفين وقتذاك باسم «المحافظين الجدد»، وإسناد مهمة قيادة سياسة أميركا الخارجية إلى وزيرة خارجيته البروفيسورة كوندوليزا رايس.

ولم تتأخر رايس في إحداث انعطافة كبيرة باتجاه بلادها على المسرح الدولي، واستندت إلى تجربة حرب العراق للعودة إلى سياسة أميركا التقليدية المبنية على «الواقعية» أكثر منها على التمسك بـ «مبادئ» الحرية والديموقراطية والمساواة. ومع التغيير الذي تبنته رايس، بدا جلياً أن أميركا دخلت العراق بهدف تغييره، لكن بدلاً من أن تغيّر أميركا العراق، غيّر العراق أميركا.

هكذا، وبتشجيع من إسرائيل، كسرت رايس في العام 2007 جدار العزلة الذي كانت فرضته على الرئيس السوري بشار الأسد في أعقاب مقتل رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري في العام 2005، ووجهت دعوة إلى دمشق للمشاركة في «مؤتمر أنابوليس»، وهو من مؤتمرات السلام الذي لم يكن مصيره أفضل من مصير المؤتمرات المشابهة التي سبقته، وأفضت إلى سلسلة من الخطابات والصور التذكارية، من دون إحداث أي خرق في مسار مفاوضات السلام العربية - الاسرائيلية.

وتابع الرئيس السابق باراك أوباما ما بدأته رايس، وعلى الرغم من وقوفه في القاهرة وإدلائه بخطاب تاريخي استبدل فيه «نشر» أميركا الديموقراطية بـ «دعمها» فحسب، إلا أن سياسة أوباما الخارجية أشارت إلى استمرار واشنطن في المضي بالعودة إلى «السياسة الواقعية»، التي بلغت ذروتها مع أوباما وتمسكه بسياسة «الانخراط» مع الأسد، التي حجبتها لاحقاً سياسته التي حملت عنوان «التسوية الكبرى» مع ايران. فإن كانت واشنطن تعمل على التوصل إلى التسوية مع إيران، يصبح أي حديث عن استقطاب شريك إيران الأصغر، أي الأسد، بمثابة الحديث الجانبي.

وتجلت واقعية أوباما تجاه ايران يوم وقف في العام 2009 يتفرج على طهران وهي تسحق ما عرف بـ «الثورة الخضراء»، وكان موقفه ذلك بمثابة مقدمة لوقوفه «الواقعي» متفرجاً على الأسد فيما كانت قوات الأخير تسحق معارضيه.

أزعجت واقعية أوباما حليفة أميركا الأقرب في الشرق الأوسط، أي إسرائيل، التي لم تعجبها العلاقة المباشرة بين وزيري الخارجية الأميركي السابق جون كيري والايراني الحالي جواد ظريف. كذلك، أزعج إسرائيل العلاقة غير المباشرة التي انخرطت فيها واشنطن مع الميليشيات الموالية لايران، عن طريق حكومة لبنان في بيروت وعن طريق حكومة العراق في بغداد، واستخدمت تل أبيب وزنها الكبير في إعادة تنشيط معاداة إيران و«حزب الله» داخل واشنطن، تحت عناوين «الإرهاب» وتجاوز طهران حقوق الانسان والديموقراطية.

لكن الولايات المتحدة لم تعد تهتم كثيراً لشؤون الديموقراطية حول العالم، وهو ما بدا جلياً في التعديل الذي أدخله تيلرسون على «مهمة» وزارة الخارجية حول العالم، وظهر بوضوح أكثر في توقيع ترامب على إعفاءين على العقوبات التي تفرضها بلاده على ايران، وذلك بموجب الاتفاقية النووية التي توصلت إليها ايران مع المجتمع الدولي.

وأثار توقيع ترامب الاعفاءين حفيظة «أصدقاء إسرائيل»، واتهموا موظفي الخارجية ممن كان عينهم أوباما بتولي عملية إقناع تيلرسون بتمديد الاعفاء، وهو ما حدا بترامب إلى ابداء استيائه وقيامه بـ «نقل ملف ايران والعقوبات» من الخارجية إلى مجلس الأمن القومي، الذي يرأسه الجنرال ايتش آر ماكماستر، على أمل ان يرفض المجلس المصادقة على التزام ايران بالاتفاقية، وهو ما يحتم على ترامب عدم التوقيع على تمديد جديد متوقع في أكتوبر المقبل.

على ان العارفين شؤون البيت الابيض نقلوا عن ماكماستر تمسكه بالاتفاقية واعتقاده أن إيران ما تزال ملتزمة بنودها، وهو ما يعني انه سيحض ترامب على توقيع اعفاء جديد في أكتوبر، على الرغم من محاولات «أصدقاء إسرائيل» فرض عقوبات جديدة على إيران بتهم «دعم الارهاب» و«انتهاك حقوق الانسان» بهدف حمل طهران نفسها على الانتفاضة في وجه عقوبات اميركية جديدة، وتالياً الخروج من الاتفاقية.

لكن أميركا ليست في وارد نشر الديموقراطية، لا في إيران ولا في غيرها، لا في زمن بوش الابن - منذ تحييد تشيني - ولا في زمن أوباما، وحتماً لا في زمن ترامب، فالأخير يبدو الأقرب إلى نظريات ومواقف نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وهي نظريات تشدد على وجوب التمسك بسيادة الحكومات، بغض النظر عن الارتكابات التي قد تقوم بها هذه الحكومات، وهو مبدأ يبدو أن ترامب مضى يعمل بموجبه، فزار بولندا وأثنى على حكومتها، ما حمل الأخيرة على محاولة تعديل قوانينها لتقويض استقلالية قضائها، وهي خطوة لم تتراجع عنها الحكومة البولندية إلا تحت ضغوط التظاهرات الشعبية وتهديدات الاتحاد الأوروبي.

بدلاً من «نشر الديموقراطية» صارت أميركا تبحث عن شراكات عسكرية مع قوات محلية، مثل «خطة زيادة القوات» في زمن بوش بالعراق في العام 2007، ولاحقاً في تحالف واشنطن مع «الحشد الشعبي». وفي لبنان، لا تمانع أميركا، على الرغم من اعتراضات اسرائيل، قيام «حزب الله» بأدوار أمنية، ويتم ذلك غالباً بتنسيق غير مباشر مع واشنطن عن طريق مسؤولين لبنانيين.

وكانت واشنطن، ممثلة بمدير وكالة استخباراتها السابق جون برينان، حاولت الدخول مع شراكة مع ميليشيا «أنصار الله» (الحوثية) اليمنية ضد «تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية» المتمركز في اليمن، إلا أن الشراكة انهارت بسبب تعقيدات المشهد اليمني وارتباط ذلك بقوى إقليمية وصراعاتها.

لن تسعى أميركا إلى دعم ديموقراطيات أو نشرها بعد الآن، وهو ما كرسه تعديل تيلرسون لميثاق وزارته. ستستمر الولايات المتحدة بالتمسك بشراكات عسكرية مع قوات محلية، إن كانت حكومات، مثل في مصر أو حتى في سورية، أو مع ميليشيات، مثل الفصائل الكردية أو تلك الموالية لايران، والتي تصنفها واشنطن على انها إرهابية.

في الولايات المتحدة، ولى زمن نشر أو دعم الديموقراطية وحلّ مكانه زمن الشراكات العسكرية حول العالم، ويبدو أن ترامب سيستمر في هذه السياسة الخارجية الاميركية، بل سيعززها أكثر فأكثر.

Since December 2008