الاثنين، 18 سبتمبر، 2017

إسرائيل قلقة من «حزب الله» في سورية... لا في لبنان

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

على الرغم من ضخامة المناورات التي أجراها الجيش الاسرائيلي وحاكى فيها إمكانية اقتحامه لبنان والقتال في قراه وبلداته، وعلى الرغم من التهديد والوعيد المتبادل بين اسرائيل و«حزب الله»، يستبعد أصدقاء إسرائيل في العاصمة الاميركية ان تنخرط تل أبيب في حرب ضد الحزب في لبنان.

ويقول أصدقاء اسرائيل، ومنهم كثيرون على تنسيق وتماس متواصل مع المسؤولين في تل أبيب، ان ما يشغل بال الاسرائيليين ليس «حزب الله» في لبنان، بل «حزب الله» في سورية.

ويشرح هؤلاء بالقول ان حرب يوليو 2006 أرست قواعد اشتباك بين القوة العسكرية الاسرائيلية وميليشيا «حزب الله»، وان العقيدة الاسرائيلية لأي مواجهة عسكرية مقبلة مع اللبنانيين معروفة بـ «عقيدة الضاحية»، أي أن الاسرائيليين سيعمدون الى ايقاع أكبر قدر من الخسائر في البنيان والبنية التحتية اللبنانية، خصوصاً في المناطق التي يسكنها مناصرو الحزب ومؤيدوه.

دفاعياً، يبدو أن المؤسسة العسكرية الاسرائيلية تتوقع ان يعمد مقاتلو «حزب الله» الى اقتحامات ومحاولة القيام بهجمات ضد اسرائيليين، خصوصاً في القرى الشمالية الاقرب للحدود اللبنانية. وقد يحاول الحزب تنفيذ اختراقات عبر أنفاق تحت الأرض خلف الخطوط الاسرائيلية، كما فعلت «حماس» في حرب غزة الأخيرة، إما للاشتباك مع الجنود الاسرائيليين وايقاع عدد كبير من القتلى في صفوفهم، وإما لمحاولة أسر أفراد منهم.

إسرائيل، حسب اصدقائها في واشنطن، متحسبة لمعظم السيناريوهات، وهي تعتقد أنها - في حال نشوب اي حرب مع الحزب اللبناني - لن تسمح لمقاتليه بالتقاط أنفاسهم والمبادرة لشن هجمات واقتحام أراض إسرائيلية، بل هي ستعمل على نقل ساحة القتال الى الداخل اللبناني، وهو ما يجبر الحزب على القتال دفاعياً لا هجومياً، وتالياً يبعد خط الجبهة شمالاً بعيداً عن البلدات الاسرائيلية، باستثناء الهجمات الصاروخية، التي تعتقد تل أبيب أن دفاعات «القبة الحديد» ستلعب هذه المرة، على عكس العام 2006، دوراً في اصطياد عدد كبير منها، إن لم يكن غالبيتها.

لكن كل هذه السيناريوهات هي من باب التحسب واليقظة، وإسرائيل تعتقد انه بسبب صعوبة فتح الجبهة اللبنانية، تحاول ايران و«حزب الله» إقامة بنية تحتية لشن حرب انطلاقاً من سورية، حيث «عقيدة الضاحية» متعذرة، إذ ان الحزب يقاتل في أراض لا يعيش فيها أنصاره ومؤيدوه. كذلك، لا نفع في شن اسرائيل ضربات ضد أهداف تابعة للحكومة السورية الفاقدة للسيطرة، فمعاقبة الرئيس السوري بشار الأسد على هجمات قد يشنها «حزب الله» من أراض سورية لا تأتي بفائدة.

ويعتقد بعض الخبراء الاميركيبن ان الأسد يدرك إصرار اسرائيل على إعادة سيادته على الاراضي السورية الجنوبية لأن ذلك يضمن إمكانية محاسبة مسؤولين عن أي هجمات عبر الحدود ضد اسرائيل، والسؤال هو الى اي مدى يمكن للأسد الوقوف على رجليه، من دون الايرانيين، ومع مساعدة الروس؟

موسكو كررت مراراً لتل ابيب أنها قادرة على الامساك بالأسد وإبعاد الشبح الايراني عن حدود الاسرائيليين، لكن الضربة الاخيرة التي شنتها المقاتلات الاسرائيلية، ضد أهداف في محافظة حماة، على مقربة من القواعد العسكرية الروسية، يشي بأن الاسرائيليين لا يأخذون تعهدات الروس على محمل الجد، وان تل أبيب مستمرة في عملية الدفاع عن نفسها لوحدها عن طريق شن الهجمات المتكررة ضد أهداف تابعة لايران داخل سورية.

ويسعى بعض أصدقاء إسرائيل الى تحميل واشنطن بعض المسؤولية عن الفوضى في سورية ووصول الميليشيات المؤيدة لايران الى مناطق قريبة من الحدود الاسرائيلية، ويعتقد هؤلاء ان على الولايات المتحدة القيام بدور أكبر لمساعدة الاسرائيليين في هذا السياق، وعدم ترك تل أبيب تقوم لوحدها بعملية تعطيل قيام بنية عسكرية تحتية في سورية.

إذاً، هو «حزب الله» في سورية الذي يقلق الاسرائيليين. أما «حزب الله» في لبنان، فكل السيناريوات معروفة للطرفين، ولا يبدو أن أياً منهما ينوي تجريب حظوظه والانخراط في مواجهة عسكرية معروفة نتائجها من قبل الجانبين.

امبراطورية الاستخبارات الروسية

حسين عبدالحسين

يتواصل انكشاف فضائح اختراقات الاستخبارات الروسية داخل الولايات المتحدة بشكل يهز الحكومة، والرأي العام الأميركي. آخر الفضائح، أشارت إلى تحقيقات أميركية في واشنطن مع فريقي فضائية "روسيا اليوم" ووكالة أنباء "سبوتنيك" الروسيتين، قامت على أثرها السلطات الأميركية بالطلب من الوسيلتين الإعلاميتين حيازة ترخيص "تنظيم اجنبي يعمل كذراع دعائية لحكومة أجنبية".

وتجلت الاثباتات على عمل "روسيا اليوم" كفرع للاستخبارات الروسية، الصيف الماضي، يوم بثت القناة تغريدة عبر "تويتر" أشارت فيها إلى قيام موقع "ويكيليكس"، العامل بأمر استخبارات موسكو كذلك، بنشر دفعة من الايميلات المسروقة من حسابات قياديين في الحزب الديموقراطي. وجاءت تغريدة "روسيا اليوم" حتى قبل قيام موقع "ويكيليكس" بأي إعلان عن الدفعة الجديدة التي كان ينوي نشرها.

ويبدو أن السلطات الأميركية توصلت الى نتيجة مفادها أن الكادر الروسي العامل في "روسيا اليوم" و"سبوتنيك"، والذي يقيم أفراده في الولايات المتحدة بموجب تأشيرة صحافية، هو كادر يعمل بأمرة الاستخبارات الروسية، وهو ما يتطلب وضع هؤلاء الروس تحت المراقبة ومعاملتهم كجواسيس لموسكو.

وتزامن تصنيف أميركا لـ"روسيا اليوم" و"سبوتنيك" على أنهما محطتا استخبارات روسية في واشنطن، مع الأنباء الواردة من عمالقة التكنولوجيا الأميركية، أي مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فايسبوك"، الذي أعلن القائمون عليه أن "مزرعة أبحاث الانترنت"، وهي فرع من الاستخبارات الروسية مقرها مدينة سان بطرسبرغ، عملت على شراء دعايات انتخابية بقيمة 100 ألف دولار، للتأثير في مسار الإنتخابات الأميركية، الخريف الماضي، بالتزامن مع إدارة هذه الوكالة الاستخباراتية الروسية لحسابات لأميركيين وهميين في "فايسبوك" و"تويتر"، واستخدام هذه الحسابات للتأثير في الرأي العام الأميركي في اتجاهات تخدم مصالح موسكو.

هذه الممارسات الاستخباراتية الروسية في الولايات المتحدة جديدة على غالبية الأميركيين، وفاجأتهم بشكل كبير، على الرغم من أنها ممارسات بديهية تعرفها غالبية المواطنين الذين عاشوا في ظل أنظمة استخباراتية. فالقنوات التلفزيونية السورية كانت ترتب أثار هجمات تنسبها لإرهابيين مزعومين على الهواء مباشرة، فيما بعض مراسلي الفضائيات، مثل "العالم" و"المنار" و"الميادين"، ينخرطون في القتال في سوريا إلى جانب المليشيات الموالية لايران في جولة، ويصورون ويبثون أخبار الجبهات في الجولة التالية. أما الجيش المصري، فيظهر في لقطات فيديو وهو يُعدمُ مصريين في سيناء، ثم يرمي أسلحة فوق جثثهم، ويصورها على أنها جثث لإرهابيين قتلوا في المعارك.

هكذا تعمل حكومات الاستخبارات: السياسيون والحزبيون والديبلوماسيون والإعلاميون والمواطنون، كلهم مخبرون وعناصر استخبارات وعمليات سرية، يصنعون عالماً زائفاً، يعيشون داخله، ويقضون على خصومهم بتهم كاذبة، ويتظاهرون وكأنهم يعيشون في حرية ورخاء وبحبوحة. فيما الواقع أنهم زمرة من رجال الاستخبارات ممن يقتاتون الفتات التي يطعمهم إياها الطغاة، الذين يُمعنون فساداً ودموية بحق شعوبهم وشعوب أخرى يسعون لاستعبادها.

انهى مستنقع حرب العراق "اجماع واشنطن" ونشر الديموقراطية، وأدمى الغرب، وفتح الباب أمام "اجماع موسكو"، وهو نموذج قديم قائم على عسس الاستخبارات والخديعة والفساد والدموية والجوع على أبواب قصور الاباطرة، مثل بوتين ورئيسي سوريا ومصر بشار الأسد وعبدالفتاح السيسي.

و"اجماع موسكو" في طور التعميم على دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، وما انتخاب الرئيس الأمّي دونالد ترامب، إلا أول المؤشرات على امكان انتصار روسيا في تعميم نموذجها الذي تقوده، والذي تحاول أن تبني عليه زعامتها العالمية لتحل محل الزعامة الأميركية.

أما واشنطن، فردود فعلها الأولى تقضي بالحد من حرياتها العامة لاخراج المرض الاستخباراتي الروسي من جسدها، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة ستتجه في اتجاهات لا ديموقراطية، مثل مراقبتها الصحافيين الأجانب، واغلاقها بعض الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، ومراقبة حسابات اخرى.

هكذا، بدلاً من أن تفتح الإنترنت دولاً مغلقة مثل الصين وإيران وروسيا، وتنشر فيها مبادئ الحرية والديموقراطية، أغلقت استخبارات بوتين مساحات من الحرية الأميركية، في مواجهة ما زالت جارية أمام عالم يشاهد في انتظار معرفة من يفوز ويحكم: الاستخبارات وأساليبها ونموذجها، أم الحريات والديموقراطية والانفتاح.

الخميس، 14 سبتمبر، 2017

أدلة متزايدة على تورط ترامب مع الروس

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

استفاق الأميركيون، أول من أمس، على خبر مفاده أن موسكو موّلت حملات داخل الولايات المتحدة ضد الهجرة إلى أميركا، وهو ما أثار حفيظة غالبية الاميركيين ضد التدخلات الروسية في شؤونهم الداخلية، خصوصاً بعدما أعلن موقع «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي أن الاستخبارات الروسية كانت اشترت دعاية انتخابية، بقيمة 100 ألف دولار، للتأثير في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت العام الماضي، وهو ما يخرق القانون الاميركي الذي يحظر على غير الاميركيين تمويل أي مرشحين أو نشاطات انتحابية.

وصباحاً أيضاً، بثت شبكة «ان بي سي» معلومات مفادها أن المحقق الخاص في قضية إمكانية تورط الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع روسيا روبرت مولر يسعى للتحقيق مع مايكل فلين الابن، نجل مستشار الأمن القومي المعزول الجنرال مايكل فلين. ويبدو أن مولر يعتقد ان لفلين الابن اتصالات مباشرة مع جهات في روسيا قد تساهم في حل ألغاز تعامل ترامب وحملته مع موسكو ضد الحزب الديموقراطي، وقيام الروس باختراق البريد الالكتروني لقياديي هذا الحزب، ونشر رسائلهم الالكترونية بشكل فضائحي لإضعاف حظوظ مرشحتهم الى الرئاسة هيلاري كلينتون في الفوز.

ظهراً، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» معلومات عن أن فلين أخفى عن السلطات الاميركية مشاريع بناء 40 مفاعلا نوويا لانتاج الطاقة في دول عربية، منها 16 في السعودية و4 في مصر و2 في الاردن. ويبدو أن فلين كان يعمل على هذه الصفقة بالاشتراك مع الاسرائيليين والروس، وانه تابع عمله هذا حتى بعدما عيّنه ترامب في منصب مستشاره للأمن القومي مطلع العام الحالي. ولم يصرّح فلين عن مشروعه هذا لنيل «تراخيص أمنية» مطلوبة لاطلاعه على تقارير الاستخبارات الاميركية بموجب منصبه الجديد، وهو ما يخالف القانون الأميركي.

مساء، أطلت شبكة «سي ان ان» بكشفها ان مستشارة الأمن السابقة سوزان رايس هي التي كشفت هويات ثلاثة من مساعدي ترامب، هم فلين وصهره جاريد كوشنر ومساعده السابق ستيفن بانون، على اثر اجتماع هؤلاء مع مسؤول عربي زار نيويورك بعد انتخاب ترامب، وقبل تسلم الأخير الحكم، من دون تنسيق الزيارة مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، حسبما تملي الاعراف.

وجاءت تصريحات رايس أثناء مثولها في جلسة مغلقة أمام لجنة تحقيق في إمكانية تورط ترامب مع الروس تابعة للكونغرس. ويبدو ان اللجنة المعنية تعتقد ان المسؤول العربي ساهم في إقامة قنوات خلفية سرية بين ترامب وموسكو، وأنه رعى لقاء بين اريك برينس، شقيق بتسي دافوس أكبر مانحة لحملة ترامب الانتخابية والتي تشغل اليوم منصب وزيرة التعليم، وبين مسؤول روسي مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين. وتم اللقاء في إحدى جزر المالديف. وبرينس هو رئيس شركة «بلاك ووتر» الأمنية، ذات الصيت السيئ بسبب قيام عدد من العاملين لديها بقتل مدنيين في بغداد قبل نحو عقد من الزمن.

هكذا، بين الصباح والمساء، تتسارع الخبطات الإعلامية، وتحدث كل منها هزّة تشغل شبكات التلفزة والراديو الأميركية لساعات. وعلى الرغم ان استطلاعات الرأي تظهر تحسناً طفيفاً في شعبية ترامب، بسبب كيفية تعاطيه مع إعصاري «هارفي» و«إيرما» اللذين ضربا جنوب البلاد الشرقي، وبسبب توصله لاتفاقية تعويضات للاعصار ولتمويل عمل الحكومة حتى نهاية العام مع الديموقراطيين، الا أن وضع الرئيس الاميركي القانوني يبدو مهتزاً أكثر فأكثر مع مرور الساعات.

ومن غير المعروف متى سيقوم مولر بتسليم نتائج تحقيقاته الى وكيل وزير العدل رود روزنستاين، الذي يشرف على عمل لجنة التحقيق بسبب تحييد وزير العدل جيف سيشنز نفسه، إذ كان الوزير من مسؤولي حملة ترامب ممن ثبت تعاملهم مع مسؤولين روس، كان في طليعتهم سفير موسكو السابق في واشنطن سيرجي كيسيلياك.

عن سلام لبنان مع اسرائيل

بقلم حسين عبد الحسين

أثار احتجاز جوازي سفر المخرج اللبناني الفرنسي زياد دويري، لدى وصوله مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت هذا الاسبوع، ثم التحقيق معه في المحكمة العسكرية اللبنانية، بسبب زيارته إسرائيل قبل خمس سنوات، عاصفة من ردود الفعل اللبنانية، التي انقسمت بين مؤيد لمحاسبة الدويري ومعارض لها.

مؤيدو محاسبة دويري اعتبروا أن الرجل زار دولة عدوة، أي إسرائيل، ولذا تجب محاكمته. معارضو المحاسبة اعتبروا أن الدويري زار إسرائيل لإنتاج عمل سينمائي ضد إسرائيل. فعليا، اتفق مؤيدو محاسبة المخرج اللبناني ومعارضوها على مواجهة إسرائيل، وانقسموا حول كيفية وأساليب مواجهتها.

يكتب السيد بيار أبي صعب في ”الاخبار“ اللبنانية الموالية لـ ”حزب الله“ أن محاسبة دويري ضرورية لأن ما فعله ليس من باب ”الاختلاف والمغايرة، ولا تربطه علاقة عضوية بمعاركنا الفعلية من أجل الحرية والتقدم واستعادة الحقوق“. ويختم أبي صعب مقالته بالقول إنه ”حتى إشعار آخر، إسرائيل ليست وجهة نظر في لبنان ولا دولة جوار، بل عدو غاصب، وعملاؤها ليسوا أبطالا، بل خونة ومتعاونين“.

في ”معركة الحرية“ التي يخوضها أبي صعب، الموقف من إسرائيل ”ليس وجهة نظر“، وهو ما يعني أن ”معركة الحرية“ هذه هي من أجل فرض بعض وجهات النظر التي تعجب السيد أبي صعب، ومحاكمة وجهات النظر التي لا تعجبه. هذه هي ”معركة الحرية“ التي تخوضها جريدة الأخبار و“حزب الله“ وأبي صعب.

لا مفاجآت في سطحية الفكر المؤيد للثورة الإيرانية، فهذه الثورة نفسها تحمل كمية من الأفكار البالغة في التضارب إلى حد الهول، وسبب التضارب هو قيام بعض ”المفكرين الإسلاميين“ الإيرانيين والعراقيين، في الستينيات والسبعينيات، بتبني الشيوعية ومزجها بالإسلام، فنتج عن ذلك فكر هجين متناقض. مثلا، إذا كانت ثورة إيران هي ثورة المستضعفين، فلماذا حكومة إيران هي حكومة إسلامية؟ إلا إذا اعتبرنا أن كل المسلمين مستضعفون، وكل غير المسلمين مستكبرون، وهو تعميم لا حاجة للإشارة إلى تفاهته.

فكر المستضعفين والمستكبرين هو فكر ماركسي يرى الشعوب طبقات اقتصادية واجتماعية، ولا يراها هويات قومية، فيما الفكر الإسلامي هو فكر شوفيني قومي، يصنف العالم على أساس انتمائهم المذهبي الديني، لا الاقتصادي، وجمع النظريتين هو من باب التضارب الذي لا يأبه له الشعبويون، مثل مؤسس الجمهورية الاسلامية الراحل روح الله الخميني، الذي يكتب عنه مؤيد النظام، الأكاديمي الإيراني الأميركي ولي نصر، أن الخميني رفض الانخراط في مواضيع الحكم، وقال إن ”الثورة الإيرانية لم تأت لتخفيض أسعار البطيخ“.

من هذا التخبط الفكري يأتي أبي صعب "حزب الله"، وهذا التخبط الفكري هو الذي يدير الصراع اللبناني مع إسرائيل، فيصبح صراعا غير مفهوم سببه ولا أهدافه.

نائب أمين عام ”حزب الله“ نعيم قاسم واضح في موقفه، فهو يقول في كتابه إن لبنان جزء من محور ”مقاومة الاستكبار العالمي“، أي أن لبنان يرفض النظام العالمي بأسره، والقائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مجموعة أخرى من ”حزب الله“ تربط الصراع اللبناني بالقضاء على إسرائيل كليا، ويكتب بعضهم أن ”السيد“ (يعني أمين عام ”حزب الله“ حسن نصرالله) وعدهم بالصلاة في المسجد الأقصى في القدس.

أما المجموعة الثالثة، فهي التي تربط الصراع اللبناني مع إسرائيل بالتاريخ الثنائي بينهما. لكن هذا التاريخ توقف بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، وحتى لو كانت إسرائيل ماتزال تحتل أراضي لبنانية حدودية، إلا أنها أراض مقفرة ولا يسكنها لبنانيون، ما يعني أن ما بقي من الصراع بعد العام 2000 لا يعدو كونه خلافا حدوديا.

مجموعة رابعة من اللبنانيين تربط السلام اللبناني مع إسرائيل بموقف الجامعة العربية، وضرورة التزام لبنان إجماع الجامعة، وانتظار حصول الفلسطينيين على حقوقهم. طبعا لا إجماع في جامعة لعضوين منها اتفاقيات سلام مع إسرائيل. أما الحقوق الفلسطينية، فواجب تحديدها، والغالب أن ذلك يتضمن قيام دولة فلسطينية، إذ أن قطع علاقات لبنان مع أي دولة، بسبب حقوق الإنسان داخل هذه الدول أو ممارسات حكومية أخرى، قد تجبر لبنان على قطع علاقاته مع حكومته نفسها، التي تتمتع بسمعة عنصرية لا يستهان بها.

الحرية تعني حرية النقاش حول أسباب استمرار العداء اللبناني مع إسرائيل، والأهداف المطلوبة لانهائه والتوصل إلى سلام لبناني إسرائيلي، أو الاستمرار في حرب وجودية بينهما على مدى أجيال.

والحرية تعني استحالة حصول أي إجماع لبناني على موقف واحد من إسرائيل، أو حول أي موضوع آخر، وهو ما يحصر تهمة العمالة بمن يتورطون بإفشاء أسرار حكومية وعسكرية لبنانية، لا لإسرائيل فحسب، وإنما للدول الصديقة كذلك، وهذا هو تعريف العمالة أصلا. عدا عن ذلك، تدخل عبارات مثل ”التطبيع الثقافي“ في باب اعتقاد انه يمكن لأي حكومة أو حزب أو مجموعة تحديد الفكر والعلاقات بين البشر.

المعركة من أجل الحريات في لبنان تعني إلغاء قوانين تحديد مع من يمكن للبنانيين أن يتحاوروا، وأي دول يمكنهم أن يزوروا، وأي أفلام يمكنهم أن يشاهدوا، أو أي كتب يمكنهم أن يقرأوا، أو التغريدات التي يمكنهم أو لا يمكنهم كتابتها (تحت طائلة السجن). هذه هي الحريات. أما اعتبار أن موضوع ما ”ليست وجهة نظر“، فهذا في صميم القضاء على الحريات، لا القتال من أجلها.

الأربعاء، 13 سبتمبر، 2017

ترامب يسعى لاجتماع الأسبوع المقبل يضم قادة السعودية والإمارات وقطر

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

باستثناء الأوضاع الطارئة، مثل أزمة كوريا الشمالية التي أجبرت الرئيس دونالد ترامب على اجراء اتصالين برئيس حكومة اليابان شينزو آبي في ساعات، يندر أن يتصل الرئيس الاميركي بزعماء الدول أكثر من مرة واحدة في الأسبوع، وهو ما يشي أن الادارة الاميركية قررّت الانخراط بجدية للتوصل إلى تسوية للأزمة الخليجية، على اثر زيارة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد إلى واشنطن ولقائه ترامب، الاسبوع الماضي.

في هذا السياق، جاء الاتصال الذي أجراه ترامب، مساء أول من أمس، مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، للحديث عن الأزمة الخليجية المستمرة منذ نحو 6 أسابيع، وهو الاتصال الثاني بين الزعيمين في أقل من أسبوع، ويأتي في أعقاب الاتصالات التي كان أجراها ترامب، الاسبوع الماضي، مع كل من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، فضلاً عن الشيخ محمد بن زايد.

ووصفت مصادر الادارة الاميركية اتصال ترامب الأخير بولي عهد أبوظبي بـ«الجيد» و«الإيجابي»، وقالت انه تم التطرق الى موضوع التسوية لأزمة الخليج، فضلاً عن كيفية الاستمرار في مكافحة تمويل الارهاب والقضاء على الارهابيين.

وذكر البيت الأبيض، في بيان، أن الرئيس الأميركي سلط الضوء على «أهمية الوحدة بين حلفاء أميركا في المنطقة، وحاجة جميع الدول لفعل المزيد لإيقاف تمويل الجماعات الإرهابية وإضعاف الأيديولوجية المتطرفة وهزم الإرهاب».

وكانت سلسلة اتصالات ترامب مع زعماء الخليج الثلاثة أفضت لاتصال أجراه أمير قطر مع ولي عهد السعودية، وهو ما اعتبره المراقبون «اختراقاً» على طريق حل الأزمة، إلا أن وزارة الخارجية السعودية أعلنت في وقت لاحق «تعليق» الحوار مع قطر، وعزت موقفها الى ما وصفته بـ «تحوير الحقائق»، الذي ذكرت أن وسائل إعلام قطرية مارسته في وصفها لفحوى الحوار الذي دار بين الزعيمين.

لكن المصادر الاميركية تعتقد أن المشكلة تتعلق بامتناع أمير قطر عن الاتصال بولي عهد أبوظبي، على غرار اتصاله بولي عهد السعودية، فيما كان لافتاً أن ترامب لم يجر أي اتصالات مع زعماء الدول الأخرى المقاطعة لقطر، أي مصر والبحرين.

وتقول المصادر الاميركية انها تعتقد بوجود خشية لدى دول خليجية من أن تستغل الدوحة هذه الثغرة وتقوم بمصالحة السعودية فقط.

ورغم صعوبة الموقف وتعقيدات الأزمة، يبدو أن الرئيس الأميركي مصمم على «اقتناص» صيد سياسي ثمين بتوصله إلى تسوية يضيفها إلى سجله الفتي، الذي يحوي إنجاز توصله الى تسوية مع معارضيه الديموقراطيين، قضت بمصادقة الكونغرس على أموال إغاثة منكوبي الاعاصير جنوب البلاد وتمويل عمل الحكومة حتى نهاية العام الحالي.

وإصرار ترامب هو الذي يدفع العاملين في الإدارة الأميركية إلى التمسك بالتفاؤل حيال قدرة الرئيس على النجاح في التوصل إلى تسوية «في المستقبل القريب»، رغم التشاؤم الذي يسيطر على متابعي الوضع الخليجي في ظل التصعيد الإعلامي من قبل أطراف الأزمة.

ورغم أن مصادر الادارة الاميركية ترفض تحديد موعد لانفراج الأزمة الخليجية، الا أن الجدول الزمني الظاهر يشير الى امكانية عقد لقاء قمة يجمع زعماء السعودية وقطر والامارات، برعاية ترامب، على هامش اعمال الجمعية السنوية للأمم المتحدة، التي تبدأ دورة انعقادها في نيويورك الأسبوع المقبل.

اميركا والمعضلة الروسية

حسين عبدالحسين

تداولت الاوساط الحكومية الاميركية تقارير مفادها ان موسكو تساهم في تأزيم الوضع الدولي مع كوريا الشمالية. وافادت التقارير ان اجزاء كبيرة من الصواريخ الكورية الشمالية التي تم تجريبها مؤخرا كانت روسية الصنع. ويعتقد الاميركيون ان موسكو تشارك في صناعة المشكلة الكورية حتى تلعب دورا في الحل، كما بدا في استضافة روسيا للقاء هدف لتسوية مع الكوريين الشماليين. اما هدف موسكو الأبعد، فادارة ديبلوماسية دولية من دون واشنطن.

والتصرف الروسي في كوريا الشمالية لا يختلف عمّا فعلته، وماتزال تفعله موسكو، في الشرق الاوسط، حيث تتدخل عسكريا لمصلحة الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا، وتحاول ان تصنع منه حليفا يعتمد عليها، ثم تسوق ديبلوماسيتها، المبنية على نفوذها لديه، للتوصل الى تسوية سورية، ايضا من دون الاميركيين، وهي تسوية ظهرت بوادرها في الاتفاقيات الروسية الايرانية التركية، من دون الاميركيين، لرسم مناطق خفض تصعيد وضمان الهدنة فيها.

ومن كوريا الشمالية وسوريا الى الخليج، حيث تعتقد وكالات حكومية اميركية ان موسكو ساهمت في الاشراف على قيام دولة الامارات العربية في الاختراق الالكتروني ضد وكالة الانباء القطرية (قنا)، وهو الاختراق الذي اشعل أزمة الخليج قبل ستة اسابيع، ليطلّ وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف في زيارة لعواصم الأزمة، مقدما نفسه كصانع سلام. 

الاسلوب الروسي في محاولة انتزاع صدارة الديبلوماسية العالمية ليس حديثا، بل هو من زمن السوفيات، وهو الاسلوب الذي تبناه وبرع به الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي كان يدعم حركات التحرر العالمية بيد، ويقبض على ناشطيها وقادتها باليد الأخرى، ويسلمهم للغرب على انهم ارهابيون، فتصبح قيمته غربيا عالية، وتتم دعوته الى كل مؤتمرات السلام العلنية، ولقاءات الاقبية الاستخباراتية.

حتى ان الأسد استخدم الصراع العربي الاسرائيلي برمته في سياق تسويق نفسه صانع سلام عالميا، فهو كان يشعل حدود لبنان مع اسرائيل، فيما يضبط الجولان ويرسل وزير خارجيته فاروق الشرع ليتسامر ورئيس حكومة اسرائيل السابق ايهود باراك في منتجع كامب دايفد الرئاسي الاميركي.

اسلوب الأسد هذا وضعه في مواجهة مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، اذ لم يألُ الأسد جهدا لتقويض عرفات وتقديم نفسه بديلا عن القيادة الفلسطينية، والتفاوض مع اسرائيل والغرب باسم الفلسطينيين. هذا يعني ان كل طلقة قدمها نظام الأسد الى ”حركات التحرر“ العالمي، بما فيها بعض الفصائل الفلسطينية، كانت بهدف توريط هؤلاء في مواجهات ضد الغرب، ثم تقديمهم قرابين زعامته الاقليمية، حتى اتى اليوم الذي وجد الأسد الابن نفسه مدعوما من قوى تسعى نفسها للسيطرة على قراره، وبناء زعامتها الدولية على حسابه.

والاسلوب الروسي السوري هو نفسه الذي تبنته ايران امام اميركا في افغانستان والعراق، فاجبرت الرئيس جورج بوش الابن على ايفاد سفيره ريان كروكر سرا الى جنيف للقاء كبار المسؤولين الايرانيين، وفتح قناة ديبلوماسية مازالت قائمة حتى اليوم، على جثث عرب سوريين وعراقيين كثيرين، وما استمرار النزاع في الجنوب السوري الا مباراة بين ايران والأسد وروسيا حول من يمسك بحدود سوريا مع اسرائيل، حتى يبتز الغرب وأميركا، ويصبح نجم الديبلوماسية الدولية، وصانع سلام الحروب التي يشعلها.

الولايات المتحدة تدرك ان روسيا تشاغب لتسيطر على الديبلوماسية العالمية. على ان مشكلة اميركا تكمن في انها تدرك ان اللعبة الروسية اصابت القلب الاميركي في الصميم: رئيس في البيت الابيض مدين ماليا للمافيا المالية الروسية، ومتواطئ مع الروس في اختراق الحسابات الالكترونية الاميركية والتلاعب بالعملية الانتخابية.

وحتى يحسم الاميركيون مصيرهم بالتخلص من دونالد ترامب والكابوس الروسي، ان هم نجحوا في ذلك، ستبقى زعامتهم العالمية مهزوزة، وهو ما يسمح لموسكو بالمزيد من التوسع وصناعة تحالفات مع دول تحكمها مجموعات تشبه الحكم الروسي في تسلطه داخليا ومشاغبته دوليا.

الأحد، 10 سبتمبر، 2017

واشنطن: الأزمة الخليجية على سكة الحل رغم تعليق الحوار

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في المعايير المحلية، كانت زيارة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد واشنطن من أفضل الزيارات التي شهدتها العاصمة الأميركية منذ بدء عهد الرئيس دونالد ترامب، مطلع العام الحالي. وتزامنت زيارة سموه مع اعتقاد ترامب أنه كان حقق أكبر انتصار سياسي له منذ انتخابه، عبر التوصل مع الحزب الديموقراطي المعارض إلى تسوية قضت بموافقة الكونغرس على إنفاق 15 مليار دولار لتعويض الجنوب الأميركي المنكوب بالإعصارات، وبتمويل عمل الحكومة حتى نهاية العام.

هكذا، كان ترامب مزهواً ويتمتع بمزاج جيد وروحية عالية لدى استقباله سمو الأمير. وساهم مزاج ترامب في رغبته بتحقيق اختراق آخر والتوصل إلى صفقة في السياسة الخارجية يُضيفها إلى سجله الرئاسي، بعد صفقته الداخلية مع الديموقراطيين، فالرئيس الأميركي وصل البيت الابيض بعدما وعد الأميركيين أنه رجل الصفقات والتسويات، وهو يحاول إثبات أنه كذلك.

وهكذا، عندما التقى ترامب سمو الأمير في المكتب البيضاوي، خرج الرئيس الاميركي عن النص الذي كان مُعدّاً له، حسب مصادر أميركية، إذ كان من المفترض أن يشكر أمير الكويت على جهوده في الوساطة ومساعيه لحل الأزمة الخليجية، وأن يبلغ ضيفه الكويتي أن المصلحة القومية للولايات المتحدة تقضي بإعادة لم شمل حلفائها، خصوصاً الخليجيين، وأن واشنطن مستعدة لتقديم أي دعم وإيفاد أي موفدين تعتقد الكويت أنهم قد يساهمون في دعم الوساطة الكويتية والتوصل إلى حل للأزمة بين قطر والدول الأربع (السعودية والإمارات ومصر والبحرين).

على أن ترامب تجاوز البروتوكول مرات عدة أثناء استقباله سمو الأمير، بتخصيص ضيفه بتغريدات ترحيب من حسابه الشخصي حول الزيارة، وهذا قلّما يفعله ترامب على حسابه على «تويتر» الموجه عموماً للداخل الأميركي، وخصوصاً اليمين منه المعادي لكل ما هو خارجي. كذلك تجاوز ترامب العادات بمضيه في فسح مجال واسع للصحافيين الأجانب بتوجيه الأسئلة إليه ولسمو الأمير، أكثر من المتعارف عليه في العادة.

وفي لقاء القمة، ذهب ترامب أبعد من المتفق عليه في الحوار مع الوفد الكويتي حول الأزمة الخليجية، فقال لسمو الأمير إنه مستعد للقيام بما يلزم لحل هذه الأزمة، فأبلغه الأمير بما يمكن أن يفعله للتوصل إلى تسوية، فرد الرئيس الأميركي، حسب المصادر، أن أولويته أن توقف أي دولة معنية «تمويل الإرهاب»، فأبلغ سمو الأمير ترامب بأنه يكفل قطر في حال تم التوصل لاتفاق، فرد ترامب (حسبما سبق ان أوردت «الراي») بالقول «ديل» بالانكليزية، وتعني «اتفاق» بالعربية.

هكذا، لم يكد ينته لقاء القمة الاميركي - الكويتي، حتى أجرى ترامب ثلاثة اتصالات بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وحض الثلاثة على بدء التواصل فوراً، ووعد باستضافتهم في الولايات المتحدة قريباً. وفعلاً بادر أمير قطر بالاتصال بولي العهد السعودي، واتفقا على لقاء موفدين عنهما لتسوية النقاط العالقة.

ورغم إعلان السعودية في ما بعد «تعطيل» الحوار مع قطر حتى إشعار آخر، تتمسك المصادر الاميركية بالقول إن «المصالحة ستتم في غضون أسابيع». على أنه في الوقت نفسه، ما زالت التعليمات الى دوائر الديبلوماسية الاميركية تقضي بالتعامل مع الأزمة الخليجية وكأنها طويلة الأمد، بالرغم من التفاؤل غير المسبوق الذي ساد القيادة السياسية. ويقول المسؤولون ان «السياسة والبيروقراطية تعملان بتوقيت مختلف»، وتوقع احدهم أن تصدر تعليمات سياسية جديدة إلى الديبلوماسية الاميركية في وقت قريب.

الشق الثاني، والأكبر، من زيارة سمو الأمير الى واشنطن، كان له تفاعلات إيجابية أوسع لدى الادارة الاميركية، إذ وصف أحد المسؤولين الاميركيين تحالف الولايات المتحدة مع الكويت بأنه «نموذجي»، معتبراً أنه «لو كانت علاقة الولايات المتحدة مع كل أصدقائها وشركائها على شاكلة علاقتها بالكويت، لكان العالم في موقع أفضل مما هو عليه».

وتضمن الشق الثاني لقاءات على كل المستويات، تصدرها غداء العمل في البيت الأبيض بين الرئيس والأمير، بمشاركة وفديهما، تلى ذلك اجتماعات ثنائية على مستوى الوزارات، وتوقيع معاهدات تجارية وجمركية، وإبرام عقود مالية بين الدولتين.

في المحصلة، يعتقد الأميركيون ان زيارة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الى الولايات المتحدة وقمته مع ترامب «حققت كل المتوقع منها، بل أكثر من ذلك». ويعتقد بعض المسؤولين أن «المزيد من النتائج الإيجابية ستظهر في المستقبل القريب»، في إشارة إلى احتمال التوصل إلى حل للأزمة الخليجية، في وقت لم يعد كثيرون يؤمنون بأن هذه الأزمة ستصل إلى خاتمتها في المستقبل المنظور.

ترامب يطرد المسيحيين العرب

حسين عبدالحسين

أكثر من 40 ألفاً من المسيحيين العراقيين الاميركيين، من طائفة الكلدان، أدلوا بأصواتهم لمصلحة المرشح الرئاسي دونالد ترامب العام الماضي، وساهموا — دون شك — في فوز الرئيس الاميركي بولاية ميشيغان، بفارق 11 الف صوت فقط. هؤلاء المسيحيون العراقيون هم من صوّرهم "مستشار ترامب" المزعوم السيد وليد فارس، وهو لبناني أميركي، على انهم "تحالف الشرق اوسطيين" الداعمين لترامب اثناء حملته.

يومذاك، اجتاحت "حمّى ترامب" المسيحيين العراقيين ومعظم المسيحيين العرب الاميركيين، وهللوا للمرشح ترامب كلّما شتم الاخير المسلمين الاميركيين، أو المسلمين عموماً، وتفاءل المسيحيون العرب الاميركيون ان ترامب سيلعب دورحاميهم وحامي الاقليات في الشرق الاوسط، واستبشروا خيرا يوم أعلن ترامب مرسومه الاشتراعي، الذي منع بموجبه مواطني ست دول، ذات غالبية مسلمة، من دخول الولايات المتحدة.

وكانت المفارقة أن أول من تم تطبيق قرار حظر السفر بحقّهم عائلة من السوريين المسيحيين، كانت وصلت الولايات المتحدة من دمشق. لم تعر السلطات الأميركية أهمية لمذهب هؤلاء السوريين، حتى بعدما تبين ان شقيق رب العائلة كان من المواطنين الاميركيين، المقيمين في ولاية بنسلفانيا، ممن صوتوا لترامب، وممن ساهموا في اقتناص الولاية الديموقراطية عادة لمصلحة الجمهوريين.

في ذروة "حمّى الاقليات"، حذّر كثيرون "الشرق أوسطيين" من اللعب بنار العنصرية، ومن أن اليمين الاميركي الابيض لا ينظر اليهم كأخوانه في الدين المسيحي، بل يراهم عرباً ذي بشرة داكنة، ولهجة انكليزية ثقيلة، ومأكولات ذات رائحة. وقتها، تنطح نفر من جماعة فارس، وكالوا الاتهامات للمنتقدين بأنهم من "الاخوان المسلمين"، المغرضين، الذين يكرهون المسيحيين والاقليات، في الشرق الاوسط وفي اميركا.

الأسبوع الماضي، نشرت مجلة "اتلانتيك" تقريراً عن المسيحيين العراقيين الذي صوّتوا لترامب بكثافة، ليجدوا انفسهم في مواجهة عناصر "دائرة الهجرة"، التي تنقض عليهم في منازلهم، وترحّل منهم اللاجئين ممن انقضت مدة تأشيراتهمالسياحية، وممن لا يحملون تأشيرات هجرة صالحة.

والاسبوع الماضي ايضاً، نشر موقع "بوليتيكو" أن السيد فارس "يطلب 15 الف دولار أو أكثر“ حتى يمثل امام السلطات الاميركية وتقديم شهادته أن المسيحيين ممن سيتم ترحيلهم من الولايات المتحدة يواجهون خطر الاضطهاد، وربما القتل، في وطنهم الأم العراق.

"(ترامب) وحش ساهم (فارس) في خلقه، والآن يطلب (فارس) الاف الدولارات حتى يساعد (المسيحيين) في حمايتهم منه"، يقول العراقي الاميركي الكلداني ستيف أوشانا. ويضيف "من المعيب استغلال الناس وهم في اضعف حالاتهم".

السيد فارس طلب من المسيحيين العرب تبرعاتهم واصواتهم ليترأس باسمهم مجموعة "الشرق اوسطيين من اجل ترامب"، والآن يطلب فارس من المسيحيين انفسهم اموالهم لحمايتهم من ترامب نفسه، وهذا ما يسميه اللبنانيون في العامية بـ"المنشار"، الذي يتقاضى الاموال "على الطالع وعلى النازل"، وهي صفة تلائم فارس، والأهم انها تلائم ترامب، الذي يتقاضى اموال اليمين المسيحي حتى يهاجم مسلمي العالم، ثم يتقاضى اموال مسلمي العالم — على شكل استثمارات في مشاريعه — ليوقف هجومه عليهم، في ابتزاز واضح وعلني وصريح.

المشكلة في السيدين فارس وترامب ليست في تعاليم المسيحية ولا في تعاليم الاسلام، بل المشكلة تكمن في صميم شخصيتيهما، وفي المنظومة الاخلاقية والفكرية الفاسدة التي يتبنيانها، والتي تقضي ببيع الكلام، وتحريض الشعوب والمذاهب على بعضها البعض، وتحقيق الكسب في زمن الحرب، كما في زمن السلم.

ربما ما يزال بعض "الفينيقيين الجدد" غارقون في تحليلاتهم الجينية حول "الهوية المتوسطية الاوروبية" للبنانيين، على عكس البرابرة العرب الذين اجتاحوا فينيقيا في القرن السابع الميلادي ومازالوا يحكمونها ببطش ودموية. لكن الواقع أن هذه النظريات العنصرية التافهة لا تسمن ولا تغني، والحماية الوحيدة لأقليات الشرق الاوسط، كما لأكثرياته، تكمن في المواطنية والمساواة، بغض النظر عن العرق او الدين او الثقافة، وهو الدرس الذي يبدو انه يفوت بعض مسيحيي الشرق، مراراً وتكراراً.

الخميس، 7 سبتمبر، 2017

الأمير متفائلاً بحل قريب للأزمة الخليجية: الحمد لله... أوقفنا الخيار العسكري

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

غطى الحديث عن أزمة الخليج في البيت الأبيض على كل المواضيع والملفات التي بحثت في القمة التاريخية التي جمعت صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد والرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى أن وسائل الاعلام العالمية «استنفرت» للتركيز على هذه الأزمة عندما عقد الزعيمان مؤتمرا صحافيا مشتركا عقب المحادثات، خصوصا مع المقاربة الصريحة والشفافة التي أجراها سمو الأمير لهذا الملف معربا عن أمله في حل للأزمة مع استعداد قطر للجلوس الى طاولة المفاوضات والبحث الجدي في المطالب الـ13 التي قدمتها دول المقاطعة، وكاشفا أن الوساطة الكويتية استطاعت لجم الخيار العسكري الذي كان مطروحا.

وكشف سمو الشيخ صباح الأحمد في المؤتمر المشترك ان الأزمة الخليجية تتجه نحو الانفراج، معلناً موافقة قطر على الجلوس إلى طاولة حوار لبحث المطالب الثلاثة عشرة التي قدمت إليها من دول المقاطعة الأربعة (السعودية والإمارات والبحرين ومصر». وقال «الأمل لم ينته لحل النزاع بين قطر وزميلاتها في الخليج، خصوصاً أن أصدقاءنا في الولايات المتحدة وأصدقاءنا الآخرين يعاونوننا في حل هذه القضية، وانا متفائل بأن الحل سيأتي قريباً جداً».

وأكد سموه استعداد الدوحة لتلبية مطالب قدمت إليها، مشيراً إلى ان «المطالب الـ13 يمكن بحثها على طاولة الحوار، ويمكن أن يتم حل كل النقاط التي تضر بمصالح الدول والعلاقات بين دول المنطقة».

وأمام إلحاح الصحافيين على سموه لكشف تفاصيل الانفراجة التي تحدث عنها، قال «ليس هناك عقدة لا حل لها... صحيح أن الأزمة معقدة، ولكن نجتمع على طاولة واحدة، ولدينا تأكيد من الدولة المعنية (قطر) بأنها مستعدة لبحث المطالب، ونحن لسنا من الدول التي قدمت المطالب، ولكن ضامنين وسنضغط على قطر، لأنه ليس من مصلحتها أن تبقى خارج الشمل، بل عليها أن تكون مع إخوانها في مجلس التعاون».

وأضاف سموه: «تلقيت جواباً على رسالتي إلى قطر ابدت فيه استعدادها للجلوس على طاولة الحوار وبحث كل المطالب، وأنا متأكد من أن قسما كبيراً من هذه المطالب سيُحل، والبعض الآخر نحن قد لا نقبله، فكل ما يمسّ السيادة لا نقبله»، معرباً عن تفاؤله بأن الأمور في طريقها إلى الحل.

وفيما قال سموه «نحمد الله أننا أوقفنا أن يكون هناك شيء عسكري»، بين «أن كل شيء سياسي يمكن أن يحل ونحن نعول على حكمة إخواننا في الخليج، بأن يقدروا الوضع في المنطقة، في سورية والعراق وليبيا، فالوقت الآن لتناسي الخلافات».

وإذ استنكر سموه المستوى الذي وصل إليه الخطاب الإعلامي في بعض الدول، اعتبر ان «انحدار الإعلام شيء غير مقبول لا تقبله الشعوب، وهذا الانحدار يسيء الى الشعوب وليس الى الحكام»، قائلاً: «نزلنا إلى أمور غير صحية وواطية في الإعلام».

وأضاف: «أننا في الكويت من أكثر الناس الذين تعرضنا لمثل هذا الأمر من إخواننا في قطر، ومع ذلك اجتمعنا مع إخواننا هناك وتم حل الموضوع».

من جهته ،مازح ترامب سمو الأمير بالقول: يسرني أن لديكم مشاكل مع وسائل الإعلام مثلنا».

وقال الرئيس الأميركي: «نشكر الكويت على جهودها في الحرب ضد تنظيم (داعش)، وهناك تعاون استخباراتي بين الكويت والـ(اف بي أي)»، معربا عن أمله «بأن يتوصل سمو الأمير بوساطته الحميدة لحل الأزمة الخليجية، ونأمل عودة العلاقات بين دول مجلس التعاون إلى طبيعتها وأن تكون موحدة»، قائلا إن البيت الابيض سيلعب دورا في حل الأزمة ان تعقدت.

واشار إلى ان «الكويت تسلمت خلال هذه السنة 10 طائرات بوينغ»، واعداً ببذل الجهد «لتسريع صفقات أخرى بقيمة 5 مليارات دولار تشمل مقاتلات سوبر هورنت، ما يعود بالنفع على البلدين».

هل يجمع الأمير وترامب زعماء «الخليجي» في نيويورك أو... كامب ديفيد؟

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

علمت «الراي» أن الرئيس دونالد ترامب ابدى استعداده للقيام بما يلزم من اجل دعم الوساطة الكويتية للتوصل الى حل للأزمة الخليجية. وقالت مصادر مطلعة على مجريات لقاء القمة الأميركي الكويتي إن سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد «حدد ما يمكن للرئيس ترامب أن يقوم به من أجل المساهمة في انفراج الأزمة»، وأن ترامب وافق على الاقتراحات الكويتية بالقول «ديل» (Deal وتعني اتفاقاً بالإنكليزية).

وتقول المصادر إنه «بسبب موافقة ترامب على الاقتراحات الكويتية للتوصل إلى حلول للأزمة الخليجية، ابدى الزعيمان تفاؤلا غير مسبوق لناحية اقتراب الأزمة الخليجية من خاتمتها». وفيما رفضت المصادر الأميركية توضيح سبب التفاؤل أو إمكانية وجود جدول زمني للتوصل الى حل خليجي، إلا أنها ألمحت إلى أنه من المتوقع أن يصل زعماء الدول — ومنهم الخليجيون ورئيس مصر عبد الفتاح السيسي — مدينة نيويورك في الأيام المقبلة للمشاركة في اللقاء السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتناقل متابعون أميركيون تقارير، لم يمكن التأكد من صحتها، أفادت أن الأفكار التي ”يتداولها الديبلوماسيون الأميركيون وشركاؤهم الكويتيون“ تتضمن إمكانية استضافة سمو أمير الكويت نظراءه الخليجيين في مقر إقامته في نيويورك. ويبدو أن الرئيس ترامب عرض كذلك استضافة زعماء النزاع الخليجي، في البيت الأبيض في واشنطن او في المنتجع الرئاسي في كامب دافيد، الواقع بين نيويورك وواشنطن، للحوار والتوصل الى اتفاقية تنهي الانقسام القائم بينهما.

وختمت المصادر ان ترامب وسمو الأمير توافقا على ان مصلحة كل من الولايات المتحدة والكويت تكمن في انهاء الخصومة الخليجية، وتوحيد الصف، واعادة ”مجلس التعاون الخليجي“ ليلعب دوره في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط عموما.

القمة الأميركية - الكويتية في واشنطن اليوم... ترامب يعوّل على ثبات العلاقات وعدم تأثرها بأي «اهتزاز»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

فيما يشهد البيت الأبيض في الولايات المتحدة قمة أميركية - كويتية اليوم تجمع سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد والرئيس الأميركي دونالد ترامب، نقل مقرّبون من البيت الأبيض ان الرئيس دونالد ترامب سيتوجه بالشكر إلى سمو الأمير للجهود الديبلوماسية التي قامت بها الكويت ولا تزال في السعي لحل الأزمة الخليجية المندلعة منذ أشهر.

وقالت مصادر الفريق الرئاسي إن ترامب سيشكر سمو الأمير على الدور الذي تضطلع به الكويت في الحرب ضد الإرهاب خصوصا لناحية استضافتها قوات أميركية تشارك في الحرب ضد تنظيم (داعش)».

وفي وقت تغرق الولايات المتحدة في سلسلة من الأزمات الخانقة الداخلية والخارجية، يعتقد فريق ترامب أن لقاء القمة بين ترامب وسمو الأمير قد «يشكل فسحة إيجابية» خارج الأزمات المتلاحقة، التي تتصدرها نتائج إعصار هارفي والخوف من الاعصار المتوقع ايرما في الداخل، فيما تعاني الولايات المتحدة من استفزازات كوريا الشمالية النووية والصاروخية في الخارج.

وفي وسط الضوضاء التي يثيرها المتظاهرون من معارضي إلغاء المرسوم التنفيذي داكا، الذي يسمح للقاصرين ممن وفدوا الولايات المتحدة بصورة غير شرعية البقاء في البلاد، سيحاول ترامب الاستماع الى رأي أمير الكويت حول شؤون العلاقات الثنائية الاميركية - الكويتية، وفي مواضيع اخرى تتعلق بمنطقة الشرق الاوسط.

وكررت اوساط البيت الابيض ما دأبت على قوله الادارات الاميركية المتعاقبة، لناحية ان «الكويت هي ابرز حليف للولايات المتحدة من خارج تحالف الأطلسي».

وقالت الأوساط الرئاسية ان العلاقات الاميركية الثنائية مع الحلفاء حول العالم تتعرض للاهتزاز بين الحين والآخر، خصوصا ابان الانتقال في واشنطن من ادارة الى اخرى، «لكن علاقتنا مع الكويت لا تتأثر بهذه الاهتزازات، وهو ثبات يعول عليه الرئيس ترامب»، على حد تعبير احد المسؤولين المعنيين بالزيارة.

واضافت الاوساط الاميركية انه ليس لدى الرئيس وفريقه افكار معينة حول كيفية الخروج من الأزمة الخليجية، وان ترامب سيستمع لسمو الأمير، وسيكرر امامه ان «مصلحة الولايات المتحدة تقضي بالتوصل لحل بين اطراف النزاع الخليجي، وان واشنطن تقدّر كل مجهود كويتي في هذا الاتجاه».

وختمت الاوساط الاميركية بالقول ان الرئيس الاميركي سيبحث ايضا مواضيع اقليمية اخرى، بما في ذلك «نشاطات ايران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، ومنها في الكويت». كما من المتوقع «ان يعرّج ترامب على موضوع السلام في الشرق الاوسط، وان يضع سموه في صورة الجولة التي قام بها المبعوثان» جارد كوشنر وجايسون غرينبلات أخيراً الى المنطقة.

هايلي: تجميل الاتفاق النووي مع طهران كـ «وضع أحمر شفاه على خنزير»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

اختصرت سفيرة الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة نيكي هايلي الاتفاقية النووية التي توصل إليها المجتمع الدولي مع إيران بقولها إن هذه الاتفاقية لم تنه البرنامج النووي الإيراني، كما وعدت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بل جمّدت هذا البرنامج لفترة محدودة.

وقالت المسؤولة الأميركية، في خطاب لها بمركز أبحاث «أميريكان انتربرايز انستيتيوت» اليميني، ليل أول من أمس، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتقد أن طهران ستعاود التخصيب ومحاولة الحصول على سلاح نووي مع انتهاء مفاعيل الاتفاقية في مهلة عشر سنوات، من دون أن تعود العقوبات الدولية عليها.

وإذ اعتبرت أن الاتفاقية، إذا بقيت من دون تغيير، قد تسمح لطهران بتشكيل نفس التهديد الذي تشكله كوريا الشمالية للمدن الأميركية، رأت هايلي أن الاتفاقية لا يمكن تجميلها لتبدو أفضل مما هي عليه فعلياً، واصفة محاولة القيام بذلك بـ«وضع أحمر شفاه على خنزير».

وقالت في هذا السياق: «يجب إدراك أنه لا يمكن وضع أحمر شفاه على خنزير. لذلك، مهما فعلنا، لا يمكننا أن نجعل هذه الصفقة تبدو بمظهر أفضل مما هي عليه فعلياً. علينا أن ننظر إلى واقع أن هذه الصفقة معيبة».

على أن هايلي لا تعتقد أن مشكلة العالم وأميركا مع إيران نووية فحسب، بل إن السلاح النووي الذي تسعى إيران للحصول عليه هو مجرد واحدة من الأدوات التي تستخدمها طهران لتصدير ثورتها الاسلامية وتطرفها حول العالم.

ولفتت المسؤولة الاميركية إلى أن أولى نتاجات ثورة إيران كان «الحرس الثوري»، الذي وصفته بالمنظمة التي تصدر الإرهاب حول العالم، بما في ذلك إقامة فرع له في لبنان تحت اسم «حزب الله». وعددت هايلي الهجمات التي تعتبرها واشنطن إرهابية وتتهم الحزب اللبناني بتنفيذها، بدءاً بتفجيري السفارة الاميركية وثكنة «المارينز» في بيروت في العام 1983، وصولاً إلى مشاركة الحزب في الحرب السورية الى جانب الرئيس السوري بشار الأسد.

وألمحت هايلي إلى أن ترامب لن يمنح، الشهر المقبل، إعفاء ثالثاً للعقوبات الأميركية التي كانت مفروضة على ايران، وتم رفعها بموجب الاتفاقية النووية، بيد أنها أوضحت أن عدم تجديد الإعفاءات لا يعني حُكماً خروج أميركا من الاتفاقية الدولية.

وانتقدت إدارة أوباما لموافقتها على التوصل للاتفاقية مع ايران، معتبرة أن الرئيس السابق وعد بأن الاتفاقية ستعيد الإيرانيين كلاعبين في لعبة الأمم حسب الأصول، وأنهم سيحترمون القوانين الدولية، إلا أن ذلك لم يحصل، مع استمرار ما أسمتها خروقات ايران المتكررة للاتفاقية المكرسة في قرار مجلس الأمن الدولي 2233.

وعددت الخروقات بالقول ان إيران أنتجت مياهاً ثقيلة أكثر من المتفق عليه في مفاعل أراك، على الأقل مرتين، مضيفة ان طهران تسمح فقط بالمراقبة المتواصلة للمواقع النووية التي أعلنت عنها، فيما ترفض السماح للمفتشين الدوليين بالدخول إلى مواقع يشتبه بأن الإيرانيين كانوا أجروا، أو أنهم يجرون حالياً، تجارب نووية فيها، خصوصا المواقع العسكرية مثل بارشين.

وكانت هايلي زارت، قبل أسبوعين، الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، حيث عقدت محادثات مع كبار المسؤولين والمفتشين المعنيين بالملف الايراني. وحاولت الحصول على تقارير عن خروقات تدين الإيرانيين، الا انها لم تحصل إلا على خرقي «المياه الثقيلة». ولا يعتبر الخبراء أن هذين الخرقين يعدان سبباً كافياً لإدانة الايرانيين، بل يعتبرون ان زيادة الإنتاج أمر روتيني، وأنه يمكن التعامل مع الفائض والتخلص منه.

لكن ترامب وإدارته يبحثان عن تقارير قد تدين إيران وتثبت تجاوزها الاتفاقية بشكل يعيد العقوبات الدولية، وهما عثرا في هذا السياق على بعض التجاوزات، مثل قيام طهران بإرسال مقاتلين في الميليشيات التابعة لها إلى سورية على متن طائرات مدنية تتلقى قطع غيار من أوروبا واميركا، وهو ما يتجاوز أحد بنود الاتفاقية.

كذلك، تردد في الأوساط الاميركية ان إدارة ترامب كلّفت وكالات الاستخبارات التحري عن أي أنشطة إيرانية غير مشروعة في مواقع لا تراقبها الأمم المتحدة، حتى يُصار إلى الطلب رسمياً إلى الايرانيين فتح هذه المواقع، بموجب الاتفاقية، التي تمنح ايران ثلاثة أسابيع للتجاوب أو يتم تقديم عدم تجاوبها الى مجلس الأمن.

الإصرار الأميركي على توتير الأجواء مع ايران لا يبدو أنه يرتبط بالموضوع النووي، وهو ما قالته هايلي صراحة في خطابها، بل يرتبط باعتبار إدارة ترامب أن الإدارت السابقة، من الحزبين، انتهجت سياسة تقارب مع الإيرانيين واعتبار أنه يمكن إقناعهم بالعودة الى تحالفهم الذي انهار مع واشنطن في العام 1979. وتعتقد إدارة ترامب أن على واشنطن التخلي عن الطموح بإعادة ما انكسر مع الايرانيين، وتبني سياسات تعتبر ان إيران دولة عدوة يفترض على أميركا مواجهتها بكل السبل التي تملكها.

الأربعاء، 6 سبتمبر، 2017

مشكلة تحالف مسيحيين مع الأسد

بقلم حسين عبد الحسين

في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وقف في "ساحة ساسين"، في حي الأشرفية في بيروت، عدد من اللبنانيين المسيحيين من مؤيدي الجنرال المنفي حينذاك في فرنسا ميشال عون، ووقف في صفهم عدد من المسلمين والملحدين وغيرهم، وهتف المتظاهرون للحرية، واعترضوا على قيام السلطات اللبنانية بمنع بث مقابلة الإعلامية ماغي فرح مع عون، على قناة "أم تي في".

كانت حكومة بيروت خاضعة بالكامل لسيطرة نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وكان المسيحي عون معارضا للأسد، فانقضت القوات الأمنية اللبنانية على المتظاهرين، وأدت المواجهات إلى جرح عدد من المتظاهرين، واعتقال كثيرين. ثم تعرض من تم اعتقالهم لإهانات والمزيد من الضرب.

وفي وقت لاحق، أمر حاكم لبنان باسم آل الأسد اللواء غازي كنعان بإقفال "أم تي في"، وإبطال عضوية صاحبها غبريال المر في "مجلس النواب"، وتوّج كنعان بذلك عقدين من الذلّ الذي أنزله نظام الأسد بمسيحيي لبنان، الذين عانوا من حروب الأسد عليهم، واغتياله قادتهم، وسجنه بعضهم، ونفيه بعضهم الآخر. وفي زمن السلم الاهلي، أعلن المسيحيون فترة "الإحباط المسيحي" بسبب اضطهاد الأسد لهم، وحرمانهم من حقوق حرية الرأي والتعبير، وحرمانهم من الانخراط في الحياة السياسية في لبنان.

بلغ ظلم آل الأسد ذروته في لبنان في العام ٢٠٠٥، وتزامن ذلك مع اغتيال رئيس حكومة لبنان السني رفيق الحريري، فانتفض اللبنانيون ضد الأسد، وأجبروه على سحب قواته من بلادهم. ولتقويض المعارضة اللبنانية ضده، أرسل الأسد إلى عون في باريس موفدين سريين، فوجد الجنرال المنفي فرصة ذهبية للعودة الى لبنان، وتحقيق حلمه بالوصول إلى الرئاسة، فتحول من أبرز معارض للأسد، إلى أبرز حليف له ولـ "حزب الله" الشيعي، وصوّر الجنرال السابق انقلابه على مبادئه ومواقفه على أنه يهدف "لاستعادة حقوق المسيحيين".

لكن بعد ١٢ عاما على عودة عون إلى لبنان، وبعد قرابة عام على عمر رئاسته، ماتزال حقوق مسيحيي لبنان، كما حقوق مسلميه، مفقودة، وما يزال لبنان غارقا في فساده، إذ تصنفه جمعية "الشفافية العالمية" في المركز ١٣٦ بين ١٧٦ دولة، فيما تصنفه جمعية "مراسلين بلا حدود" في المركز ٩٩ بين ١٦٦ دولة على صعيد الحريات. أما الترتيبات العالمية التي يتصدرها لبنان، فهي الدين العام مقارنة بالناتج المحلي، حيث يحل الثاني في العالم بعد اليابان، والتدخين، الذي يحلّ فيه اللبنانيون في المركز الثالث عالميا.

وسط غرق لبنان في الفساد، وغياب الحريات، وارتفاع المديونية، واستحالة تطبيق الحكومة قوانين بسيطة مثل قانوني السير وحظر التدخين في الأماكن المغلقة، وفي ظلّ تدهور حال المرافق العامة والخدمات الحكومية، مثل الكهرباء والمياه، ومع التدهور المريب في وضع بيئة لبنان، ومع انفلات الأمن في معظم المناطق وارتفاع معدلات الجريمة، ومع سيطرة "حزب الله" على قرارات السياسة الخارجية والعسكرية في البلاد، يصبح السؤال: ما هي الحقوق التي استعادها المسيحيون مع زعامة عون ورئاسته؟

في لبنان هذا الأسبوع، أطلق رجل دين مسيحي تصريحا بليغا رفض فيه الخيار الذي يقدمه زعماء المسيحيين، وفي طليعتهم عون، لاتباعهم. فعون يبرر تحالفه مع طاغية من عيار الأسد بالقول إن "تحالف الأقليات" مع الأسد هو خيار سيء، لكنه أقل سوءا من مشكلة التطرف السني في المنطقة، وهو تطرف يهدد الوجود المسيحي، حسب عون.

وقال رجل الدين المذكور أن تعاليم المسيح لم تدعُ الناس للقبول بالأقل سوءا، بل دعت المسيحيين إلى قول الحق، والوقوف في وجه الظلم. لهذا السبب، مات مسيحيون كثر منذ الأيام الأولى للكنيسة على أيدي حكام متنوعين، لأن أولئك المسيحيين رفضوا التخلي عن مبادئهم المسيحية، وتمسكوا بما هو صحيح، لا بما هو أقل سوءا.

لا تجدي التحالفات المتقلبة، ولا الثارات القبلية، ولا تحمي مسيحيي المشرق، ولا مسلميه، ولا تضمن لهم الحقوق والعيش الكريم.

لا يحمي مسيحيي المشرق ومسلميه إلا المواطنية والمساواة، وحكم الأكثرية في الرأي لا الأكثرية في الدين، وقيام حكومات عادلة وشفافة تغني الشيعة عن ثأر الحسين، وتخفف من حقد السنة على غرب يعتقدون أنه سرق زعامتهم للعالم، وتنهي خوف المسيحيين من الذمية والعيش كمواطني درجة ثانية.

الثلاثاء، 5 سبتمبر، 2017

الصواريخ كورية شمالية والأزمة في البيت الأبيض

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يدرك كبارالمسؤولين في الإدارة الأميركية أن قيام كوريا الشمالية بتجربة قنبلة هيدروجينية، كانت الأكبر من نوعها حتى الآن، ليس مشكلة عسكرية فحسب، بل إن المشكلة تكمن في الامتحان الذي تمثله قنبلة الكوريين الشماليين لقدرات البيت الأبيض الحالي، ولرئيسه، الذي يبدو عاجزاً عن تسيير شؤون فريق متجانس يمكنه تحقيق أي نتائج، داخل أميركا أو خارجها.

ويعبّر المعنيون في السياسة الخارجية الأميركية عن قلقهم من أن العالم «يأخذ قياسات» الرئيس دونالد ترامب، وان عدداً كبيراً من الدول سيدرك في وقت قريب مكامن ضعفه الكثيرة، وهو ما يدفع الفريق الرئاسي إلى محاولة «ضبط ترامب»، ووقف تصريحاته المتهورة والخارجة عن السياق.

كذلك، يعبّر المعنيون عن قلقهم من أن ترامب هو «من أطلق النار على قدمه»، حسب التعبير الاميركي، فبرنامجه التجاري الشعبوي، الذي يصرّ خلاله على إقامة حواجز تجارية وجمركية وإلغاء معاهدات التجارة الحرة القائمة التي تنخرط فيها الولايات المتحدة مع دول مثل مع كوريا الجنوبية، ساهم الى حد كبير في تقويض القوة الديبلوماسية الاميركية.

ويقول الخبراء الأميركيون إن سطوة الولايات المتحدة المالية حول العالم ترتبط بحجم تجارتها مع الدول، وأنه كلّما قلّص ترامب من حجم هذا التدول التجاري، اعتقاداً منه أنه يعيد الصناعات إلى البلاد، كلّما قلّص فعلياً النفوذ الاميركي ومقدرة واشنطن على «لي أذرع» بعض الدول التي تتمتع معها بحجم تجارة ثنائية كبير.

ويضرب الخبراء الأميركيون بالصين مثالاً، ويقولون إن ترامب هدد الصين بوقف التجارة معها، أو تعليق أجزاء كبيرة من هذه التجارة مثل الفولاذ، لأسباب سابقة لأزمة كوريا الشمالية. هكذا، بعدما قامت بيونغ يانغ بتجاربها المتكررة، كان ترامب خسر ورقة التجارة التي سبق له أن هدد بها الصين.

ويخشى عدد كبير من متابعي السياسة الخارجية الاميركية أن حكومات أخرى غير حكومة بيونغ يانغ، تتابع عن كثب تطورات الأزمة الكورية الشمالية. طهران، مثلاً، تنتظر لترى عاقبة قيام كوريا الشمالية بتجاربها ونجاحها في الحصول على برنامج نووي وصاروخي، على الرغم من العقوبات العالمية والمعارضة الاميركية، فإذا ما نجحت كوريا الشمالية، فإن ذلك سيدفع دولاً مثل إيران وغيرها إلى السعي للحصول على أسلحة نووية.

كما يعتقد المتابعون أن الحكومات التي تسعى للحصول على أسلحة نووية، ستحاول القيام بذلك في عهد إدارة ترامب، لإدراكها أن واشنطن فاقدة لتوازنها، وأن ترامب ليس متهوراً كما يحاول الإيحاء به، لكنه في الوقت نفسه يعجز عن ممارسة أي أنواع من الضغوط الأخرى أو بناء تحالفات دولية ضد هذه الحكومة او تلك.

ويختم المتابعون الاميركيون بالقول ان ظهور ضعف ترامب وإدارته الى العلن سيدفع عدداً كبيراً من الحكومات الى القيام بما يحلو لها، أثناء وجوده في البيت الابيض، وهذا يتضمن تبنيها سياسات معادية لأميركا ومصالح الغرب، حتى لو لم تكن هذه السياسات صاروخية أو نووية.

الاثنين، 4 سبتمبر، 2017

رئيس سوريا صار عمدة دمشق

حسين عبدالحسين

تتردد في العاصمة الاميركية تصريحات تفيد باستحالة عودة الرئيس الافغاني اشرف غني لبسط حكمه على كامل افغانستان، ويقول المسؤولون الاميركيون إنه — على اثر انسحاب القوات الأميركية بعد "خطة زيادة القوات 2010" — تحول "رئيس افغانستان" الى "عمدة كابول"، وخرجت الاقاليم الافغانية عن سيطرة السلطة المركزية في العاصمة، وسيطرت بدلا منها التنظيمات المحلية، الاسلامية والقبلية.

ويقول الاميركيون إن تاريخ افغانستان يشير الى الطبيعة القبلية لشعبها، وإلى أنه لطالما خاضت هذه القبائل حروباً دامية بين بعضها البعض، من دون أن يكتب النصر الأكيد لأي منها. حتى في الفترة التي حكمت فيها "حركة الطالبان" الجزء الاكبر من افغانستان، قبل هجمات 11 ايلول/سبتمبر والحرب الاميركية، بقيت اجزاء واسعة خارج سيطرة الحركة وتحت حكم ائتلافات مناوئة، مثل "تحالف الشمال" وغيره.

هكذا، بعد 16 عاماً من انخراط الولايات المتحدة وقوتها العسكرية في افغانستان، توصلت واشنطن لاستنتاج مفاده ان المركزية مستحيلة في افغانستان، وان الحل الوحيد هو لا مركزية تتوافق عليها الفصائل المتنازعة، بالتزامن مع تنظيم الصراع بينها وتحويله من حروب طاحنة الى مواجهات سياسية وديبلوماسية. أما الهم الأكبر لدى الاميركيين في افغانستان، فهو اقامة ”علاقات أمنية“ مع كل واحدة من الحكومات المحلية، بما فيها "الطالبان"، بهدف التنسيق، وتأكيد أن المناطق التي تسيطر عليها الحكومات المحلية تبقى عصية على التنظيمات الارهابية العابرة للحدود، مثل تنظيمي "القاعدة" و"الدولة الاسلامية".

وكما في افغانستان، كذلك في العراق، تدرك أميركا أن حيدر العبادي يرأس حكومة بغداد فقط، وأن سلطته خارج العاصمة ستكون شبه معدومة في اليوم التالي للحرب ضد داعش وانسحاب التحالف الدولي. حتى يوم كان الجيش العراقي ممسكاً بالموصل، كان بمثابة جيش احتلال، وانهار في ساعات أمام "داعش" في صيف 2014.

لهذا السبب، تتمسك واشنطن باللامركزية في العراق، وتتمسك بضرورة أن تتحاور حكومة بغداد مع الحكومات المحلية، في كردستان في الشمال، ومع السنة في الغرب، وحتى مع الشيعة المناوئين لبغداد في الجنوب. أميركا بدورها ستقيم علاقات مع كل القوى المحلية، بما في ذلك فصائل "الحشد الشعبي"، لتأكيد ان المناطق التي تمسك بها القوى المحلية العراقية تبقى مقفلة في وجه أي تنظيمات ترغب في اتخاذ هذه المناطق مقراً لها لشن هجمات ضد أهداف أميركية وغربية حول العالم.

وكما في افغانستان والعراق، كذلك في سوريا، تعتقد واشنطن أن الرئيس السوري بشار الأسد تحول من رئيس سوريا إلى عمدة دمشق، ما يعني أن سيطرته انحسرت عن أجزاء واسعة من سوريا، فخرجت مناطق شرق الفرات والرقة واجزاء من ديرالزور عن سيطرته، وصارت تحت سيطرة "قوات سوريا الديموقراطية". أما الشمال، مثل محافظة ادلب، ففي عهدة عدد من الفصائل الاسلامية، غالبيتها على تواصل مع أنقرة لتأكيد خلو المحافظة من المتطرفين العابرين للحدود. والجنوب السوري، لا يزال ساحة نزاع، لا بين اسرائيل وايران فحسب، بل بين الأسد والايرانيين، إذ يبدو أن طهران لن تعيد سيادة الأسد الى مساحات واسعة من سوريا، مثل في الجنوب، وتلك المحاذية للحدود اللبنانية.

الشريط الدعائي الذي نشره "حزب الله" اللبناني عن مقاتليه، الذين يؤدون تحية لثلاثة رايات تتوسطها راية الحزب ويحيط بها علما لبنان وسوريا، يؤكد الرأي الاميركي حول "لا مركزية" سوريا، على غرار العراق وافغانستان، وتداعي سيطرة الحكومة المركزية في دمشق على باقي انحاء البلاد.

لفترة من الزمن، بدا اعتماد الأسد على روسيا وايران من دون مقابل. لكن قيام الأسد بشكر ايران و"حزب الله" على الدعم المفتوح له لا يعني "شكراً ومع السلامة"، بل يعني شكرا للايحاء بعودة سيادته على الاراضي التي استعادتها ايران، ولكنها عودة لا يبدو انها ستتم، وإن تمت، فتتم شكليا اكثر منها فعلياً.

مثل غني، عمدة كابول"، والعبادي، عمدة بغداد، لم يغد الأسد أكثر من "عمدة دمشق"، على الرغم من اصراره على الاحتفاظ بلقبه الماضي "رئيس الجمهورية العربية السورية".

الأحد، 3 سبتمبر، 2017

واشنطن تعتبر التنظيمات الإسلامية «حليفاً» في مواجهة الإرهابيين

حسين عبدالحسين

يوم سأل المعارضون السوريون وزير الخارجية السابق جون كيري عن موقف بلاده في سورية، أجاب ان أولوية واشنطن هي مكافحة الإرهاب، ثم مضى يتحدث عن ضرورة القضاء على تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة»، لكن عندما قاطعه المعارضون بالقول إن «حزب الله» اللبناني هو تنظيم إرهابي أيضاً، حسب لائحة الإرهاب الأميركية، أجاب كيري: «لكن (حزب الله) لا يؤذي مصالحنا».

تصريح كيري عكس تطوراً في السياسة الخارجية الأميركية وكيفية تعاملها مع «الدول الفاشلة» والتنظيمات العنفية غير الحكومية. في الماضي، انصب اهتمام الولايات المتحدة على ضرورة بناء الدول والحكومات، لسد الفراغ الذي نشأت بسببه، ولا تزال تنشأ، تنظيمات مسلحة تلجأ إلى العنف، وكان الحل المقترح لهذه التنظيمات هو قيامها بحلّ أجنحتها العسكرية، وتحولها أحزاباً سياسية، وانخراط من يقاتلون في صفوفها بالقوى النظامية للدول التي يعيشون في ظلّها. وكان آخر الوافدين الى عالم الأحزاب السياسية جماعة «الاخوان المسلمين» في مصر، الذين أنشأوا حزباً سياسياً مع انتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر.

على أن الحل الأميركي لمشكلة الحكومات الضعيفة أمام الميليشيات القوية، مثل في لبنان والعراق وأفغانستان، لم يثمر، وهو ما أجبر واشنطن على التعامل مع الميليشيات كقوى أمر واقع، والتعاطي والتنسيق معها، غالباً بشكل غير مباشر عن طريق حكوماتها.

وبعد طرد الأفغان للمقاتلين العرب وتنظيم «القاعدة»، وبعد طرد قوات «الصحوات» العراقية تنظيم «القاعدة في العراق»، وبعد انخراط «حزب الله» في مواجهة ضد كل التنظيمات التي تعمل خارج إمرته في لبنان وسورية، سواء كانت لبنانية أو فلسطينية أو غير ذلك، توصلت واشنطن إلى خلاصة مفادها أن العناصر العابرة للحدود لدى هذه التنظيمات هي عناصر محدودة جداً، وأن هذه التنظيمات لا ترضى استضافة تنظيمات منافسة عابرة للحدود، وهو ما يعني أنه يمكن للولايات المتحدة التعاطي مع التنظيمات الاسلامية المحلية، مثل «طالبان» في أفغانستان و«الحشد الشعبي» في العراق و«حزب الله» في لبنان وجماعة «أنصار الله» الحوثية في اليمن، لحرمان التنظيمات العابرة للحدود، مثل «القاعدة» و«داعش» من موطئ قدم يمكن لها استخدامه لشن هجمات ضد أهداف أميركية في الولايات المتحدة وحول العالم.

في هذا السياق، راحت العلاقة تتحسن بين «طالبان» وواشنطن، وهو ما أفضى إلى صفقة تبادل سجناء، أفرجت بموجبها الحركة الأفغانية عن الجندي الأميركي بوي بيرغدال، مقابل إفراج واشنطن عن خمسة قادة من «طالبان» كانوا معتقلين في «غوانتانامو»، وتم ترحيلهم الى منفاهم في الدوحة، بطلب أميركي.

الأسبوع الماضي، قال الرئيس دونالد ترامب ان بلاده مستعدة للحوار مع «بعض العناصر في (طالبان)». في اليوم التالي، قال مسؤول أميركي في أفغانستان، الجنرال جون نيكولسون والديبلوماسي هوغو لورنس، إن واشنطن تنوي الحوار مع «طالبان» من أجل إنهاء الحرب المستمرة منذ 16 عاماً.

الأسبوع المقبل، يستعد الكونغرس للعودة من إجازته الصيفية، ويتوقع الأعضاء أن يطلعهم الفريق الرئاسي على استراتيجية ترامب في افغانستان. ويقول بعض الأعضاء إنهم يستعدون لسماع أرقام الموازنة الاضافية، التي سيطلبها الرئيس من أجل تعزيز القوات الأميركية في أفغانستان.

على أن ما رشح عن المحادثات «الواشنطونية» المتوقعة عن الحرب الأفغانية، يتضمن أقوالاً مفادها أن واشنطن لا تعتقد أن كابول يمكنها ان تحكم البلاد بشكل مركزي، وأن المطلوب هو التوصل إلى سلام بين الحكومة المركزية والميليشيات التي تسيطر على الأقاليم المختلفة.

ويقول أعضاء في الكونغرس ان تجربة «زيادة القوات» في العام 2010 أثبتت استحالة الحفاظ على تماسك أفغانستان بعد انسحاب الأميركيين، حيث تحول رئيس أفغانستان من رئيس للبلاد إلى «عُمدة مدينة كابول». لذا، تعتقد غالبية المشرعين والمسؤولين الحكوميين الأميركيين أن الوقت حان لترعى أميركا السلام بين القوى الافغانية المختلفة، فلطالما كانت أفغانستان مجتمعاً قبلياً يصعب حكمه مركزياً، والخطة الأميركية الحالية تقضي برعاية سلم أهلي بدلاً من الاستمرار في الحرب الأهلية الدائرة منذ نصف القرن. أما الإضافة في عديد العسكر الأميركي في أفغانستان، فهي لضمان التوصل إلى سلام، والقضاء على من يعارضونه.

ورؤية أميركا لأفغانستان لا شك أنها صارت تنطبق على دول أخرى، منها العراق وسورية. ففي العراق، يسعى الأميركيون لإقناع بغداد بضرورة الفيديرالية كحل وحيد لعدم قيام «داعش» بنسخة «2.0»، أما في سورية، فيعتقد الأميركيون أن الرئيس السوري بشار الأسد سيبقى في السلطة، لكنه تحول من حاكم سورية إلى «عُمدة دمشق»، بعدما تراجع نفوذه الى أقصى حدود، وصار يستند إلى القوى الاقليمية التي ترعاه.

في المناطق الأخرى في سورية، يجري العمل فيها على إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، وتسليم مناطقه للأكراد وحلفائهم العرب، شرق البلاد. أما في محافظة ادلب الشمالية، التي تسيطر عليها جبهة «فتح الشام» («النصرة» سابقا)، والتي كانت اعلنت انفصالها عن «القاعدة»، فتعتقد الولايات المتحدة أنه يمكن التعامل مع هؤلاء السوريين بعد التوصل معهم الى اتفاق يقضي بعدم إيوائهم أي إرهابيين يسعون إلى شن هجمات ضد أهداف أميركية.

هكذا، لم تعد الولايات المتحدة تمانع تطرف هذه التنظيمات في حكمها بالمناطق التي تسيطر عليها، لناحية إجبار النساء على ارتداء الزي الاسلامي ومنع الموسيقى. ويقول مسؤولون أميركيون إن في صفوف حلفاء أميركا حالياً حكومات حول العالم من التي تمارس هذا النوع من الحكم القاسي بمعايير غربية، وانه لو أرادت الولايات المتحدة أخذ هذا النوع من التشريعات المحلية في عين الاعتبار، لفقدت عدداً لا بأس به من الحلفاء.

ما تريده أميركا من هذه التنظيمات هو عدم إيوائها إرهابيين، ومشاركتها في الحرب على الإرهابيين الذين ينوون إلحاق الأذى بأهداف غربية ودولية، فيما يشكل «داعش» خصوصاً هدفاً يجمع العالم، بما فيه التنظيمات الاسلامية في سورية وليبيا ولبنان والعراق، على ضرورة التخلص منه والقضاء عليه نهائياً.

Since December 2008