الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

رسالة واشنطن الى العراق ولبنان: اما المجتمع الدولي أو ايران وميليشياتها

واشنطن - من حسين عبدالحسين

جريدة الراي


لا يعد توجّه الولايات المتحدة لإقفال سفارتها في بغداد مفاجئاً أو اعتباطياً، بل جاء في سياق السياسة الأميركية القاضية بتحميل العالم، بما فيه أوروبا وإيران والدول التي تنشط فيها ميليشيات موالية لطهران، مثل العراق ولبنان، مسؤولية هذه الميليشيات ونشاطاتها.

وفي واشنطن، يجمع المعنيون بالسياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، أن العالم أمام مشكلة اسمها «نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة والعالم»، وتتصدر هذه النشاطات انتشار ميليشيات إيرانية في الشرق الأوسط.

وينقسم الجمهوريون والديموقراطيون حول كيفية مواجهة هذه النشاطات الإيرانية، لكنهم يجمعون على ضرورة مواجهتها.

ولا يعارض الجمهوريون الاتفاقية النووية مع إيران لأسباب تتعلق بملف إيران النووي فحسب. هذا الملف، يمكن معالجته ببساطة بتحويل البنود الموقتة إلى دائمة. مشكلة الجمهوريين عموماً، وإدارة الرئيس دونالد ترامب خصوصاً، هي أن رفع العقوبات عن إيران للاتفاق معها نووياً منحها أموالاً قامت طهران باستثمارها في دعم الميليشيات الموالية لها في العراق وسورية ولبنان واليمن، وهو ما يدفع الجمهوريين للاعتراض على الاتفاقية النووية، والاعتراض على سياسة الرئيس السابق باراك أوباما التي سمحت بالفصل بين اثنين: نووي إيران وميليشياتها.

أما الديموقراطيون، منذ رئاسة أوباما، فاعتبروا أن الفصل بين الملفين يسمح بالتوصل لاتفاقية حول النووي، وهو ما يؤدي إلى بناء ثقة بين واشنطن وطهران، ثم يمكن البناء على هذه الثقة للتخلص من الميليشيات الموالية لإيران. وكان المرشح الديموقراطي للرئاسة، في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر، نائب الرئيس السابق جو بايدن، أشار في مقالة نشرها على موقع شبكة «سي أن أن»، إلى أنه سيعمل على إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية النووية مع إيران، في حال دخوله البيت الأبيض مطلع العام المقبل، لكنه سيعمل في نفس الوقت على مكافحة «نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة»، بما في ذلك تقديم كل الدعم لاسرائيل في مواجهتها مع هذه الميليشيات.

إذاً، الانقسام داخل واشنطن بين الجمهوريين والديموقراطيين يقتصر على موقف الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية، ولا يشمل الميليشيات الموالية لإيران في العراق وسورية ولبنان، خصوصاً «حزب الله» اللبناني، الذي تعمل إدارة ترامب بجهد، ومن المرجح أن تواصل إدارة بايدن في حال فوزه بالرئاسة بالعمل بجهد مشابه، لإقناع العالم بضرورة إدراج هذه الميليشيات على لوائح الارهاب، وفرض عقوبات مالية عليها، وملاحقة أفرادها حول العالم.

في هذا السياق، قامت وزارة الخارجية الأميركية بتكثيف حركتها الديبلوماسية تجاه عواصم العالم، خصوصاً الأوروبية منها، لإقناعها بإدراج «حزب الله» اللبناني و«كتائب حزب الله» العراقية على لائحة الارهاب، مع ما يعني ذلك من حظر دخول موالي هذين التنظيمين وتجميد أموالهم المنقولة وغير المنقولة.

وكانت وزارة الخارجية أعلنت إيفاد منسق مكافحة الإرهاب، ناثان سايلز، إلى كل من سلوفينيا وإيطاليا، حيث سيخصص لقاءاته لحض هاتين الدولتين على تصنيف «حزب الله» وكل الميليشيات الموالية لإيران تنظيمات إرهابية. وكانت أميركا نجحت في إقناع برلين والاتحاد الأوروبي بإدراج «حزب الله» على لوائح الإرهاب، وما تزال الديبلوماسية الأميركية تعمل على توسيع الإدراج ليشمل أكبر عدد ممكن من الدول حول العالم.

ويشرح مسؤولون أميركيون أن إقناع الدول بتصنيف «حزب الله» اللبناني إرهابياً «أمر يسير نسبياً»، إذ ان علاقات إيران الدولية ضيقة وليس لطهران أصدقاء كثر، وغالبية الدول عندما تخيرها الولايات المتحدة بين العلاقة معها أو مع الميليشيات الموالية لإيران، تختار هذه الدول العلاقة مع أميركا.

على أن الجديد في سياسة واشنطن، في عهدة الجمهوريين، والديموقراطيين في حال استعادتهم الحكم، يكمن في محاسبة الدول المضيفة لهذه التنظيمات.

في منتصف التسعينات، عندما كانت الولايات المتحدة تنوي إدراج «حزب الله» على لوائحها للتنظيمات الإرهابية، حاول رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري إقناع واشنطن بعدم القيام بذلك، وعندما لم ينجح في مسعاه، أقنع الحريري إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون بتحييد دولة لبنان عن المواجهة بين أميركا والحزب اللبناني المسلّح.

لكن بعد انسحاب قوات الرئيس بشار الأسد وزوال الوصاية السورية على لبنان، بدا أن «حزب الله» تحول إلى القوة المهيمنة ذات الوصاية على الدولة اللبنانية، وعلت أصوات أميركية مطالبة بمحاسبة دولة لبنان على نشاطات الحزب الذي يتخذ من أراضيها مقراً له. لكن أصواتاً مضادة رأت أن دولة لبنان هي ضحية «حزب الله»، وتالياً الأفضل يكمن بدعمها وتقويتها للوقوف في وجهه. بعض الأصوات بين الجمهوريين رأت أن لا فائدة من تقوية دولة لبنان، وأن الحل هو بتحميلها المسؤولية.

وأثناء رئاسة أوباما وفترة التقارب مع إيران، وهو التقارب الذي نجم عنه تسوية في لبنان أفضت لانتخاب ميشال عون رئيساً وعودة سعد الحريري رئيساً للحكومة، استعادت دولة لبنان السياسة القائلة إن «حزب الله» مشكلة إقليمية لا طاقة للحكومة اللبنانية التعامل معها. اليوم، تقول مصادر في إدارة ترامب: «إذا كان لا يمكن لدولة لبنان ضبط (حزب الله)، فالحريّ بها على الأقل أن تبتعد عنه كي لا تتأذى من المواجهة الدولية المقبلة ضده».

لكن دولة لبنان لم تبتعد، بل واصلت المناورات السياسية ومحاولات الإفادة من المواجهة الدولية ضد الحزب سياسياً لمصلحة الطبقة الحاكمة. ومثل لبنان، فعلت حكومة العراق، التي لم تفد من موقف المرجعية الشيعية علي السيستاني الداعي لحلّ كل الميليشيات في العراق، بل راح حكام العراق يفاوضون واشنطن تارة والميليشيات طوراً في محاولة لتحقيق أكبر مكاسب سياسية، بغض النظر عن النتائج الفعلية لهذا النوع من السياسات المصالحية الضيقة.

«إعلان الولايات المتحدة نيتها إغلاق سفارتها في العراق هو خطوة تجاه تحميل بغداد مسؤوليتها: إما تواجه الميليشيات سياسياً وأمنياً وتستعيد سيادتها ومسؤولية حماية البعثات الديبلوماسية على أراضيها وإما أن واشنطن لا ترغب في رؤية ديبلوماسييها رهائن لاستهداف الميليشيات الموالية لطهران لهم»، يقول مسؤول أميركي رفيع المستوى، فضّل عدم ذكر اسمه.

هي رسالة أميركية للحكومات التي تعمل على أراضيها ميليشيات موالية لإيران حتى تختار هذه الحكومة جهة من اثنتين:«إما واشنطن والمجتمع والاقتصاد الدوليين، وإما طهران وميليشياتها والعقوبات عليهما».

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

يا رفيق لبنان… اشتاق لك اللبنانيون

واشنطن - من حسين عبدالحسين

يساور غالبية اللبنانيين ممن عاشوا في لبنان في زمن رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري شعورا أن البلاد لم تكن لتنهار كانهيارها المأساوي اليوم لو كان الحريري ما يزال حيا. ورفيق الحريري هذا كان من أذكى العاملين في الشأن العام في التاريخ العربي الحديث. لم يكن الرجل ملاكا ولا معصوما عن الخطأ، ولكنه كان يتمتع بحضور مهيب يمنح اللبنانيين والعالم ثقة بأنه قادر على قيادة البلاد في وجه أفدح المشاكل وأكبر الكوارث.

لم يتمكن الراحل الحريري من قيادة لبنان كما يشتهي تماما. في دمشق جلس حكام لبنان من آل الأسد وضباط استخباراتهم العاملة في لبنان، وفي بيروت اختبأ "حزب الله" ومغامراته العسكرية خلف حجم الحريري الدولي الضخم. لم يرسم الحريري قواعد اللعبة السياسية في لبنان، لكنه تعلمها بسرعة. في أولى أيامه ظنّ أن الاتفاقات الإقليمية والدولية كافية لتعطيه مساحة ليعيد تأهيل لبنان بين الأمم. مع الوقت، اكتشف الحريري أنه، فضلا عن علاقاته الدولية ـ كان لا بد له من الترشح للبرلمان وقيادة كتلة برلمانية تسمح له بالتصدي للمتطفلين على السياسة من المخبرين وكتبة التقارير ممن فرضتهم دمشق نوابا ووزراء.

ما أنجزه رفيق الحريري قارب المعجزة. في بلاد مرّت بحرب أهلية مدمرة على مدى 15 عاما، فيها طبقة فاسدة من الضباط السوريين وشركائهم السياسيين اللبنانيين، وميليشيا "حزب الله" التي رفضت أي تسوية مع إسرائيل كانت ستؤدي لانسحاب الإسرائيليين قبل سنوات من انسحابهم في العام 2000. مع ذلك، انقلب لبنان ـ من شماله إلى جنوبه ـ إلى ورشة إعمار كبيرة، وظهرت الطرقات السريعة والواسعة، وظهر مطار عصري حديث، وعادت التغذية الكهربائية على مدار الساعة، واختفت القمامة من قارعات الطرق، وعادت المؤسسات والشركات الدولية والإقليمية إلى بيروت.

رؤية الحريري للبنان كانت بسيطة وقضت بتحويل لبنان إلى مركز مالي واستشفائي وتعليمي وسياحي لدول الإقليم والعالم، وهي نفس الفكرة التي طبقتها الإمارات بنجاح. وكانت كلّما عكّرت مغامرات "حزب الله" العسكرية خطة الحريري، وظّف حجمه الدولي والمحلي لوقف المغامرة، بالتي هي أحسن، إلى أن انسحبت إسرائيل ولم يعد للحزب اللبناني الموالي لإيران وظيفة، فراح الحريري يعقد لقاءات حوار دورية مع زعيم الحزب حسن نصرالله لإقناعه بإنهاء العمل المسلح والانضواء تحت سلطة الدولة.

رأى الحريري في حرب العراق ومشروع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش نشر الديمقراطية فرصة للتخلص من وصاية آل الأسد على لبنان وإقناع "حزب الله" بضرورة لبننته. لكن طغاة إيران وسوريا ولبنان لا يستسيغون الناس من أصحاب الرؤى والآراء المختلفة، فأجمعوا على التخلص منه، وزرع كل منهم خنجره في صدر الحريري، حسب التقليد القبلي القائل بضرورة توزيع الدم لتفادي الثأر.

حتى يوم اغتياله في 14 فبراير 2005، قلّما بادل الحريري من افتروا عليه عداونهم، بل كان يعتقد أنه كبير، وأن الكبار يحتملون الصغار في سبيل تسيير الأعمال والوصول بلبنان إلى مواقع أفضل واقتصاد أكبر. الجيل السوري واللبناني الأول لم يكن يشعر بضعف أمام الحريري، حافظ الأسد وممثله في لبنان غازي كنعان، ورئيس لبنان الراحل الياس الهراوي، كلهم كانوا يتعاملون والحريري كالدجاجة التي تبيض لهم ذهبا، ينتزعون منها بيضها من دون أن يقتلوها لعلمهم أن ذبحها يعني نهاية البحبوحة للجميع.

ابن الأسد بشار لم يكن كوالده. شعر بالغيرة من مكانة الحريري ونفوذه الدولي والمحلي، ومثل بشّار شعر ممثله رستم غزالة بحقد على الحريري، ومثلهما شعر قائد الجيش المفروض رئيسا للبنان إميل لحود. كان نظام الأسد وأزلامه من السياسيين اللبنانيين كلّما هاجموا الحريري، خسروا من رصيدهم الشعبي وارتفعت شعبية الحريري.

اللبنانيون لم يكونوا ساذجين. كانوا يرون عسس الاستخبارات والعسكر في الأسد ولحود وطبقتهما السياسية اللبنانية، وكانوا يرون في الحريري نموا اقتصاديا ووظائف وبحبوحة ومكانة للبنان بين الأمم. مكانة الحريري أثارت كذلك غيرة من أطلقوا على أنفسهم اسم "المحبطين المسيحيين"، خصوصا قائد الجيش المهزوم والمنفي في حينه ميشال عون، الذي راح ومناصروه يهاجمون الحريري على أسس عقائدية، واتهموه بمماشاة الاحتلال السوري، فيما هم يناضلون ضد هذا الاحتلال وضد سلاح "حزب الله". طبعا عرفنا فيما بعد أن معارضة عون لم تكن وطنية ولا عقائدية، بل على الطريقة التي يسميها اللبنانيون "قوم لاقعد (اجلس) مكانك"، إذ بين الخطاب الذي أدلى به عون في نادي الصحافة في واشنطن واتهم فيه "حزب الله" أنه إرهابي، وجلوس عون مع نصرالله للتوقيع على تحالف مع الحزب نفسه، لم تكن إلا أسابيع قليلة. لم يكن عون حريصا على "السيادة والاستقلال" كما كان يدّعي، بل كان يعاني من عقدة نقص تجاه الحريري الذي أعاد إحياء لبنان وتصدّر قيادته. وفي تحريضه ضد الحريري، استخدم عون كل الوسائل الغرائزية، مثل اعتبار أن الحريري كان سعوديا يتماهى مع حضارة بدوية إسلامية لا تتناسب وحضارة لبنان غير الإسلامية العريقة.

على أن رفيق الحريري كان صبره طويلا، ولم ينفد إلا قبيل اغتياله بقليل، وفي مقابلة تم نشرها معه بعد مماته، قال الحريري إنه لطالما تحمّل تحريض الآخرين ضده، ولكنه قرر أنه لن يسمح بالاعتداء على كرامته بعد ذلك الوقت. قتلوه.

لو كان رفيق الحريري حيا اليوم لكان منع انهيار الليرة اللبنانية والاقتصاد. لا نعرف كيف، لكن الرجل كان ساحرا، يسحب الأرانب من قبعته كل يوم.

لو كان رفيق الحريري حيا اليوم لتوصل لتسوية بين المجتمع الدولي وإيران لتحييد لبنان، وحفظ ماء وجه "حزب الله"، ولتوصل لاتفاقيات ضمنية مع إسرائيل تضمن عدم اعتداء الحزب عليها، ولأبقى ثقة العالم والمستثمرين بلبنان عالية، ولأبقى السياحة مزدهرة، ولأبقى اللبنانيين ينعمون بشعور أن "الحريري بيحلها".

لم يعرف بعض اللبنانيين قيمة الحريري حتى فقدوه. أهانوه، ظلموه، قتلوه، وجعلوا من لبنانه الآمن الجميل البرّاق لبنانا استخباراتيا ميليشياويا فاشلا بلا اقتصاد ولا أمل. يا رفيق الحريري، يا رفيق لبنان، اشتاق لك اللبنانيون.

الخميس، 24 سبتمبر 2020

ادارة ترامب تعزل الأمم المتحدة وتواصل أقصى الضغط على ايران

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

سعى أصدقاء إيران في العاصمة الأميركية إلى تعميم الخطاب الذي تبنته إيران وروسيا، ومعهما المرشح الديموقراطي للرئاسة نائب الرئيس السابق جو بايدن، وهو خطاب يعتبر أن الأحداث الأخيرة في مجلس الأمن أظهرت أن ادارة الرئيس دونالد ترامب معزولة دولياً، وأن سقوط مشروع القرار الأميركي لتمديد حظر السلاح الأممي على طهران هو إشارة واضحة أن العالم يقف صفّاً واحداً ضد واشنطن.

وفي خطاب عبر الإنترنت إلى الأمم المتحدة، كرّر الرئيس الإيراني حسن روحاني مقولة إن سقوط القرار الأميركي في مجلس الأمن بتصويت كل الدول الأعضاء ضده، باسثناء أميركا وجمهورية دومينيكان، هو الدليل الأبرز على أن أميركا وحيدة في مواجهة إيران والعالم.

وتابع روحاني أن بلاده أظهرت قدرة على الصمود ستفرض على أي ادارة أميركية مقبلة التراجع.

لكن المسؤولين الأميركيين رأوا في كلام روحاني نوعاً من الدعاية السياسية، إذ اعتبروا أن إيران والعالم غير قادرين على الالتفاف على العقوبات الأميركية أو التخفيف من الأزمة الإيرانية.

ويقول مسؤول أميركي رفيع المستوى، اشترط عدم ذكر اسمه، أنه في الأسابيع الأولى التي تلت إعلان ترامب إعادة فرض عقوبات أميركية أحادية على إيران، «حاول الأوروبيون، ومعهم روسيا والصين، تجاوز هذه العقوبات، وقاموا بإعلان آلية تبادل تجاري، لكن الآلية لم تعمل، ولم توافق أي من الشركات الأوروبية الانخراط في أي نشاط تجاري مع إيران قد يعرضها لعقوبات أميركية».

ويشرح المسؤول تسلسل الأحداث الذي أدى إلى التصويت في مجلس الأمن، وتالياً سقوط مشروع القرار الأميركي، ويقول إنه مع اقتراب 18 أكتوبر المقبل، وهو موعد انتهاء صلاحية الحظر الذي كانت تفرضه الأمم المتحدة على تصدير واستيراد الأسلحة من وإلى إيران، عملاً بنص الاتفاقية النووية التي حددت مهلة خمس سنوات لانقضاء موعد الحظر، قامت واشنطن بالتواصل مع العواصم الأوروبية الثلاث، لندن وباريس وبرلين، وسمعت من الأوروبيين معارضتهم التامة لرفع الحظر ووعدهم بالعمل مع واشنطن على تمديده أو تمرير قرار جديد في مجلس الأمن لهذا الغرض.

لكن إيران اعترضت لدى الأوروبيين بشدة، وهددتهم بسحب العقود التي وقعتها شركات أوروبية، في حال هم وافقوا على سياسة ترامب وفاز بايدن في الانتخابات وقام برفع العقوبات الاقتصادية عن إيران.

وسبق لطهران أن وقّعت عقداً بقيمة 25 مليار دولار مع شركة «ايرباص» العملاقة لصناعة الطائرات، وهي شركة فرنسية - ألمانية تصنع محركاتها شركة «رولز رويس» البريطانية، كما وقعت شركة «توتال» الفرنسية للطاقة عقد تطوير الرقعة 11 من حقل بارس الإيراني، وهو أكبر حقل غاز في العالم، لإنتاج نحو 400 ألف برميل يومياً، وهو ما يوازي ربع ناتج الطاقة الإيرانية في أيام ذروته.

وبعد العقوبات الأميركية، خشيت الشركات الأوروبية خسارة السوق الأميركية، فجمّدت عقودها مع إيران حتى إشعار آخر، أي حتى يتم رفع العقوبات الأميركية، وهو ما يعني أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض يعني استعادة الشركات الأوروبية عقودها الإيرانية الضخمة، هذا إن التزم بايدن بوعوده الانتخابية وقام فعلياً برفع العقوبات عن إيران.

هكذا، تراجع الأوروبيون عن وعودهم لإدارة ترامب بمساندة قرار تمديد الحظر الأممي للسلاح على إيران، بل تراجعوا عن وعود كانوا قطعوها لإقناع روسيا والصين بالموافقة على تمديد الحظر، واللافت أنهم اتخذوا موقفهم على الرغم من التهديد الأميركي بنسف الاتفاقية برمتها إن هم لم يدعموا القرار الأميركي لتمديد الحظر.

ويشرح المسؤول الأميركي أنه «كان يمكن لواشنطن أن تتراجع عن التصويت على قرار الحظر، لكنها أصرّت على وضعه بالحبر الأزرق (حتى يتم التصويت عليه) لتذكير الأوروبيين دائماً أن السبب الذي دفع الولايات المتحدة لتفعيل آلية الزناد التي تعيد العقوبات الأممية تلقائياً على إيران هو رفضهم الإجراء الأقل شدة، أي تمديد حظر السلاح».

على أن الأوروبيين أمعنوا في مواجهة أميركا، إذ هم تبنوا وجهة النظر الروسية القاضية بأن واشنطن خرجت من الاتفاقية، وتالياً لا يحق لها تفعيل أي من بنودها، «هل سمعتم قبلاً أن إحدى الدول الأعضاء الدائمة العضوية لا رأي لها في مواضيع تتعلق بالأمن والسلم الدوليين مثل اتفاقية نووية؟» يتساءل المسؤول الأميركي.

ويتابع المسؤول أنه، على كل حال، فإن إدارة الرئيس ترامب لا يهمها موقف مجلس الأمن، فالعقوبات الأميركية أظهرت أنه من دون واشنطن، لا قيمة للمجلس ولا للاتفاقية، وهي عقوبات أدت لانهيار الاقتصاد الإيراني، وأظهرت عدم قدرة العالم على إنقاذه، وهو ما يؤكد أن لا قيمة لاتفاقيات دولية لا تحظى باجماع القوى الكبرى.

«فعلياً، الأمم المتحدة هي التي صارت معزولة وغير قادرة على التأثير في وضع الاقتصاد الإيراني أو الاتفاقية، وبما يعنينا نحن في الولايات المتحدة، فلقد لجأنا إلى الآليات القانونية الواضحة لنسفها، وصارت باطلة قانوناً بالنسبة لوكالاتنا الفيديرالية، وهو ما نتوقع من مؤسسات الأمم المتحدة وحكومات العالم القيام به، تحت طائلة أن تطولها نفس العقوبات المفروضة على إيران في حال تعاملها مع الإيرانيين»، يختم المسؤول الأميركي كلامه.

وفي خضم النقاش، يدرك الأميركيون من الحزبين، الجمهوري والديموقراطي، أن ما يهم في الاتفاقية النووية هو موقف أميركا منها، لا البهلوانيات القانونية التي قد تتبناها بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

وصوّر بايدن قراره القاضي بالعودة إلى الاتفاقية بالقول إن أميركا معزولة دولياً بسبب موقفها من إيران والاتفاقية، لكنها عزلة لا يشعرها الأميركيون وسيحتاج بايدن إلى حجج أكثر اقناعاً للأميركيين قبل أن يقوم برفع عقوبات عن دولة يهاجم مسؤولوها الولايات المتحدة بشكل متواصل.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2020

ترامب في انتظار «مفاجأة أكتوبر»... لتنقذه انتخابياً

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لم يعد أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلا التمسك بالخرافات على أمل الفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، إذ تظهر كل استطلاعات الرأي تقدماً شاسعاً لا لبس فيه لمنافسه الديموقراطي، نائب الرئيس السابق، جو بايدن، حتى أن مجلة «ايكونوميست» البريطانية العريقة ترجح فوز بايدن بالرئاسة بنسبة 86 في المئة، مقابل 14 في المئة فقط لترامب.وفي التقاليد الانتخابية الأميركية، فإن شهر أكتوبر غالباً ما يحمل مفاجأة تؤدي لقلب المشهد الانتخابي وتالياً فوز من كان متأخراً شعبياً، ففي العام 2016، شكّلت الرسالة التي وجهها مكتب التحقيقات الفيديرالي (أف بي آي) إلى الكونغرس لإبلاغه بإعادة فتح التحقيقات في موضوع استخدام المرشحة الديموقراطية وزيرة الخارجية السابقة لبريد إلكتروني خاص لتسيير أعمالها الحكومية «مفاجأة أكتوبر»، التي تصر كلينتون أنها كلفتها انتصاراً كان محققاً لمصلحتها في الانتخابات.
وكأن استطلاعات الرأي التي تظهر تفوق بايدن عليه لا تكفي، إذ يعاني ترامب من أزمة مالية بسبب شح التبرعات، وهو ما دفعه إلى القول إنه قد يضطر لتمويل الحملة من ماله الخاص، وهو الوعد الذي كان قطعه الرئيس الأميركي أثناء حملته الانتخابية الأولى قبل أربعة أعوام، ليتراجع عنه فيما بعد ويلجأ إلى التبرعات في تمويل حملته.
وكان موت القاضية في المحكمة الفيديرالية العليا، روث بادر غينسبورغ، عاد على حملة بايدن بتبرعات حطمت كل الأرقام القياسية، وبلغت 43 مليوناً في أقل من 48 ساعة، أي أن المانحين أغدقوا على الديموقراطيين ما يقارب المليون دولار في الساعة، وهو ما سمح لبايدن بمواصلة الإنفاق على دعايته الانتخابية، عبر وسائل الإعلام، بنسبة اثنين إلى واحد مقارنة مع ترامب. 
وكان لافتاً أن استطلاعات الرأي أظهرت تفوق بايدن بين البيض، المحسوبين تقليدياً على الجمهوريين وترامب. 
ويشكل البيض نسبة 77 في المئة من عموم الأميركيين، ويشكلون أكثر من 80 في المئة من نسبة المقترعين. 
وكان ترامب تفوق بين البيض بنسبة سبعة في المئة على كلينتون، في العام 2016، لكن اليوم تظهر استطلاعات الرأي تخلّفه عن منافسه الديموقراطي بواقع نقطتين.
ويعزو الخبراء تدهور شعبية ترامب بين البيض إلى أدائه في مكافحة انتشار وباء كورونا المستجد، وهو الوباء الذي حصد أرواح الآلاف من الأميركيين البيض المتقاعدين ممن يسكنون في دور عناية مخصصة لهم. 
وتظهر استطلاعات الرأي أن نسبة المقترعين بين البيض ترتفع مع التقدم في السن، ما يعني أن المتقاعدين هم الشريحة الأكبر بين الناخبين البيض، وهم قلّما يقترعون لأسباب حزبية فحسب، بل غالباً لأسباب مصلحية، مثل الحفاظ على صناديق الرعاية الاجتماعية، الصحية منها والمخصصة لتعويضات ورواتب المتقاعدين. ويبدو أن هؤلاء البيض المتقدمين في السن أهالهم أداء ترامب الذي أدى الى وفيات كثيرة في صفوفهم، فانقلبوا ضده لمصلحة منافسه بايدن.
مشكلة ثانية يعاني منها ترامب تكمن في اعتماد فئات واسعة من المتقدمين في السن على التصويت عبر البريد، خصوصاً في زمن كورونا المستجد، الذي يدفع غالبية الناخبين الى الإحجام عن التوجه إلى صناديق الاقتراع المكتظة والتي قد تتسبب بالتقاطهم عدوى الفيروس. لكن ترامب دأب على التشكيك بنزاهة التصويت بالبريد لاعتقاده أن الديموقراطيين يعتمدون عليه أكثر من الجمهوريين، وهو أمر قد يكون صحيحاً قبل كورونا إذ إن ناخبي الجمهوريين هم من فئات اجتماعية أعلى دخلاً تسمح لهم بالذهاب للاقتراع، فيما مؤيدو الديموقراطيين هم من العاملين ممن يصعب عليهم تعطيل أعمالهم للاقتراع.
ولعِلمهِ بالتباين، راح ترامب يشكك بنزاهة الاقتراع عبر البريد، بل قام بتعيين موالٍ له مديراً للبريد الوطني، وقام الأخير بمحاولة إبطاء البريد للتأثير على عملية الانتخاب، فما كان من الكونغرس إلا أن أجبر المدير المُعيّن حديثاً على الإبقاء على الأمور على ماكانت عليه من دون أي تغيير إلى انتهاء العملية الانتخابية التي بدأت قبل أسبوع. 
ومع التشكيك بالاقتراع البريدي، أحجم كثيرون من المتقدمين في السن من الجمهوريين عن تقديم طلبات اقتراع بريدية، مع العلم أن غالبيتهم لن يحضروا إلى مراكز الاقتراع بسبب خطورة عدوى كورونا المستجد، وهو ما يعني أن هؤلاء المسنين من الجمهوريين لن يقترعوا أبداً، وهو ما ينتزع من أيدي ترامب أصوات كثيرة هو بحاجة ماسة إليها، خصوصاً في ولاية فلوريدا الجنوبية، التي تسكنها غالبية المتقاعدين والتي غالباً ما تلعب دور الولاية المرجّحة لهوية الفائز.
على أن الرئيس الأميركي يعوّل على قيامه بتعيين قاضية خلفا لغينسبورغ في المحكمة الفيديرالية العليا لاستنهاض تأييد البيض له. 
وقبل وفاة غينسبورغ، كان توزيع القضاة التسعة ينقسم إلى خمسة جمهوريين وأربعة ديموقراطيين، ومع استبدال الراحلة غينسبورغ بقاضية من الجمهوريين، يصبح التوزيع ستة للجمهوريين وثلاثة للديموقراطيين، وهو ما يمنح الجمهوريين تفوقاً وإمكانية الحكم وفقاً لرؤية الجمهوريين للحكم. ويكون تعيين القضاة التسعة لولاية مدى العمر، على أن غالبيتهم يخرجون إلى التقاعد، بسبب تقدمهم في السن، أثناء حكم رئيس من حزبهم للسماح باستبدالهم بخلف من الحزب نفسه.
ومن أبرز الأحكام المتنازع عليها تلك المتعلقة بنسف أو إبقاء قانون الرعاية الصحية الشاملة، المعروف بـ «أوباما كير»، والقوانين المرتبطة بالإجهاض الذي يؤيده الديموقراطيون ويعارضه الجمهوريون، والقوانين المتعلقة بالأحوال المدنية لمثليي الجنس، بما في ذلك الزواج، وهو الذي يعارضه الجمهوريون ويؤيده الديموقراطيون.
ويأمل ترامب أن يؤدي انقلاب التوازنات في المحكمة العليا إلى ارتفاع في شعبيته، خصوصاً بين البيض، وتالياً ينعش حظوظ فوزه بولاية ثانية. لكن الجمهوريين يسعون لمعرفة التوقيت الأفضل لاقتناص المقعد القضائي، فهم إن فعلوا ذلك قبل الانتخابات، قد تؤدي خطوتهم إلى تقاعس بين صفوف مناصريهم المنتشين بالانتصار، وتالياً إحجامهم عن الاقتراع، وهو ما يعطي الجمهوريين نافذة محدودة لتعيين خليفة غينسبورغ في المدة التي تلي الانتخابات وقبل بدء الولاية الرئاسية المقبلة في منتصف يناير المقبل. 
وكانت عملية تعيين القاضي بريت كافاناه، خلفاً للقاضي انتوني كينيدي المستقيل، أثارت زوبعة سياسية سبقت الانتخابات النصفية في العام 2018، وهي انتخابات أدت لانتصار ديموقراطي ساحق وخسارة مدوية للجمهوريين كلفتهم سيطرتهم على مجلس النواب في الكونغرس. ويخشى الجمهوريون أن تؤدي عملية الموافقة على خلف لغينسبورغ في مجلس الشيوخ إلى «سيرك سياسي» مشابه لما جرى مع كافاناه، وتالياً يساهم في المزيد من الضعف الانتخابي لهم قبل أقل من ستة أسابيع على موعد الانتخابات.

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2020

عزم أميركي على مزيد من العقوبات ضد إيران و«حزب الله»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قالت مصادر أميركية رفيعة المستوى إن واشنطن عازمة، في الأشهر الثلاثة المقبلة، على تكثيف العقوبات المالية التي تفرضها تباعاً على إيران و«حزب الله» اللبناني.ويعتقد المسؤولون في الإدارة الحالية أن العقوبات هي «ضمانة»، أنه في حال لم يفز الرئيس دونالد ترامب بولاية ثانية في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، فإن عدداً كبيراً من العقوبات سيبقى، حتى في حال وصول المرشح الديموقراطي، نائب الرئيس السابق، جو بايدن إلى البيت الأبيض.
وكان بايدن كتب في مقالة على موقع شبكة «سي أن أن» أنه ينوي الانضمام مجدداً إلى الاتفاق النووي مع إيران، المكرّسة بقرار مجلس الأمن رقم 2231، وهو ما يعني رفع العقوبات الأميركية المفروضة على إيران بالتزامن مع قيام إيران بالعودة إلى ما قبل مايو 2017، وتخفيض نسب تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون الإضافي الذي راكمته منذ أن أعلن ترامب أن واشنطن في حِلٍ من الاتفاق الدولي مع طهران.
على أن رفع العقوبات الأميركية عن دولة إيران لا يعني رفع كل ما أعاد فرضه ترامب، فالرئيس الأميركي كان أعاد العقوبات التي تم تعليقها على دخول الاتفاق مع إيران حيز التنفيذ مطلع العام 2016، لكنه لم يكتف بإعادة العقوبات التي كانت معلّقة، بل دأب منذ تاريخه على فرض عقوبات جديدة، منها استهداف الحرس الثوري الايراني وتصنيفه تنظيماً إرهابياً، والبعض الآخر منها استهدف قطاع الصواريخ البالستية الإيرانية وقطاعات أخرى.
أما العقوبات على «حزب الله» اللبناني، فهي مستندة إلى قوانين مكافحة الإرهاب، وهي بمثابة إجراءات إدارية لا تتأثر بالقرارات السياسية أو بالهوية الحزبية للرئيس في البيت الأبيض، وهو ما يعني أنه بغض النظر عمّا يحصل مع إيران، فإن العقوبات الأميركية على «حزب الله» وحلفائه في لبنان باقية حتى إشعار آخر.
كذلك، لا تتأثر، في حال انتخاب بايدن رئيساً وعودته الى الاتفاق النووية مع إيران، العقوبات التي فرضتها واشنطن على الدولة السورية، إذ هي عقوبات تم فرضها بموجب «قانون قيصر»، الذي حاز على إجماع في الكونغرس.
ويعتقد المسؤولون في إدارة الرئيس ترامب أن رفع العقوبات عن إيران، خصوصاً عن قطاعات نووية أو صاروخية أو تلك التي تتعلق بتمويل الإرهاب، ليس أمراً سهلا، وسيكبد من يقوم برفعها بتكلفة سياسية كبيرة في العاصمة الأميركية، و«سيكون على نائب الرئيس السابق، بايدن، تبرير سبب تعليق العقوبات على بعض القطاعات الإيرانية، وهو أمر معقد، خصوصاً إن راحت ايران تتظاهر بأنها انتصرت على أميركا، وهو ما يجبر أي رئيس، حتى بايدن، على التريّث وربما عدم رفع العقوبات أبداً»، بحسب المصادر. 
ويشير المسؤولون إلى أن الاتفاق النووية مع إيران تم تصميمها على أساس أنها مدخل لتسوية أكبر، لا على أنها التسوية النهائية، وفي هذا السياق، تم تضمين الاتفاق تواريخ نهاية صلاحية لمعظم بنودها، مثل نهاية حظر السلاح في 18 أكتوبر المقبل، ونهاية القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم بعد سنوات.
واعتقدَ أوباما، حسب المسؤولين، أنه «في الوقت الذي يحل موعد نهاية صلاحية بنود الاتفاق، تكون إيران قد أصبحت في مصاف الدولة الراشدة والحليفة للعواصم الغربية، وهو ما يعيد الثقة معها ويسمح بنهاية حظر السلاح عليها ونهاية مفاعيل القيود الأخرى».
لكن السنوات مرّت منذ إقرار الاتفاق، ولم تتحسن العلاقة الأميركية مع إيران، بل هي ساءت، حتى في زمن أوباما، إذ مضت إيران في تجاربها على الصواريخ البالستية وهو ما أحرج أوباما، وأعطى ترامب فرصة لإقناع الأميركيين بأن الاتفاق قاصرة والأفضل التخلص منها. 
اليوم، تراهن طهران على وصول بايدن إلى البيت الأبيض حتى يقوم برفع العقوبات الأميركية، وهو ما يمدّها بالمال، وهو ما ينعش بدوره التنظيمات المرتبطة بطهران، مثل «حزب الله» اللبناني. لكن بايدن سيواجه صعوبة في رفع كل العقوبات المفروضة على إيران، خصوصا التي فرضتها وكالات حكومية فيديرالية على طهران لأسباب غير سياسية. 
ويتطلب فرض عقوبات بموجب قوانين مكافحة تمويل الإرهاب، مثل المفروضة على «حزب الله»، مصادقة أربع وكالات فيديرالية عليها، هي وزارات الخزانة والخارجية والدفاع والعدل، وهو ما يجعل من عملية رفعها عملية معقدة مثل فرضها. أما العقوبات المفروضة على دولة إيران، بموجب قوانين من الكونغرس، فغالبيتها عقوبات بمراسيم تشريعية صادرة عن البيت الأبيض بالاستناد الى قوانين من الكونغرس، وهذا النوع من العقوبات يمكن تعليقه بسهولة أكبر وبقرار معظمه سياسي ومتعلق بالرئيس وفريقه.
أما عن الأمم المتحدة، فيعتقد المسؤولون في إدارة الرئيس ترامب أنه على عكس ما تحاول طهران وبعض عواصم العالم إظهاره، لناحية أن الولايات المتحدة معزولة ولا أصدقاء لها، الواقع هو أن مجلس الأمن هو العاجز عن تجاوز العقوبات الأميركية على إيران، والتي تسببت بشبه انهيار اقتصادي للإيرانيين. 
وترى المصادر الأميركية أنه إذا كانت العقوبات الأميركية بلا فائدة، فلماذا عمدت إيران إلى تجاوز الاتفاق النووية، إلى درجة أحرجت مؤيدي الاتفاق في مجلس الأمن، ودفعتهم الى عقد لقاء، بلا ممثلين عن واشنطن، لحض طهران على التراجع والتزام بنود الاتفاق النووية. إلا أن طهران لم تتراجع، وهو ما يشي أن الطرف الذي لا يؤثر في مجريات الاتفاق أو العقوبات هم روسيا والصين والدول الأوروبية الثلاثة، فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
ويستطرد المسؤولون الأميركيون بالإشارة الى أن أوروبا «لا يهمها التهديد النووي الإيراني أو نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار»، بل ينحصر اهتمامها بالحفاظ على العقود التي كانت وقعتها مع الإيرانيين على إثر دخول الاتفاق النووية حيز التنفيذ. 
وكانت شركة «إيرباص» العملاقة للطيران، وهي شركة ألمانية - فرنسية ومحركاتها بريطانية، فازت بعقد بقيمة 25 مليار دولار، فيما فازت شركة الطاقة الفرنسية «توتال» بعقد لتطوير حقل بارس للغاز وضخ ما يوازي 400 ألف برميل يومياً.
وكما في أوروبا، كذلك في أميركا، حيث فازت شركة «بوينغ» بعقدين مع إيران بقيمة 25 مليار دولار، وهو ما يدفعها وعددا من الشركات الأميركية الى الضغط لعودة واشنطن الى الاتفاق النووية ورفع العقوبات عن إيران.

التحامل على السعودية

حسين عبدالحسين

في افتتاحيتها التي حملت عنوان "سلام ترامب في الشرق الأوسط جيد، ولكنه ليس جيدا بما فيه الكفاية"، كتبت صحيفة نيويورك تايمز أن تهديد إسرائيل بضم غور الأردن "لم يكن الدافع الخفي الوحيد في اتفاقيات" التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين. "إسرائيل والسعودية والإمارات ـ وإدارة ترامب ـ متحدون في عداءهم لإيران"، حسب الصحيفة.

لم توقّع السعودية حتى الآن على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولا هي كانت ممثلة في البيت الأبيض، مع ذلك، أقحمتها الصحيفة الأميركية في الموضوع، بل اعتبرت أن السعودية تعادي إيران، أي أن إيران هي الضحية. لا يهم الصحيفة أن النظام الإيراني أحرق السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد، في اعتداء تجاوز كل القوانين الدولية المخصصة لحماية البعثات الدولية. بعدها بسنوات، ضرب نظام إيران منشآت نفطية في السعودية، في وقت واصلت طهران تزويد ميليشيا الحوثيين الإنقلابية في اليمن بصواريخ تستهدف بها الأراضي السعودية. مع ذلك، ترى الصحيفة الأميركية أن السعودية هي المعادية وإيران هي الضحية.

لم تكن نيويورك تايمز وحيدة في تحاملها على السعودية. أثناء التغطية المباشرة لحفل توقيع السلام الإماراتي والبحريني مع إسرائيل، تحدثت مقدمة البرامج على قناة "أم أس أن بي سي" أندريا ميتشيل عن جريمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي. ما علاقة خاشقجي بتوقيع الإمارات والبحرين سلاما مع إسرائيل؟ أين ذهبت المهنية الإعلامية؟

التحامل على السعودية بين بعض الأميركيين، خصوصا من الحزب الديمقراطي، الذي يبدو أن دوائر السياسة الخارجية فيه ترزح تحت سيطرة ونفوذ "أصدقاء إيران" في واشنطن، لم يعد سرا، ولم يعد التناقض في سياسة الحزب تجاه كل من إيران والسعودية خافيا. هو تناقض أكثر من عبّر عنه المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة السناتور بيرني ساندرز، الذي دأب إلى الدعوة إلى رفع العقوبات الأميركية الأحادية المفروضة على إيران، والعودة للاتفاقية النووية معها. ساندرز يقول إنه يريد أن تترك أميركا العالم وتهتم بشؤونها الداخلية. عظيم. لكن ساندرز اقترح عدد من القوانين في مجلس الشيوخ ضد السعودية، وهو لا يترك فرصة إلا ويوجه انتقادات لاذعة للمملكة. لماذا يريد ساندرز الاتفاق مع إيران واستعداء السعودية؟

من يعرف العاصمة الأميركية يعلم أن في العقدين الماضيين، ساق المسؤولون والخبراء الأميركيون ثلاثة انتقادات ضد السعودية: الأول أن المملكة ترعى انتشار الإسلام السياسي حول العالم، والثاني أن السعودية تعاني من تقدم سنّ حكامها، وهو ما يضعف قدرتها على إصلاح دولتها التي تعاني التضخم وعدم الفاعلية، فضلا عن شكوك حول عملية الخلافة فيها، والثالث أنها كثيرة الاتكال على الولايات المتحدة في موضوع دفاعها عن أمنها.

تسلَم الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم، ومعه نجله محمد، الذي صار وليا للعهد، وصار مصمما على تبني النموذج الإماراتي، أي رفع مقاييس الحوكمة الرشيدة إلى أقصى حدود، وهو ما من شأنه أن يرفع من فاعلية الدولة وينشّط اقتصادها ويفك ارتباطه عن عائدات النفط. في الوقت نفسه، أظهر الملك وولي عهده عزما ضد الإسلام السياسي، حتى أن قطبي الإسلام السياسي تركيا السنية وإيران الشيعية، سعيا للطعن في إسلامية السعودية للانتقاص من مكانتها. ثم أن قيام السعودية بشن حرب أضعفت فيها تهديد إيران الحوثي على حدودها الجنوبية أظهر أن السعوديين لا يحتاجون أن يقاتل الأميركيون عنهم للدفاع عن بلادهم.

مع ذلك، يمضي أميركيون، غالبهم من الديمقراطيين وأبرزهم الرئيس السابق باراك أوباما، في تقديم مقارنات بين إيران والسعودية تُظهِر وكأن إيران دولة عاقلة واعدة ذات نظام ليبرالي وحريات، فيما السعودية قروسطوية متخلفة، لا بد من التخلص من صداقتها.

على أن أي مقارنة بين السعودية وإيران تشي بأن الدولتين ـ كما تركيا وروسيا والصين وباقي دول العالم غير الغرب واليابان وكوريا الجنوبية ـ ليستا من الديمقراطيات الليبرالية. لكن إن وضعنا طبيعة نظامي الحكم في السعودية وإيران جانبا، يبقى موضوع الحوكمة الرشيدة والحياة الكريمة، وهنا تتفوق السعودية على إيران بما لا يقاس. السعودية هي حيث يذهب الناس للعمل وجني الرزق وبناء العائلات، فيما إيران هي الدولة التي تهاجر منها العائلات بسبب الفساد المدقع، والفقر، وانتشار ثقافة الشهادة والموت، في حرب أو بلا حرب.

ويمكن سؤال أي سوري أو لبناني أو فلسطيني أو مصري أو تونسي، إلى أين يهاجرون للبحث عن حياة أفضل؟ أيهاجرون إلى السعودية ودول الخليج؟ أم إلى إيران؟ والإجابة المؤكدة هي الخليج، على الرغم أن إيران تتمتع باحتياطات نفطية وغازية تضاهي نظيرتها الخليجية.

كذلك، يمكن سؤال العرب ممن بقوا في بلدانهم: أي من الحكومتين ساعدت دولهم اقتصاديا، الرياض وعواصم الخليج أم طهران؟ على مدى العقود الماضية، مثلا، أنفقت السعودية والكويت والإمارات وقطر مئات ملايين الدولارات على لبنان: أودعت عملة صعبة في المصرف المركزي لتثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار. موّلت مشاريع بنية تحتية وصوامع قمح ومنح تعليم. ماذا فعلت إيران؟ موّلت دويلة وميليشيا لبنانية تقسم الولاء لحاكم إيران بدلا من دولة لبنان، وسلّحت الميليشيا بترسانة هائلة، وأنفقت على حروبها في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

أن يقول أوباما إن إيران دولة ذات حضارة وتعرف مصالحها وحسابات الربح والخسارة، وإن الخليج سبب التأخر الحضاري والتطرف هو قول يجافي الحقيقية وينم عن برنامج سياسي منحاز، وهو برنامج ما تزال منطقة الشرق الأوسط تعاني منه، لكن الواقع يعاكسه: الحياة كريمة في السعودية والخليج والفقر والبؤس في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة.

الخميس، 17 سبتمبر 2020

ترامب يعتبر الأميركيين اليهود... إسرائيليين: نحن في الشرق الأوسط بسبب بلدكم

واشنطن - من حسين عبدالحسين

فجّر الرئيس دونالد ترامب سلسلة من المواقف التي هزت الأوساط السياسية في العاصمة الأميركية، وذلك أثناء مخابرة هاتفية مع أميركيين يهود اعتبر فيها أن بلد هؤلاء اليهود هو إسرائيل، بدلاً من الولايات المتحدة، وهي واحدة من المواقف التي تثير حنق اليهود ويصفونها بـ «معاداة السامية»، كما توجه ترامب إليهم بالقول إن القوات الأميركية منتشرة في الشرق الأوسط بسبب إسرائيل.

وفي اليوم الذي تلى توقيع اتفاقية سلام في البيت الأبيض وبرعاية ترامب بين إسرائيل، من جهة، والإمارات والبحرين، من جهة ثانية، وهو الاتفاق الذي سعى ترامب عبره إلى نيل رضى وأصوات الناخبين الأميركيين اليهود، أطل على مجموعة من قيادات المجموعات الأميركية اليهودية في الاتصال الذي يقوم به الرؤساء الأميركيون تقليدياً للمعايدة مع اقتراب موعد حلول رأس السنة اليهودية.
لكن ترامب فاجأ الأميركيين اليهود بالتوجه إليهم بالقول «نحن نقدّركم فعلياً»، مردفاً «نحن نحب بلدكم كذلك»، في تعبير أظهر وكأن الرئيس الأميركي لا يعتبر أن اليهود الأميركيين أميركيون، بل إسرائيليون. لذا، مضى في إغداق المديح على إسرائيل، مطالباً الأميركيين اليهود في المقابل بالاقتراع له لولاية ثانية في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. 
وتصريح ترامب هذا يشبه تصريحاً مماثلاً كان أدلى به قبل عامين، وأثار حنق اليهود، وحمل بعضهم إلى التذكير به، أول من أمس، على إثر توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض، وكان منهم السفير الأميركي السابق إلى إسرائيل داني شابيرو، الذي نقلت «الراي» تصريحاته في هذا السياق في عددها الصادر أمس الخميس.
هذه المرة، توسّع ترامب في آرائه التي تعكس اعتقاده أن الأميركيين اليهود ليسوا أميركيين، بل إسرائيليين، وتوجه إليهم بالقول إن «كل ما يمكنكم فعله في ما يتعلق بالثالث من نوفمبر»، لناحية تقديم التبرعات المالية لحملة ترامب الانتخابية الرئاسية والادلاء بأصواتهم لمصلحته، «سيكون مهماً للغاية»، لأننا إذا لم ننتصر «في هذه الانتخابات فإن إسرائيل ستكون في ورطة كبيرة». وأضاف ترامب: «هذا حقاً وقت مهم جداً في حياة إسرائيل وسلامة إسرائيل… وسنقوم بعمل رائع». وحذّر الأميركيين اليهود من مغبة التبرع لحملة منافسه الديموقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن أو الاقتراع له، واعتبر أنه «إذا فاز الجانب الآخر، فكل الرهانات ستنهار، وأعتقد أنها ستكون قصة مختلفة تماما. أعتقد أن ما سيحصل (لإسرائيل) سيكون عكس ذلك تماماً».
كما قام ترامب بتضخيم حجم المساعدة الأميركية السنوية إلى إسرائيل، والبالغة 3,8 مليار دولار، وقال إنها تبلغ 4,2 مليار، ونسب إلى نفسه فضل زيادتها إلى هذا القدر، مع أن الزيادة، التي يتم إقرارها في الكونغرس مرة كل عشر سنوات، حصلت بطلب من الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي حاول ترامب وصف سياسته بأنها كانت معادية لإسرائيل.
وتابع الرئيس الجمهوري: «أتذكر أن بيبي (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) جاء متوسلاً (أوباما)، متوسلاً إياه إلى نقطة الإذلال، أن من فضلك لا تبرم الاتفاقية (النووية) مع إيران، لكن (أوباما) فعل ذلك». وتابع ترامب مستغرباً: «مع ذلك فإن الديموقراطيين يحصلون على 75 في المئة (من أصوات الأميركيين اليهود)».
وحض الرئيس الأميركي، المستمعين على تغيير موقفهم منه والاقتراع لمصلحته، وقال: «آمل أن تتمكنوا من القيام بعمل أفضل، آمل أن نتمكن أن شرح للناس ما يحدث». 
وأضاف: «هذا يدهشني حقاً، ويجب أن أخبركم لأنني رأيت استطلاعاً في الانتخابات الأخيرة، حصلت فيها على 25 في المئة من أصوات اليهود، وقلت انظروا إلي، لدي صهر يهودي وابنة يهودية، ولدي أحفاد جميلون من اليهود… ولدي كل هذه الإنجازات المذهلة». 
وختم الرئيس الأميركي: «أنا مندهش لأنه يبدو أن أصوات اليهود تذهب للديموقراطيين بشكل شبه تلقائي».

ترامب أم بايدن؟ عرّافو البيرو منقسمون

ليما، واشنطن - رويترز - استخدم عرافون في البيرو، البخور والزهور وصوراً للرئيس دونالد ترامب وخصمه الديموقراطي جو بايدن، لإقامة طقوس متوارثة للتنبؤ بمن سيفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية في الثالث من نوفمبر المقبل... إلا أنهم اختلفوا على الفائز. ارتدوا ملابس متعدّدة الألوان وأنشدوا الأهازيج ونفخوا آلة موسيقية تقليدية وتوجهوا بالدعاء إلى (باتشاماما)، أي الأرض الأم، كي تسير الانتخابات في أجواء سلمية من دون هجمات أو سحر أسود بين الخصمين. وقالت آنا ماريا سيميون، أستاذة العرافين خلال الطقوس التي أقيمت في غرفة خافتة الإضاءة بمبنى قديم في وسط العاصمة ليما، إنها تميل إلى بايدن.
وأضافت آنا، التي كانت تتدلى القلادات من عنقها: «لهذا نطهّره... رأيناهم يهاجمونه بأعمال سحر، بتعويذة على شكل دمية يظللونها لإزاحته». وخلال الطقوس وضع العرافون نباتات طبية وفاكهة وثعباناً حياً فوق صور ترامب وبايدن.
وحمل كبير العرافين، بابلو توريس، الثعبان على كتفه بعد أن بخ سائلاً غريباً من فمه على صورة ترامب وتمتم «طاقات إيجابية للسيد دونالد ترامب».
وأضاف «لماذا؟ لأنه يستحق، يحتاج طاقات إيجابية ومشاعر صادقة من أنصاره... نؤيد هذا الرجل الفاضل. سيفوز. إنه فائز».
وفي واشنطن، قال ترامب، إن الأميركيين لن يتمكنوا من معرفة نتائج تصويت دقيقة في الانتخابات بسبب إرسال بطاقات الاقتراع بالبريد للناخبين.

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

الأميركيون يحدّدون مبدئياً دول «التطبيع» المرتقبة والديموقراطيون يقتنصون بعض الرصيد... لبايدن

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تناقلت أوساط السياسة الخارجية في واشنطن، لائحة بأسماء الدول العربية الست، التي أشار إليها الرئيس دونالد ترامب قبيل توقيع اتفاقيتي السلام بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين في البيت الابيض مساء الثلاثاء، والتي تستعد لتوقيع اتفاقيات مماثلة مع إسرائيل. وان سارت الديبلوماسية الأميركية حسب المأمول، سيبلغ عدد الدول العربية التي تتمتع باتفاقيات سلام مع إسرائيل، 10 من الدول الأعضاء في الجامعة العربية. كما تعمل واشنطن على حضّ ماليزيا ومالي والنيجر، وهي دول أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، على توقيع اتفاقيات سلام، ما من شأنه أن يرفع عدد الدول الإسلامية التي تتمتع بعلاقات ديبلوماسية مع إسرائيل من 27 حالياً، الى 38 من الدول الـ 56 الأعضاء. 
وفي وقت يعتقد البعض أن اتفاقيتي السلام تحسنان من شعبية ترامب لولاية رئاسية ثانية، قبل 46 يوماً من موعد الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، أشار يهود أميركيون في «مجلس اليهود الديموقراطيين» الى أن استطلاعات الرأي تشير الى تقدم المرشح الديموقراطي ونائب الرئيس السابق جو بايدن بنسبة 41 نقطة مئوية في صفوف اليهود الأميركيين، الأرجح بسبب الغزل السياسي الذي يلجأ اليه ترامب عادة تجاه المتطرفين البيض، ذوي النزعات النازية المعادية للسامية. 
كذلك، لا يغفر اليهود الأميركيون توجه ترامب إليهم قبل سنتين بالقول إنه رغم سياساته المنحازة لإسرائيل، إلا أنهم لا يؤيدونه لأنهم «خونة»، وهو اتهام يندرج كذلك في باب معاداة السامية والتحريض ضد اليهود. 
ولفت اليهود الديموقراطيون الى أن سياسة ترامب تضعف الموقف الاسرائيلي في الولايات المتحدة، اذ لطالما كان التأييد الأميركي من الحزبين. 
وعقد «مجلس اليهود الديموقراطيين» ندوة عبر الانترنت شارك فيها من القدس، دان شابيرو، السفير الأميركي لدى إسرائيل أثناء حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي قال: «لا تستهينوا باتفاقيات السلام هذه، فهي الأولى بين اسرائيل ودول من مجلس التعاون الخليجي، وهي الثالثة والرابعة مع الدول العربية بشكل عام، وأنا هنا في إسرائيل والعديد من الإسرائيليين متحمسون لقبولهم كجيران في الشرق الأوسط». 
وأشار الى «المجالات الجديدة للتعاون بين إسرائيل والعرب في الأوساط الأكاديمية والتجارية والتكنولوجيا، وخاصة في الإمارات، حيث يوجد قطاع خاص مهم للغاية». 
وأضاف شابيرو انه، لأهميتها، عندما تم الإعلان عن الاتفاقية قبل نحو شهر، رحب بايدن بها. 
وحاول شابيرو اقتناص بعض الرصيد السياسي من الاتفاقيتين للمرشح الديموقراطي. وقال من ناحية ثانية، إن السلام الاسرائيلي مع دول الخليج يمكن أن يكون مختلفاً عن «السلام البارد» مع مصر والأردن. 
كما حاول شابيرو الانتقاص من دور ترامب في التوصل الى الاتفاقيتين، واعتبر أنهما «وقعتا في حضنه قبل أسابيع قليلة من الانتخابات»، معتبرا أن فكرة الرئيس الجمهوري الأساسية كانت «ضم إسرائيل أحاديا لمناطق في الضفة الغربية، وما حدث هو أنه في يونيو قال (السفير الاماراتي في واشنطن) يوسف العتيبة إنه، إما التطبيع أو الضم، وكان على الإسرائيليين الاختيار. ولحسن الحظ اتخذ الإسرائيليون الخيار الصحيح».واعتبر شابيرو أنه إذا قامت إسرائيل بتطبيع علاقاتها مع كل الدول العربية، «وهو يوم آمل أن يأتي، لكن ذلك لن يحل بعد قضايا الأمن مع الفلسطينيين، لذا، فان ما آمل أن نراه هو محاولة استخدام هذه الاتفاقات وتطبيع العلاقات كأساس لتوليد زخم جديد على المسار الفلسطيني - الإسرائيلي». 
وختم بالقول إن «هذه ليست خطة ترامب… خطة ترامب هي إقامة دولة واحدة، بلا دولة فلسطينية».
من جهتها، قالت الأميركية اليهودية الباحثة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى دانا سترول، إنها «تناولت الغداء مع صديق في الحكومة الإسرائيلية كان يسافر بانتظام إلى عواصم الخليج، وما قاله لي، أن الحوار مع الخليجيين يختلف عما لدينا مع الأردن ومصر، اذ لا يوجد ماض (من القتال) بيننا وبين هذه العواصم، ونحن نناقش معها إمكانات التعاون في عالم التكنولوجيا، والتمويل وما إلى ذلك». 
ومثل شابيرو، حاولت سترول أن تنسب انجاز اتفاقيتي السلام الى إدارة باراك أوباما - بايدن، وقالت أن الإدارة السابقة «كانت تضع في نقاط الكلام دائماً ما يحث الخليج على التطبيع مع اسرائيل، والجميع متفق على أن مصدر المشكلة في المنطقة هو إيران». 
وأضافت: «بعد ذلك، يمكن بناء التعاون (بين اسرائيل والخليج) على كل الأشياء الأخرى، مثل مشاركة فريق رياضي إسرائيلي في مباريات في الخليج... الإسرائيليون يستعدون للمشاركة في كأس العالم في الدوحة (في حال تأهلوا للنهائيات)، كما في معرض دبي العالمي».
وتابعت شابيرو: «إذا استمعتم لـ (رئيس حكومة اسرائيل بنيامين) نتنياهو في خطابه (الثلاثاء)، لوجدتم أن كلمة فلسطينيين لم ترد ولا مرة واحدة، فيما ان استمعت إلى وزير الخارجية الإماراتي (الشيخ) عبدالله بن زايد، فقد ذكر كلمة فلسطينيين مرات عدة، وتحدث باللغة العربية، وكان يربط بوضوح بين هذه الاتفاقية وقدرة الإمارات على تحسين الوضع الفلسطيني، وهو الأمر الذي بدأ مع نجاح الإمارات في وقف عملية الضم الإسرائيلية الأحادية».
وعن عدم لقاء نتنياهو وبايدن، قالت دانا إنها ليست متفاجئة لأن بايدن لم يكن أصلاً في واشنطن، «وحتى لو كان، فان الديموقراطيين يسعون الى تكريس أن في البلاد رئيس واحد وادارة واحدة، على عكس ما فعل ترامب على اثر انتخابه في العام 2016 وقبل دخوله البيت الأبيض، حيث راح يتحاور وحكومات العالم من دون علم إدارة أوباما، التي كانت ما زالت في الحكم، وهو ما يتنافى وأصول الديموقراطية».
في سياق آخر، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في مؤتمر صحافي مشترك، أمس، مع نظيره البريطاني دومينيك راب، إن واشنطن ستواصل جهودها «لمنع رفع حظر السلاح المفروض على إيران».
وشدد بومبيو على أن «إيران ما زالت أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم... إيران أنفقت أموالاً طائلة على الميليشيات الشيعية في المنطقة»، مضيفاً: «سنعيد تفعيل نظام العقوبات على إيران».
من جهته، أكد راب «يجب عدم السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي»، مضيفاً: «نتشارك مع واشنطن الموقف نفسه بشأن إيران».

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

خطة أميركا في لبنان والعراق ضد الميليشيات ... والمبادرة الفرنسية «حلّ مرحلي»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قالت مصادر رفيعة المستوى في الإدارة الأميركية لـ«الراي»، إن واشنطن لا تتدخل في تشكيل الحكومة اللبنانية، وإنها تتعاون مع الحكومات على أساس سياساتها، لا أشخاصها، وأن المطلوب في لبنان والعراق دعم سيادة الدولتين والانتهاء من الدويلات التي تختبئ خلفهما لممارسة العنف محلياً وعالمياً واستخدام نظامي البلد الاقتصاديين لمصلحة إيران وميليشياتها.في العراق، أعلن رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي تسمية حاكم جديد للمصرف المركزي ومدير للاستخبارات... المطلوب هو إنهاء اختراق إيران للقطاع المصرفي العراق، ومن استخدامها بغداد على شكل «ماكينة صراف آلي» لسحب النقد الأجنبي من الاحتياطات العراقية لمصلحة النظام في إيران. وكما في العراق، حاولت الجمهورية الإسلامية التلاعب بالنظام النقدي في لبنان.
وفي العراق أيضاً، أصدر المرجعية العليا في النجف علي السيستاني بياناً، على أثر لقائه مسؤولين في الأمم المتحدة، قدّم فيه رؤيته للبلاد، والتي تضمنت«تحسين أداء القوات الأمنية بحيث تتسم بدرجة عالية من الانضباط والمهنية، وفرض هيبة الدولة وسحب السلاح غير المرخص فيه، وعدم السماح بتقسيم مناطق من البلد الى مقاطعات تتحكم بها مجاميع معينة بقوة السلاح تحت عناوين مختلفة بعيداً عن تطبيق القوانين النافذة»، وهو ما اعتبره مراقبون عراقيون وأميركيون دعوة لحل الميليشيات، وحصر استخدام القوة بالأجهزة التابعة للحكومة المنتخبة.
يقول مسؤول أميركي رفيع المستوى:«سيحاول حلفاء إيران في العراق التظاهر وكأن سلاحهم مرخص من الحكومة، وهو غير صحيح. ويمكن للسيد الكاظمي أن يكرر أن لا رخصة حكومية لتشكيل ميليشيات موالية لإيران في العراق». ولطالما أشارت الميليشيات المعروفة بـ «الحشد الشعبي» إلى أنها تشكلت بناء على فتوى «الجهاد الكفائي» الصادرة عن السيستاني، لكن مع صدور الموقف الأخير عن المرجعية الشيعية، صار من شبه المؤكد أن السيستاني يعارض استمرار بقاء «الحشد». 
وفي جولات الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، يتمحور النقاش حول تسريع انسحاب القوات الأميركية من العراق من أجل سحب ذريعة «بقاء الميليشيات الموالية لإيران». لكن الانسحاب الأميركي يتعلق بمشكلة احتمال عودة تنظيم «داعش» الى الحياة، و«هو ما أعتقد أن طهران تسعى جاهدة لفعله عن طريق تقديم دعم سري لداعش»، حسب المسؤول الأميركي.
السياسة الأميركية في العراق هي نفسها تجاه لبنان، رغم التباين في الأهمية الاستراتيجية بين البلدين، اذ ترى واشنطن في العراق دولة حليفة، فيما تعتقد أن الأمر الوحيد المطلوب في لبنان هو عدم تحوله الى «دولة فاشلة» تصدّر الإرهاب واللاجئين. هذا التباين هو الذي سمح للمسؤولين الأميركيين بالتهاون مع طلب نظرائهم الفرنسيين مهلة حتى تجرّب باريس حظّها في محاولة تغيير في الوضع اللبناني.
الرؤية الفرنسية، يقول المسؤولون الأميركيون، مبنية على اعتبار أن إصلاح دولة لبنان بالتخلص من الفساد وتعزيز سلطة الدولة يساهم تلقائياً في تقويض قوة «حزب الله»، وتالياً ضبطه ومغامراته الإقليمية. 
وتتابع المصادر الأميركية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن موقفين مختلفين في زيارتيه الى لبنان، «في المرة الأولى تحدث عن تغيير جذري في العقد السياسي»، وهو ما اعتبره الأميركيون إشارة الى تعديل في البيان الوزاري اللبناني والتخلص من عبارة «الشعب والجيش والمقاومة»، التي يستخدمها «حزب الله» لتبرير الإبقاء على نفسه مسلحاً، على عكس الشرعية الدولية وقراري مجلس الأمن 1559 و1701. 
في الزيارة الثانية، لم يشر ماكرون الى تغييرات جذرية، بل اكتفى بالحديث عن إصلاحات حكومية تطول دولة لبنان ومؤسساتها، بما يعيد الثقة المالية الدولية الى البلاد ويساهم في تخفيف حدة الانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه اللبنانيون منذ سبتمبر الماضي. وقال الفرنسيون للأميركيين ان «تقوية الدولة اللبنانية يصب في نفس اتجاه تقويض دويلة (حزب الله)».
واشنطن اعتبرت أن مبادرة ماكرون جيدة، ولكنها غير كافية، بل جزئية، أي أنها تشكل جزءاً من الحل الذي تراه الولايات المتحدة للبنان، ولكنها لا تشكل حلاً مكتملاً، لذا، تابعت الإدارة الأميركية سياستها القاضية بـ «مكافحة الإرهاب وتمويله في لبنان»، وفي سياق ذلك، كان قيامها بفرض عقوبات على وزيرين سابقين من حلفاء «حزب الله»، هما علي حسن خليل ويوسف فنيانوس.
وكما تعوّل الولايات المتحدة على الرأي العام المحلي في العراق وعلى موقف السيستاني المطالب بإنهاء حالة السلاح خارج القوات الأمنية الحكومية، كذلك في لبنان، تعتقد واشنطن أنه يمكن الاستناد الى «مبادرة الحياد» الصادرة عن بطريرك الموارنة بشارة الراعي، والقاضية بتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، بما في ذلك إنهاء حالة السلاح خارج القوات الأمنية.
ولا يعتقد الأميركيون أن الطريق سهلة للتوصل الى حل لموضوع السلاح في العراق أو في لبنان، لكن «الأمور تتجه في الاتجاه الصحيح»، حسب المصادر.
أما «حزب الله»، فالأرجح أنه يعمد الى «إضاعة الوقت» كجزء من الاستراتيجية الإيرانية في انتظار خروج الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. 
صحيح أن التغيير في السياسة الخارجية الأميركية سيطول إيران، في حال انتخاب المرشح الديموقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن رئيساً، إلا أن السياسة الأميركية تجاه لبنان والعراق ستبقى في الغالب على حالها. ربما يعتقد بايدن أنه يمكنه تحقيق أهداف أميركا نفسها في العراق ولبنان عن طريق التفاوض مع إيران، لكن الأرجح أن هذه الأهداف الأميركية ستصبح صعبة المنال في حال رفع العقوبات الأميركية عن إيران، وهو ما يعطي طهران وحلفاءها قوة مالية ومادية تتيح لها مواجهة واشنطن بشكل أفضل.

الصراع مع إسرائيل خارج الإجماع العربي

حسين عبدالحسين

حتى "جامعة الدول العربية"، المنظمة التي يسخر غالبية العرب من بياناتها الخشبية الببغائية، تغيّرت، وفتحت باب السلام العربي مع إسرائيل، فيما بقي موقف القيادة الفلسطينية والنخبة عالقا في زمن "خلي السلاح صاحي" ولاءات الخرطوم الثلاث: "لا سلام مع إسرائيل، ولا اعتراف بإسرائيل، ولا مفاوضات مع إسرائيل" قبل "أن يعود كل الحق لأصحابه".

بين أعضاء الجامعة الاثنين والعشرين، عارضت التطبيع مع إسرائيل دولتان، وهما الصومال واليمن، وهما من أكثر الدول الفاشلة في العالم. حتى لبنان، الذي تحكمه ميليشيا "حزب الله"، امتنع عن التصويت لارتباط مصالح لبنان بالإمارات ودول الخليج، حيث تعمل جالية لبنانية ضخمة تشكّل الأموال التي ترسلها إلى لبنان ربع الناتج المحلي السنوي. ومثل لبنان فعلت تونس والجزائر والعراق، الذي تنتهج حكومته سياسة عدم انحياز وتسعى للتخلص من هيمنة إيران.

الدول الأربعة عشر المتبقية (عضوية سوريا معلقة)، بما في ذلك الخرطوم ـ التي تحمل اللاءات الثلاثة اسمها ـ لم تصوّت ضد التطبيع، ولا هي امتنعت عن التصويت، بل التزمت إجماعا عربيا لم يعد يرى في الصراع مع إسرائيل أولوية، بل صار يعتقد أن السلام في مصلحة العرب أكثر من المواجهة.

على عادتهم، لم يقرأ الفلسطينيون ـ القيادة والنخبة ـ الأحداث والتغيرات بشكل صحيح، بل هم مضوا في مقارعة الغالبية العربية، وهددوا بإنهاء عضوية فلسطين في الجامعة، وكأن تسجيل الموقف السياسي أهم من المصلحة الفعلية للفلسطينيين. 

لنفترض أن كل هذه الحكومات العربية متآمرة، كيف يعتقد الفلسطينيون أن بإمكانهم المضي في المواجهة فيما عدد الحكومات المؤيدة لمواصلتهم الصراع، حول العالم، لا يتجاوز عدد أصابع اليدين؟ حتى لو كان الفلسطينيون مظلومين تماما والإسرائيليون ظالمين بالكامل، كيف يمكن إحقاق الحق في جو إقليمي ودولي غير مؤات للفلسطينيين؟

المقالات الفلسطينية الصادرة في إعلام السلطة عزت التغير العربي إلى تغير في الموقف العربي الرسمي فحسب، لا الشعبي، وكأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، المنتخب مرة واحدة منذ 15 عاما، ومثله حكومة "حماس"، التي فازت في انتخابات وحيدة قبل 13 عاما فتسلمت السلطة في غزة ولم تتركها، يعكسان الآراء الفلسطينية المتعددة.

لا سبب للاعتقاد أن الشعوب العربية، لو قيّض لها الاختيار، لاختارت استمرار الصراع مع إسرائيل، بل الأرجح أن معظمها سئمت الحروب والصراعات، خصوصا التي تعيش منها في حروب سقط فيها عرب أكثر بكثير من ضحايا الصراع مع إسرائيل، مثل في لبنان وسوريا والعراق والسودان واليمن وليبيا. شعوب العرب تسعى لعيش كريم، في أمان وبحبوحة في أي بقعة على وجه الأرض، إن في لندن أو في دبي، ولا سبب يمنع أن تكون بيروت وبغداد ودمشق آمنة ومزدهرة مثل أبوظبي والرياض والمنامة والدوحة، بدلا من مواصلة صراع لم يُثمِر في الأعوام السبعين الماضية، ومن غير المتوقع أن يُثمِر في المستقبل المنظور.

ثم يأتي دور المثقفين والنخب الفلسطينية. هؤلاء تعاني حجج غالبيتهم مشاكل جمة، أولها عدم توخي الدقة، وثانيها الارتباك في فهم دور المثقف والنظر إليه بمثابة بوق يناصر الرأي السائد. في أحد المواقع الفلسطينية الأكثر حصافة، نشر "ناقد ومترجم وأكاديمي فلسطيني" مقالة عن "التطبيع الثقافي". بسهولة وبدون مقدمات، سقط المثقف المذكور في فخ الأخبار المغلوطة، فكتب أن النشيد الوطني الإسرائيلي يتهدد "أعداءه في بابل ووادي النيل بأن يجعلهم يرتعدون عندما تنغرس رماح صهيون عميقا في صدورهم". يمكن لأي باحث أن يطالع كلمات النشيد الإسرائيلي على موقع الكنيست ليرى أن هذه العبارة من نسج الخيال.

يتابع الكاتب أن مقاطعة المثقف العربي لإسرائيل مبنية على "التزام أخلاقي ثابت، وانحياز تام لا مواربة فيه لمصلحة شعبه ولقيم الحق والعدالة، من دون الالتفات إلى أي مكاسب أو خسائر" شخصية. هنا، يغرق الكاتب في عدد من التناقضات، أولها أن انحياز أي مثقف لمصلحة شعبه قد لا يكون انحيازا للعدالة. لنأخذ المثقفين الإسرائيليين الذين ينحازون لمصلحة شعبهم، ولكن لا ينحازون ـ من وجهة النظر الفلسطينية ـ للحق والعدالة. انحياز أي مثقف لشعبه ليس بالضرورة انحيازا للعدالة، بل على المثقف عدم الانحياز أبدا، واستخدام أدواته المعرفية والفكرية في الدفاع عن الرأي الذي يراه الأنسب، وقد يكون هذا الرأي موافقا لرأي غالبية شعبه، وقد يكون معارضا. هكذا هي النخبة المثقفة، وإن لم تكن كذلك، أي مستقلة في رأيها، تصبح مثل العامة، تسير في ركاب الرأي السائد، وتستخدم أدواتها الفكرية للترويج للسائد، وهذا بمثابة دعاية، لا نقاش فكري من الذي يخوض فيه المثقفون.

ثم أن المصلحة العامة ترتكز على حساب "المكاسب والخسائر"، لا على "الالتزامات الأخلاقية الثابتة". من الضروري ربط السياسات العامة بضوابط أخلاقية، ولكن تجاوز هذه الضوابط مسؤولية ناس في زمانهم، وليست مسؤولية سليليهم. مثلا، قبل أكثر من قرن، ارتكب حكام تركيا مجازرا بحق الأرمن. هذا لا يعني أن أتراك اليوم مسؤولون عما ارتكبه أجدادهم ضد أرمن الأمس. وهكذا في فلسطين وإسرائيل: معظم ناس اليوم ورثوا هذا الصراع ولم يختارونه، والحل يكون بتقديم أفضل الممكن لمستقبل واعد للجميع، لا العودة الى الماضي واستئناف الحياة الفلسطينية من حيث انتكبت، أو لا حلّ أبدا.

الصراع العربي الإسرائيلي انتهى، وإسرائيل باقية. خيارات الفلسطينيين هي إما السلام مع عيش كريم، أو لا سلام ولا عيش. أما السلام المشروط بالعودة إلى مساء 4 يونيو 1967، فسلام محكوم بموازين قوى إقليمية وعالمية غير متوفرة، ولا يبدو أنها ستتوفر قريبا، ما يترك للفلسطينيين الهتافات والشعارات، والمزيد من البؤس. أما العرب، فعاش منهم كثيرون في البؤس، وحقهم على الفلسطينيين اليوم أن يستأذنوهم ويخرجوا من الصراع، بغض النظر عمّا يقرره الفلسطينيون.

الخميس، 10 سبتمبر 2020

«غضب» وودورد... ترامب قلّل عمداً من خطر «كورونا»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

على عادته، فجّر نائب رئيس تحرير صحيفة «واشنطن بوست» المخضرم بوب وودورد، قنبلة سياسية بإصداره آخر كتبه التي تناولت إدارة دونالد ترامب، وتضمنت مقابلات مع الرئيس الجمهوري ظهر فيها، وهو يقول إنه كان يعرف أن فيروس كورونا المستجد هو «كارثة بكل المقاييس»، لكنه عمد الى التقليل من شأنه من أجل تجنيب الأميركيين «الهلع والهستيريا».وفور صدور النسخات المخصصة للإعلاميين من كتاب «غضب»، المقرّر نشره في 15 سبتمبر الجاري، راحت وسائل الإعلام توجه الانتقادات الى ترامب لمعرفته بفداحة مشكلة الوباء، ومحاولته التقليل من شأنها. وليؤكد وودورد صحة المعلومات الواردة في كتابه، قام بتزويد وسائل الإعلام بتسجيلات المحادثات، التي راحت وسائل الإعلام تبثها على مدار الساعة في نشراتها الإخبارية وبرامجها السياسية.
وجود «تسجيلات» تدين ترامب، كالتي نشرها وودورد، أعادت الى أذهان الأميركيين أشرطة التسجيل التي أجبرت المحكمة العليا، البيت الأبيض على تسليمها للقضاء في السبعينات، والتي سمع عبرها الأميركيون صوت رئيسهم الجمهوري الراحل ريتشارد نيكسون، وهو الرئيس الوحيد الذي استقال من الرئاسة خوفاً من قيام الكونغرس بالتصويت على خلعه في فضيحة «ووترغيت»، من خلال التجسس على الحزب الديموقراطي.
هذه المرة، سمع الأميركيون، ترامب، وهو يقول أن فيروس كورونا «خطير جداً»، وأنه من ناحية اللمس، يمكن توعية الناس على تفاديه، ولكن الفيروس «ينتقل بسهولة في الهواء بشكل لا يصدق».
وقال وودورد إن رئيس موظفي البيت الأبيض روبرت أوبراين عقد جلسة سرية أبلغ بها ترامب عن خطورة الموضوع في فبراير الماضي، لكن الرئيس الأميركي قال لوودورد، في مارس، إنه قام بالتقليل من شأن الفيروس حتى لا يثير الهلع بين الأميركيين، وهو تصريح حمل غالبية المراقبين الى انتقاد التباين بين ما كان يعرفه ترامب، وبين ما كان يقوله، وهو أن الفيروس «أخبار كاذبة» يبثها الديموقراطيون للنيل من رئاسته ومن الولايات المتحدة بشكل عام.
على أن الأميركيين أعربوا عن غضبهم على وودورد كذلك، بسبب إحجامه عن الكشف عن موقف ترامب والتسجيلات ابان وقوع المحادثة بينه وبين الرئيس الأميركي، واتهموه بالسعي الى الربح المالي عن طريق الإحجام عن الكشف عن الفضيحة لربطها بكتابه لزيادة المبيعات. وانتشرت تغريدة حملت هاشتاغ «وودورد كان يعرف».
وقال مراقبون إنه لو عرف الأميركيون الموقف الفعلي لرئيسهم، لربما كانوا قاموا بتوخي إجراءات حيطة وحذر أكثر صرامة لتفادي انتشار عدوى الفيروس بينهم.
أما ترامب، الذي يعاني من تدهور في شعبيته يهدد فرص فوزه بولاية ثانية في انتخابات الثالث من نوفمبر المقبل، فحاول تفادي التعليق على ما جاء في «غضب»، لكن يبدو أن التغطية الإعلامية الكثيفة أجبرته على الرد، فانخرط في صفوف مهاجمي وودورد، لكنه اعتبر أن تأخر الكاتب في النشر مرده الى أن أجوبة الرئيس كانت ”صحيحة“.
وعلى صفحته على موقع «تويتر»، كان جلياً أن سلسلة تغريدات الرئيس الأميركي ونشاطاته الإعلامية انصبت على مواقف هدفها تحسين شعبيته، من قبيل إعلان لائحة بأسماء القضاء الذين ينوي ترشيحهم في حال شغور أي من مقاعد المحكمة الفيديرالية العليا.
وفي المحكمة المذكورة تسعة قضاة معينين مدى الحياة، خمسة منهم من الجمهوريين وأربعة من الديموقراطيين. وكان ترامب قام بتعيين قاضيين، في وقت تعاني القاضية الديموقراطية روث بايدر غينسبرغ من تدهور في صحتها قد يؤدي الى شغور مقعدها، وهو ما يسمح للرئيس المقبل في البيت الأبيض - ان كان ترامب أو منافسه الديموقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن - بتعيين قاض جديد.
والمحكمة العليا هي التي شرّعت قوانين يعارضها الجمهوريون، مثل الإجهاض وزواج المثليين، وهو ما يجعلها عرضة لمعارك سياسية دائمة بين الحزبين، ويقوم كل من الحزبين بتذكير قاعدته الشعبية بأهميتها لاستنهاض الحماسة الانتخابية في صفوف المؤيدين ودفعهم للانتخاب.
وفي سياق مشابه، قال ترامب في تغريدة، أن وزارة الدفاع لن تلغي عقودها مع رجال الدين الكاثوليك الذي يقومون بتقديم ”خدمات روحانية“ لأفراد القوات المسلحة.
وعلت أصوات معترضة على العقود مع رجال الدين، معتبرة أن الأمر يتعارض والدستور الذي يفصل الدين عن الدولة، وأن أفراد القوات المسلحة يؤمنون بأديان وعقائد مختلفة، وأنه ان كان رجال الدين يتعاقدون مع الجيش، فلا بد من التعاقد مع رجال دين من كل الأديان.
في المقابل، استغل المرشح الديموقراطي للرئاسة جو بايدن مأزق ترامب وتسجيلات وودورد بالقول أثناء تجمع انتخابي في ميتشيغن، إنه «لو قام ترامب بالتصرف قبل أسبوعين فقط، لكان من الممكن إنقاذ حياة 54 ألف شخص في مارس وأبريل فقط».
وتابع ان ترامب «كان يعلم كم كان (الفيروس) مميتاً». وأضاف: «كذب على الشعب الأميركي. كذب عن دراية وعن قصد بشأن التهديد الذي كان يشكله (الفيروس) على البلاد على مدى أشهر».
وأضاف: «لقد كانت خيانة حياة أو موت للشعب الأميركي».
في سياق متصل، جدّد موقع 538 المتخصص التأكيد أنه يتوقع بنسبة 74 في المئة فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية، مقابل 26 في المئة لترامب. وأشار إلى أنه منذ انعقاد المؤتمر الحزبي للديموقراطيين، تم إجراء عشر استطلاعات للرأي، أجمعت كلها على ثبات في نسب التأييد، التي تميل لمصلحة الديموقراطي على حساب الجمهوري.
على أن الاستثناء الوحيد، حسب الموقع، هو فلوريدا، وهي ولاية متأرجحة ومتوسطة الحجم انتخابياً ولكنها غالباً ما ترجح كفة مرشح على آخر.
واعتبر الموقع أنه رغم أن فلوريدا هي جزء من منظومة «حزام الشمس» الجنوبية، إلا أنها تختلف عن الولايات المجاورة لها بارتفاع نسبة الناخبين من أصل كوبي ليبلغوا أكثر من ثلث الناخبين من أصول أميركية لاتينية.
والأميركيون من أصل كوبي يساندون الجمهوريين، بشكل ثابت، لأنهم يحافظون على الضغط على النظام القائم في كوبا، فيما يعمد الديموقراطيون الى التراخي مع هافانا والانفتاح عليها، كما حصل مع الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي كان أول رئيس أميركي يزور الجزيرة الشيوعية في التاريخ الأميركي الحديث.

الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

واشنطن... المشكلة «حزب الله» ولا حل من دون حلّه

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لن تنتظر الولايات المتحدة نتائج الديبلوماسية التي يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لبنان، ولا ترى أي فارق بين «الجناح العسكري» لـ«حزب الله» و«الجناح السياسي» حسب ما ترى فرنسا والأوروبيون. كما أن واشنطن لا ترى لبنان بتعقيداته السياسية، بل تراه حصراً من زاوية مكافحة الإرهاب. وبما أن وزارة الخارجية تضع «حزب الله»، على لائحة الإرهاب، ستضع كل مَنْ يرتبط به مالياً على اللائحة نفسها، بما في ذلك مسؤولون حاليون وسابقون.في هذا السياق، فرض «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» التابع لوزارة الخزانة، مساء الثلاثاء، عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين، هما يوسف فنيانوس، المرتبط بحزب المردة الذي يقوده سليمان فرنجية، وعلي حسن خليل، القيادي في«حركة أمل» التي يترأسها رئيس البرلمان نبيه بري.
ورغم أن البيان الصادر عن وزارة الخزانة حاول إظهار أن هدف العقوبات هو الاقتصاص من فساد السياسيين اللبنانيين، إلّا أن السند القانوني للعقوبات الأميركية هو الأمر التنفيذي رقم 13224، المخصص لمكافحة تمويل الإرهاب، فيما الهيئة الناظمة للعقوبات على الوزيرين السابقين، هي قوانين وكالة مكافحة هذا التمويل، وهو ما يعني أنه من دون الارتباط بـ«حزب الله» مالياً، لا تطول العقوبات المسؤولين الفاسدين، على عكس ما ألمح اليه البعض في واشنطن وبيروت، أن أميركا ستلجأ إلى «قانون ماغنتسكي» لمحاسبة المسؤولين على فسادهم.
ونقل البيان عن وزير الخزانة ستيفن منوشين، أن الفساد تفشى في لبنان، وأن «حزب الله» استغل النظام السياسي لنشر نفوذه الخبيث، وأن الولايات المتحدة «تقف إلى جانب شعب لبنان في مطالبته للإصلاح، وستواصل استخدام ما بوسعها لاستهداف الذين يضطهدون (اللبنانيين) ويستغلونهم».
على أن بيان وزارة الخزانة حمل زخرفة حاولت إظهار أن سبب القرار الأميركي هو مكافحة الفساد ومناصرة اللبنانيين المعارضين للطبقة السياسة برمتها. وجاء فيه أن سبب الأزمة في لبنان «عقود من الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية... استخدم خلالها بعض القادة السياسيين اللبنانيين الصفقات السرية، واعتمدوا على حزب الله، لتحقيق مكاسب شخصية ومكاسب لحلفائهم السياسيين على حساب احتياجات الشعب اللبناني». 
وأضاف البيان أنه منذ أكتوبر العام 2019، قامت احتجاجات شعبية عابرة للطوائف وطالبت بإصلاح سياسي واقتصادي، وأن دعوات المتظاهرين «كلهم يعني كلهم» أظهرت جدية الرغبة الشعبية في رؤية الإصلاح ورفع الغطاء عن فساد مجموعات معينة، «بما في ذلك حزب الله».
وعن فنيانوس، ذكر البيان أن الوزير السابق يلتقي «بانتظام مع وفيق صفا، الذي كانت وزارة الخزانة صنفته إرهابياً في 2019 لدوره القيادي في جهاز الأمن التابع لحزب الله». 
وأضاف أن فنيانوس «ساعد حزب الله في الوصول إلى الوثائق القانونية الحساسة المتعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان»، فضلاً عن قيامه، أثناء «توليه منصب وزير الأشغال العامة النقل بتحويل الأموال من وزارته لدعم حلفائه السياسيين».
أما خليل، فجاء في البيان أنه سبق أن عمل وزيراً للمالية، وقبل ذلك وزيراً للصحة، وأنه أثناء عمله في المالية، كان ممَنْ استفادوا من علاقته بالحزب لتحقيق مكاسب مالية، وأنه عمل «على نقل الأموال بطريقة لتفادي العقوبات الأميركية من الوزارات الحكومية إلى المؤسسات المرتبطة بحزب الله». 
وتابع أن خليل استخدم منصبه كوزير للمالية لمحاولة تخفيف القيود المالية الأميركية على «حزب الله»، كما «لإعفاء أحد منتسبي الحزب من دفع معظم الضرائب على الإلكترونيات المستوردة إلى لبنان، وتم تحصيل جزء مما تم دفعه لدعم حزب الله». 
وأضاف البيان أنه في أواخر 2019، «رفض خليل كوزير للمالية التوقيع على شيكات مستحقة الدفع للموردين الحكوميين في محاولة للحصول على عمولات، وطالب بدفع نسبة من العقود له مباشرة».
وختم البيان الأميركي أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية قام بتنسيق خطوته مع «وكالة مكافحة المخدرات» (دي اي ايه)، وذلك «كجزء من مجهود أوسع لمكافحة المخدرات في إطار مشروع كاساندرا التابع لها لاستهداف شبكة الدعم الإجرامي العالمية لحزب الله، والتي تعمل كذراع لوجستي ومشتريات وتمويل لحزب الله».
وعلمت «الراي» أن فرض العقوبات على الوزيرين السابقين بتهم تمويل الإرهاب، هو عمل استغرق شهوراً من التحقيقات والإعداد القانوني، وأن الولايات المتحدة ما زالت تحقق في إمكانية تورط مسؤولين حاليين وسابقين مع الحزب مالياً، وهو ما يعني أن عقوبات جديدة سيتم الإعلان عنها فور إنجازها.
كما علمت «الراي» أن العقوبات على فنيانوس وخليل تم إنجازها منذ أشهر، وأن تطبيقها والإعلان عنها كان ينتظر القرار السياسي، وهو ما حصل قبل أسبوعين، وهي تقارير إن صحت، تشي بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب أرادت توجيه عدد من الرسائل إلى المسؤولين اللبنانيين والدوليين المعنيين بالشأن اللبناني، أن المشكلة هي «ميليشيا حزب الله»، وأن أي أطراف دولية تُعلن أنه يمكن حل المشكلة اللبنانية من دون حلّ هذه الميليشيا، تتكلم باسمها وحدها، لا باسم واشنطن، وأن ما يعني أميركا هو وقف الانهيار اللبناني الذي يتسبّب به الحزب.
وذكّرت مصادر أميركية بأنه «حتى الساعة، لا توجد أي عقوبات أميركية على دولة لبنان أو مؤسساتها»، وأن كل العقوبات المرتبطة بلبنانيين، هي على أشخاص وكيانات غير حكومية، وأن الانهيار الاقتصادي سببه سوء الإدارة التي يحميها «حزب الله»، وأن لا عقوبات على لبنان تتسبّب بالانهيار الاقتصادي الحاصل.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2020

الفساد والبذخ ينخران حملة ترامب الانتخابية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قبل نحو 54 يوماً من موعد الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، ومع بدء أكثر من 20 ولاية عملية التصويت الانتخابي عبر البريد، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه منذ مطلع العام الماضي، أنفقت حملة الرئيس دونالد ترامب الانتخابية 800 مليون دولار، من دون أن تنجح في تحسين شعبيته المتهالكة أو قلب تأخره عن منافسة الديموقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن. وأدى الإسراف الانتخابي لترامب الى غرق حملته في أزمة مالية أجبرتها على اقتطاعات واسعة في إنفاقها، بما في ذلك وقفها بث دعايات انتخابية للرئيس الجمهوري في الولايات المتأرجحة التي تشتد فيها معركة انتخابية حامية الوطيس.
وكان ترامب تقدم بطلب ترشحه لولاية ثانية يوم قسمه اليمين الرئاسية ودخوله البيت الأبيض في يناير 2017، وعزا الرئيس وقتذاك خطوته لاعتقاده بأنه يرغب في تفادي إضاعة الوقت، والبدء بحملة رئاسية تسمح له بجمع التبرعات المالية قبل قرابة أربع سنوات من موعد الانتخابات. 
وعلى غرار أي رئيس في البيت الأبيض ممن يمنحه موقعه قدرة على جذب أكبر المتبرعين الماليين الذي يسعون للقاء الرئيس شخصياً، نجح ترامب في جمع أكثر من مليار دولار في مجهود بدا أنه سيكون تاريخياً من نوعه. إلا أن جمع التبرعات تعثر، خصوصا مع انتشار فيروس كورونا المستجد، الذي حرم ترامب إمكانية استخدام وقته الشخصي مع مانحين يدفعون ثمن اللقاءات الرئاسية على شكل تبرعات انتخابية ضخمة.
ولم تعوض التبرعات عبر الإنترنت الأموال التي كان يتوقع أن ترامب يجنيها شخصياً، فصار مدخول الحملة الرئاسية الجمهورية منخفضاً، خصوصا مقارنة بمصروف الحملة الضخم.
وتظهر التقارير المالية أن مبالغ كبيرة أنفقتها الحملة وصلت جيوب الرئيس الأميركي وأفراد عائلته، مثلا عمدت الحملة ومعها الحزب الجمهوري إلى إقامة النشاطات الانتخابية في فنادق ترامب ومطاعمه. كما تظهر التقارير المالية أن حملة ترامب قامت بتسديد بدل أتعاب الى صديقتي نجلي ترامب مقابل تقديم الصديقتين «استشارات انتخابية».
والى الاستشارات الانتخابية، أنفقت حملة ترامب ملايين الدولارات على «استشارات قانونية» لمكاتب محاماة مقربة من الرئيس وعائلته، فضلاً عن تمويل الحملة رحلات باذخة للعاملين فيها للمشاركة في «مناسبات انتخابية» في عموم البلاد. أما مدير الحملة براد باسكال، الذي أقاله ترامب بسبب استطلاعات الرأي التي كانت تظهر استحالة فوز الرئيس بولاية ثانية، فأشارت التقارير المالية الى أنه قام بتوظيف سائق وسيارة له على حساب الحملة، وهو أمر لا سابقة له في تاريخ الحملات الانتخابية في البلاد.
وتضيف «نيويورك تايمز» - الى النفقات غير المبررة التي بددت قرابة مليار دولار في أقل من سنتين - شخصية ترامب المتقلبة، إذ يقوم الرئيس الأميركي غالبا بتغيير رأيه، مثلاً في تغيير موقع انعقاد المؤتمر الحزبي لترشيحه ومن ثم إلغاء المؤتمر واستبداله بواحد عبر الإنترنت، وهو ما كبد الحملة قرابة مليون دولار كجزاء لكسر العقد مع المواقع التي كانت مرشحة لاستضافة مؤتمر الحزب الجمهوري.
أما شخصية ترامب فقد أجبرت الحملة على تبديد أمواله المخصصة للإعلانات الانتخابية على إعلانات لا قيمة لها، من ناحية الأصوات، ولكنها ترضي غرور الرئيس الأميركي، الذي دفع حملته الى شراء دعاية ليلة نهائي كرة القدم الأميركية، وهو الحدث الأكثر مشاهدة في البلاد. لكن ترامب لم يبث إعلانه ذاك لأسباب مقنعة انتخابيا، بل فقط لأنه كان يسعى للتباهي بمنافسة المرشح الديموقراطي السابق مايكل بلومبيرغ، وهو من أثرى خمسة أشخاص على وجه المعمورة.
وفي تبذير آخر لإرضاء غرور الرئيس الأميركي، قامت حملته الرئاسية بتمويل دعاية انتخابية عبر وسائل الإعلام في منطقة العاصمة واشنطن حتى يراها ترامب في مكان إقامته في البيت الأبيض. لكن العاصمة تؤيد الديموقراطيين بأعلى نسبة في عموم الولايات المتحدة، وهي منحت المرشحة الديموقراطية السابقة هيلاري كلينتون 96 في المئة من أصواتها، مقابل ثلاثة في المئة فقط ذهبت لترامب في الانتخابات الماضية.
أما بايدن، الذي كان أوقف بثه الإعلاني وأقفل بعض مكاتبه الانتخابية قبل فوزه بالانتخابات التمهيدية لحزبه في وقت سابق من هذا العام، فعمد الى عقد لقاءات مع المانحين الديموقراطيين عبر الإنترنت، وهي لقاءات لا تكلفة مالية لها البتة. هكذا، أظهرت أرقام حملة بايدن أنه جمع 365 مليون دولار الشهر الماضي، وهو رقم قياسي في تاريخ جمع التبرعات في الحملات الرئاسية. 
وبسبب تفوق حملته مالياً، نجح بايدن بتمويل دعايات انتخابية في عشر ولايات متأرجحة، أنفق فيها 10 دولارات دعائية مقابل كل دولار واحد أنفقه ترامب، وهو وضع دعائي كان يجب أن يكون معاكساً بسبب تأخر ترامب في غالبية هذه الولايات أمام خصمه الديموقراطي.
أما آخر استطلاعات الرأي التي عززّت آراء القائلين بشبه استحالة فوز ترامب بولاية ثانية، فرصد آراء «ناخبي الحزب الثالث»، وهؤلاء غالبا ما يصوّتون لمرشحين غير مرشحي الحزبين الرئيسيين. وفي العام 2016، ترشّحت لائحة على أقصى اليسار وأخرى على أقصى اليمين، ونجحتا في اقتناص أصوات يعتقد الخبراء أنها كان معظمها من أصوات الديموقراطيين، مما فتح الطريق امام ترامب للفوز، الذي اقتصر في بعض الولايات على تفوقه بواقع آلاف قليلة من الأصوات.
وتظهر استطلاعات رأي «ناخبي الحزب الثالث» أنهم يفضّلون بايدن على ترامب بنسبة اثنين إلى واحد، وهو ما يعني أنه في ولاية ميتشيغن، مثلا، التي فاز فيها ترامب بعشرة آلاف صوت واقترع فيها ربع المليون، للائحة غير لائحة الحزبين الجمهوري والديموقراطي، أنه ان فاز بايدن بصوتين من كل ثلاثة من أصوات لهؤلاء، فهو سيلغي تفوق العشرة آلاف صوت التي أعطت الولاية لترامب في الانتخابات الماضية.
لكن على الرغم من أن موقع «فايف ثيرتي ايت»، المتخصص في شؤون استطلاعات الرأي والترجيحات الانتخابية، يرى أن بايدن هو الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات الرئاسية، إلا أن مدير الموقع نايت سيلفر، يشير الى أن «الكلية الانتخابية» مازالت في مصلحة ترامب، وهو ما يعني أن الرئيس الحالي قد يفوز بولاية ثانية، حتى لو خسر في إجمالي الأصوات، كما حصل في 2016 عندما تغلب ترامب على كلينتون على الرغم من تفوقها عليه بأكثر من ثلاثة ملايين صوت في الحصيلة النهائية للفرز.
في سياق ثانٍ (وكالات)، رأى ترامب أن قيادة وزارة الدفاع (البنتاغون) لا تريد أي شيء «سوى شن الحروب»، من أجل زيادة ثراء المؤسسات العاملة في مجال إنتاج الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية. 
وقال خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، ليل الاثنين: «أنا لا أقول إن (الدوائر) العسكرية تحبني، لكن الجنود (يحبونني). ربما القادة في البنتاغون لا يفعلون ذلك، لأنهم لا يريدون أي شيء سوى شن الحروب، حتى يتسنى لجميع هذه الشركات الرائعة، التي تصنع القنابل، والطائرات وكل شيء آخر، أن تكون سعيدة». 
وتابع: «لكن، نحن نخرج من الحروب التي لا نهاية لها».

لو كنت فلسطينيا

حسين عبدالحسين

لو كنت فلسطينيا لوقعت وثيقة "إنهاء صراع مع إسرائيل" قبل نهاية هذا العام، ولهللت للانخراط في سلام شامل وكامل مع الإسرائيليين، مقابل الحصول على أقصى نسبة ممكنة من أراضي الضفة الغربية والقدس، وإقامة حكم ذاتي على طراز ويلز أو اسكتلندا.

لو كنت فلسطينيا لأدركت أن الحق وحده لا يكفي بدون القدرة على إحقاقه، وأن انعدام القدرة العربية والفلسطينية لا لبس فيه، وأن التغيير مستحيل، وأن الخلاص هو في الحد من الخسائر لإنقاذ ما يمكن الحفاظ عليه.

لو كنت فلسطينيا لأدركت أن الأرض تفدي الناس وحياتهم، لا الناس هم من يفدون الأرض بحياتهم. ولو كنت فلسطينيا، لسعيت لحياة أفضل، إن تحت حكم ذاتي، أو فدرالي، أو ما تيسر، فالسيادة ليست غاية الشعوب، بل وسيلة لرفاهيتها.

لو كنت فلسطينيا لتذكّرت أن الماضي العثماني لم يكن فيه سيادة، بل كان حكما ذاتيا تحت إمرة ولاة لا قدرة لديهم على عقد معاهدات خارجية أو إعلان حروب. ولو كنت فلسطينيا لتعلمت من تجارب المشرقيين الآخرين: هذه سوريا وسيادتها يعيشان تحت الركام، وهذا لبنان وسيادته يعيشان تحت القمامة، وهذا العراق وسيادته يعيشان في تاريخ متخيل وأساطير تمنح الملالي، في العراق وإيران، سلطة على العراقيين، إن بإرادتهم أو بدونها.

لو كنت فلسطينيا لأدركت أن فلسطين قضية، وأن الهوية مشرقية، وأن الدين لله، وأن الأرض للجميع. القضية تعني دستورا وسيادة وحكومة رشيدة، والقضية لا ترتبط بأرض ولا بمساحات، بل بإدارة العقد الاجتماعي للفلسطينيين والحيز العام الذي يديرونه. وكما الحكومة، لا ترتبط الهوية بالأرض، فالهوية هي أطباع الناس ولهجاتهم ومآكلهم وعاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم، وهذه يحملونها معهم أينما كانوا على وجه المعمورة، ولا تحتاج لسيادة ولا لحكومة ولا لقرارات دولية.

لو كنت فلسطينيا لأدركت أن فلسطين ليست مركز الكون، ولا القضية المركزية، وأن أي تضامن بين شعبين أو أكثر يسير باتجاهين، وأنه لا يمكن أن تهنئ القيادة الفلسطينية بشار الأسد على إعادة انتخابه بدون أن تثير غضب ضحاياه بين السوريين، وأنه لا يمكن أن تؤيد القيادة الفلسطينية اجتياح صدام حسين للكويت بدون أن تثير حنق الكويتيين على فلسطين وقضيتها، وأنه لا يمكن شتم الإمارات بدون ردة فعل إماراتية، وأنه لا يمكن للفلسطينيين التهليل لـ "حزب الله" اللبناني وكسب تعاطف من يعانون من تسلّط "حزب الله" في لبنان.

لو كنت فلسطينيا لأدركت أن للشعوب مصالح، وأن الفلسطينيين يحتاجون أصدقاء حول العالم، وأن تعييب الإمارات أو كوسوفو لتوقيعهما سلام وتطبيع مع إسرائيل لن يفيد الموقف الفلسطيني، بل سيضعفه، ومن لا يصدق، هذه مصر، قاطعها العرب لتوقيعها سلاما منفردا مع إسرائيل. لم تعد مصر عن السلام، لكن الفلسطينيين والعرب عادوا عن مقاطعتهم.

ولو كنت فلسطينيا لسعيت لاستخلاص المزيد من دروس التاريخ، في أن المقاطعة غير مجدية، وأن الأقليات هي التي تخشى من أن يؤدي التطبيع إلى تذويب هويتها في هوية الغالبية، فيما الغالبيات السكانية ـ العربية في هذه الحالة ـ لا تخشى أن تبتلعها إسرائيل، لا ثقافيا ولا سياسيا ولا غيره.

لو كنت فلسطينيا لتنبهت أن أصل الفلسطينيين حول العالم بقعة أرض واحدة، لكن مصالحهم اليوم متباينة، إذ يمكن لفلسطيني أميركي أن يهلل للقضية ويدعو للمقاطعة ويلعن السلام ما شاء، من بيته المريح في ضواحي المدن الأميركية الفخمة. لكن لا يمكن لفلسطيني يعيش من قلّة الموت في مخيمات البؤس في لبنان أن يلعن السلام وينتظر التغيير الذي لن يأتي. فلسطينيو المخيمات وغزة يحتاجون لسلام فوري يؤدي إلى تغيير في أوضاعهم الحياتية. أما فلسطينيو بروكلين (المعروفة تهكما ببروتشلين في أوساطهم) في ضواحي نيويورك، فهم ينعمون بحياة رغيدة، ويزورون قراهم في إسرائيل بجوازاتهم الأميركية دون أن يعترضهم أحد، ويصلّون في القدس وفي كنيسة القيامة بحريّتهم. فليهتم فلسطينيو أميركا وأوروبا بتعليم أولادهم العربية، وليتركوا موضوع السلام لفلسطينيي مخيمات البؤس ليخرجوا من بؤسهم الآن، و"الآن يعني أمس"، حسب التعبير الأميركي.

لو كنت فلسطينيا لعرفت أن لا نجدة ستأتي لتحرير الأرض، ولا أي شبر منها، وأن أنظمة الطغيان، المندثرة منها والقائمة اليوم، استخدمت فلسطين، وما تزال، كوقود للعنف الذي تشنه ضد شعبها والإرهاب الذي تنشره حول العالم. لن تأتي إيران لتحرير الفلسطينيين، ولا حتى لنجدتهم.

لو كنت فلسطينيا لأدركت أن إيران تكذب في حبها لفلسطين وسعيها لتحرير الأرض من النهر إلى البحر، ولأدركت أن تركيا تكذب أكثر من إيران في إعلان ولائها للفلسطينيين وقضيتهم وتعييبها الدول التي توقع سلاما مع إسرائيل، فلتركيا معاهدة سلام قائمة وسفارات متبادلة وتجارة وتعاون استخباراتي وعسكري مع الإسرائيليين. ثم تستقبل أنقرة زعماء "حماس" وتصفّق لهم كلّما أمعنوا في تصريحاتهم التفاهة حول قتال إسرائيل حتى يوم الدين، وبعض العرب والفلسطينيين يصدّقون المسرحية التركية.

لو كنت فلسطينيا لنظرت إلى الصراع مع إسرائيل بمثابة مشكلة في السوق تقتضي مواجهتها الإلمام بظروفها وبالإمكانات المتاحة، فإن لم تكن الظروف مواتية ولا الإمكانات متوافرة، يكون الحل بأفضل الممكن لتقليص الخسارة وإنقاذ ما تبقى.

فلسطين هي قضية تعذُّر ممارسة شعب عربي السيادة، لكن بدلا من الاعتراف بالفشل، بغض النظر عن الأسباب، راح الخاسرون يعاندون، ويكابرون، بثمن مرتفع على الفلسطينيين وباقي العرب. على أن القضايا قابلة للتسوية، ويمكن للفلسطينيين التنازل عن السيادة مقابل الحصول على مكتسبات أخرى تخرجهم من حالة الصراع البائس الذي يغرقون فيه منذ سبعين عاما، ويصرون على غرق العرب وباقي أصدقائهم معهم إلى الأبد.

أما التعييب والتخوين وترداد الخطاب الخشبي المتهالك حول المؤامرة الصهيونية لابتلاع كل دول العرب، فتصريحات لم تغن الفلسطينيين ولم تسمنهم في الماضي، ولن تفعل ذلك في المستقبل، وعلى قول المثل المشرقي، "من جرّب المجرّب كان عقله مخرّب".

الاثنين، 7 سبتمبر 2020

واشنطن تستعد للتعامل مع لبنان... كـ«دولة فاشلة»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قد لا يقولها المسؤولون الأميركيون صراحة. وقد تقتصر تصريحات مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر، أثناء زيارته إلى بيروت، على تصريحات سياسية حول كيفية التعامل مع «حزب الله»، الذي تصنفه الولايات المتحدة، تنظيماً إرهابياً، ومع حلفاء للحزب، هدد بفرض عقوبات عليهم. ما لا يقوله المسؤولون علناً، ولكن تعكسه تصرفات الحكومة الأميركية إدارياً، أن واشنطن بدأت تستعد للتعامل مع لبنان كـ«دولة فاشلة». 
في العقد الماضي، كانت الولايات المتحدة تخصص برامج مساعدات للحكومة والمنظمات غير الحكومية، على اعتبار أن لبنان دولة نامية. المشاريع الأميركية تضمنت رعاية التنمية الاجتماعية وإصلاح مؤسسات الدولة. مثلاً، منحت واشنطن عقوداً لجمعيات تنموية قامت بدراسات حول وضع المرأة في لبنان، وعقدت مشاريع لتدريب القادة من النساء اللبنانيات. كما موّلت الإدارات المتعاقبة مشاريع تدريب على إدارة الانتخابات، وتطوير عمل الجمعيات التي تقوم بمراقبة الانتخابات. 
على مدى السنة الماضية، تغيرت رؤية البيروقراطية الأميركية تجاه الوضع اللبناني، وقامت الإدارة - بقرار تقني بحت وغير سياسي - بتغيير المشاريع التي تدعمها في لبنان، من تنمية مجتمعية وإصلاحات إدارية، إلى مشاريع احتواء الأزمات والكوارث، من انفجار مرفأ بيروت، في الرابع من أغسطس الماضي، إلى الفقر والجوع الذي يصيب، حاضراً ومستقبلاً، عدداً كبيراً من اللبنانيين والمقيمين في لبنان.
هكذا، لم تعد «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (يو اس ايد) تستدرج عروضاً من مؤسسات التنمية الأميركية المتخصصة بشؤون الانتخابات، أو شؤون المرأة، أو الإصلاح الإداري، بل قامت بنقل الأموال المرصودة للبنان إلى «مكتب المبادرات الانتقالية» (أو تي آي)، المعني بمكافحة الأزمات في مناطق الصراع وتقديم المساعدات الإنسانية الطارئة.
وعلى موقعه، يعرّف المكتب الأميركي عن نفسه بأنه يقدم «مساعدة سريعة، ومرنة، وقصيرة الأجل، تستهدف التحول السياسي الأساسي واحتياجات الاستقرار». 
وتضيف الصفحة التعريفية أن «مكتب المبادرات الانتقالية» تم تصميمه بشكل إستراتيجي للتعامل مع كل حالة على حدة، ودعم التنمية من خلال تعزيز المصالحة، وتحفيز الاقتصادات المحلية، ودعم وسائل الإعلام المستقلة الناشئة، وتعزيز السلام والديموقراطية… «في البلدان التي تنتقل من الاستبداد إلى الديموقراطية ومن العنف إلى السلام»، أو في الدول التي تعيش في «سلام هش».
ولا تعتقد الوكالات الحكومية الأميركية، أن لبنان يعاني من اهتزاز الأمن السياسي فيه، لكنها تخشى اهتزاز الأمن الاجتماعي وارتفاع معدلات الفقر والجريمة، وهو ما يحوّل البلاد إلى أرض خصبة لنشوء تنظيمات إرهابية في السنوات المقبلة. لهذا، سارعت وكالات التنمية في إيفاد مدير «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» جون برسا إلى بيروت، في الأيام التي تلت انفجار المرفأ، الذي نجم عن نحو 2700 طن من مواد نيترات الأمونيوم. 
وذكرت الوكالة في بيان، أنه أثناء تواجده في لبنان، قام برسا بالإشراف على جهود الوكالة في استجابتها للكوارث، وعمل على تقييم الوضع على الأرض، والتقى فريق الاستجابة للمساعدة في حالات الكوارث، والذي تم نشره في بيروت في السابع من أغسطس لقيادة جهود الاستجابة الإنسانية الأميركية. وأضافت أن فريق الوكالة يعمل على «تقييم الضرر وتحديد الاحتياجات الإنسانية وتنسيق الجهود لتقديم المساعدة الفورية».
في هذا السياق، التقى المسؤول الأميركي في بيروت مع مسؤولي «برنامج الأغذية العالمي»، وتم التنسيق لتقديم مساعدات غذائية لـ 300 ألف شخص تضرروا من انفجار المرفأ. كما قدمت الوكالة «إمدادات طبية طارئة لدعم 60 ألف شخص لمدة ثلاثة أشهر».
قد ينشغل السياسيون والمعلقون في لبنان، كما في عواصم العالم، بالعناوين السائدة حول سلاح «حزب الله» والفساد الإداري والانهيار الاقتصادي. لكن وكالات الإغاثة والتنمية في الولايات المتحدة وحول العالم، تدرك أن الأزمة التي يواجهها لبنان أعمق بكثير من الأزمات السياسية، وأن الأزمة المعيشية قد تتطلب تدخلاً إغاثياً دولياً واسع النطاق للحد من إمكانية اندلاع مجاعة.
ويعتقد الخبراء الأميركيون، أن الأمور في لبنان ستمضي بالتدهور بوتيرة أسرع مع مطلع العام المقبل، وهو الموعد الذي تتوقع فيه غالبية الاقتصاديين اللبنانيين والدوليين نفاد آخر احتياطات النقد الأجنبي في لبنان، وهو ما سيؤدي إلى رفع الدعم الحكومي عن المواد الغذائية الأساسية، ويضع هذه المواد خارج متناول مئات الآلاف، بل الملايين، في لبنان. 
ومع مضي العملة اللبنانية في التراجع، يصبح راتب القوى الأمنية والموظفين الحكوميين بلا قيمة، وهو ما يفاقم من الفساد ويسرّع من كل أنواع الجرائم. 
لهذا السبب، تستعد وكالات واشنطن للتعامل مع انهيار كبير، وهو ما يتطلب تدخلاً على غرار التدخل في «الدول الفاشلة» حول العالم والتي يتهدد الجوع سكانها الذين يعانون من الفقر وارتفاع معدلات الجريمة. 
أما إمكانية الإصلاح في لبنان، فتبدو منعدمة - حسب رأي الخبراء ومسؤولي وكالات الإغاثة الأميركيين - لأنها ترتبط بأزمة إقليمية كبرى، أي سلاح «حزب الله»، الذي يراه الخبراء، غير دستوري، والذي يدفع الحزب إلى تقديم الحماية للمسؤولين الفاسدين للسكوت عنه، ويمضي السلاح والفساد في حماية بعضهما البعض. 
المسؤولون الأميركيون من أمثال شينكر، ومن هم أرفع منه مرتبة، يتحدثون في شؤون السياسة المرتبطة بالمنطقة ولبنان، لكن مسؤولي وكالات الإغاثة الأميركيين والأممين يتباحثون - بعيداً عن الأضواء - في كيفية احتواء ما يرونها كارثة إنسانية مقبلة على اللبنانيين، «من دون ضوء في آخر النفق»، وهو التعبير الأميركي الموازي لـ «من دون حل في الأفق».

السبت، 5 سبتمبر 2020

ماذا يريد الأميركيون من لبنان؟

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تغيب لدى غالبية اللبنانيين المعرفة اللازمة لفهم الموقف الأميركي تجاه لبنان، وتراوح آراؤهم بين من يعتقد أن للبنان أهمية استراتيجية للأميركيين، ومن يرى أن الولايات المتحدة تكره اللبنانيين - ككرهها المفترض لكل العرب والمسلمين - وأنها تتآمر ضد لبنان كجزء من انحيازها الجائر لإسرائيل.

في الحالتين، تتصور غالبية لبنانية دور الولايات المتحدة في لبنان أكبر من دورها الفعلي، ويذهب البعض للاعتقاد أن لواشنطن رأياً في كل شاردة وواردة، وأن لديها رغبة أو قدرة على ممارسة النقض، الفيتو، على تعيين رئيس حكومة أو وزير أو مسؤول، وكل ذلك غير صحيح، إذ يندر أن تتدخل أي إدارة أميركية في تفاصيل السياسة اللبنانية.

السياسة الأميركية الخارجية لا تأخذ التاريخ بعين الاعتبار، ولا العواطف، بل المصالح، ويمكن النظر الى سياسة واشنطن تجاه مصر لاستخلاص العبر. منذ الثورة التي أطاحت الرئيس الراحل حسني مبارك في 2011 وحتى وصول عبد الفتاح السيسي الى الرئاسة عام 2014. انقسم الرأي في واشنطن حول الموقف من مصر: دعم الديموقراطية أم التمسك بالحلفاء؟ بعدما فشل الأميركيون في التوصل الى قرار، نزعوا الوجه الدبلوماسي وقدّموا الوجه الأميركي الحقيقي تجاه مصر، والذي وصفه وزير الخارجية السابق جون كيري في جلسة استماع في الكونغرس بالقول إن مصالح أميركا في مصر ثلاث: أمن الحدود مع إسرائيل، وحرية الملاحة الدولية في قناة السويس، وحق تحليق الطائرات العسكرية الأميركية. ومقابل استمرار ضمان القاهرة لهذه المصالح الأميركية الاستراتيجية، تمنح واشنطن المصريين مساعدة سنوية بأكثر من ملياري دولار.

يمكن إضافة، الى ما لم يقله كيري، سياسة أميركية عامة تجاه دول العالم من دون استثناء: الاستقرار وعدم تحوّل أي دولة الى دولة فاشلة تصبح مرتعاً للإرهاب الدولي ومصدراً للاجئين والفقر والكوارث الإنسانية. لم يذكر كيري هذه النقطة لأن مصر، التي يمسكها الجيش بغض النظر عن هوية حكامها، ليست عرضة للفشل. لكن الدول الفاشلة موضوع أقلق أميركا، خصوصاً في التسعينات من القرن الماضي، حيث راحت تبحث عن أفضل السبل لمواجهة الفشل في أفغانستان والصومال، الى أن حدثت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) وأجبرت أميركا على استخدام قوّتها العسكرية للهندسة الاجتماعية (بناء الدول)، وهي تجربة لم تنجح، ما أجبر أميركا على العودة إلى التمسك بالأنظمة الاستبدادية، حتى العدوة منها مثل إيران، خوفاً من أن انهيار هذه الأنظمة يؤدي الى قيام دول فاشلة أسوأ من الحالية.

العناصر التي تهمّ واشنطن في لبنان اثنان: أمن الحدود مع إسرائيل، ومنع تحوّل لبنان الى دولة فاشلة تصدّر الإرهاب الدولي. عدا ذلك،لا يهم من يحكم لبنان: إن كان نظام آل الأسد السوري، أم إميل لحود، أم ميشال عون. ولا يهم أميركا كذلك، بل هي بالكاد تلاحظ الفارق، إن كان رئيس حكومة لبنان من عائلة دياب أم أديب. كما لا يهم واشنطن فساد المسؤولين، ولا يوجد قانون أميركي لمحاسبة فساد مسؤولي حكومات العالم، باستثناء عندما يصل الفساد الأراضي الأميركية كما حالة صندوق ماليزيا السيادي.

في سنوات معدودة من إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، تبنت واشنطن مشروع نشر الديموقراطية كبديل للدول الفاشلة، لكنها ما لبثت أن تخلت عنه مع خروج "المحافظين الجدد" من الحكم وتسلم كوندوليزا رايس وزارة الخارجية. ومع أن بعض الدعاية في لبنان سعت لشيطنة رايس، لكن لا بد من ذكر أن رايس هي التي أشرفت على إنهاء "تحالف 14 آذار"، والتوصل لاتفاقية الدوحة، وبدء سياسة الانخراط مع الرئيس السوري بشار الأسد بدعوتها له للمشاركة في مؤتمر انابوليس للسلام في 2007.

أثناء سنوات نشر الديموقراطية، ارتفع اهتمام أميركا بلبنان استثنائياً، حتى أن وزارة الخارجية الأميركية فصلت "مكتب لبنان وسوريا" الى مكتبين، واحد مخصص للبنان وآخر لسوريا. وأدى الاهتمام الأميركي، بمشاركة فرنسية، الى التفاف لبناني أجبر الأسد على سحب قواته من لبنان و"حزب الله" على التراجع. لكن الميليشيات الموالية لإيران في العراق كبّدت الأميركيين خسارة، فانتهى مشروع نشر الديموقراطية، وعادت أميركا الى سياستها الواقعية التقليدية، بما في ذلك تجاه لبنان.

هذا يعني أن السياسة الحالية تجاه لبنان تتمحور حول تأكيد استقرار الحدود بين لبنان وإسرائيل، ليس بالضرورة عبر اتفاقية سلام، بل استقرار يشبه الاستقرار الحدودي الذي منحه الأسد لإسرائيل على مدى أربعة عقود. ثانياً، تعتقد واشنطن أن "حزب الله" يشارك في هجمات حول العالم، مثلما حدث في بلغاريا أو غيرها، وفي معارك عسكرية خارج لبنان، مثل العراق أو اليمن، وهو ما يعني أن لبنان يستضيف منظمة عنفها عابر للحدود اللبنانية، وهو ما يعني أن أولوية واشنطن هي في وقف هذا الأمر، في الغالب عبر الحوار مع طرف قادر على السيطرة على الحزب. في الماضي، كانت واشنطن تكلف الأسد بذلك، وفي زمن الرئيس السابق باراك أوباما، تعاملت أميركا مع إيران لضبط "حزب الله" ومع "حزب الله" عبر وسطاء أمنيين لبنانيين. أما اليوم، في ظل تدهور العلاقة الأميركية مع إيران وضعف الأسد، المرشح الوحيد لضبط "حزب الله" هو دولة لبنان وجيشه، وهو ما يدفع واشنطن لدعم الجيش مادياً ومعنوياً، والى التمسك بدولة لبنان ومحاولة تعزيز سيادتها الى أقصى حد ممكن. المشكلة أن دولة لبنان تتألف من فصائل متناكفة لا تمانع استبدال سيادة الدولة بمصالحها الخاصة، وهو ما يسمح لـ"حزب الله" بالسيطرة على هذه الدولة وحماية الفاسدين فيها مقابل سكوتهم عن سلاحه غير الدستوري. 

اعتقدت واشنطن أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون سيدعم مبادرة بطريرك الموارنة بشارة الراعي لاستعادة سيادة لبنان وحياده - بدون سلام مع إسرائيل - ليتبين أن مطالب ماكرون في لبنان أدنى بكثير من المتوقع، وأنها تتمحور حول إصلاحات بسيطة لا تتعدى المتفق عليها بكثير.

أبعد من حدود إسرائيل ونشاطات "حزب الله" حول العالم، لا يهم أميركا كثيراً ما يحصل في لبنان أكثر من دعمه عبر برامج التنمية كما تفعل واشنطن في باقي دول العالم. لا أهمية استراتيجية للبنان لدى الولايات المتحدة، وبعض التواضع قد لا يضير اللبنانيين في فهم هذه السياسة الأميركية.

الخميس، 3 سبتمبر 2020

ترامب ليس رجل بوتين... وأردوغان ليس حليفه

واشنطن - من حسين عبدالحسين

اعتبرت مصادر في الإدارة الأميركية، أن سلسلة الاغتيالات التي تطول مواطنين معارضين لنظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هي مؤشر على ضعف موسكو، وفشل محاولاتها بث الفرقة بين أعضاء «تحالف الأطلسي»، في وقت تعاني روسيا من اهتزاز يطول الأنظمة القريبة الموالية لها، مثل بيلاروسيا، بعد تحول أوكرانيا من موالية لبوتين الى حليفة للغرب.

وكانت برلين أعلنت أن المعارض الروسي أليكسي نافالني، الذي تم نقله الى ألمانيا وهو في حالة غيبوبة، تعرّض لعملية تسميم في بلاده، ما استدعى مشاورات بين الدول الأعضاء في «الأطلسي». 
وانضم نافالني الى سلسلة من المعارضين الروس ممن سبق أن تعرضوا لهجمات بالسم أو غاز الأعصاب، مثل الكسندر لوتيفشنكو وسيرغي سكريبال وابنته يوليا. 
وتأتي عملية تسميم نافالني في وقت تعاني موسكو من اهتزاز نظام حليفها رئيس بيلاروسيا الكسندر لوكاشينكو، الذي يواجه سلسلة من التظاهرات، بعدما اتهمته المعارضة بالتلاعب بالانتخابات لضمان بقائه في الحكم. 
وبيلاروسيا هي ثالث دولة من الدول السوفياتية السابقة التي تتمرد على نفوذ روسيا وسطوتها عليها، بعد جورجيا وأوكرانيا. 
وسبق لبوتين أن وجه أصابع اللوم الى وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون واتهمها بتمويل تظاهرات في روسيا والدول الحليفة لموسكو، في وقت رأى الخبراء أن الرئيس الروسي حاول أن يبادل ما يخالها محاولات الغرب تقويض مصالح موسكو في هذه الدول ببث الفرقة داخل «تحالف الأطلسي»، بل داخل الولايات المتحدة نفسها.
وشن بوتين حملة في العام 2016 أظهرت التحقيقات الأميركية أنه حاول من خلالها دعم فوز المرشح دونالد ترامب على كلينتون، وهي حملة تواطأ معها عدد من مستشاري الرئيس الجمهوري ممن تعرضوا لعقوبات بالسجن. كما حاول بوتين التأثير في نتائج الانتخابات الأميركية عبر حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر «تهكير» كومبيوترات أميركية وسرقة وثائق حكومية وحزبية، ثم نشر هذه الوثائق علناً لتشويه سمعة أميركا حول العالم ولبث الفرقة بين الديموقراطيين والجمهوريين داخلها. 
وعلى مدى الأشهر التي تلت وصول ترامب الى البيت الأبيض، عمد الحزب الديموقراطي ووسائل الإعلام الموالية له على تصوير أن ترامب يعمل بإمرة بوتين، وأن الرئيس الأميركي مدين برئاسته لنظيره الروسي. وساهم ترامب في تأجيج هذه التقارير عبر عقده لقاءات منفردة مع بوتين من دون مشاركة أي من مستشاريه الرئيسيين. 
لكن سياسات ترامب لم تؤكد مخاوف الديموقراطيين، اذ على الرغم من كل المجاملة العلنية التي يبديها ترامب لبوتين، إلا أن الرئيس الأميركي قام بفرض عقوبات على إنشاء خطي أنابيب غاز «نورد ستريم 2»، الذي يضخ الغاز الروسي الى أوروبا، وترك المرحلة الأولى من «ستريم 2»، الذي يضخ الغاز الروسي الى تركيا.
وكان متوقعاً إتمام مدّ الأخير ليصل دول جنوب شرقي أوروبا، قبل أن تفرض واشنطن عقوبات على المرحلة الثانية وتفرض وقفها.
وعلى الرغم من أن تركيا بدت وكأنها تبتعد عن «الأطلسي» وتقترب من موسكو، وعلى الرغم من أن مواجهة عسكرية بدت شبه حتمية بين تركيا واليونان، إلا أن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن لأنقرة سياسة فعلية مختلفة عن التي تعلنها، منها أن أنقرة لم تدل بأي تصريح ضد العقوبات الأميركية على خط الغاز الروسي - التركي، بل عمدت الى تخفيض وارداتها من الغاز الروسي بواقع الثلث، واستبدلتها بواردات من الغاز السائل عبر ناقلات الطاقة الضخمة.
ثم أعلنت أنقرة اكتشافها لاحتياطات غاز في مياهها الإقليمية، وأعلنت كذلك بناء «قناة إسطنبول»، التي ستتضمن إنشاء مرفأ لناقلات الغاز الذي يمكن نقله من هناك الى دول أوروبا، وهو ما يبطل الحاجة للغاز الروسي. كلها خطوات تشي بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليس حليفا لبوتين، كما يظهر أحيانا، بل منافساً له، يسعى الى السيطرة على مداخل الغاز الى أوروبا لمنافع اقتصادية وجيوسياسية تركية.
هكذا، شاركت تركيا عسكرياً في التدريبات العسكرية والمناورات التي قام بها «تحالف الأطلسي» الأسبوع الماضي، وهي مناورات شهدت قاذفات «بي 52» الأميركية، وأظهرت - حسب الخبيرين برادلي بومان وآكسل برايزواتر - أنه حتى «مع توتر العلاقات السياسية رفيعة المستوى بين بعض حلفاء الأطلسي، تظل العلاقات العسكرية داخل التحالف قوية». 
وقال الخبيران، في مطالعة على موقع «جمعية الدفاع عن الديموقراطيات»، إن «من المعلوم أنه حتى في الوقت الذي يحاول فيه بوتين استمالة بعض القادة الأوروبيين وزرع الانقسام داخل التحالف، لا يزال الأطلسي قادراً على تقديم مثل هذا العرض الاستثنائي لوحدته وقوته التي لا يمكن لموسكو تكرارها».
هكذا، بعدما اعتقد كثيرون أن ترامب هو رجل بوتين، أظهرت العقوبات الأميركية على أنابيب غاز روسيا، أن هذا التصور ليس صحيحاً بالكامل. وبعدما بدا أن بوتين نجح في تفكيك «الأطلسي»، بدا أن «الأطلسي» متماسكاً، فيما بوتين يسعى لإحكام السيطرة على الدول السوفياتية السابقة التي يبدو أنها تفلت من أيدي موسكو، الواحدة تلو الأخرى.
ومثل ذلك، اعتقد كثيرون أن موسكو حصدت جائزة من تدخلها العسكري في سورية، ليتضح أنه من دون موافقة الغرب على تمويل إعادة الإعمار، لا أهمية استراتيجية ولا منافع مالية للروس من التدخل العسكري في الحرب السورية، وهو تدخّل كلفهم أموالاً طائلة. 
لكل هذه الأسباب، يرى مسؤولون أميركيون أن بوتين يشعر بالضعف، وهو الضعف الذي يدفعه الى الخوف غير المبرر وإقصاء أي من قد يراه خطراً على بقائه في الحكم، حتى لو كان الخطر خيالياً أكثر منه واقعياً. وللأسباب نفسها، عمد بوتين لإرسال مقاتلتي «سوخوي» تحرشت بواحدة من قاذفات «بي 52» الاستراتيجية أثناء تحليقها في الأجواء الدولية فوق البحر الأسود في طريق عودتها من مناورات «الأطلسي». 
وفي السياق نفسه، رصد مسؤولون أميركيون تقارير تشير الى أن عدد أحداث التحرش الروسية بقطع بحرية أميركية أو مقاتلات جوية وقاذفات، وصل معدلا غير مسبوق، وهو ما يدرجه المسؤولون الأميركيون في إطار الخانة نفسها المتعلقة بإحباط يفرض على بوتين القيام بتحرشات لإظهار قوة صورية تغطي على ضعف حقيقي.

موسكو لا ترى «مبرراً» 
لاتهامها في قضية نافالني

موسكو - أ ف ب - أعلن الكرملين أمس، أنه لا يرى «أي مبرر» لاتهام الدولة الروسية بأنها خلف تسميم المعارض أليكسي نافالني، داعياً الغرب إلى عدم إطلاق «أحكام متسرعة».
وأكد الناطق دميتري بيسكوف، استعداد موسكو «للحوار» مع برلين والأوروبيين في هذه القضية.
وشدّد على أن الأطباء الروس لم يرصدوا «أي مادة سامة» عند إدخال نافالني إلى المستشفى في سيبيريا أواخر أغسطس قبل نقله إلى برلين. 
وحضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل موسكو الأربعاء، على تقديم توضيحات بعدما أظهرت تحاليل أجريت لنافالني تعرضه للتسميم بواسطة مادة من نوع «نوفيتشوك».

Since December 2008