الثلاثاء، 29 يناير 2019

دراسة أميركية: الكويت لا تريد حرباً ضد إيران

واشنطن - من حسين عبدالحسين

اعتبر مركز أبحاث «بروكنغز» أن الكويت لا تريد أن ترى حرباً ضد إيران، بسبب الارتدادات السلبية لأي حرب من هذا النوع على دولة الكويت. وجاء في الدراسة التي نشرها المركز الأميركي أنه ، مثل الكويت، لا ترغب السعودية بمواجهة عسكرية مباشرة مع الإيرانيين، إذ إن أي حرب من هذا النوع تهدد سلامة المنشآت النفطية السعودية والكويتية. 
لكن الدراسة - التي جاءت على صيغة حوار مع أبرز خبراء المركز ومنهم مَنْ سبق أن عمل في مراكز مرموقة في وزارة الخارجية وفي «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي) - اعتبرت أن السعودية ترغب في رؤية الولايات المتحدة تطيح بنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وذلك عبر الحصار الاقتصادي والعمليات السرية. 
وقال الخبير جيفري فيلتمان، الذي سبق أن عمل مساعداً لوزيرة الخارجية وسفير أميركا في لبنان ومستشار أمين عام الأمم المتحدة للشؤون السياسية، إن «الخلاف داخل مجلس التعاون الخليجي هو مثال على تراجع النفوذ الأميركي»، مضيفاً أن «مَنْ سبق منا ان عمل في الحكومة يعرف أنه سبق أن جمعنا دول المجلس الست في لقاءات عديدة، غالباً مخصصة للتصدي لإيران، وكانت دائماً الخلافات بين بعض دوله واضحة لنا». وأردف بالقول إنه «بطريقة ما نجحنا في جمعهم في الماضي، والحال لم تعد كذلك اليوم، فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على ردم الهوة بين مجموعة قطر - الاخوان المسلمين، ومجموعة معاداة الإخوان المسلمين في الإمارات والسعودية».
وسأل المحاور بروس جونز المسؤولة السابقة في وزارة الطاقة سامنتا غروس حول ما إذا كانت تعتقد أن الولايات المتحدة صارت تتمتع باستقلالية عن نفط الخليج، فأجابت بالنفي، وقالت إن «الحكومة الاميركية دأبت على بث دعاية مفادها أن اميركا مستقلة في الطاقة، لكن الموضوع غير صحيح، فهي تصدّر الغاز، لكنها تستورد النفط». وتابعت المسؤولة السابقة القول إن «أميركا خسرت النية السياسية المطلوبة للدفاع عن نفط الشرق الأوسط، على الرغم من أن اهتزاز سوق النفط العالمية يؤثر على الاقتصاد العالمي، وتالياً على الاقتصاد الاميركي».
وتعتقد غروس أن «الطاقة الأحفورية الأميركية تسمح للولايات المتحدة باحتواء بعض اهتزازات السوق العالمية، لكن لا قدرة أميركية على الاستقلال التام عن الطاقة العالمية من دون أن يؤدي ذلك لارتفاع في سعر الطاقة داخل أميركا، وهو ما يرفضه غالبية الأميركيين».
وتوافق خبراء بروكنغز ان انحسار النفوذ الأميركي لا يتعلق بقوة أميركا، الباقية في صدارة القوى في العالم، واشاروا الى أن عدد القوات الاميركية المنتشرة في الشرق الاوسط هو من النسب الأعلى في التاريخ، لكن سبب تراجع النفوذ الاميركي يكمن في غياب النية السياسية الاميركية على الانخراط في شؤون الشرق الاوسط، اولا بسبب «تعب» شعبي أميركي من قصص الشرق الاوسط التي لا تنتهي والتي يبدو أن أميركا تخسر فيها دائماً، وثانياً بسبب الاعتقاد السائد، خطأ، أنه يمكن للاقتصاد الأميركي أن يتخلى عن الطاقة الشرق أوسطية من دون اهتزازات تُذكر.

لفنزويلا… تمنياتنا بانتصار الإمبريالية

حسين عبد الحسين

تحولت معركة الحرية التي يخوضها الفنزويليون ضد نظام الرئيس المطعون بشرعيته نيكولاس مادورو إلى مواجهة كلامية عالمية بين معسكرين: الغربي الديمقراطي من ناحية، وباقي العالم الذي تعيش دوله في ظل "حكام إلى الأبد" من ناحية ثانية.

طفح كيل الغرب من مادورو فأنهى الاعتراف بشرعيته. أما "حكام إلى الأبد" ـ في روسيا والصين وإيران وتركيا وسوريا وغيرها ـ فرأوا في اهتزاز مادورو ما يهدد نموذجهم، وأطلقوا ألسنتهم ووسائل إعلامهم لفبركة الأخبار حول "تدخل أميركي"، لم يحصل، في فنزويلا، في محاولة لاستعادة خطاب "الحرب الباردة"، التي انقسم فيها العالم إلى حر ديمقراطي، وآخر معادي للديمقراطية ويتهم الديمقراطيين بالإمبريالية.

والإمبريالية هي شتيمة اختلقها "حكام إلى الأبد"، وصوروها على أنها أساس الشر، وسبب بلاء الشعوب، وأن خلاص الشعوب يكمن، لا في العيش في حرية وديمقراطية وعدالة، بل في مواصلة خوض المعركة ضد الإمبريالية.

ولأن لا "صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فلا حديث عن أسباب انهيار فنزويلا، ولا محاولة لتقييم واحدة من أفشل تجارب الحكم في العالم، التي بدأت بانقلاب الضابط هوغو تشافيز وثورته البوليفارية القاصرة فكريا والتي قوضت أسس الحكم، واستغلت عائدات النفط لبناء شبكة ريعية موالية لتشافيز ومسرحياته الشعبوية. ثم تابع مادورو، خلف تشافيز، قيادة البلاد نحو الهاوية، إلى أن تجاوز التضخم عتبة عشرة آلاف في المئة، وصارت كراكاس عاصمة الجريمة والجوع في المعمورة.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان المسكين

وفي العقل العربي أن الامبريالية وصلت شواطئ مصر على متن سفن نابليون العسكرية في العام 1798، وأن ذلك التاريخ شكل بداية انحدار النعيم المتخيل الذي كانت تعيشه الشعوب العربية تحت حكم السلطنة العثمانية، وصولا إلى الانتداب الأوروبي في المشرق ومصر، وتأسيس إسرائيل كموطأ قدم إمبريالي مزعوم. وبعد العام 1979، انضمت إيران إلى جوقة الشعوب المنددة بالإمبريالية و"ربيبتها إسرائيل".

لا يرى مناهضو الإمبريالية أنه لولا حملة نابليون، لكان عالم الفراعنة ما يزال مجهولا، ولكان الهرم، الذي عامله السكان المحليون كمقلع صخور، اختفى. ولا يرى مناهضو الإمبريالية أنه لولا تغلبت الإمبريالية الأوروبية على نظيرتها العثمانية، لكان استقلال نصف الدول العربية مستحيلا.

ولا يرى ملالي إيران الحاكمون اليوم أنه لولا الإمبريالية البريطانية، لكانت عربستان، الشاطئ الإيراني للخليج ذات الغالبية العربية، دولا عربية. ويكرر حكام إيران، ومعهم تيار واسع من الأميركيين، أن الخطيئة الأميركية الكبرى كانت دعم واشنطن ولندن للانقلاب على حكومة محمد مصدق، المنتخبة في العام 1953. طبعا لا يهم أنه لولا أميركا الداعمة للشاه، لما استطاعت طهران إجبار بغداد على التنازل عن شط العرب، الممر المائي الوحيد للعراق على الخليج، في اتفاقية الجزائر 1975.

ولا يرى مناهضو الإمبريالية العرب أنه لولا الولايات المتحدة، لما كان رئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر نجح بتأميم قناة السويس في العام 1956.

ومناهضو الإمبريالية غالبا ما يقدمون روايات تغرق في تناقضات فاضحة؛ مثل بعض سياسيي العراق (بعض الأحزاب الشيعية)، الذي وصلوا الحكم في بغداد على ظهور الدبابات الأميركية، والذين حمتهم المقاتلات الأميركية من إمكانية احتلال تنظيم داعش الإرهابي العاصمة العراقية. يصر هؤلاء السياسيون العراقيون، ومعهم عرابيهم الإيرانيين، أن الإطاحة برئيس العراق السابق صدام حسين هو أمر هامشي، وأن أميركا هي التي كانت نصبته حاكما للعراق أصلا، ثم أطاحت به، أي أن لا فضل لأميركا باقتلاعه. ويردف هؤلاء، بكثير من البلاهة والاستخفاف بعقول البشر، أن داعش، الذي قادت أميركا واحدة من أقسى الحروب لاقتلاعه من شمال العراق وغربه، هو صنيعة أميركية.

وهكذا دواليك، تكرر مجموعة "حكام إلى الأبد" العالمية المقولات نفسها: تتهم الحكام المتحالفين مع الغرب الديمقراطي أنهم صنيعة الإمبريالية رغما عن إرادة شعوبهم. أما الحكام المعارضين للغرب الديمقراطي، فتقدم لهم مجموعات "حكام إلى الأبد" كل الدعم المادي والمعنوي الممكن، معللة تدخلها هذا، الذي لا يختلف عن تدخل الإمبريالية، بأنه تلبية لرغبة الشعوب.

هكذا، ترسل موسكو قاذفتين استراتيجيتين إلى كاراكاس، وتقدم مئات المرتزقة الروس لحماية مادورو من شعبه، ثم تتحرك الدعاية الروسية، ومعها الإيرانية وغيرها، بالصراخ ضد تدخل أميركي متخيل في شؤون فنزويلا.

على أننا إن أردنا تقييم تدخلات الدول في شؤون بعضها البعض، فلا بأس من بعض الأمثلة. الكويت واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا هي صنيعة الإمبريالية الأميركية المفترضة. هذه الدول الثلاثة تتصدر العالم في نوعية الحياة والبحبوحة والمدخول المرتفع والعلم والطب والصناعة.

أما الدول التي تتدخل فيها روسيا، مثل كوريا الشمالية وفنزويلا وسوريا، فهي دول تتغنى في معاداة الإمبريالية، فيما شعوبها تكاد تلتهم الكلاب والقطط لسد رمقها وإطعام عيالها. كذلك نماذج الدول التي "انتصرت" فيها إيران على الإمبريالية، مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان، التي إما تعاني من العنف والحروب أهلية، أو تحولت إلى دول فاشلة.


من نتائج الإمبريالية كوريا الجنوبية، التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية، والتي غزت العالم بصناعاتها التكنولوجية الخارقة. أما نتائج مناهضة الإمبريالية، فكوريا الشمالية، صاحبة النووي والصواريخ والنار، والتي يموت شعبها الجوع.

لفنزويلا، تمنياتنا بانتصار الإمبريالية فيها على حاكمها وعلى باقي "حكام إلى الأبد"، علّها تخرج من عصرها الظلامي المميت إلى عصور النور والحياة.

الأربعاء، 23 يناير 2019

«قانون قيصر» الأميركي يوسّع العقوبات على الأسد

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في اشارة قد تكون الاوضح على رفض الولايات المتحدة لاي تطبيع مع الرئيس السوري بشار الأسد او نظامه، اقر مجلس النواب - بما يشبه اجماع الحزبين الديموقراطي والجمهوري - قانوناً يخول الرئيس دونالد ترامب فرض عقوبات على اي افراد او مؤسسات تتعامل مع «نظام الأسد ومناصريه»، وهو القانون المعروف ضمنيا بـ «قانون قيصر»، نسبة الى الاسم المستعار لسوري منشق عن قوات أمن النظام، كان حمل معه الى العاصمة الاميركية صورا وشواهد وثقت قيام النظام بعمليات تعذيب وقتل جماعية في سجونه. 
ومن المتوقع ان يمر القانون في مجلس الشيوخ، من دون عقبات، وان يوقعه ترامب ليصبح ساري المفعول. 
وجاء في نص القانون انه في غضون 180 يوما على دخوله حير التنفيذ، على الرئيس ان يفرض عقوبات، من قبيل تجميد ارصدة، وسحب تأشيرات دخول، ومنع دخول أي شخص يثبت تقديمه دعما مالياً، او مادياً، او تقنياً، للنظام، او يقوم بالتعامل مع الحكومة السورية، او يثبت تعامله مع اي من «قوات المرتزقة او الميليشيات الموالية لحكومات سورية وروسيا وايران». 
كما يمهل القانون البيت الابيض مهلة مشابهة لتقييم وضع المصرف المركزي السوري، واتخاذ قرار حول اذا كان الاخير يلعب اي دور في عمليات تبييض الاموال، وفرض العقوبات المناسبة عليه في حال ثبوت ذلك، وهي عقوبات تتضمن اقصائه من النظام المصرفي العالمي. 
وتعليقا على المصادقة على القانون في احدى غرفتي الكونغرس، قال الديبلوماسي السابق والناشط السوري في واشنطن بسام بربندي ان «من الاشياء القليلة التي تجمع بين أعضاء الحاليين في الكونغرس، من الجمهوريين والديموقراطيين، هي العداء لإيران، وكره نظام الأسد، والمطالبة بمحاسبته لجرائمه ضد الإنسانية، وممارسة الضغط عليه اقتصاديا لإجباره على تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وخصوصا القرار 2254». 
واضاف بربندي لـ «الراي»، ان «مشروع القانون المقدم للكونغرس باسم قانون حماية المدنيين السوريين، قيصر، يتضمن مواد تفرض عقوبات إضافية على النظام، وعلى كل من يمد له يد العون، بشكل مباشر او غير مباشر، ان كان تحت مسمى اعادة الإعمار، او بحجة ابعاد الأسد عن ايران». 
يذكر ان الجالية السورية الاميركية لعبت دورا كبيرا في ايصال قيصر وصوته الى المشرعين الاميركيين، وفيما بعد، قام الاميركيون من اصل سوري بممارسة حملة بين اعضاء الكونغرس لحضهم على المصادقة على القانون، وهي الحملة التي تكللت بالنجاح في مجلس النواب، والتي من المتوقع ان تشهد نجاحا مماثلا في مجلس الشيوخ وفي البيت الابيض.

هل «وافق» ترامب على استهداف سليماني؟

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تستعر حرب الاستخبارات الخفية بين الولايات المتحدة واوروبا، من ناحية، وإيران، من ناحية ثانية، في وقت تنتشر تقارير، لم يمكن التأكد من صحتها، مفادها بان واشنطن تسعى لاستهداف قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري قاسم سليماني، وان الرئيس دونالد ترامب «وافق» على اي عملية تستهدف المسؤول الايراني. 
وما عزز هذه التقارير، مقالة بقلم الجنرال المتقاعد ستانلي ماكريستال قال فيها، انه اثناء عمله في العراق، كاد ان يستهدف موكب سليماني، الذي كان متجها من إيران الى كردستان العراق، ولكنه قرر ألا يفعل ذلك، وان ذلك ربما لم يكن القرار الصحيح. 
وفي سياق الحرب الاستخباراتية المتصاعدة بين الطرفين، قام عملاء مكتب التحقيقات الفيديرالي (اف بي آي) باعتقال المذيعة في تلفزيون «برس تي في» الايراني، مرضية هاشمي، ابان وصولها الى مطار سانت لويس في ولاية ميسوري الجنوبية، قبل اسبوعين. ولم تعلن الجهات القضائية عن سبب التوقيف، وهو صمت يحظره القانون الاميركي، باستثناء في الحالات المتعلقة بالأمن القومي. ومثلت مرضية ثلاث مرات امام هيئة محلفين، فيما قال مسؤولون قضائيون انها تمثل بصفة شاهد. 
ومرضية من مواليد الولايات المتحدة، وتحمل جوازين: اميركي وايراني. لكن عملها في التلفزيون، الذي تموله الحكومة الايرانية، يسمح للسلطات الأميركية باعتباره عملا في منصب حكومي لدى حكومة اجنبية، وهو ما يتطلب اجبارها التخلي عن جوازها الاميركي. وكان الكونغرس اصدر، قبل شهرين، قانونا طلب فيه باجبار تسجيل اي صحافي - اميركي او مقيم في أميركا - ممن يعمل في وسائل اعلامية تمولها حكومات اجنبية، على انه «عميل»، ما يتوجب تصريحه الى وزارة العدل عن اي اموال يتقاضاها من عمله هذا. 
ومن غير الواضح سبب اعتقال مرضية، لكنه اعتقال اثار حفيظة طهران، التي استدعت قنصل سويسرا لدى ايران، الذي يمثل بدوره المصالح الأميركية في الجمهورية الاسلامية، وابلغته احتجاجا رسميا على اعتقال المذيعة. 
وسبق لواشنطن ان احتجت رسمياً عبر القنوات نفسها على اعتقال اميركيين من اصول ايرانية، فما كان من طهران الا ان ردت بالقول ان الاميركيين من اصول إيرانية هم إيرانيون، وانه لا يحق لاميركا الاحتجاج على كيفية معاملتها لايرانيين. وبالذريعة نفسها ردت واشنطن على اعتقال مرضية، بالقول انه لا يمكن لطهران الاحتجاج على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع مواطنة اميركية. 
لكن خلف الجدال الرسمي يبدو ان هناك حرباً استخباراتية بين البلدين، وان اعتقال المذيعة، جزء من هذه الحرب. 
وفي السياق نفسه، قامت المانيا بوقف رحلات خطوط طيران «ماهان» الايرانية الى اراضيها. وتذرعت برلين باسباب امنية. وعلمت «الراي» من مصادر اميركية ان القرار سببه اعتقاد الماني ان طهران استخدمت رحلات «ماهان» الى المانيا لدعم «تنظيم ثلاث عمليات ارهابية»، هي محاولة تفجير عبوات في باريس في مكان انعقاد المؤتمر السنوي لتنظيم «مجاهدين خلق» الايراني المعارض، ومحاولة اغتيال معارضين ايرانيين في النمسا، ومحاولة اغتيال معارض ايراني في الدانمارك. 
والحرب الاستخباراتية بين ايران والغرب تجري بالتزامن مع حرب فعلية تشنها القوة الجوية الاسرائيلية على اهداف في سورية تابعة لايران، و«حزب الله»، وقوات تابعة للرئيس بشار الأسد وتساند الايرانيين والحزب اللبناني.
وكان لافتا في هذا السياق، خروج اسرائيل عن صمتها، للمرة الاولى منذ سنوات، وقولها علناً انها شنت هجمات ضد اهداف ايرانية في سورية، وهو ما يعتبره المسؤولون الاميركيون جزءا من الحملة العالمية المتصاعدة ضد الجمهورية الاسلامية. 
والى الحروب الاستخباراتية والحرب فوق اراضي سورية، يبدو ان الادارة الأميركية جدية في مواجهة ايران، لا في حرب عسكرية تقليدية في الخليج، ان تطورت الامور في هذا الاتجاه، بل في حرب خفية تستهدف كوادر وقادة ايرانيين، مثل سليماني، الذي يبدو انه يتصدر لائحة الايرانيين المستهدفين. 
ووصف ماكريستال، سليماني بـ «محرك الدمى الايراني القاتل»، وقال ان «فيلق القدس» هو مزيج من القوات الخاصة الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي اي)، وانه على مدى فترة توليه قيادة هذا الفيلق، منذ العام 1998، نجح الجنرال الايراني في تعزيز قدراته، وان«براغماتية سليماني حولت الفيلق الى لاعب رئيسي في الاستخبارات والمال والسياسة ابعد من حدود ايران».

الثلاثاء، 22 يناير 2019

لبنان المسكين

حسين عبد الحسين

كشف تدني مستوى التمثيل العربي في قمة بيروت الاقتصادية أن رئيس لبنان ميشال عون، الذي يسمي نفسه قويا، قوي على رئيس حكومته سعد الحريري فقط، أو على صحافيين من أمثال الزميل فداء عيتاني، أو على شباب طائش يشتم العهد وصهره وزير الخارجية جبران باسيل على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما في دنيا الواقع، فعون ضعيف، وعاجز، ولا يحكم أبعد من أسوار قصره، ولا يدير أكثر من حصته في الفساد الإداري، وهو جزء من المشكلة التي ابتلي بها اللبنانيون: سياسيون لا تتسع البلاد لغرورهم، ولا تكفي مواردها لفسادهم، ولا تحتمل مآسيها انعدام كفاءتهم.

وللحق، لا بد التذكير أن الكارثة التي يعيشها لبنان لا تقتصر على سياسييه وتصريحاتهم المملة، بل سببها عدد من المصائب، أولها جزء كبير من الشعب اللبناني نفسه، المنقسم إلى قبائل متناحرة، تتباهى كل منها بزعيمها وشعاراتها عن القوة والشرف والرجولة والوفاء، وتغرق جميعها سوية في المآسي نفسها: اقتصاد يتآكل، ونقد أجنبي يشحّ، وبنية تحتية تتهالك، وأدمغة تهاجر، وانحدار لبنان على كل مقياس عالمي في الحكم ونوعية الحياة، باستثناء مقياسي التدخين والدين العام بالنسبة إلى الناتج المحلي، ويحلّ في كل منهما لبنان في المراتب الخمسة الأولى في العالم.


وللحق أيضا، لا بد التذكير أن لبنان لم يكن يوما دولة متجانسة ذات مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بل إنه وطن صنعه الانتداب الفرنسي للمسيحيين؛ كما صنع دولة علوية في سوريا، وأخرى درزية، ودولتين سنيتين. واستعار الفرنسيون اسم جبل واحد ورد اسمه في العهد القديم، وأطلقوه على اسم دولة "لبنان الكبير".

كما استعار الفرنسيون شعار الكنيسة المارونية في أنطاكية وسائر المشرق، وهي الأرزة الوارد ذكرها في العهد القديم أيضا، وألصقوها على العلم الفرنسي. ثم لتعزيز أعداد الموارنة، لتقوية المارونية السياسيّة في وجه السنّة، تمت إضافة مناطق الشيعة في بلاد عامل والبقاع، فساهم السياسيون الشيعة التقليديون حينها، في تعزيز قوة المارونية السياسية على مدى ثلاثة عقود، إلى أن تحوّلت الشيعية السياسية إلى قوة سياسية لبنانية محلية، ثم قوة سياسية إقليمية تعمل بإمرة "الجمهورية الإسلامية" في إيران.

وتبعية القبائل المتناحرة، التي تعيش في المساحة الممتدة بين حمص والمتوسط، لقوى إقليمية، يعود إلى زمن سحيق كان فيه الفينيقيون يتآمرون على بعضهم البعض. انحدروا من ثقافة واحدة ولغة واحدة، لكنهم لم ينجحوا يوما في توحيد مدنهم لإنتاج مملكة ذات شأن، بل إن دسائس الفينيقيين على بعضهم البعض وصلت إلى أرشيف فراعنة مصر في تل العمارنة، وكان ملك منهم يشكو جاره ويتآمر مع المصريين ضده. ثم ضعفت مصر، ووصل موفدها إلى الساحل الفينيقي، فتعامل الفينيقيون معه كقطاع طرق، وسلبوه ماله وثيابه، وأعادوه ذليلا إلى بلاده.

ورث اللبنانيون اليوم تآمر الفينيقيين على بعضهم، وورثوا كذلك تقلبات الفينيقيين، فعون نفسه جلس يوما في حضرة الكونغرس الأميركي يصف "حزب الله" بالإرهابي، ثم تحول عون إلى أكثر تابعي الحزب المذكور وفاء. ومن نافل القول، إنه لو ضعف "حزب الله" يوما، وخسر ماله أو سلاحه أو قوته أو نفوذه، فالغالب أن عون ومن يخلفه سيعودون إلى الكونغرس.

لهذا خسرت الطبقة الحاكمة في لبنان آخر ذرة احترام كان تكنها لها أي من الحكومات في المنطقة، وتحولت القمة العربية إلى دردشة هامشية على مستوى وزراء وسفراء.

لم يبن المؤسسون الفرنسيون لبنان على مبادئ عصر التنوير، وهي المبادئ التي قامت عليها الثورتان الأميركية والفرنسية، اللتان أنجبتا حكومتين ديمقراطيتين تتربعان على قمة التجارب البشرية في الحكم والحكومات اليوم.

تعامل الفرنسيون مع اللبنانيين كبرابرة المطلوب حكمهم وفقا للثقافة المحلية السائدة، فرحل الفرنسيون، ولم يخلفوا وراءهم وطنا فيه مواطنين، بل خلفوا خرابة، تغرق اليوم في الديون والقمامة والفساد والتلوث.

في عمره الذي يقارب القرن، سنحت للبنان فرصا ذهبية، استغل بعضها، ربما صدفة، مثل يوم تحول إلى ملجأ الأموال السورية والمصرية والعراقية الهاربة من جنون الضباط وتأميماتهم الفاشلة.

في العقد الذي تلا نهاية رئاسة كميل شمعون في العام 1958، عاش لبنان عصره الذهبي برعاية "دولة عميقة"، ولكن عمقها لم يكن كافيا، فنسفتها القبائل، وفتحت أبواب لبنان أمام الصراعات الإقليمية، فوصلت "حركة تحرير فلسطين"، (حتف) المعروفة بفتح إلى لبنان، وبدأ لبنان مشوار انحدار بلا توقف.

إبان اندلاع الثورة السورية كذلك، كان يمكن للبنان الإفادة من أموال المتمولين السوريين، وكان يمكن أن يتحول إلى مقر لمؤسسات رعاية اللاجئين العالمية، وأن يتحول إلى ساحة نقاش حرّ حول الشؤون الإقليمية.


لكنها فرصة أضاعها لبنان، الذي اقتلعته "الجمهورية الإسلامية" في إيران من حياده الممكن، وأدخلته في "محور المقاومة" واقتصادها، الذي يغني "الحرس الثوري" وأزلامه في الإقليم، ويؤدي إلى فقر وجوع "شعوب المقاومة".

هكذا، بدلا من أن يعيش اللبنانيون في كرامة البحبوحة الاقتصادية الناجمة عن تفوق مواردهم البشرية، بفضل تقاليد السعي إلى العلم التي زرعتها الإرساليات المسيحية في الساحل الفينيقي العثماني في حينه، يعيش اللبنانيون اليوم في محور قائم على الدماء والسيوف والصواريخ والأنفاق والشهداء، وهو ما يعيدنا إلى الخيار المعروف؛ أي من الكوريتين تعيش بكرامتها: الجنوبية ذات العلم والصناعة التكنولوجية التي غزت العالم والتي تستضيف قواعد أميركية، أم الشمالية ذات الصواريخ والنووي والحصار الاقتصادي والمجاعة؟

الأحد، 20 يناير 2019

خبراء أميركيون... إيران لا تفهم غير لغة القوة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

رصدت الاوساط الأميركية المتابعة للشأن الايراني تصعيدا في خطاب طهران ضد الولايات المتحدة، وان كان التصعيد لم يتحول بعد الى تهديدات جدية. 
يقول الخبراء ان ايران عمدت الى تصعيد خطابها في موضوعين: الاول في تصريحات مدير وكالة الطاقة الذرية الايرانية علي صالحي، والذي قال فيه ان لدى ايران مخزوناً من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المئة، وان طهران قادرة على انتاج يورانيوم مخصب الى هذه الدرجة في غضون أربعة أيام. 
التصعيد الاميركي الثاني يأتي من العراق، حيث دأب السياسيون المحسوبون على طهران على اصدار تهديدات بحق القوات الأميركية، مطالبين اياها بالانسحاب، تحت طائلة استخدام القوة. في الاثناء نفسها يسعى اعضاء مجلس النواب العراقي، من المقربين من الجمهورية الاسلامية، الى التحريض ضد القوات الأميركية، والادلاء بتصريحات مفادها انهم ينوون مطالبة الحكومة العراقية بالطلب الى واشنطن سحب قواتها المنتشرة في العراق، والتي ساهمت في القضاء على تنظيم «داعش» غرب البلاد. 
لكن التصريحات الايرانية لا تثير حفيظة المسؤولين الاميركيين، اذ يبدو ان واشنطن متمسكة بسياسة تجاه ايران مبنية على الحزم واستخدام القوة. وسبق لـ«الراي» ان اشارت الى ان الولايات المتحدة عقدت لقاءات مع حلفائها في الشرق الاوسط للاستعداد لسيناريو حرب مع ايران، فيما قامت صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر تقرير، مطلع الاسبوع، ذكرت فيه ان مستشار الأمن القومي جون بولتون طلب من وزارتي الدفاع والخارجية تحديث خطط الحرب ضد ايران. 
يعتقد الخبراء الاميركيون انه على الرغم من انسحاب اميركا من الاتفاقية النووية مع ايران، ما فرض تخفيض صادرات ايران النفطية بواقع مليون برميل يوميا، لا تزال طهران متمسكة بالاتفاقية، لأن الجمهورية الاسلامية «تحترم وتخشى قوة الولايات المتحدة». وكتب الخبير الايراني - الاميركي راي تقي، ان دروس التاريخ تشي بأن «التصميم الاميركي، ان تم التعبير عنه بصرامة، عادة ما يفضي الى تراجع ايراني». 
وأورد تقي ثلاثة امثلة عمّا اعتبرها تراجعات ايرانية، قال ان اولها جاء بعدما أعلنت ايران نيتها محاكمة الديبلوماسيين الذين احتجزتهم بعد اجتياحها سفارة اميركا في طهران في العام 1979. وقتذاك، ارسلت واشنطن رسائل، بعيدة عن الاضواء الى الايرانيين، مفادها انه تعرضت طهران لأمن الديبلوماسيين، فان الولايات المتحدة ستشن عملا عسكريا ضد ايران، فتراجع الملالي عن موضوع المحاكمة. 
التراجع الثاني تمثل بقبول ايران الهدنة مع العراق، على اثر قيام البحرية الأميركية في الخليج، عن طريق الخطأ باسقاط طائرة ركاب مدنية اعتقدت انها كانت صاروخا ايرانيا موجها ضدها. يقول تقي ان تلك الحادثة اقنعت ايران ان اميركا كانت في طريقها الى دخول الحرب الى جانب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو ما دفع مؤسس الجمهورية الاسلامية الراحل الخميني الى قبول الهدنة وتشبيهها بتجرع السم. 
التراجع الايراني الثالث، حسب تقي، جاء في العام 2002، بعدما استمع الايرانيون الى خطاب الاتحاد الذي ادلى به الرئيس السابق جورج بوش الابن ووضع فيه ايران في «محور الشر». يومذاك، اوقفت ايران برنامجها النووي السري، وتعاونت مع واشنطن في حرب افغانستان والعراق، ولم تتوقف ايران عن التعاون الا عندما تأكدت ان القوة العسكرية الأميركية كانت غرقت في المستنقع العراقي، وان الاميركيين لم يعودوا مستعدين لمواجهة عسكرية مع ايران بسبب التغيير الكبير في المزاج الشعبي الاميركي حول اشتراك اميركا في حروب حول العالم. 
على هذا المنوال، يعتقد خبراء اميركيون، وعدد لا بأس به من المسؤولين في ادارة دونالد ترامب، ان ايران لا تفهم إلا لغة القوة، وانه لا بد انها سمعت من حلفاء الولايات المتحدة ان ادارة ترامب جدية في توجيه ضربة عسكرية لايران، وهو ما يعني ان طهران تعمل على تفادي استفزاز واشنطن، على الرغم من تواصل خطابها التصعيدي والتهديدي ضد الولايات المتحدة.

الثلاثاء، 15 يناير 2019

يحبون فلسطين ويكرهون الفلسطينيين

حسين عبدالحسين

كنت في جلسة في بغداد مع أهل وأصدقاء، بعد أسابيع قليلة على انهيار نظام صدام حسين في 2003، فاقتربت مني سيدة، وقدمت نفسها على أنها أم العباس، وقالت لي إنها سمعت لهجتي اللبنانية، وتود أن تطلب مني إيصال "غرض" لبيروت. يتبين أن "الغرض" هو كلب من نوع شيواوا صغير، وأن أم العباس هي زوجة أبو العباس، أي محمد زيدان، الأمين العام لـ"جبهة التحرير الفلسطينية“، وهي المجموعة التي كان ينتمي إليها اللبناني سمير القنطار يوم نفذ هجومه في مدينة نهاريا الإسرائيلية في العام 1979، قبل أن يتم سجنه والإفراج عنه بعد 29 عاما، في صفقة تبادل سجناء بين إسرائيل و"حزب الله" اللبناني.

بعد أيام، روى لي أبو أمين، الذي كان يعمل في حديقة منزل العائلة، أنه وإخوانه، وأولاده، وأولادهم، سارعوا إلى أحياء الفلسطينيين المقيمين في بغداد. "ذبّينا (رمينا) عليهم طابوك (أحجار بناء) إلى أن انهزموا (فرّوا)"، قال أبو أمين، وقد بدا فخورا بغزوته. سألته ما الدافع لإيذاء أبرياء، فأجاب: "يا أبرياء، يا معوّد؟ ذوله (هؤلاء) كلهم بعثيين مال صدام".

فرّ آلاف الفلسطينيين إلى الأردن، لكن عمّان رفضت إدخالهم، فاستقروا في مخيم على معبر طريبيل الحدودي؛ وفي وقت لاحق، قامت الأمم المتحدة بإعادة توطينهم في بعض دول أميركا اللاتينية.


هكذا كان الانطباع العراقي حول فلسطينيي العراق، وبقي على حاله ـ حتى بعدما اجتاحت الشعارات الإيرانية عن القدس ويومها العراق وشيعته ـ إذ واصلت الميليشيات الشيعية اختطاف، وتنكيل، وتعذيب، واغتيال فلسطينيي العراق، البالغ عددهم 35 ألفا، بتهم العمل تحت إمرة استخبارات صدام، وهي التهم التي تحولت فيما بعد إلى "بعثيين دواعش"، وبعدها إلى "مجاميع إرهابية"، وهي تهمة لا يطلقها عدد من القوى الحزبية الشيعية على فلسطينيي العراق فحسب، بل على غالبية السنة العراقيين.

ولأن العراقيين رأوا في ضيوفهم الفلسطينيين أزلام صدام، فهم رأوا في فلسطين "شماعة" يعلّق عليها صدام طغيانه. فمدن العراق وبلداته كانت تزخر بتماثيل صدام مرتديا خوذة صلاح الدين، فاتح القدس، وبرسومات عن صدام وصواريخه وتهديداته لإسرائيل. مزايدة صدام حول فلسطين تحولت إلى كراهية لفلسطين لدى عدد كبير من العراقيين، خصوصا أن فلسطين ـ تاريخيا ـ هي قضية السُنّة، فلا أحداث من التاريخ الشيعي جرت في فلسطين، ولا مقابر لأئمتهم في أي بقعة منها.

ولم تكن الشيعية السياسية في العراق وحدها ممن تعادي الفلسطينيين، فلشيعة لبنان تاريخ من القهر والمظلومية مع حكام عكا العثمانيين، الذين أحرقوا الجنوب اللبناني مرات كثيرة. ومن يعرف قصة عائلة الصدر، يعرف أن جدهم الأكبر فرّ من سجون الجزّار والي عكا إلى النجف، وأن نفرا من أبنائه استقر في إيران، فصارت العائلة منتشرة، جغرافيا، في عموم العالم الشيعي.

ويوم انتقلت الميليشيات الفلسطينية من الأردن إلى جنوب لبنان، على إثر أيلول الأسود 1970، كانت ميليشيا أمل الشيعية أول من قاتل الفلسطينيين لمنعهم من مهاجمة إسرائيل من لبنان، وهي الهجمات التي كانت تعود على سكان الجنوب، ذي الغالبية الشيعية، بردود فعل إسرائيل قاسية، حتى أن الإسرائيليين إيهود يعاري وزئيف شيف أوردا في كتابيهما حول حرب إسرائيل في لبنان في العام 1982 أن إسرائيل فكّرت في مصادقة الميليشيات الشيعية في الجنوب اللبناني بسبب عداوتهما المشتركة للفصائل الفلسطينية.

على أن الموقف الشيعي تجاه "القضية الفلسطينية" انقلب مع وصول الخميني وإسلامييه إلى الحكم في إيران، إذ رأى الملالي في القضية وسيلة فعالة لبناء جبهة إسلامية بزعامتهم. هكذا بدأت عملية إيرانية واسعة لتجييش الشيعة ضد إسرائيل، التي لم تكن، في الماضي الشيعي القريب، في مصاف الأعداء.

أثار إعلان الخارجية الإسرائيلية الأسبوع الماضي استقبالها وفودا عراقية جدالا واسعا في العراق، وطالب نوّاب بالتقصي حول هوية زوّار إسرائيل ومحاسبتهم، وجاء ذلك في أعقاب مطالبات نيابية بمحاسبة وزير الخارجية محمد الحكيم، الذي كان صرح أن بلاده تؤيد حلّ الدولتين. وقال مشرعون عراقيون ووسائل إعلام حزبية، تمولها إيران، أن "العراق لن يعترف يوما بـ"الكيان الصهيوني"، وأن محاسبة المطبعين ضرورية لأنها تخالف السياسة العراقية المعتمدة.

اقرأ للكاتب أيضا: المسيحيون ورسول المسلمين

لكن لا سياسة عراقية معتمدة تجاه إسرائيل، فباستثناء تدمير الإسرائيليين مفاعل أوزيراك النووي العراقي، وباستثناء 39 صاروخ سكود أطلقها صدام ولم توقع أي ضحايا إسرائيليين، ثم وافق على حسم تعويضات للدولة العبرية من عائدات برنامج "النفط مقابل الغذاء"، لم يسبق أن وقعت حروب تذكر بين الدولتين في تاريخهما الحديث، ما يعني أن متابعة السياسة العراقية "المعتمدة" تجاه إسرائيل هي متابعة لسياسة "المتاجرة" بالقضية الفلسطينية، التي كان ينتهجها صدام، فيستضيف وديع حداد وكارلوس وأبو نضال وأبو العباس، ثم يستخدمهم كمرتزقة في أعمال تخريب، أو في تصفية منافسيه العرب ومنافسيهم الفلسطينيين.

متاجرة الراحل صدام بالقضية صارت اليوم بأيدي الإيرانيين وأزلامهم العراقيين. هتافات وشتائم ضد إسرائيل، ووعود بتحرير الأرض، وفي نفس الوقت، معاملة الفلسطينيين كمجرمين ومرتزقة، بدلا من الإحسان في استضافتهم، ومساواتهم بالنفس، إلى أن يتم التوصل إلى تسوية مع إسرائيل يساهم العراق في صناعتها، بدلا من أن يساهم في تأزيم المشكلة، وفي نشر العنف والدمار والدماء، وهو نفس الأسى الذي عانى منه العراقيون في زمن صدام.

هل تقلّص الولايات المتحدة انتشارها في العراق وسورية تمهيداً لضرب إيران؟

واشنطن - من حسين عبدالحسين

يوم طلب قائد المنطقة الوسطى في الجيش الاميركي، ووزير الدفاع في ما بعد، جيمس ماتيس، إذناً من ادارة الرئيس السابق باراك أوباما لتوجيه ضربات عسكرية ضد اهداف داخل ايران، عقاباً للجمهورية الاسلامية على تورطها في عمليات ادت الى مقتل اميركيين وحلفائهم من العراقيين، رفض أوباما الطلب، معللاً قراره بأن القوات الأميركية في العراق كانت في ضيافة العراقيين، وان القيام بخطوة تغضب المضيفين من شأنها ان تنعكس سلبا على أمن القوات الأميركية المنتشرة هناك. 
وعلى هذا المنوال، أمضت ادارة أوباما معظم ايامها وهي تعلل تهاونها مع «نشاطات ايران المزعزعة للاستقرار في المنطقة:، بالقول ان استفزاز ايران واغضابها يعرض أمن المستشارين العسكريين الاميركيين المنتشرين في العراق للخطر. 
ادارة الرئيس دونالد ترامب يبدو انها، مثل سابقتها، تعتقد ان اي مواجهة مع الايرانيين قد تؤدي الى مواجهة بين الجنود الاميركيين المنتشرين في العراق وسورية، من ناحية، والميليشيات العراقية والسورية واللبنانية الموالية لايران والمنتشرة في هذين البلدين أيضا، من ناحية ثانية. 
يقول احد المتابعين لشؤون البيت الابيض، ان الادارة انجزت، منذ فترة وبالتعامل مع الحلفاء، خطة لتوجيه ضربة عسكرية لايران، في حال اقتضت الظروف السياسية. ويضيف ان انتشار القوات الأميركية في مياه الخليج عاد الى معدلات مرتفعة لم يشهدها منذ فترة، بالتزامن مع ارسال واشنطن احدى حاملات طائراتها، التي يعتقد البعض انه سيتم رفدها بمجموعة بحرية ثانية مؤلفة من «فرقة ضاربة». 
ومن الاخبار التي شاعت في اوساط العاصمة الأميركية، ان احد اسباب غضب ترامب على ماتيس، ودفعه الى الاستقالة، كان بسبب تحفظ الاخير على الانخراط في مواجهة مسلحة مع الايرانيين. ويقول العارفون ان ترامب كان عيّن ماتيس وزيرا للدفاع لاعتقاده بانه من الصقور، وانه من المندفعين لشنّ حرب ضد ايران. وفي الايام الاولى لتعيينه، دأب ترامب على استخدام لقب «ماتيس الكلب الثائر»، وهو لقب اكتسبه الجنرال السابق في الجيش بسبب بأسه وشدته في القتال. 
لكن ماتيس لم ترق له التسمية، ويوم طلب ترامب من وزير دفاعه توجيه ضربة ضد اهداف تابعة للرئيس السوري بشار الأسد، على اثر هجوم كيماوي في ضاحية دمشق، دوما، العام الماضي، تردد ماتيس، وساهم في عرقلة الهجوم، ثم في تقليص حجمه. 
وتعتقد الاوساط الأميركية ان «الكيمياء» انتهت بين ترامب وماتيس، منذ الصيف الماضي، وان الرئيس الاميركي صار يبحث عن طرق لدفع وزير دفاعه للاستقالة، الى ان قام الرئيس بالاعلان، في تغريدة فاجأت كل العاملين في ادارته، نيته سحب القوات الأميركية المنتشرة في سورية، شرق الفرات، بشكل فوري. عند ذاك، قدم ماتيس استقالته في رسالة علنية، ضمنها انتقادات لاذعة للرئيس، ولسياساته التي تؤدي الى نفرة لدى حلفاء الولايات المتحدة. 
كان يمكن لترامب استشارة وزيرة دفاعه، ثم اعلانه انسحاباً اميركياً من سورية عبر القنوات الرسمية، لكن اسلوب ترامب يبدو انه كان مخصصا لاستفزاز ماتيس واخراجه من الادارة، تمهيدا لاستبداله بواحد من الصقور ممن تستهويهم فكرة الانخراط في مواجهة مسلحة مع الايرانيين، وهو ما يتطلب ايضا، بحسب الرؤية السائدة في واشنطن، تقليص عدد وانتشار القوات الأميركية في المناطق التي يمكن للايرانيين الرد فيها في العراق وسورية. 
هل يكون الانسحاب الاميركي من سورية، وربما في وقت لاحق العراق، تمهيداً لتوجيه ضربة عسكرية اميركية لايران، في السنة المتبقية من ولاية ترامب الاولى، قبل ان تغرق الولايات المتحدة في موسمها الانتخابي للعام 2020؟

السبت، 12 يناير 2019

واشنطن... مقفلة وحزينة وباردة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

دخل الرئيس دونالد ترامب، التاريخ من بوابته الخلفية من خلال الاقفال الجزئي الذي تعيشه الحكومة الفيديرالية، لتصبح اطول فترة اقفال تعيشها الولايات المتحدة، متقدمة على الفترة الأطول التي تم تسجيلها اثناء ولاية الرئيس السابق بيل كلينتون. 
ودخل «الإغلاق» الذي يشل جزءاً كبيراً من الإدارات الفيديرالية يومه الـ22 ليل الجمعة - السبت.
وتجاوزت مدة هذا التوقف الجزئي عند الساعة 00,00 الجمعة (05,00 ت غ السبت) في عمل الحكومة الفيديرالية الذي بدأ في 22 ديسمبر، الـ21 يوماً التي سجلت في عهد كلينتون. 
وقد دامت الأزمة المالية، في عهد الرئيس الديموقراطي، المرة الأولى، ستة أيام - من 14 إلى 19 نوفمبر 1995، ثم من 16 ديسمبر إلى 6 يناير 1996. 
والاقفال الجزئي يطول كل مرافق الحكومة، باستثناء الوكالات الامنية، وهو تسبب ببطالة 800 ألف عامل، لم يتقاضوا مرتباتهم منذ نحو ثلاثة اسابيع. واصاب الاقفال العاصمة واشنطن بشكل خاص، اذ تعيش فيها اكبر نسبة من العاملين في الحكومة. 
وبسبب انقطاع مداخيلهم، راح بعض الموظفين الحكوميين يعملون كسائقي سيارات اجرة (اوبر)، لكن واشنطن وضواحيها شبه فارغة بسبب التوقف الحكومي عن العمل، ويزيد في الطين بلة ان عدد الموظفين الحكوميين كبير ممن حوّلوا سياراتهم الخاصة الى سيارات بالاجرة، وهو ما رفع العرض في شكل كبير جداً، وسط طلب ضعيف. 
وفيما يعاني بعض سكان العاصمة الاميركية من ضائقة مالية حادة، ويعاني بعضهم صحياً بسبب توقف ضمانهم الصحي رغم حاجتهم لعلاج مستمر، حاول بعض المؤسسات الدينية، المسيحية واليهودية والاسلامية، المساهمة في فك ضائقة المأزومين، وراحت مؤسسات الخدمات - مثل الكهرباء والمياه والهاتف - تعلن توقفها عن مطالبة موظفي الحكومة بسداد أي من المبالغ المتوجبة عليهم الى حين نهاية الاقفال الحكومي. حتى المسارح ودور السينما، أعلن بعضها السماح لموظفي الحكومة وعائلاتهم حضور العروض التي يقدمونها مجانا. 
ثم أدلت الطبيعة بدلوها، وكأنه لم يكن ينقص واشنطن المقفرة والحزينة إلا عاصفة ثلجية ساهمت في المزيد من التعطيل، في وقت تراوح عملية اعادة فتح الحكومة في مكانها، بسبب تصلّب ترامب واصراره على عدم التوقيع على اي قانون لتمويل المؤسسات الحكومية ما لم يتضمن القانون مبلغ 5 مليارات و700 مليون دولار لتمويل بناء جدار فاصل على الحدود الجنوبية مع المكسيك، يمنع تدفق الوافدين غير الشرعيين، الذي بلغ عدد من دخلوا منهم الولايات المتحدة قرابة 400 الف، العام الماضي. هؤلاء طلبوا اللجوء الانساني، متذرعين بانفلات الأمن، وخطورة العيش في دولهم، مثل في هندوراس وفنزويلا وغيرها. 
وفيما يواصل مجلس النواب في الكونغرس، الذي سيطرت عليه، منذ مطلع يناير الجاري، غالبية تابعة للحزب الديموقراطي المعارض، اقرار القوانين المتتالية التي تهدف الى فتح وكالات الحكومة الفيديرالية ووزاراتها، من غير وزارة الأمن القومي المعنية بموضوع أمن الحدود الجنوبية حتى يتم التفاوض على موازنة هذه والجدار في وقت لاحق، يتمسك ترامب بمبدأ، اما تمويل كامل، بما في ذلك للجدار، أو لا تمويل للحكومة ابداً. ورفض يعني سقوط المشروع في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه حزبه الجمهوري. 
ومع استمرار الأزمة واصرار كل طرف على موقفه، أعلنت مصادر البيت الابيض ان ترامب يستعد لاعلان موضوع الجدار «أزمة وطنية طارئة»، وهو ما يخوله الانفاق بمرسوم تشريعي، ومن دون قانون صادر عن الكونغرس. 
وأعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) عن توفر 13 ملياراً اضافية في موازنتها، كانت مخصصة للكوارث الطبيعية العام الماضي، ما يعني انه يمكن انفاق المليارات الخمسة المطلوبة على بناء الجدار. لكن هذه الالتفافة عرضة لقيام الهيئات الاهلية بمقاضاة الحكومة ووقف بناء الجدار، على اعتبار ان موضوع الحدود لا يندرج في خانة «أزمة وطنية طارئة»، كما يقول ترامب. 
ونشر الرئيس الأميركي، الجمعة، على «تويتر» صورة تظهر قسما جديداً حديدياً من الجدار، مؤكداً أنه «مضاد للتسلق وعال جدا وقوي وجميل». 
ووسط احباط موظفي الحكومة الفيديرالية، واقفال العاصمة بشكل شبه كامل، تدهورت شعبية ترامب، لتصل معدل 40 في المئة، في وقت اعتبر 54 في المئة من الاميركيين انهم يعارضون سياسات الرئيس. حتى مراكز استطلاع الرأي، مثل «راسموسن» اليميني، اظهر ان معارضي ترامب اكثر من مؤيديه بنسبة تسع نقاط مئوية، وهي نسبة مرتفعة تنذر بأن اقفال الحكومة قد «يكلف ترامب رئاسته»، حسب ما عنونت مجلة «اتلانتيك»، التي تملكها أرملة مؤسس شركة «آبل» الراحل ستيف جوبز.

الثلاثاء، 8 يناير 2019

الحركات الإسلامية تعادي الديمقراطية

حسين عبد الحسين

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" بيانا أظهر ارتفاعا، بلغت نسبته 42 في المئة، في أعداد الأتراك ممن هجروا بلدهم العام الماضي، ليصل إجمالي مهاجري العام 2018 إلى قرابة ربع مليون نسمة، وهو ما يشير إلى أن النخبة التركية لا تراهن على مستقبل بلادها، وأنها لا ترى جدوى البقاء فيها. وهو ما يشي بأن الرواية التي دأب على تقديمها الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي ينسب لنفسه فيها الفورة الاقتصادية والبحبوحة التي عاشها الأتراك على مدى العقدين الماضيين، لم تعد تنطلي على كثيرين.

وكان أردوغان عمد إلى الاستدانة لتمويل فورة اقتصادية، بنى عليها ضرورة بقائه. لكن الفورة لا بد أن تنتهي، فيبقى أردوغان حاكما أوحدا، يبرر للأتراك نهاية العيش الرغيد بإلقائه اللوم على تآمر خصوم الداخل، وأعداء الخارج، وما إلى هناك من نظريات مؤامرة يقوم الدعائيون العاملون في بلاط السلطان بتصويرها وكأنها حقيقة قائمة، وهو أمر ممكن بسبب قضاء جمهورية أردوغان على الإعلام المستقل، وبسبب الرقابة التي تفرضها على مواقع الإنترنت العالمية.

اقرأ للكاتب أيضا: المسيحيون ورسول المسلمين

وأردوغان، الذي يحكم تركيا على مدى العقود الثلاثة الماضية ـ من مواقع متعددة في الدولة، منها رئاسة الحكومة وبعدها رئاسة الجمهورية ـ هو زينة قادة الحكومات الإسلامية، بالنظر إلى الحركات الإسلامية حول العالم، التي تخال نفسها في مصاف الحكومات، مثل إمارة "طالبان" الأفغانية المندثرة، وحكومة "الشباب" في الصومال، و"الدولة الإسلامية في العراق وسوريا" (داعش)، وحكومة "حماس" في قطاع غزة.

بعد أكثر من نصف قرن من النضال في صفوف المعارضة، فضلا عن بعض التجارب في الحكم، أثبتت الحركات الإسلامية أن مشروعها ليس بديلا للاستبداد العربي (أو التركي أو الإيراني)، وأن الاسلاميين يختبئون خلف ثورات داعية للديمقراطية، فيما هم يعارضون الديمقراطية، والحريات الفردية، والنظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية؛ بل إن الاسلاميين يعارضون مبادئ عصر التنوير بأسرها. هكذا، صار جليا أن ما يصبو إليه الإسلاميون حول العالم هو استبدال ديكتاتوريات العسكر، أصحاب الشوارب، بطغيان الإسلاميين، أصحاب اللحى.

وعلى غرار تجربة الجزائر، وبعدها مصر، أثبت الإسلاميون أن الديمقراطية بالنسبة إليهم تعني انتخابات حرة لمرة واحدة فقط، يقومون بموجبها بالاستيلاء على السلطة، ويسارعون بعدها إلى تعديل الدستور، حتى بأغلبية بسيطة لا تكفي لإقرار تعديلات دستورية، وبذلك يحوّل الإسلاميون "حكم الأكثرية" إلى "طغيان الأكثرية".

ولأن الإسلاميين، مثل العلمانيين العرب، لا يفهمون ماهية الحكومة ودورها، فهم ينيطون بها أدوارا أوسع بكثير من المعقول، فتمضي الدولة معهم في مشروع هندسة مجتمعية، تؤدي إلى إقامة دولة يعتقدونها فاضلة، تلغي الحرية والتعددية وتستبدلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي حالة طغاة العرب من غير الإسلاميين، يوظف هؤلاء الحكومة في عملية تعميم عبادة الفرد.

إسلاميو مصر لم يشذوا عن قاعدة "الانتخابات للاستيلاء على السلطة"، وهم في عمر حكمهم، القصير نسبيا، حاولوا تعديل الدستور، وإعادة تصميم الدولة على شكل إسلامي، فيما راح الرئيس السابق محمد مرسي يبحث عن نظام عالمي بديل عن القائم، وأعلن مرارا عن نية حكومته الانضمام إلى كتلة "بريكس" (وهي كتلة وهمية من بنات أفكار محلل اقتصادي أميركي، تلاها إعلان روسي فارغ بإقامة بنك باسمها برأس مال قيمته 50 مليار دولار).

وكراهية الحركات الإسلامية للغرب تنبع من مصدرين: الأول؛ هو الحسد والغيرة التي يكنها الطغاة حول العالم، من روسيا والصين وإيران إلى تركيا ومصر وفنزويلا، تجاه التفوق الغربي، فتعمد دعاية هؤلاء إلى تصوير هذا التفوق وكأنه وهمي، وتصوير نفسها وكأنها تضاهي في عظمتها الديمقراطيات، خصوصا في الأوقات التي تبلي اقتصادات الديكتاتوريات بلاء حسنا.

والحقيقة أن الدول غير الديمقراطية، عندما تواجه اقتصاداتها عقبات، يلجأ طغاتها إلى تشتيت الانتباه بالانخراط في حروب، أو التهديد بها، مثل ديكتاتور الصين شي جين بينغ، الذي تواجه بلاده مخاطر التعثر الاقتصادي، فيرد بالتهديد بإعادة تايوان إلى السيادة الصين، حتى عسكريا لو اقتضى الأمر. ومثل شي، ينخرط الروسي فلاديمير بوتين في مغامرات عسكرية في أوكرانيا وسوريا، في محاولة لإظهار بلاده ـ التي لا تقوى حتى على وقف تدهور سعر صرف عملتها ـ وكأنها تقارع القوى الغربية على الساحة الدولية.

ومثل شي وبوتين، ينخرط الإسلامي الإيراني علي خامنئي في مواجهة "قوى الاستكبار" التي جعل منها فزّاعة يخيف بها شعبه الجائع. أما الاسلامي التركي أردوغان، ففزّاعاته كثيرة، منها حليفه السابق وخصمه الحالي فتح الله غولن، ومنها المجموعات الكردية المسلحة في سوريا. كذلك، يسعى أردوغان إلى تصوير نفسه في مصاف زعماء الأمم الكبرى، فتارة يظهر معانقا بوتين، وطورا في ضيافة رؤساء أميركا المتعاقبين.

المصدر الثاني لكراهية الإسلاميين للغرب الديمقراطي، وخصوصا الولايات المتحدة، سببه ماورائي ديني، ومفاده أن رب العالمين ينصر من يرضى عليهم من البشر، وهو ما يعني أن نجاح أميركا وفشل الدول الإسلامية يشير إلى انحياز رباني إلى الغرب الكافر المسيحي بدلا من الشرق المؤمن المسلم.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران كما تتصور نفسها

ثم أن الإسلاميين يعتقدون أن خلاص العالم يكمن في "العودة إلى الإسلام الصحيح"، وفي إعادة إحياء دولة فاضلة متخيلة يسميها الإسلاميون "العصر الذهبي"، أي حكم الخلفاء الراشدين (632 ـ 661 ميلادية)، وهو عصر شهد مقتل ثلاثة من الخلفاء الأربعة.

أما في حال تبين أن "العصر الذهبي" ممكن استعادته بدون "العودة إلى الإسلام الصحيح"، مثل في حالة تفوق الغرب، تنتفي الحاجة حينذاك إلى الدين كخلاص للدولة، ويصبح الدين لله والوطن للجميع، وهي المقولة التي يرفضها الإسلاميون، المعتدلون والمتطرفون، لاعتقادهم أن الوطن والناس ـ لا العبادة فحسب ـ هم لله أيضا، وهو ما يضع دولا بأسرها، مع شعوبها، رهينة حكومات إسلامية سياساتها مبنية على الماورائيات، وعلى أحاديث عمرها أربعة عشر قرنا ومتنازع على مصداقيتها.

في كل الأحوال، يكره الإسلاميون الديمقراطية، حتى لو اختبأوا خلف ثورات مشروعة ضد الطغيان.

الأحد، 6 يناير 2019

الأميركيون يشدّدون على استمرار عزلة الأسد... عربياً وعالمياً

واشنطن - من حسين عبدالحسين

علمت «الراي» من مصادر ديبلوماسية اميركية، ان واشنطن توافقت مع حلفائها العرب على عدم توفير التوافق المطلوب لاعادة نظام الرئيس السوري الى عضوية الجامعة العربية. ولا تتوقع المصادر عودة بشار الأسد الى المنظمات الدولية الاخرى، مثل منظمة العالم الاسلامي، بل انها ترى العزلة الدولية التي يعاني منها مستمرة. 
وقالت المصادر ان الأسد وحلفاءه عمدوا في الآونة الاخيرة إلى اشاعة اجواء مفادها بان عواصم العرب والعالم تتسابق للانفتاح عليه وانهاء العزلة المفروضة على دمشق منذ اعوام. لكنها «اشاعات من باب التمنيات، وهي اشاعات غير صحيحة جملة وتفصيلاً»، حسب المصادر. 
ومثلما تطلّب تعليق عضوية حكومة الأسد اجماعاً داخل الجامعة، تتطلب استعادته العضوية اجماعاً مشابهاً، وهو «اجماع لن يتوفر»، حسب ما سمع المسؤولون الاميركيون من نظراء عرب لهم، ووافقوهم الرأي في ذلك. 
ويلفت المسؤولون الى ان الاجماع تعذر كذلك يوم حاول بعض العواصم العربية منح كرسي سورية في الجامعة الى المعارضة، ما يعني ان موضوع العضوية لا يرتبط بسياسة البلد العربي الذي يترأس الدورة السنوية للجامعة ويستضيف انعقاد قمتها، بل هو مرتبط باجماع كامل اعضائها، وخروج عضو واحد عن الاجماع، يعطله. 
وتابعت المصادر ان الموقف الغربي والعربي تجاه سورية لم يتغير، وان الأسد قد يكون تغلب عسكريا على معارضيه واستعاد السيطرة على جزء كبير من الاراضي السورية، لكن القوى العربية المؤثرة، ومعها اميركا واوروبا، تتمسك بالديبلوماسية التي تجبر الأسد على القبول بتسوية حقيقية مع معارضيه، ثمنا لخروج سورية من عزلتها الدولية. 
وتعتبر ان قيام بعض الحكومات العربية باعادة علاقاتها الديبلوماسية مع الأسد، بسبب اعتقادها بان الاجماع العربي متعذر، وان انتظارها رفع الجامعة عقوباتها عن نظام الأسد قد لا يتحقق في المستقبل المنظور، وهو ما يعني ان التحرك الاحادي، من وجهة نظر هذه الدول، كان افضل لها من انتظار الاجماع العربي. 
وتختم المصادر الأميركية ان عددا من العواصم العربية، ومنها صديقة وحليفة لواشنطن، سعت لاقناع ادارة الرئيس دونالد ترامب بالتواسط لدى العرب الآخرين، ولدى الاوروبيين كذلك، لرفع العزلة المفروضة على الأسد. «قد نكون منقسمين حول موضوع تواجد قواتنا في سورية» في مناطق شرق الفرات، تقول المصادر، «ولكننا في واشنطن متوافقون تماما، والرئيس ترامب معنا، ان المصلحة الأميركية تقضي بابقاء الضغط الديبلوماسي على الأسد الى اقصى حدود، الى ان يتراجع ويدخل في التسوية التي يطلبها كل المجتمع الدولي، والتي أعلن تأييدها حتى أقرب حلفاء الأسد، مثل روسيا».

واشنطن تُراهن على «ضمانة» الكويت لأي تسوية خليجية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

منتصف الشهر الماضي، وعلى اثر الانفراج في مفاوضات اليمن التي جرت في السويد، وفي خضم الديبلوماسية التي تقودها واشنطن في أفغانستان لرعاية مصالحة بين كابول وحركة «طالبان»، وهي ديبلوماسية تتضمن زيارات مكوكية تجريها وفود أميركية إلى عواصم خليجية، أوعز وزير الخارجية مايك بومبيو إلى الديبلوماسيين الأميركيين بمفاتحة نظرائهم الخليجيين بشأن إمكانية توسيع التوافق بينهم في أفغانستان ليشمل التوصل إلى تسوية للأزمة الخليجية المستمرة منذ سنة ونصف السنة، بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من ناحية، وقطر من ناحية ثانية.
ومنذ ذلك التاريخ، أطلّ عدد من المسؤولين الخليجيين ليستبعدوا الحوار والتسوية، في تصريحات بدت وكأنها رد ضمني على المجهود الديبلوماسي الأميركي.
لكن بومبيو لم يتراجع، وأبلغ الديبلوماسيين الأميركيين المعنيين أن التسوية الخليجية «هي في صلب المصالح القومية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط». 
ويقول العارفون إنه من وجهة نظر وزير الخارجية «من شبه المستحيل مواجهة إيران، والتوصل إلى تصفير صادراتها النفطية، وعزلها ديبلوماسياً في المنطقة، من دون إعادة اللُّحمة الخليجية».
وتؤكد المصادر الأميركية أن بومبيو «لا يهتم إنْ عادت الكيمياء بين زعماء الدول الحليفة أم لم تعد، وأن ما يهم واشنطن هو أن ترتفع مصالح دول الخليج القومية فوق أي مصلحة أخرى».
وتضيف أن الوزير، الذي سيختتم جولته في المنطقة بزيارة الكويت منتصف الشهر الجاري، يعمل عن كثب مع السلطات الكويتية منذ وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الابيض، مطلع العام 2017، وانه يعتقد أن «للكويت رصيداً كبيراً بين الأفرقاء الخليجيين المتنازعين»، وانه «بسبب رصيدها، يمكنها، ليس لعب دور الوساطة فحسب، بل ضمانة التزام الأفرقاء المتخاصمين ببنود أي تسوية يتم التوصل إليها».
ووفقاً للمصادر، فإن المصالحة الخليجية أساسية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، لسببين رئيسيين: الأول هو «مكافحة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة»، والثاني التوصل إلى مصالحة أفغانية، وهي مصالحة لا تنفصل عن ملف إيران، إذ إن الجمهورية الاسلامية عملت على الإفادة من الحرب الافغانية على مدى العقدين الماضيين، ولا بد من التوصل إلى تسوية تغلق الباب في وجه الإيرانيين.

السبت، 5 يناير 2019

القوات الأميركية باقية في سورية وتترك أفغانستان قبل نهاية العام

واشنطن - من حسين عبدالحسين

بعد أكثر من شهر من الاضطراب والتخبط الذي ساد دوائر القرار، توصلت واشنطن الى قرار مفاده بأن القوات الأميركية المنتشرة في سورية، والبالغ عددها ألفي جندي، باقية فيها. وتوصلت واشنطن كذلك الى اجماع بأن القوات الأميركية المنتشرة في افغانستان، والبالغ عددها 45 الفاً، هي في طريقها الى الانسحاب قبل نهاية العام، في وقت تواصل الديبلوماسية الأميركية عملها على التوصل الى تسوية بين الحكومة الافغانية وحركة «طالبان»، وهي تسوية تتم برعاية، وتسهيل، وضمانة دول خليجية.
في الملف السوري، وفي ما يشبه تمرد المؤسسة العسكرية على قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من سورية، ووفقا لما كانت أوردته «الراي» في اليوم الذي تلى اعلان ترامب قراره، الشهر الماضي، حول امكانية عدم تنفيذ القرار الرئاسي بالتذرع بجدول زمني بلا موعد نهائي لاتمامه، ستواصل القوات الأميركية انتشارها في المناطق السورية شرق الفرات، حتى اشعار آخر. 
وتم تأكيد القرار الاميركي على اثر لقاء عقده كبار أركان المؤسسة العسكرية في وزارة الدفاع (البنتاغون)، بحضور وزيري الدفاع بالوكالة والخارجية باتريك شانهان ومايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون. ونقلت قناة «الحرة» الأميركية عن مسؤول في البنتاغون «ان المهمة العسكرية الأميركية في سورية لم تنته بعد». 
وفي قول يعاكس صراحة ما سبق ان اعلنه ترامب حول انتهاء عملية القضاء على تنظيم «داعش»، قال المسؤول الاميركي انه «ما زال الكثير من المهمات والعمليات التي ينبغي القيام بها في سورية، وخصوصا ضد تنظيم داعش». 
ويعزو المتابعون في العاصمة الأميركية اسباب الاستدارة في الموقف الاميركي الى انفراد ترامب في قراره، الذي كان اعلنه في تغريدة، حول اتمام القضاء على «داعش»، وحول اعطائه اوامر لوزارة الدفاع بضرورة الانسحاب الفوري من هناك. 
ثم بعد زيارة ترامب المفاجئة إلى العراق، للمشاركة في عيد الميلاد مع الجنود الاميركيين في قاعدة عين الأسد، استمع الرئيس الى آراء الضباط الميدانيين، الذين اقنعوه باستحالة السيطرة على مناطق «داعش» في سورية من دون تواجد القوات الأميركية هناك، وان متابعة القضاء على التنظيم وضمان عدم عودته من العراق وحده ستحتاج الى بضعة آلاف اضافية من الجنود الاميركيين، خصوصا في حال الانسحاب من سورية والتخلي عن المجموعات الكردية المسلحة، التي ترفد القوة الأميركية بآلاف المقاتلين، وهم المقاتلون الذي تصنفهم تركيا - حليفة اميركا والتي اقنع رئيسها رجب طيب اردوعان نظيره ترامب بضرورة الانسحاب الاميركي من سورية - بمثابة «ارهابيين». 
ومع خروج جيمس ماتيس من وزارة الدفاع، وفي وقت يعتقد البعض ان خلفه بالوكالة سيبدي حزما اكثر واستعدادا للخوض في مغامرات عسكرية، خصوصا ضد ايران، تقول مصادر اميركية رفيعة المستوى لـ «الراي» ان شانهان من اكثر المتمسكين بالديبلوماسية مع الايرانيين. 
وقبل تعيينه وكيلا لوزارة الدفاع صيف العام 2017، سبق لشانهان ان عمل في مناصب رفيعة المستوى في شركة «بوينغ» الأميركية العملاقة للطيران، والاخيرة كانت من ابرز المندفعين نحو اتفاقية مع طهران، وهي وقعت عقودا بقيمة 25 مليار دولار مع الايرانيين، قبل ان يتسلم ترامب دفة الرئاسة، وينسف كل انواع التعاون والانفتاح على الجمهورية الاسلامية. 
على ان العاصفة التي اثارتها التغريدة الرئاسية حول سحب واشنطن قواتها من سورية هدأت، وعادت بذلك الولايات المتحدة الى سياستها التي عملت على تطويرها على مدى السنتين الماضيتين، وهي سياسة تقضي بمتابعة تمركز القوات الأميركية في وادي الفرات، لمنع عودة «داعش»، وللاطباق على نقاط استراتيجية تحتاجها ايران لتزويد ميليشياتها في سورية بالسلاح والمقاتلين. 
في الوقت نفسه، ستواصل واشنطن سياستها القاضية بحرمان نظام الرئيس السوري من أي أموال يحتاجها لاعادة الاعمار من دون توصل بشار الأسد ومعارضيه الى تسوية سياسية حقيقية تقضي بكتابة دستور جديد، واجراء انتخابات، وقيام حكومة وحدة وطنية.

الثلاثاء، 1 يناير 2019

المسيحيون ورسول المسلمين

حسين عبد الحسين

أعلن كل من وزير عدل لبنان، المسيحي سليم جريصاتي، ودار فتوى الطائفة السنية، ومجموعة من المحامين، نيتهم الادعاء على اللبناني المقيم في الولايات المتحدة، مارك عيسى، بتهمة الإساءة لرسول المسلمين، والعمالة لمصلحة "العدو الصهيوني".

وتنص المادة 317 من قانون العقوبات اللبناني أن "كل عمل، وكل كتابة، وكل خطاب، يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية، أو الحض على النزاع بين الطوائف وعناصر الأمة، يعاقب عليها بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات".

أما الكتابة موضوع الشكوى، فتغريدة لعيسى ـ في معرض شجار كلامي ـ أورد فيها التالي: "المسيح قال من يأخذ بالسيف، بالسيف يهلك، وهذا هو السبب خلف 1400 سنة من الحروب الأهلية التي يعيشها المسلمون بين بعضهم البعض، لأنهم أخذوا كل شيء بالسيف"، واصفا النبي وصحبه بعبارات يعدها المسلمون مسيئة. 

وتحميل الدين الاسلامي كل العنف الذي شهده العالم، عبر التاريخ، يعاكس المنطق، فالعنف سبق الإسلام، وتلاه، ونبوخذ نصر سبى القدس قبل ألفية من الإسلام، واجتاح بعده اسكندر المقدوني العالم قبل الإسلام، واجتاح أباطرة روما وفارس بعضهم البعض قبل الإسلام، وعاشت أوروبا عصورها الظلامية بعد الإسلام، وبدونه، وذهب العالم إلى حربين كونيتين مدمرتين لم يكن فيهما للإسلام حصة تذكر.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران كما تتصور نفسها

على أن رأي عيسى في سبب العنف الذي يعيشه العالم، و"الحروب الاهلية التي يعيشها المسلمون" لا يعنينا. ما يعنينا هو ما يعتبره المسلمون إساءة لهم في وصفه رسولهم بالكذاب، وادعاء حكومة لبنان ضده بتهمة "إثارة النعرات المذهبية"، ومحاولة بعض المسلمين التحريض ضده، ومطالبة أشقائهم المسلمين حول العالم بإيذائه، إن أمكن، وفي أي مكان يصادفونه.

ما يقوله عيسى، أو غيره، عن رسول المسلمين أو أي رسول آخر أو عن الذات الإلهية، شأنه، وأقواله هذه تندرج في خانة حرية الرأي، المطلقة بطبيعتها، باستثناء التحريض على العنف.

وهذه المشكلة متكررة مع المسلمين، إذ هم يتوقعون أن يبدي كل البشر، من المؤمنين برسالة محمد ومن غير المؤمنين، احتراما له، وهو أمر يتعارض مع حرية المعتقد وحرية الرأي. ففي العالم خمسة مليارات بشري لا يؤمنون بمحمد ونبوته، بل إن هناك بعض المليارات ـ مثل المسيحيين ـ ممن يعتقدونه نبيا مزيفا، ويؤمنون أن العقيدة التي نشرها بين أتباعه هي انحراف عن العقيدة الصحيحة، أي المسيحية، والقائلة بتجلي الذات الإلهية بشخص المسيح، الذي مات على الصليب، وقام، وصعد إلى السماء، وسيعود.

وبنفس الطريقة التي يرى المسيحيون فيها المسلمين على ضلالة، يبادل المسلمون المسيحيين الرأي، إذ يعتقد المسلمون أن المسيح كان إنسانا، حمل رسالة توحيد كرسالة محمد، وأنه لم يمت على الصليب. كما يعتقد المسلمون أن اعترافهم بتاريخية المسيح، وحدها، هي بمثابة احترام للمسيحيين وعقيدتهم، فيمضون في معايدة المسيحيين بميلاد "النبي عيسى المسيح"، وهي معايدة، على لياقتها، بمثابة الإساءة إلى المسيحيين لتشكيكها بألوهية ابن الرب، يسوع المسيح، حسب العقيدة المسيحية.

هكذا، يصبح التعبير عن عقيدة أي من الطرفين، المسيحيين والمسلمين، إساءة بذاته لمعتقدات الآخر، فلا المسيحيون يستسيغون وصف مسيحهم برسول، ولا المسلمون يعجبهم إنكار نبوة محمدهم واعتبار تعاليمه ضلالة.

لا بأس في اختلاف العقيدة والرأي، فالمسيح ومحمد وجهها دعوتيهما إلى كل الناس ـ لا إلى المؤمنين بهما فحسب ـ وقبول أي من هاتين الدعوتين وتبجيل صاحبيهما، أو رفض أي منهما وتقذيع الداعي، هو في صميم حرية المعتقد، وعلى المسلمين أن يفهموا ـ للمرة المليون ـ أن ما هو مقدس عندهم لا يلزم غيرهم بإبداء أي احترام أو حساسية تجاهه، وهي نفس الحرية التي تسمح للمسلمين بتوجيه شتائمهم يمينا ويسارا، إن في إصرار كتابهم أن اليهود شعب ملعون جاحد بمكرمات الخالق، أو في سخريتهم من شعوب يظنون أنها تتعبد للأبقار أو للأصنام أو لغيرها.

حرية الرأي مطلقة، لا بداية لها ولا نهاية، وباستثناء التحريض الذي يؤدي إلى موت ـ مثلا أن يحضر شخص في مسرح مكتظ ويصرخ "حريق"، ما قد يتسبب بهلع وضحايا ـ لا قيود على الحرية.

اقرأ للكاتب أيضا: الإعلاميون ومصداقيتهم

أما من تثيره كلمة، وتدفعه لارتكاب أعمال عنف أو قتل، فالمشكلة تكمن في تدني مستوى ذكائه، وفي قلّة نضجه، وفي عدم مقدرته على العيش في كوكب بشري يتنوع فيه الأفراد، ولا يتراصفون متطابقين في آرائهم وطباعهم وعاداتهم.

وهو ما يقودنا إلى استنتاج مفاده أن سبب العنف عبر التاريخ و"الحروب الأهلية بين المسلمين" ليس تعاليم الاسلام، ولا مبادئ المسيحية، ولا أي دين آخر، بل السبب هو فشل بعض المجتمعات في فهم أهمية الحرية الفردية، منها حرية الرأي، وتصور هذه المجتمعات نفسها كمجموعة متجانسة مؤلفة من بشر متطابقين في آرائهم وممارساتهم وفي رسم الحيز العام على صورتهم الفاضلة المتخيلة، ما يجعلهم "أمة واحدة".

هذه الأمة المتخيلة، ورسالتها المفترضة، هي أساس العنف والحروب، لا مارك عيسى وما يغرده.

Since December 2008