الثلاثاء، 17 يناير، 2012

ماذا لو كانت «القاعدة» في سورية فعلا؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يجهد نظام الرئيس السوري بشار الاسد في الصاق العنف الذي يمارسه ضد المدنيين السوريين المطالبين بسقوطه الى «تنظيم القاعدة» احيانا، والى تنظيمات ارهابية مزعومة اخرى من غير ان يسميها احيانا اخرى، في ما يسعى موالون لبنانيون لهذا النظام الى تصوير لبنانيين ينتمون الى الطائفة السنية ويؤيدون رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بأنهم من المتشددين الذين يساهمون في تغذية العنف في سورية.
الا ان سياسة الحكومة السورية و»لبنانييها» مبنية على اعتبارات عالمية تلاشت مع خروج الرئيس السابق جورج بوش من الحكم، الذي شن وفريقه حرب كونية ضد «الارهاب» على اثر اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. 
مع اواخر العام 2007، حاولت ماكينة الدعاية السورية اللبنانية تصوير الحرب التي خاضها الجيش اللبناني في مواجهة «تنظيم فتح الاسلام» في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، شمال لبنان، على انها حرب ضد التطرف الاسلامي الذي ترعاه السعودية في المنطقة، خصوصا عن طريق الحريري في لبنان.
ونجحت هذه الماكينة في زرع مقالة عن طريق سيمور هيرش، صديق وزير الاعلام اللبناني السابق ميشال سماحة، في مجلة «نيويوركر» المرموقة.
ونسب هيرش قصته، التي زعم فيها ان تيار الحريري قدم المال والسلاح لـ «فتح الاسلام»، الى العميل السابق في الاستخبارات البريطانية، المقرب من «حزب الله» الذي يسكن في بيروت اليستر كروك.
في ذلك الزمن، كان الاتهام بمساندة التنظيمات الارهابية تهمة كافية لاخافة واشنطن، والمجتمع الدولي من خلفها، ودفعها للطلب الى انظمة حول العالم، كنظام الاسد الامني، في المساعدة في مطاردة هذه التنظيمات.
في المقابل، كانت واشنطن تشيح بوجهها بعيدا عن اي ممارسات ممكن ان ترتكبها الانظمة المشاركة في الحرب على الارهاب. 
لذا، وجدت دمشق و«لبنانييها» انه من المناسب الصاق تهمة «التطرف الاسلامي» بخصومها. حتى ان عملية اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري، في فبراير 2005، الصقت بالتنظيمات الارهابية نفسها المشكوك في استقلاليتها والمحسوبة على الانظمة الامنية في المنطقة. 
في وقت لاحق، اظهرت وثائق «ويكيليكس» ان كبار المسؤولين الامنيين في النظام السوري عرضوا على نظرائهم الاميركيين، الذي بدأوا بالتردد الى دمشق بعد العام 2009 وبعد انتخاب باراك اوباما رئيسا، «خدماتهم» في المساعدة في «الحرب العالمية على الارهاب».
الا ان السفير دانيال بنجامين، المسؤول عن «مكتب مكافحة الارهاب» سابقا في وزارة الخارجية والذي زار دمشق مرارا، كان هو نفسه من اشرف على الغاء مفهوم الحرب على الارهاب، مستبدلا كلمة «ارهاب» بكلمة «العنف المتطرف».
هذا «العنف المتطرف»، بدوره، لم يعد ينطبق في شكل شامل على المجموعات الاسلامية السنية، في وقت باشرت واشنطن، مع حلول العام 2008، بالحوار مع اعداء الامس من الاسلاميين في العراق، في ما تخوض اليوم ادارة اوباما حوارات متواصلة مع «حركة الطالبان» في افغانستان.
لم تعد تهمة «الارهاب» المنسوبة الى بعض المجموعات الاسلامية حول العالم تخيف واشنطن، التي قررت خوض الحوار مع هذه المجموعات وتوجيه ضربات موضوعية ضد الشخصيات المتطرفة التي تحرض على العنف ضد الاميركيين، فقضت على عدد كبير من قياديي «القاعدة»، كان في طليعتهم زعيمها اسامة بن لادن واليمني انور العولقي وغيرهما. 
قد يكون من الاجدى لو التفت نظام الرئيس الاسد من حوله قليلا ليرى انه في اليوم نفسه الذي كانت وسائل الاعلام الرسمية السورية، وتلك الموالية له في لبنان، تتحدث عن ارهابيين نفذوا تفجيرا انتحاريا في حي الميدان في دمشق، منذ يومين، كان مساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان يعقد جولات حوار مع قياديين في «الاخوان المسلمين» في مصر.
لم يعد الخوف من التنظيمات الاسلامية المتطرفة يؤثر في صناعة السياسة الاميركية الخارجية تجاه الشرق الاوسط، كما في زمن جورج بوش. ولم يعد تاليا هذا الخوف عاملا مؤثرا في صناعة السياسة الدولية. 
ولو قرأ الاسد وفريقه الكتابات الكثيرة التي صدرت منذ هجمات 11 سبتمبر، والتي هدفت الى تقييم الحرب الاميركية العالمية على الارهاب، التي وسمت العقد الاول من هذا القرن، لرأى ان الاميركيين يعتقدون انهم اخطأوا حينما اعتبرت اميركا نفسها «مذعورة» «فتصرفت برعونة لا مبرر لها» على اثر الهجمات.
لذلك، يعتقد فريق اوباما ان اميركا تحت قيادته عادت الى رشدها، وصارت تستهدف اشخاص قلائل يحاولون استهدافها امنيا بدلا من شن حرب عالمية عمياء على كل التنظيمات الاسلامية. اما تنظيمات مثل «فتح الاسلام»، او تلك المزعومة مثل «جند الشام» وغيرها، فلم تعد تثير الرهبة نفسها في نفوس صانعي القرار الاميركيين، كما قبل سنوات قليلة.
لذلك ايضا، لا تثير تصريحات وزير الدفاع اللبناني الموالي لسورية عن وجود للـ «القاعدة» في البقاع، او حديث لبنانيين وسوريين عن تواجد «الارهابيين» في قرية عرسال البقاعية اللبنانية، ذات الاكثرية السنية، اي مخاوف اميركية او غربية، ولا تنفع في تبرير استخدام الاسد للعنف المفرط بحق مواطنيه، خصوصا مع تكرار الاخطاء التي ترتكبها ماكينة الدعاية السورية التي تستخدم فيديوهات لبنانية من موقع «يوتيوب» في فيلم قدمه وزير الخارجية للسوري وليد المعلم، ثم يظهر مصور تلفزيوني وهو يلقي الاكياس على الرصيف لتصويرها وكأنها من بقايا التفجير الانتحاري المزعوم في منطقة الميدان.
يقول ديبلوماسي اميركي لـ «الراي» ان «الاسد مازال يعتقد ان العالم هو في وسط مواجهة مع تنظيمات اسلامية، وان العنف الذي يرتكبه بحق مواطنيه هو جزء من الحرب العالمية على الارهاب. لكن هذه الحرب انتهت، وبن لادن مات، ولو كان في سورية تنظيمات متطرفة حسبما يزعم الاسد وحلفائه، لكنا طلبنا منه على الارجح مباشرة الحوار معها للتوصل الى حلول واقامة انتخابات برلمانية حقيقية على غرار تونس ومصر».
لم يعد في قاموس الولايات المتحدة ما يبرر احتكار السلطة وممارسة العنف بحق المواطنين، فالحروب الاميركية، ان كان ضد الشيوعية او ضد الاسلاميين المتطرفين، ولى زمانها، وصارت واشنطن متمسكة بالحكومات المنتخبة في صناديق الاقتراع، والتي تمثل مواطنيها وتخضع امامهم للمساءلة.
«لو كان بشار الاسد مدركا ان الزمن من حوله يتغير لما كان وصل ونظامه الى هذا المأزق ولما كانت اندلعت الثورة السورية المطالبة بخروجه من الحكم اصلا»، يختم الديبلوماسي الاميركي.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008