الاثنين، 28 مايو، 2012

حلول الولايات المتحدة في سورية ... سياسية فقط

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في جلسة مغلقة عقدها احد اكبر المسؤولين الاميركيين المكلفين الملف السوري، افاض المسؤول بالحديث عن «العملية السياسية» كمخرج وحيد للأزمة في البلاد التي يعاني فيها الرئيس بشار الاسد من ثورة تطالب بانهاء حكمه منذ اكثر من عام، وقال المسؤول ان الدروس من التجارب الاخرى، وخصوصا العراقية، اظهرت ان لا مستقبل لاي دولة من دون عملية سياسية، وان محاولة التقدم من دون سياسة، او بالمواجهة العسكرية وحدها، هي «كمن يحاول ركوب دراجة ذات عجلة واحدة».
واضاف المسؤول ان الدروس الماضية ايضا اظهرت ان المراحل الانتقالية تحتاج الى مؤسسات تعمل والى شرطة وجيش، وقال ان في ليبيا على الاقل، كان هناك مجلس انتقالي يمكن الاعتماد عليه سياسيا واداريا في مرحلة ما بعد القذافي، اما في سورية، فلا شبيه لـ «المجلس الانتقالي»، ولا احد يعرف من يدير الدولة في اليوم التالي لغياب الاسد عن الحكم.
تدخل احد الحاضرين وقدم الى المسؤول سؤالا ذي شقين، وقال: «اذا اعتبرنا انه علينا ان ننتظر المعارضين السوريين ليقدموا بديلا سياسيا مقنعا للأسد، كما تفضلت، هذا يعني اننا نؤيد بقاء الاسد حتى تتوصل المعارضة الى تنظيم مقبول». في الشق الثاني، قال المتحدث: «اما اذا اعتبرنا ان المعارضة لن تقدر على تقديم البديل، وان نظام الاسد، بشار وماهر وصحبهم، انهاروا غدا، او الاسبوع القادم، او الشهر المقبل، ماذا يحصل وقتذاك؟ هل نعتبر انه لا بد لسورية من الدخول حتميا في مرحلة الفوضى؟».
سكت المسؤول واطرق رأسه واستغرق نحو نصف دقيقة ليبدأ بتقديم اجابته، وتحدث ببطء، وقال: «ما اقوله هو ان موضوع سورية هو، اولا واخيرا، مسؤولية السوريين، وعليهم ان ينظموا انفسهم ليقدموا حلولا».
منذ اليوم الاول لاندلاع الثورة السورية في مارس من العام الماضي، لم تحد واشنطن عن تمسكها بالحل السياسي. في الاشهر الاولى للثورة، تمسكت الولايات المتحدة - لا بالحل السلمي من خلال مطالبتها بالاصلاحات فحسب - بل اثنى المسؤولون الاميركيون، تصدرتهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ جون كيري، على مقدرة الاسد في قيادة بلاده الى الخروج من الازمة بتقديمه وتطبيقه للاصلاحات.
لكن مع مرور الوقت وازدياد عدد ضحايا قوات الاسد، وجدت واشنطن من الصعوبة التمسك بالرئيس السوري، فتغير موقفها واستغنت عن تمسكها به، وان ضمنيا وبخجل، فالمسؤولون الاميركيون، بدءا من الرئيس باراك اوباما، لم يحدث ان تخلوا يوما عن اعتبارهم ان الحل في سورية سياسي فقط. حتى عندما طالب اوباما برحيل الاسد، فعل ذلك في اطار الاصلاحات، معتبرا ان على الاسد اما الاصلاح، واما ان «يحيد عن الدرب» لتمضي الاصلاحات من دونه.
منذ ذلك الحين، والتصريحات الاميركية - كما سياستها عامة حول سورية - متضاربة. فريق اميركي يعمل على الاتصال بالمعارضة السورية ومحاولة تقديم المساعدة كي تنجح في توحيد صفوفها، كخطوة اولى لحوار داخل سورية يؤدي الى اصلاحات. فريق ثان، بقيادة مساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان، ابدى مواقف اكثر تصلبا في وجه نظام الاسد، وكان من اول المبادرين، اثناء جلسات استماع الكونغرس التي شارك بها، الى التأكيد بأن الاسد «اصبح جزءا من التاريخ».
واذا كان الاسد اصبح جزءا من التاريخ، ما جدوى قبول واشنطن خطة مبعوث السلام الاممي - العربي كوفي انان وخطط الحوار السياسي التي تنص على حوار المعارضة مع الاسد؟ ولم الطلب من المعارضة ان تتوحد لتتحاور مع نظام تجزم واشنطن بقرب انهياره ورحيله وتحوله الى جزء من الماضي؟
الاجابات في واشنطن متضاربة. هناك فريق لا يمانع الحوار مع الاسد، وهو الفريق نفسه الذي حاول عقد جلسة توحيدية في القاهرة برعاية الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي لمجموعتين المعارضة الرئيسيتين: «المجلس الوطني السوري» ومجموعات اخرى «معارضة» ومتواجدة داخل سورية وعلى علاقة جيدة بالاسد وباركان نظامه. 
«قطر والدول العربية الاخرى، على عكس رغبة البعض في واشنطن، هي التي حضت المجلس الوطني على نسف اجتماع القاهرة»، يقول معارض سوري مقيم في العاصمة الاميركية. «اجتماع القاهرة كان يهدف الى الخروج بوفد، يحمل مجموعة من التوصيات، لاستخدامها في الحوار المطلوب اجراؤه حسب البند السادس من خطة انان»، حسب المعارض.
المشكلة، يقول المعارض نفسه، ان «المفروض ان بند الحوار هو الاخير بعد التأكد من تنفيذ البنود الخمسة الاولى التي تتضمن وقف اطلاق النار، والافراج عن المعتقلين، والسماح لوسائل الاعلامية بالدخول الى سورية». هناك فريق في العاصمة الاميركية «مصمّم على الحل السياسي الذي يتخيله، حتى لو عنى ذلك الحوار مع الاسد الذي ينتفض السوريون للمطالبة برحيله»، يختم المعارض.
الفريق الاميركي نفسه المتمسك بحوار، غير معلومة اطرافه او اهدافه، هو الذي مازال يوعز الى اوباما وادارته بالتمسك بكلمة «تفشل» في صيغة الفعل المضارع عند الحديث عن مبادرة انان، بدلا من اعلان فشل المبادرة، على غرار ما فعله بعض كبار المسؤولين العرب المعنيين بالموضوع السوري.
الا ان فريقا اميركيا آخر يعتقد ان مبادرة انان فشلت، وان الحنكة تقتضي بدفع الامور قدما حتى يعلن انان نفسه ذلك، فيتحمل مجلس الامن مسؤوليته ويتحرك لوقف مجازر الاسد. 
«بعد اعلان فشل مبادرة انان، لن يعود في جعبة الروس او الصينيين المزيد من الاعذار، ويصبح هناك حرج في استخدامهم للفيتو للمرة الثالثة»، يقول المسؤول الاميركي في الجلسة المغلقة نفسها التي حضرها ديبلوماسيون من السفارتين الروسية والتركية.
بحوار او بغيره يجمع الاميركيون على ضرورة دعمهم للسوريين، وتظهر الارقام ان واشنطن انفقت اكثر من 14 مليون دولار على لاجئين في الدول المجاورة لسورية منذ مطلع العام، وتقول مصادر ان واشنطن تعمل في شكل مكثف لتأمين وسائل تكنولوجية تساعد السوريين في التواصل في ما بينهم، بعيدا عن اعين رقابة الاسد، وتساعدهم في الاستمرار في نقل الصورة من داخل سورية عبر شبكة الانترنت. ويقول المسؤول الاميركي ان «ايران تسعى في الوقت نفسه الى مساعدة الاسد في فرض رقابة على كلام السوريين في ما بينهم، وفي عزلهم عن شبكة الانترنت، وهذا ان حصل، يؤمن للأسد الظروف الملائمة لتنفيذ مجازر على غرار مجزرة حماة» التي نفذها والده الرحل حافظ في الثمانينات.

هناك تعليق واحد:

Lagerung يقول...

Allah is with you ... :)


Since December 2008