الجمعة، 2 يونيو 2017

واشنطن تستعد لتصنيف «الحرس الثوري»... إرهابياً

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

إدارة ترامب لا تنوي توسيع عقوباتها على النظام المصرفي اللبنانيمنذ دخول الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض في 20 يناير الماضي، لم ينجح في الحصول على مصادقة قانون واحد في الكونغرس، الذي تسيطر عليه غالبية من حزب ترامب الجمهوري. حتى نقض قانون الرعاية الصحية المعروف بـ «أوباما كير»، تمت المصادقة عليه بفارق صوت واحد في مجلس النواب، ولا يزال متعثراً في مجلس الشيوخ، ما يعني أن تحوله إلى قانون نافذ ما زال متعذراً.

مشروع قانون واحد فقط يمر بسرعة في الكونغرس بغرفتيه، هو قانون «مكافحة نشاطات ايران المزعزعة للاستقرار»، الذي حاز موافقة اللجنة المتخصصة في مجلس الشيوخ الاسبوع الماضي، وكذلك في مجلس النواب. ويأمل عرابو القانون في أن تتم المصادقة عليه في الهيئة العامة في الغرفتين، وإرساله الى البيت الابيض حيث يوقعه ترامب ويتحول قانوناً نافذ المفعول، قبل ذهاب الكونغرس الى عطلته السنوية مع بدء أغسطس المقبل.

أبرز ما في قانون العقوبات الجديد على ايران يكمن في اعلانه «الحرس الثوري» تنظيماً إرهابياً، وهو ما من شأنه أن يوسع دائرة العقوبات الأميركية على الأفراد والكيانات الايرانية، وتلك الموالية لها في منطقة الشرق الاوسط، لتشمل عدداً غير مسبوق.

ورد اللوبي الموالي لايران في العاصمة الاميركية في بيان أصدره «المجلس القومي الإيراني - الأميركي»، تضمن تهديداً ضمنياً لادارة ترامب مفاده ان تصنيف «الحرس» تنظيماً إرهابياً يعرّض أمن الجنود الاميركيين في العراق للخطر، وهو تهديد يرجح أن واشنطن استبقته، حسبما أوردت «الراي» الاسبوع الماضي، بإرسال رسائل عبر قنوات غير مباشرة إلى طهران مفادها أن أي تعرض من إيران أو حلفائها للجنود الأميركيين في العراق أو سورية ستكون عواقبه وخيمة، وقد تتضمن قيام الولايات المتحدة باستهداف مواقع داخل إيران.

ويبرر الكونغرس وترامب القانون الجديد على خلفية الاستعراضات الايرانية لبرنامجها الصاروخي الباليستي. وعلى الرغم من ان الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران ينص على أن فرض أي عقوبات تتعلق بالبرنامج النووي الايراني، بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، يبطل مفاعيل الاتفاق ويجعل إيران في حلّ منه، إلا أن العقوبات الاميركية الجديدة تتفادى أي ذكر للبرنامج النووي وتلتزم موضوعي الصواريخ ودعم إيران لميليشيات في المنطقة.

ويبدو أن البيت الابيض والكونغرس يعملان على أساس تفادي المساس بالعقوبات النووية التي علّقها الرئيس السابق باراك أوباما، فترامب وقّع على تمديد للاعفاء من العقوبات الذي وقعه أوباما على إثر التوصل الى الاتفاق النووي.

وفرض العقوبات الاميركية الجديدة على ايران لا تعني عقوبات دولية، ولا تعني عقوبات أميركية شاملة على الجمهورية الاسلامية، فشركة «بوينغ» الاميركية العملاقة وقعت عقداً بقيمة 3.3 مليار دولار قبل أسابيع، ولم تثر إدارة ترامب اي اعتراضات. وبذلك أصبحت قيمة عقود «بوينغ» مع الإيرانيين تفوق 20 مليار دولار، وهي أموال من شأنها أن تبقي مصانع الطائرات الاميركية تعمل، وهو ما يدركه ترامب، ويحاول تفادي عرقلته، على الرغم من بعض الاعتراضات في الكونغرس التي اعتبرت ان ايران ستستخدم هذه الطائرات المدنية لنقل الاسلحة والمقاتلين الى سورية ولبنان والعراق.

ويبدو أن السبب الابرز خلف العقوبات الاميركية الجديدة، والعرجاء نوعا ماً، على الايرانيين، هو استفزاز طهران حتى تقوم الأخيرة بنقض الاتفاق النووي، وهو ما يعني عودة تلقائية - بموجب بنود الاتفاق - للعقوبات الاقتصادية القاسية على إيران، لا الأميركية فحسب، وإنما الدولية التي كانت مفروضة قبل الاتفاق.

هذا يعني أن نجاح واشنطن في إعادة العقوبات الدولية على ايران، بشكل يسمح لترامب عدم تمديد الاعفاء للعقوبات الايرانية التي وقعها أوباما، هو رهن ردة الفعل الايرانية تجاه قانون العقوبات الاميركي، الذي يتجه في طريقه إلى المصادقة في الاسابيع القليلة المقبلة.

في سياق متصل، يعتقد المتابعون ان الولايات المتحدة لا تنوي توسيع عقوباتها على اللبنانيين أو على النظام المصرفي اللبناني، بعدما امضى اللبنانيون أشهراً يتداولون التوقعات حول رزمة اميركية جديدة تشمل لبنانيين من حلفاء ايران و«حزب الله».

الهدف من العقوبات الاميركية المقبلة على إيران هو استفزاز طهران بشكل كاف لحملها على نقض الاتفاق النووي وتالياً عودة العقوبات الدولية عليها. أما فرض عقوبات على حلفاء إيران في لبنان والعراق، أو على نظامي هاتين الدولتين المصرفيين، فلا يفيد إدارة ترامب كثيراً، بل قد يؤذي القلة القليلة المتبقية من أصدقاء الولايات المتحدة في بيروت وبغداد.

التهويل على قطر

حسين عبدالحسين

للوهلة الأولى، تبدو واشنطن وكأنها انقلبت على قطر، ومصممة على انهاء التحالف معها، بالتزامن مع فرض عقوبات على الدوحة. لكن التدقيق في الأمر يشي بأن ما يجري في واشنطن هو حملة تهويل تقودها مجموعة واحدة، تتوزع على مركز ابحاث ونصف، من اصدقاء اسرائيل، بتشجيع من بعض الديبلوماسيين المقيمين في العاصمة الاميركية. 

المركز المذكور هو “جمعية الدفاع عن الديموقراطيات”، الذي انبرى ثلاثة من اعضائه الى تدبيح مقالات ضد الدوحة، قبل ان يستضيف المركز نفسه حلقة حوار تحدث فيها رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الجمهوري اد رويس، ووزير الدفاع السابق روبرت غايتس، والديبلوماسي السابق ومهندس الاتفاقية النووية مع الايرانيين الديموقراطي جايك سوليفان.

ولتوخي الدقة، لا بد من التذكير ان حملة مركز الابحاث هذا ضد قطر بدأت حتى قبل زيارة الرئيس دونالد ترامب الى السعودية، مع نشر الباحث جوناثان شانزر مقالة في “نيوزويك” هاجم فيها الدوحة لاستضافة قياديين في حركة حماس، فضلا عن خمسة قياديين من الطالبان، مع ان قادة الطالبان استضافتهم قطر بطلب من واشنطن، لاتمام صفقة تبادل سجناء بين الولايات المتحدة وحركة الطالبان، وهي صفقة أدت الى الافراج عن الجندي الاميركي بوي بيرغدال. 

وبعد زيارة ترامب السعودية، وقبل اندلاع الأزمة، الاعلامية في معظمها، بين قطر، من ناحية، والسعودية والامارات من ناحية ثانية، نشر جون هانا، مستشار الأمن القومي لدى نائب الرئيس السابق ديك تشيني، والذي يعمل باحثا في “جمعية الدفاع عن الديموقراطيات”، مقالة في “فورين بوليسي” دعا فيها قطر الى الاختيار بين ان تكون حليفة للولايات المتحدة، او مساندة لما اسماها المجموعات الارهابية، يعني في الغالب حماس وتنظيم “الاخوان المسلمين”. 

بعد الأزمة القطرية مع السعودية والامارات، استضاف مركز ابحاث “جمعية الدفاع عن الديموقراطيات” جلسة حوارية، وعد فيها عضو الكونغرس رويس بالبدء بنص مشروع قانون للعقوبات على قطر ما لم تتخل الدوحة عن استضافة قياديين في حماس و”الاخوان”، وما لم تمتنع حكومة قطر عن تمويل مجموعات اسلامية متطرفة حول العالم. ووعد رويس بالطلب الى القيادة العسكرية اغلاق قاعدة العديد في قطر، وهو ما قال عنه غايتس انه امر ممكن.

ومن نافل القول ان الهجوم على قطر لا يرتبط بزيارة الرئيس ترامب الى السعودية واسرائيل، ولا بالأزمة الخليجية، فجلسة حوارية على طراز التي تحدث فيها رويس وغايتس وسوليفان تتطلب اعدادا مسبقا قبل شهر او اكثر، وهو ما يشي ان الأزمة في الخليج هي امتداد للحملة على قطر في واشنطن، لا انعكاس لها. اما اسباب الحملة على قطر، فمتنوعة. في الخليج، مطالبة لقطر بادانة ايران وحظر الاخوان واعادة قادتهم الى دولهم. 

لكن حظر الاخوان — حتى قبل ادراجهم على اللائحة الاميركية للتنظيمات الارهابية، ناهيك عن لائحتي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية — هو موضوع معقد، وهو ادى لأزمة خليجية مشابهة في الماضي، وانتهت الأزمة من دون ان يغير اي من الافرقاء موقفهم من الموضوع. 

 الاسباب التي قد تفسّر اكثر الحملة على قطر في واشنطن، قد يكون مردها الى عدم التزام قطر بالاجماع الخليجي المفترض، لا تجاه ايران، بل تجاه اسرائيل، فما نشرته صحيفة “وال ستريت جورنال” عن التطبيع الخليجي الاسرائيلي المحتمل، قبيل زيارة ترامب الى الرياض، جاء من مصادر ديبلوماسية تحدثت باسم الخليج، وهو موقف يرجّح ان قطر ترفضه، وهو ما يبرر حملة اصدقاء اسرائيل في واشنطن ضد الدوحة لحملها على التراجع والتزام خطة “من الخارج الى الداخل”، اي سلام خليجي اسرائيلي يسبق السلام الفلسطيني مع الاسرائيليين، على عكس الاطار التقليدي لمفاوضات السلام والمكرّس في مبادرة الجامعة العربية ٢٠٠٢ في بيروت. 

ومن لا يعرف، فان المسؤول الابرز عن موضوع السلام الخليجي مع الاسرائيليين هو اليهودي الارثوذوكسي الاميركي جايسون غرينبلات، صديق صهر ترامب جارد كوشنر. وكان غرينبلات في عداد الوفد الاميركي في الرياض، وقضى مساء الجمعة الى مساء السبت في غرفة فندقه التزاما بالسبت اليهودي، لينشط يوم الأحد في كل اللقاءات الثنائية التي عقدها ترامب. 

في هذه الاثناء، قاربت واشنطن اقرار قانون “مكافحة نشاطات ايران المزعزعة”، المتوقع ان يعلن “الحرس الثوري” الايراني تنظيما ارهابيا، وهو قانون يعقد الأمور، في ظل تمديد ترامب اعفاءات أوباما على ايران، التزاما بالاتفاقية النووية. ويقول اصدقاء اسرائيل ان العقوبات على ايران في مجال الارهاب هدفها دفع ايران الى كسر الاتفاقية النووية، وهو ما يعيد العقوبات تلقائيا. لكن اميركا لن تكسر الاتفاقية لأن ذلك لا يعيد العقوبات الدولية، فان لم ينجح القانون الاميركي الجديد في استفزاز الايرانيين، يكون بلا فائدة. اما الحديث عن عقوبات في الكونغرس على قطر، فحديث يقتصر على حفنة من شخصيات واشنطن، ولا تلوح بوادر للاعتقاد ان وراءه الكثير من الجدية. 

Since December 2008