الأحد، 10 يناير 2016

بيانات الوظائف الإيجابية الأميركية تذكّر بالاقتصاد القوي نهاية الألفية الثانية

حسين عبدالحسين - واشنطن

أعاد تقرير الوظائف الأميركية إلى الأذهان صورة الاقتصاد الأميركي القوي، كما بدا نهاية الألفية الثانية، بعد إعلان وزارة العمل أن الاقتصاد الأميركي أوجد 292 ألف وظيفة، فيما بقي معدل البطالة عند خمسة في المئة.

وأظهر التقرير أن الاقتصاد الأميركي أضاف 14.1 مليون وظيفة خلال الأشهر الـ70 الماضية، وهذه أطول نسبة ارتفاع في عدد الوظائف في التاريخ الأميركي. وكانت وزارة العمل أعادت النظر في تقارير الوظائف الماضية، فاعتبرت أن الاقتصاد أضاف 51 ألف وظيفة في تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) الماضيين، ما دفع نسبة مشاركة اليد العاملة إلى الارتفاع إلى 2.62 في المئة.

وأشارت تقارير إلى أن عدد الوظائف الأميركية عامي 2014 و2015 ارتفع 5.6 مليون وظيفة، ما يجعلهما أفضل عامين لجهة زيادة عدد الوظائف منذ البحبوحة التي عاشتها البلاد بين عامي 1998 و2000. ومع صدور التقرير الأخير، أصبح عام 2015 ثاني أفضل عام لجهة الزيادة في معدل الوظائف شهرياً، إذ بلغ 221 ألفاً، فيما بلغ معدل عام 2014 نحو 260 ألف وظيفة شهرياً، وعام 2013 نحو 199 ألفاً، وعام ٢٠١٢ نحو 188 ألفاً. وفي ذروة الأزمة الاقتصادية عام 2009، خسر الاقتصاد الأميركي 424 ألف وظيفة شهرياً على مدى العام. وتظهر الدراسات الأميركية أن البلاد تحتاج اليوم إلى 77 ألف وظيفة شهرياً لمواكبة الزيادة في عدد سكانها، وهو رقم تراجع عن الماضي بسبب الشيخوخة التي تصيب التركيبة السكانية. ويعزو المسؤولون التراجع الطفيف في زيادة عدد الوظائف عام 2015 مقارنة بالعام السابق، إلى التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد العالمي، خصوصاً في الصين. وأدى تباطؤ الاقتصاد الصيني إلى تراجع في الطلب على الطاقة عالمياً، فتراجعت أسعارها، ما أدى إلى خسارة قطاع الطاقة الأميركي ثمانية آلاف وظيفة الشهر الماضي، في وقت أظهر تقرير وزارة العمل أن أكبر محرك لزيادة الوظائف الأميركية يرتبط بالاقتصاد داخلياً، وهو قطاع البناء الذي أضاف 45 ألف وظيفة، يليه قطاع النقل والتخزين بـ23 ألف وظيفة، فقطاع المعلوماتية بـ16 ألف وظيفة.

وعلى رغم تعثر أكبر الاقتصادات العالمية، وانخفاض حجم الصادرات الأميركية، حافظ قطاع الصناعة الأميركية على حيويته في الحد الأدنى بإضافته ثمانية آلاف وظيفة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وفي وجه الانتقادات التي تعرضت لها إدارة الرئيس باراك أوباما، لجهة أن الزيادة في عدد الوظائف لم تنعكس ارتفاعاً في مدخول الأميركيين، أظهرت بيانات وزارة العمل أن معدل مدخول الأميركيين عام 2015 ارتفع 2.5 في المئة، وهي نسبة أعلى من نسبة التضخم التي لم تصل إلى اثنين في المئة، ما يعني أن الأميركيين أضافوا زيادة قيمية إلى مداخيلهم، وفق الخبراء. وفور شيوع الأنباء عن الأداء الجيد لسوق العمل الأميركية، سارع الخبراء إلى تعديل توقعاتهم لنمو الناتج المحلي في الفصل الرابع العام الماضي. وكانت غالبية الخبراء أبدت تشاؤماً بسبب التباطؤ العالمي، وخفضت توقعات النمو للفصل الرابع من ثلاثة إلى 2.5 في المئة، ثم إلى اثنين في المئة في وقت لاحق. لكن الزيادة في الوظائف تعكس حُكماً تحسناً في النشاط الاقتصادي، ما حدا ببعض الاقتصاديين إلى العودة إلى التفاؤل، فلم يستبعد بعضهم أن يلامس النمو خلال الربع الماضي 3 في المئة.

أما السؤال التالي الذي انبرى الخبراء للإجابة عنه، فهو إلى متى يستمر الأداء الأميركي الاقتصادي الجيد وسط التعثر العالمي؟ وهو سؤال تقلق الإجابة عنه كثيرين، إذ ينقسم الاقتصاديون بين قائل أن الفارق بين أميركا والعالم «سيئ للاثنين»، فيما يعتقد آخرون أنه يمكن الولايات المتحدة أن تقود العالم بأكمله وتخرجه من المرحلة الاقتصادية الحرجة التي يمرّ بها.

وانعكست بيانات الوظائف الأميركية إيجاباً على المزاج العام، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات التمهيدية للرئاسة والمقرّر أن تبدأ مطلع الشهر المقبل، في وقت بات المحللون يعتقدون أن أوباما سيخرج من الحكم وسط أداء قوي للاقتصاد الأميركي، ما سينعكس إيجاباً على صورته في التاريخ وعلى فرص حزبه في الحفاظ على الرئاسة لولاية ثالثة، وهو أمر نادر في تاريخ الانتخابات الأميركية، لكن الاقتصاد يصنع السياسة، أو هكذا على الأقل يعتقد عدد من المتابعين للحقلين: السياسة والاقتصاد والعلاقة بينهما.

الجمعة، 8 يناير 2016

لبنان نموذجا لحلفاء ايران

حسين عبدالحسين

في خضم الأزمة المندلعة بين السعودية وايران، توجهت انظار المسؤولين الاميركيين نحو رئيس حكومة العراق حيدر العبادي وموقفه من المواجهة. ففي وقت تضامن حلفاء السعودية — الكويت والبحرين والامارات والسودان — مع المملكة، وقطعوا او خفضوا مستوى علاقاتهم الديبلوماسية مع ايران، راقب الاميركيون ان كان العبادي سيستجيب للضغط الايراني، الذي تجلى في تظاهرات حركها حلفاء طهران في شوارع بغداد وطالبت بقطع علاقات العراق مع السعودية.

وكانت السعودية افتتحت قبل اسابيع سفارتها في بغداد، بعد ربع قرن على اقفالها، وبعد وساطة اميركية حثيثة.

وإثر اعتداء ايرانيين على سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، والتظاهرات المعادية للسعودية في بغداد، اتصل وزير خارجية العراق ابراهيم الجعفري بنظيره السعودي عادل الجبير، وأكد له ان أمن البعثة السعودية في العراق محفوظ، فتنفس المسؤولون الاميركيون الصعداء، وراحوا يشيرون الى ما وصفوه “افتراق العبادي عن ايران”، للدلالة على ان رئيس حكومة العراق ليس رجل طهران في بغداد.

وتوسع المسؤولون الاميركيون في اشادتهم باستقلالية العبادي وتقديمه مصلحة العراق على املاءات ايران، فشدد الناطق باسم الحرب ضد داعش الكولونيل ستيف وارن على غياب ميلشيات “الحشد الشعبي” الشيعية عن معركة تحرير الرمادي، وقال ان “الحشد العشائري”، وهو قوة سنية قوامها خمسة آلاف مقاتل تابعة لوزارة الداخلية العراقية، هي التي “ستمسك” الرمادي بعد انسحاب القوات الحكومية منها.

واعتبر المسؤولون الاميركيون ان العبادي يلتزم الحياد في الأزمة الايرانية مع السعودية، وانه يعمل على تقويض قوة الميليشيات الشيعية التابعة لايران بوقف مرتبات مقاتليها (في وقت قال وزير المالية هوشيار زيباري ان اموال الدولة العراقية ستنفد في نيسان المقبل). 

على ان “افتراق العبادي عن ايران” لا يبدو جليا كما يصر المسؤولون الاميركيون، فرئيس الحكومة العراقي سعى منذ فترة للتوسط عند الرياض لاطلاق صراح الشيخ الشيعي الراحل نمر النمر، والعبادي رفض التوقيع على قانون انشاء حرس وطني عراقي يتألف من مقاتلي عشائر غرب العراق السنية، والعبادي زار البيت الابيض وانبرى لاقناع الرئيس باراك أوباما بأهمية دور الميليشيات الشيعية في القتال ضد داعش.

كما تعرف واشنطن ان بغداد تحولت، منذ سنوات، مركزا لتفادي العقوبات الاميركية المفروضة على طهران، وان صورا عملاقة لمرشدي الثورة الايرانيين الراحل الخميني والحالي علي خامنئي تملأ شوارع المدن العراقية. 

وتعرف واشنطن ان النائب جمال جعفر، والمعروف بأبي مهدي المهندس، هو نائب الجنرال قاسم سليماني في العراق، وان المهندس يشارك في كل اجتمعات العبادي الحساسة، ويبقي عينه ساهرة على حركات وتصريحات وسياسات رئيس الحكومة العراقي.

على عكس ما يقوله المسؤولون في ادارة أوباما، يبقى العراق واحدا من ابرز حلفاء ايران في العالم. طبعا المفهوم الايراني للحلفاء يختلف عن مفهوم السعودية، فالسعودية تتصرف كدولة، وتتعامل مع حلفائها كحكومات ندية، اما ايران، فهي تتصرف مع حلفائها كنماذج مشابهة للنظام الايراني الذي يسوده الانفصام بين اصحاب الكلمة العليا المرشد والحرس، من جهة، والرئيس وحكومته والجيش النظامي كوجه آخر يحكي ولا يحكم، من جهة اخرى.

لبنان هو النموذج الأقدم لحلفاء ايران. في لبنان حكومة وجيش، لكنهما يعيشان في ظلّ “حزب الله”، الذي يشارك في الحرب السورية وباقي حروب ايران حول العالم. 

ومثلما سكت لبنان الرسمي عن الأزمة السعودية - الايرانية في وقت شن “حزب الله” حملة ضدها، كذلك سكتت حكومة العراق عن الأزمة نفسها، فيما حلفاء ايران داخل العراق يقاتلون في حلب وادلب ويتولون الحرب الاعلامية العراقية ضد السعودية.

اما العبادي، فهو مثل نظيره اللبناني تمام سلام، يتزعم حكومة غير قادرة على رسم السياسة الخارجية، ولا ضبط المجموعات المسلحة، ولا تسديد المرتبات، ولا حتى جمع النفايات. 

العبادي وسلام يتلقون اتصالات المسؤولين الاميركيين، يبتسمون، يجاملون الرياض، وطهران لا يزعجها ذلك، فنموذج حلفاء ايران، الذي بدأ في لبنان وانتقل الى العراق، هو النموذج الذي ماتزال تسعى الجمهورية الاسلامية الى تكراره في دول المنطقة الاخرى، وما استمرار الحرب السورية الا دليلاً على تصميم طهران صناعة حليف جديد يستبدل الأسد ومعارضيه ويكمل الطموح الايراني.

Since December 2008