الأربعاء، 9 نوفمبر 2016

ديموقراطية أميركا تأكل نفسها

حسين عبدالحسين

ارتكبت الديموقراطية الاميركية الخطأ القاتل نفسه الذي أهلك قبلها ديموقراطيات اوروبا وأنتج حكومات نازية وفاشستية. الديموقراطية هي حكم الغالبية، لكن ماذا يحصل ان انفلتت الغالبية من عقالها وتوحشت ضد الاقلية؟ في العلوم السياسية، تسمى هذه الظاهرة "طغيان الاكثرية". لذا، ابتكر الآباء المؤسسون للولايات المتحدة سلسلة من الوسائل للحد من حصر السلطة بأيدي اي مجموعة يمكنها ممارسة الطغيان ضد الاخرى. لكن حتى وسائل ضبط الطغيان، تنهار ان انفلت عقال الغالبية.

على مدى القرن الماضي، أقنعت أميركا نفسها والعالم ان الديموقراطية هي حل سحري، وان الغالبية دائما ما تختار مصلحتها والخيار الافضل. وراح المرشحون الاميركيون للرئاسة يتفننون في تقديم برامج ترشيحهم الاقتصادية والسياسية، ويحاولون تقديم انفسهم على انهم حكماء واصحاب ضمير.

لكن انتخاب الجمهوري دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة أظهر أن الديموقراطية الاميركية اما مزيفة منذ نشوئها، او انها ماتت حديثاً.

لم يكترث ناخبو ترامب لإخفائه بياناته الضريبية. لم يهتموا بكذبه الفاضح حول رؤيته المسلمين في نيوجيرسي يرقصون احتفالاً بهجمات 11 ايلول/سبتمبر 2001. لم يكترث مؤيدو ترامب لأن مرشحهم هدد وتوعد الصحافيين والسياسيين، الجمهوريين قبل الديموقراطيين. لم يكترث مؤيدو ترامب الى ان نسبة البطالة هي في ادنى مستوياتها وأن الاقتصاد يحقق نمواً ينفرد فيه بين كبرى دول العالم. 

كل ما يهم مؤيدي ترامب هي ما يسميه الاميركيون "الحرب الثقافية"، وهي ليست ثقافية فعلياً، بل دينية وعرقية وطائفية ومذهبية. هذه الحرب لخصتها الخبيرة السياسية اليمينية العاملة في شبكة فوكس، آن كولتر، في تغريدة: "لو أن القانون يسمح فقط للأميركيين الذي تعود جذورهم الى أربعة أجداد في البلاد، بالاقتراع، لاكتسح ترامب الانتخابات". لا يهم كولتر أن ترامب نفسه أميركي من الجيل الثالث، وأنه لو تم العمل بقانونها، لترشح ترامب في انتخابات لا يمكنه التصويت فيها.

كولتر لا تهمها الدقة. جلّ ما تريده هو أن يتفوق البيض، وينتصروا، ويحكموا، ويثبّتوا التقاليد "الصهيو- مسيحية" المزعومة. هذا هو النداء نفسه الذي أسال لعاب العرب من غير المسلمين، الذي رموا ثقلهم خلف ترامب.

تعتقد غالبية البيض المسيحيين الاميركيين، أن غير البيض وغير المسيحيين من الأميركيين ينتزعون منها مجدها ووظائفها ونفوذها. لا يهم وضع الاقتصاد الاميركي المزدهر، أو أن ترامب لا يعرف الفارق بين حلب والموصل. كل ما يهم البيض المسيحيين الأميركيين هو اقتلاع الرئيس الأسود (الذي يعتقدونه مسلماً سراً) من البيت الابيض، وترحيل المسلمين، وإغلاق الباب في وجوه اللاجئين السوريين، وترحيل الصوماليين، وترحيل حتى المسيحيين من جذور أميركية لاتينية لأنهم من غير البيض. 

ما يهم البيض الأميركيين هو تأكيد وصول رئيس جمهوري يعيّن قاضياً مسيحياً محافظاً في المقعد الشاغر في المحكمة الفدرالية العليا، حتى يتسنى لهذه المحكمة تثبيت "الوصايا العشر" على مداخل المحاكم الفدرالية، وإجبار كل طلاب المدارس الرسمية على تأدية الصلاة المسيحية صباحاً، وحظر قوانين المثليين، ومنح الكنائس اقتطاعات ضريبية. 

ما يهم ترامب والأميركيين هو نفسه ما يهم تنظيمات مثل "القاعدة" و"الدولة الاسلامية"(داعش)، وهو الانخراط في حرب حضارات، حرب ثقافات، حرب دينية، وتحويل العالم الى بقع من العروق الصافية، يعيش البيض المسيحيون في بلاد، والمسلمون العرب في بلاد، والأعراق الأخرى كل في بلده، ويخوضون في سباق عسكري سياسي وديبلوماسي يكون فيه الفوز للأقوى، لا للأكثر انسانية.

لكن التاريخ، إن علّمنا، فهو علّمنا أن لا وجود لأمة ذات عرق واحد ومذهب واحد، بل أمم ومذاهب وآراء. ربما دخل ترامب البيت الابيض على ظهر موجة عارمة من التأييد الشعبي بين البيض الاميركيين. لكن الفوز في الانتخابات شيء، والحكم شيء آخر. وقريباً سيجد ترامب نفسه امام خيار من اثنين: إما أن يعدّل من مواقفه ويقترب من الوسط حتى يتمكن من الحكم، وهو ما سيضطره الى التراجع عن عدوانيته وعنصريته، وإما أن يتمسك بتطرّفه ويجد نفسه في مواجهة مع الوسطيين الجمهوريين البيض قبل أن يخوض في معارك مع الآخرين.

انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة ليس نهاية ديموقراطيتها، بل هو الخطوة الاولى في اتجاه النهاية. فإما أن يتابع ترامب انتصاراته بعنصريته، ويهزم الديموقراطية الاميركية، أو تعود الغالبية الى رشدها وتلفظه وتخرجه من البيت الأبيض.

«الفيل» ترامب... رئيساً

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

فجّر المرشح الجمهوري دونالد ترامب، قنبلة مدوية ضخمة امتد صداها إلى كل انحاء العالم، بتغلبه على منافسته الديموقراطية في ليلة طويلة لم ينهها الا اتصال هيلاري كلينتون بالرئيس المنتخب الـ 45 لتعترف بهزيمتها في ساعات الفجر الأولى. وتضاعفت خسارة الديموقراطيين بفشلهم في استعادة الغالبية في مجلس الشيوخ، بعدما كانت استطلاعات الرأي تظهر حتمية استعادتهم لها. هكذا، استعاد الجمهوريون، للمرة الاولى منذ العام 2006، البيت الابيض والكونغرس بغرفتيه.

وبذلك، خالفت حملة الدعاية الانتخابية التي خاضها ترامب للوصول إلى البيت الأبيض كل الأعراف وقلبت المؤسسة السياسية رأساً على عقب بقدراته الفائقة على الترهيب والمبالغة، وبراعته في التعامل مع وسائل الإعلام والتي جعلت منه واحداً من أشهر رجال الأعمال في العالم.

فعلى عكس كل الاستطلاعات والتوقعات التي رسمها الحزب الديموقراطي وشعاره «الحمار»، حصل مرشح الجمهوريين وشعارهم «الفيل»،على أكثر من 288 من الأصوات الإجمالية البالغة 538 صوتاً للفوز بمنصب الرئاسة، بفارق كبير عن هيلاري.

وتعد نتيجة الانتخابات صفعة وجهها الأميركيون إلى إعلامهم - الذي ساده الوجوم عندما تقدم ترامب على هيلاري - والذي دأب على مدار أكثر من شهرين على نشر استطلاعات رأي، رجحت جميعها كفة كلينتون.

كما شهدت الأسواق العالمية ارتباكاً حاداً في تعاملاتها أمس، حيث أثار فوز ترامب حالة من التخبط في أسواق النفط والبورصات العالمية.

ورغم تقديم ترامب وعوداً بتكرار البحبوحة التي شهدتها الولايات المتحدة في عهد رونالد ريغان في الثمانينات، وعلى رغم نجاح الحزب الجمهوري بالسيطرة على أفرع الدولة الأميركية، من المستبعد أن تشهد البلاد نمواً كالذي شهدته في زمن ريغان حسب بعض الخبراء بسبب الشيخوخة السكانية وبسبب عدم مقدرة الحكومة الفيديرالية على تمويل النمو بالاستدانة، لتعدّي الدين العام الاميركي 100 في المئة من الناتج المحلي.

هذا ما سيسمح للديموقراطيين باستعادة الغالبية في مجلس الشيوخ على اساس برنامج معاد للمؤسسة الحاكمة - على غرار ما فعل ترامب -، وهو ما قد يسمح لهم أيضاً باستعادة الرئاسة بعد ذلك.

واثر فوزه، أطل ترامب في مدينة نيويورك حيث احتشد مناصروه على بعد اميال قليلة من الموقع الذي كان مقرراً لاحتفال كلينتون ومناصريها، بعدما أطل مدير حملة كلينتون، جون بوديستا وطلب من انصارها الرحيل الى منازلهم، واعداً اياهم بمتابعة فرز الاصوات الذي قد «يستغرق اياماً».

وفي خطاب الفوز، بدا ترامب متراجعاً عن خطابه الانتخابي بعض الشيء، فتخلى عن وعده - على ما يبدو - بمحاسبة كلينتون، وأسماها بالوزيرة وشكرها لخدمتها الطويلة في العمل العام. واشار الى اتصال من «الوزيرة كلينتون وهنأتنا، وانا هنأتها وعائلتها على المعركة التي خاضتها، وهي عملت لوقت طويل وندين لها بشكر كبير لما فعلته لبلادنا».

وفي بادرة اصلاحية، قال ترامب: «الآن الوقت لأميركا ان تطيب من جروحها، وأقول للجميع، جمهوريين وديموقراطيين، انه حان الوقت كي نعود معا كشعب موحد». واضاف: «انا أعد اني سأكون رئيساً لكل الاميركيين، وهذا مهم جدا إلي».

وتابع ترامب، في بادرة حسن نية أخرى: «نحن أمة من كل الأعراق والأديان. عن طريق العمل معا سنعيد بناء بلدنا حتى نحقق الحلم الاميركي».

ومساء، أطل الرئيس باراك أوباما من حديقة البيت الأبيض وقال إنه دعا الرئيس المنتخب إلى البيت الأبيض متعهداً بانتقال سلس للسلطة إلى الرئيس الجديد رغم «الخلافات الكبيرة»

كما أطلّت هيلاري كلينتون لتقرّ بالخسارة، متمنية لترامب التوفيق.

وفي كلمة لأنصارها في فندق في مانهاتن، قالت كلينتون التي كانت محاطة بعائلتها «هنأت دونالد ترامب وعرضت العمل معه لمصلحة بلدنا. آمل أن يكون رئيساً ناجحاً لكل الأميركيين».

وفي وقت اعربت عن اسفها «لاننا لم نفز في الانتخابات من اجل القيم التي نتقاسمها والرؤية التي لدينا تجاه بلادنا»، اعتبرت ان «هذه الانتخابات اظهرت ان الولايات المتحدة منقسمة اكثر مما كنا نعتقد».

وأبرق قادة العالم برسائل تهاني الى ترامب. وفي هذا السياق، عبر سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد في برقية تهنئة الى ترامب عن خالص تهانيه لمناسبة فوزه، متمنياً سموه له موفور الصحة والعافية وكل التوفيق والسداد وللعلاقات التاريخية المتميزة بين الكويت والولايات المتحدة الأميركية الصديقة المزيد من التطور والنماء. وبعث سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد وسمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك برقيتي تهنئة الى الرئيس ترامب.

وفيما وصفت مساعدة وزير الخارجية لشؤون الاميركيتين السفيرة ريم الخالد، علاقات الصداقة الثنائية التي تجمع الكويت والولايات المتحدة بأنها أكثر من ممتازة، استبعدت ان تشهد السياسة الخارجية الأميركية أي تغيير تجاه دول المنطقة مع قدوم رئيس جديد إلى البيت الابيض، مؤكدة ان سياسة واشنطن تجاه دول الخليج بشكل عام ثابتة ومستمرة، وخصوصاً مع الكويت التي تربطها علاقات وصفتها بـ «الاستراتيجية» والمتينة.

وبعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمس، برقية تهنئة إلى ترامب، متمنياً له أن يوفق في تحقيق «الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط والعالم».

وفي طهران، أعلن الرئيس حسن روحاني أنه «من غير الممكن» أن يلغي الرئيس المنتخب الاتفاق النووي، «رغم تهديده بذلك».

وصرح روحاني أمام حكومته أن «موقف ايران من الاتفاق النووي هو أن الاتفاق لم يبرم مع دولة واحدة أو حكومة واحدة بل تمت المصادقة عليه بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، ومن غير الممكن أن تغيره حكومة واحدة».

Since December 2008