الثلاثاء، 11 أبريل 2023

لبنانان لا لبنان واحد

حسين عبدالحسين

طغا في الأسابيع الأخيرة جدال حول هوية #لبنان، عربية أم فينيقية، ونقاش حول مستقبله، موحّد مركزيّ أم فيدراليّ أم دويلات. اللبنانيون الذين يرون لبنان عربياً، وأغلبيتهم من المسلمين، يتمسّكون بوحدته بلا فدرلة ولا تقسيم، في مواجهة من يرون لبنان فينيقياً غير عربي، ويطالبون بتقسيمه دويلات، أو في أضعف الإيمان تحويله إلى فدرالية.


وهذا النقاش غريب لأنّه يربط بين تاريخ الدولة ومصيرها، وهو ما يدفع البعض إلى اعتبار أيّ قراءة للماضي مغايرة عن التي يتبنّونها بمثابة خيانة وطنية اليوم، مع أن التاريخ للتاريخ، فيما يقوم الحاضر على المصالح لا على الأساطير.

والجدال هذا بدأ مع قيام لبنان الكبير، الذي أراد آباؤه المؤسّسون أن يقيموا لهوية تاريخية وثقافية ودينية منفصلة عن باقي عرب الإقليم لتفادي الانضمام إلى وحدة عربية تعيد غير السنّة في لبنان إلى الزمن العثماني الذي عاشوا فيه كذميين، أي مواطنين من الدرجة الثانية. هكذا، استنبط آباء لبنان المؤسّسون ما تيسّر من تاريخه الفينيقي، السابق للحضارة العربية، واعتبروا لبنان اليوم امتداد الدولة الفينيقية المتخيلة.


ولم يكن الآباء هؤلاء مسيحيين فحسب، بل كانوا خليطاً من غير السنة، وكان في طليعتهم زعيم الدروز الراحل كمال جنبلاط، الذي قال في خطاب في "الندوة اللبنانية" في عام 1946، أي بعد ثلاث سنوات على نيل لبنان الاستقلال، إن شاطئ لبنان "شاهد، منذ آلاف السنين، على نشوء أول دولة مدنيّة، ونمو وانتشار الفكرة القومية الأولى، وقيام أول إمبراطورية بحريّة، وظهور أول شكل نظام تمثيلي ديمقراطي تحقق في نظام الملكية الانتخابية والساقطين ومجلس المئة والأربعة أعضاء في قرطاجة". وأضاف جنبلاط أن حضارة لبنان الفينيقية ظهرت يوم "كانت البشرية الأولى تتعثر في خطاها، وقبل أن يشع نور أثينا ويسيطر العدل الروماني على العالم القديم".


ووصف جنبلاط لبنان بـ"البقعة النادرة من العالم"، واعتبر — مستعيراً من الأفكار التوحيدية حول نشوء الحكمة والعقل وآدم الصفاء — أنّ لبنان نما فيه "وعي قومي داخلي، كأن لبنان يعي لبنان، وكأن قيام أولى الحركات الاستقلالية فيه في الشرق على إطلاقه، تجلّ لهذا الوعي الذاتي العميق – في هذا الوطن ذي الحضارة الإنسانية المتفتح لجميع التيارات الفكرية العالمية".




ومثل جنبلاط، وجد شيعة كثيرون في لبنان الكبير خلاصاً من تعسف حاكم دمشق على البقاع، ومن حملات والي عكّا التي أحرقت الجنوب وأهله مراراً. هكذا، يوم رسم الفرنسيون والبريطانيون الحدود اللبنانية - الفلسطينية، رسموا خطاً بين منطقة أغلبيتها من الشيعة والمسيحيين في لبنان، ومنطقة أغلبيتها من السنّة في فلسطين. لسبب ما، تم ترسيم سبع قرى مارونيّة - شيعية في الجانب الفلسطيني، ما زال لبنان يعتبرها، معنوياً، جزءاً منه، مع أن الانتداب رسمها في فلسطين.


بعد قيامه ليتناسب ومصالح أغلبيته من غير السنة، ابتكر لبنان هوية ربطته بالماضي الفينيقي. لكن العداء السياسي بين اللبنانيين الاستقلاليين واللبنانيين العروبيين تحوّل إلى عداء في التاريخ، فراح العروبيون السنّة ينكرون وجود الحضارة الفينيقية، فيما أمعن اللبنانيون غير السنّة في العداء للعروبة، فصوّروها مذهب بدو الصحراء والجمال من عديمي الحضارة ممّن غزوا لبنان، وحاولوا محو هويته الفينيقية عنوة. وزاد في العداء بين فينيقيي لبنان وعروبييه انتزاع الميليشيات الفلسطينية السيادة من دولة لبنان، بمساعدة لبنانيين ناصريين وعروبيين، خصوصاً أن الحركة القومية الفلسطينية تصوّرت نفسها عروبية إسلامية في عقودها الأولى، ولم تتبنَ خطاباً فلسطينياً قومياً إلى زمن اتفاقيات السلام الفلسطينية مع إسرائيل.


لكن السنّة خرجوا من عباءة العروبة مع دعم السعودية القوميات المحلية، بما في ذلك ياسر عرفات وفلسطينيّته، في وجه العروبة، الناصرية منها والبعثية. ومع حلول عام 1982، لعبت القيادات السنية دوراً أساسياً في طرد عرفات وميليشياته من لبنان، تلا ذلك عودة صانع لبنان في زمن ما بعد الحرب الأهلية رفيق الحريري من السعودية، وقيادته مصالحة بين الهوية اللبنانية كمصلحة قوميّة وسياسية، من ناحية، والعروبة كهوية ثقافية لا موجبات سياسية لها، من ناحية ثانية. وحسناً كتب المفكر اليساري فوّاز طرابلسي، الذي اعتبر أن رؤية الحريري للبنان كانت إعادة إحياء لرؤية أحد مؤسسي دولة لبنان الكبير، العراقي اللبناني ميشال شيحا.

على أن فرحة استقلاليي لبنان لم تكتمل، فمع انحسار القومية العربية السنية الناصرية، صعد بدلاً منها الإسلام الشيعي السياسي بقيادة إيران، فورثت ميليشيا حزب الله البندقية السنية الفلسطينية، وورث "حزب الله" تقويض سيادة لبنان باسم مشاريع عالمية وإقليمية عابرة للحدود، تحت طائلة تخوين أيّ لبناني يرى أن لبنان فينيقيّ مستقلّ عن العرب والمسلمين ومحايد عن قضاياهم.


إصرار "حزب الله" على أن استقلال لبنان يعني انخراطه في المشاريع الدولية لمحاربة الإمبريالية والاستكبار العالمي، كما الإصرار على مواصلة الانخراط في المشاريع الإقليمية لتحرير فلسطين، أعاد النقاش بين المسيحيين حول أفضل سبل الانفصال عمّن كان اسمهم يوماً "موارنة الإسلام"، أي الشيعة، الذين يرفضون اليوم التزام الدستور اللبناني، ويقوّضون السيادة، ويتّهمون اللبنانيين، الذين يتمسكون بالأساطير الفينيقية المؤسسة والمطالبين بالفدرالية، على أنهم خونة وعملاء للغرب وإسرائيل.


لكن لا حاجة للغضب والتخوين، فالدول تقوم على مبدأ حرية الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما ينطبق على لبنان، إذ طالما تعذر التوصل إلى تفاهم مشترك حول معنى سيادة الدولة اللبنانية والحياد كمصلحة قومية للبلاد، لا بأس من تقسيم لبنان إلى دولتين أو أكثر. والتقسيم لا يعني بالضرورة تقسيماً طائفياً، بل على أساس جوهر الدولة ومصيرها، بعد ذاك يمكن الاتفاق أو الاختلاف على أساطيرها المؤسسة، فينيقية أم عربية أم الاثنتين معاً.


كاتب هذه السطور، مثلاً، من الطائفة الشيعية، ولكنه لا يوافق على فكرة تحويل هذه الطائفة إلى تنظيم عسكري حديدي يصرّ على الانخراط في الحروب العالمية والإقليمية، وتنعدم فيها حرية الرأي تحت طائلة المحاسبة القانونية بتهمة الخيانة الوطنية، أو التعييب المجتمعي، أو الإيذاء الجسدي، أو كلّ هذه مجتمعة.




وفي حال قام لبنان ثانٍ على شكل الإمارة الدرزية التاريخية، أو لبنان على شكل لبنان الصغير بحدود المتصرفية أو الجيب المسيحي الذي كان في الحرب الأهلية الأخيرة، فسأتخلى حتماً عن لبنان المقاومة، واستبدل جنسيتي اللبنانية الحالية بجنسية لبنان الدرزي أو لبنان المسيحي، أو أيّ لبنان آخر يرى في السلام التام، مع كل شعوب وحكومات العالم من دون استثناء، حجر زاوية اقتصاد مزدهر ومستقبل باهر. ولينتقل اللبنانيون، من كلّ الطوائف، المتحمسون لتحرير فلسطين وتكسير رأس أميركا، إلى لبنان المقاوم.


طالما أن أغلبية معادي الإمبريالية يشتمون اتفاقية سايكس - بيكو لأنها أقامت حدوداً مصطنعة بين الدول، فلِمَ التمسّك بهذه الحدود؟ يمكن التوجه إلى الشعوب المشرقية بالسؤال اليوم حول كيفيّة تقرير مصيرها، ورسم حدود جديدة لها تساهم في تحسين حالها ومستقبلها، وليكن بدلاً من لبنان الواحد لبنانان، أو ثلاثة، أو أربعة، أو أي ترتيب يقدّم خيارات تقلّص من الانقسامات والمواجهات والكراهية، وتسمح لكل مجموعة لبنانية، بغضّ النظر عن طائفة أفرادها، تحديد شكل دولتها وخياراتها ومصيرها.


ومن نافل القول إن أيّ دعوة الى التقسيم سيتم التعامل معها وكأنها هذيان أو خيانة عظمى، لكن هذا النوع من النقاشات يدور في أعتى ديموقراطيات العالم. بريطانيا أقامت استفتاءً للدخول في الاتحاد الأوروبي، وآخر للخروج منه، فيما فشل انفصاليو اسكتلندا في طلاق إنكلترا، ومثلهم فشل الكاتالان في الانفصال عن إسبانيا. الدول تظهر وتختفي بحسب مصالح شعوبها، ولبنان، الذي وصل عامه المئة وهو في موت سريري، ليس استثناء، بل يمكن تعديل شكله حتى يتناسب ومصالح ناسه، أو يرحل الناس إلى دول تناسب مصالحهم، وهو ما يحصل في لبنان في السنوات القليلة الماضية بوتيرة غير مسبوقة منذ ما قبل قيام الدولة.



*باحث في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات في واشنطن

الجمعة، 24 مارس 2023

عن الاستهزاء بالفينيقيين وبالهوية اللبنانية

حسين عبدالحسين

لم تتأخر العواصم العربية في الرد على تصريحات الوزير الإسرائيلي المتطرف بتسالل سموتريتش، والتي قال فيها إن اليهود هم الفلسطينيون الفعليّون، وإن لا وجود لشعب فلسطيني عربيّ. في الأثناء، قام حساب على موقع "تويتر"، يسمّي نفسه #فينيقيا، ببثّ تغريدة فيها صورة لجواز سفر، أرجوانيّ اللون، لدولة متخيّلة اسمها فينيقيا، وكتب أنّ لبنان، كطائر الفينيق، سينبعث مجدداً من الرماد. التغريدة الفينيقية أثارت عاصفة من الردود التي طعنت بتاريخ الفينيقيين وسخرت من الهُويّة اللبنانية.

قديمة هي الازدواجية العربية في تمجيد الهويّة الفلسطينية والسخرية من نظيرتها اللبنانية، وهو ما كان يُثير استغراب معلّمنا الراحل المؤرّخ كمال الصليبي لدى سماعه العروبيين الذين يردّدون أن لبنان دولة مزيّفة، صنعتها اتفاقيّتا سايكس - بيكو وسان ريمو، فكان يردّ بأن فلسطين هي صنيعة الاتفاقيّات الإمبرياليّة نفسها.

والتاريخ يميل لمصلحة لبنان وتاريخه الفينيقيّ الطويل أكثر منه لفلسطين حديثة العهد. الفينيقيّون حضارة عاشت قرابة ألفيّة ونصف، أي ما يساوي عمر الحضارة الإسلامية اليوم. بدأت الحضارة الفينيقية مع الانتقال من العصر البرونزي إلى الحديدي، في المنتصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد. مدن على امتداد ساحل شرق المتوسط متطابقة في الثقافة واللغة أطلقت على نفسها تسميات متعدّدة، منها "صيدونيين"، تيمّناً بمدينتهم صيدا، ومنها "كنعانيين"، تيمّناً بالاسم القديم للمشرق. أما تسمية فينيقيين فأطلقها عليهم اليونان.

لم تكن فينيقيا دولة واحدة حملت هذا الاسم بل إن الحضارة الفينيقية كانت كالحضارة العربية، حضارة واسعة في ممالك ودول متنوعة انتشرت حول حوض البحر المتوسط، وتنافست في ما بينها، واحترفت الإبحار وما يتطلّبه ذلك من علوم، مثل الفلك والتدوين والرياضيات، واستوحت من الدورة الفلكية أساطير دينية، فتصوّرت المجرات والنجوم على أنّها آلهة، أبرزها الشمس والقمر والزهرة وعطارد.

أقدم نصّ دينيّ توحيديّ منسوب إلى الفينيقيّين، ويتخيّل كيف جبلت الحياة الأولى نفسها من الموادّ الأربع (الماء والتراب والنار والهواء) فصارت صخرة سوداء، وصار اسمها جبلة، وأمضت وقتاً طويلاً تسبح في الفضاء، فراكمت حكمة. ولأنها الحياة الأولى، ولم يخالطها شيء، فكان اسمها صفاء، وأنجبت ولد بدون دونس، ابن كالشمس يغزو الظلام بقوّة، ثم يزول، ليعود في قيامته إلى الحياة مجدداً. نقل اليونان صفاء فصارت آلهة الحكمة صوفيا، وصار ابنها ضوء زوء أو زوس، وعند الرومان زوس باتري (أي الأب)، أي زوبيتر أو جوبيتر.

أما أقدم إنسان، فتخيل #الفينيقيون أن اسمه قدّام (مثل العامية المشرقية) لأنه في طليعة البشرية، وصار عند اليونان قدموس، وارتبط بالأبجدية لأنه الأول، على غرار آدم في القرآن، الذي علّمه الله الأسماء، أي الكلمات والحروف.

هذه الحضارة الفينيقية، المتقدّمة جداً في زمانها، أقامت مستوطنات صار بعضها إمبراطوريات، مثل قرطاجة في تونس. وتونس هو اسم الآلهة تنت، وهو مشتق من الجذر الساميّ الذي يفيد معنى أنثى. في قمّة سطوتهم، كان القرطاجيّون يعتبرون مدينة صور (ومعناها صخرة) قبلتهم، ويحجّون إلى معبدها ملك الأرض (ملكرت)، الذي صار الإله هرقل عند اليونان. ومعبد ملكرت هذا كان داخله عمودان يتوسّطهما حجر أسود، هو جبلة أو صفاء. وكان ينافس صور ومستوطنتها قرطاجة صيدا ومستوطنتها بنزرت. ويبدو أنه بسبب أهمية صور ومعبدها دينياً، قام العهد القديم بربط بناء هيكل الحكمة لسليمان في القدس بالمهندس أحيرام الفينيقيّ الصوريّ.

انتشرت عبادة الحجر الأسود جبلة في عموم حوض المتوسط، حتى بعدما بدأ الفينيقيون رحلة تعرّبهم بسبب انتشار اللغة العربية كلغة تحالف تجاريّ حمل البضائع بين الهند وحوض المتوسط. على أن الفينيقيين حافظوا على معتقداتهم، ففي القرنين الثاني والثالث ميلادي، برز جنرال فينيقي روماني من لبدة الليبية اسمه سبتيمس سيفيريس، وتزوّج سيدة أرستقراطية من حمص السورية وعرقا اللبنانية اسمها جوليا دومنا. صار سبتيمس إمبراطور روما، وخلفه ولداه كركلا وجيتا وبعدهما إيلاجبالوس (أي سيد جبلة). هؤلاء الأباطرة الفينيقيون العرب رعوا معبداً للحجر الأسود في حمص، ونقلوا معهم الحجر الإله إلى روما أثناء حكمهم. صنّف الرومان حمص في محافظة "فينيقيا اللبنانية" لأنّها ضمّت جبال لبنان ومملكة العرب الأيطوريين حكّام البقاع، فيما صنّفوا صور وعكّا الفينيقيّتين في محافظة ”فينيقيا البحرية“ .

كان الفينيقيون أصحاب ممالك وسيادة، وصاروا أباطرة رومان، وانخرطوا بعدها في النظام البيزنطي، وثأروا من روما لقتلها الإمبراطور موريس واستبداله بفوقاس، فاستعادوا مع الإمبراطور هرقل التونسي حكم قسطنطينية، ثمّ انفصلوا عن بيزنطية، وشاركوا في إقامة دولة الأمويين العربية أواخر القرن الميلادي السابع، بعد انقلاب سليل هرقل على خط جدّه الدينيّ، وعودته إلى أحضان كنيسة روما. هؤلاء العرب، ومقرّهم دمشق وحمص وبعلبك والجولان، هم الذين شيّدوا قبة الصخرة في القدس.

لا يقابل هذا التاريخ الفينيقيّ الطويل من الممالك والسيادة والمشاركة في بناء هيكل سليمان وقبة الصخرة أي ممالك ذات سيادة أو أدوار لفلسطينيين في التاريخ. عبر الأزمان، عاش سكّان فلسطين تحت سيادة حكّام من خارج حدود فلسطين، إن من روما وقسطنطينية، أو من دمشق وبغداد، أو من القاهرة وإسطنبول. ولم يُقِم أيّ حاكم عربي أو إسلامي في القدس، حتى بعدما انتزعها صلاح الدين الكردي الأيوبي من الصليبيين، لم يتّخذها عاصمة له.

الفترات الوحيدة التي يذكر التاريخ أن سكّان فلسطين مارسوا فيها سيادة كان في زمن اليهود، الذين سباهم البابليون في القرن السادس قبل الميلاد، وبعدهم بأربعة قرون ملوك اليهود من الحشمونيين. غير السيادة اليهودية على بعض فلسطين لم يمارس سكّان هذه البقعة أي سيادة، ولم يقيموا دولاً ولا ممالك.

حتى بعد الانتداب البريطاني، ثم قيام دولة إسرائيل، لم يتصرّف الفلسطينيون كفلسطينيين، بل كجزء من أمّة عربية أوسع، حتى أن أبرز المواجهات العربية ضد اليهود قادها السوريّان عز الدين القسام وفوزي القاوقجي، إلى أن جاء زمن ياسر عرفات و"حركة تحرير فلسطين" (فتح)، ثمّ سيطرته على "منظمة التحرير الفلسطينية". مع عرفات، استبدل الجزء الأكبر من الفلسطينيين قوميّتهم العربية بقوميّة فلسطينيّة.

نقاش الهوية والتاريخ يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة والسياسات. لا يهمّ إن كان الفلسطينيون شعباً، أو أمّة ذات تاريخ في السيادة، أو هوية تشكّلت قبل عقود فحسب. المهم أن لهؤلاء الناس الحقّ في حياة كريمة مثل باقي البشر. من يحرمهم هذا الحق، وكيف يمكنهم الحصول عليه، هي من الأسئلة السياسية التي تقع خارج نطاق هذا النص عن الهوية والتاريخ.


*باحث في "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" في واشنطن

Since December 2008