الأربعاء، 5 يناير، 2011

تقرير / ما الذي دفع إسرائيل وسورية إلى فتح قناة سرّية؟

| واشنطن من حسين عبد الحسين | جريدة الراي

هل يحتاج ترميم الكنس والمقابر اليهودية في سورية الى زيارة مطولة لأحد أكبر مسؤولي يهود الولايات المتحدة مالكولم هونلين الى الرئيس السوري بشار الاسد شخصيا؟ ولماذا تبقى هكذا زيارة «غير سياسية» طي الكتمان لمدة اسبوع من دون الاعلان عنها او الاشارة الى حدوثها؟ الاجابة الأرجح تأتي من عالم السياسة. «اذا شعر (رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو) بيبي ان ضغط واشنطن سيزداد عليه بسبب عرقلة ما على المسار السلمي الفلسطيني، سيعمد من دون شك الى تحويل الانظار الى المسار السوري».

بهذه الكلمات توجه السياسي المخضرم ومدير «معهد بروكنغز» مارتن انديك الى عدد من الصحافيين في الايام الاولى من ولاية الرئيس باراك اوباما قبل عامين بالضبط.

كلام انديك لم يكن نبوءة بل كان مبنيا على تجربته اثناء عمله سفيرا لبلاده في اسرائيل بين 1995 و1997، والتي صادفت مع ترؤس نتنياهو لحكومته الاولى بين العامين 1996 و1999. في اثناء دردشته مع الصحافيين، توقع انديك كذلك ألا يكرر نتنياهو التنازلات التي قدمها، تحت طلب الرئيس السابق بل كلينتون، للفلسطينيين في العام 1999، والتي أدت الى انسحاب اليمين من ائتلافه، وبالتالي انهيار حكومته والذهاب الى انتخابات مبكرة شهدت خروجه من الحكم.

مع نهاية العام 2010، بدا واضحا ان المسار السلمي الفلسطيني الاسرائيلي يدور في حلقات مفرغة.

وفي 26 ديسمبر 2010، كتب الصحافي المعروف في جريدة واشنطن بوست دايفيد اغناتيوس عن نجاحات سياسات اوباما الخارجية في شرق آسيا، والكوريتين، والهند، ونجاحه في افغانستان من خلال قمة لشبونة، وكذلك التوصل الى تشكيل حكومة عراقية، واقرار معاهدة ستارت لتقليص حجم الترسانتين النوويتين الاميركية والروسية.

«للاسف»، حسب اغناتيوس، «كارثة الرئيس الكبرى كانت في موضوعه الرئيسي، اي السلام الاسرائيلي - الفلسطيني... وانا اعتقد ان اوباما سيكون اقوى، ولكن من دون ان يتخلى عن مثاليته، وسيعود الى امتطاء هذا الحصان العام المقبل».

اوباما عاد الى امتطاء حصان مفاوضات السلام حتى قبل ان يكتب اغناتيوس مقالته. زار مسؤول ملف ايران ومبعوث السلام السابق دينيس روس اسرائيل سرا حوالي منتصف ديسمبر، والتقى كبار المسؤولين فيها، خصوصا في الجيش. والمعروف عن هؤلاء تأييدهم للتوصل الى سلام مع سورية.

بعد اسبوع على زيارة روس، وصل الى دمشق صديق نتنياهو نائب رئيس مؤتمر المنظمات اليهودية في أميركا الشمالية مالكولم هونلين، بدعوة من القصر الرئاسي السوري وبمعرفة ومباركة نتنياهو، والتقى الرئيس السوري بشار الاسد. وهذه المبادرة من نتنياهو باتجاه سورية تشبه اخرى قام بها في العام 1998 عندما ارسل صديقه، رجل الاعمال اليهودي الاميركي رون لودر، للقاء الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، وقام بفتح قناة سرية لمفاوضات السلام بين البلدين. هذا من جانب نتيناهو.

اما من الجانب السوري، فيحفل التاريخ بمبادرات سورية سرية باتجاه اسرائيل، خصوصا في ظروف تكون دمشق فيها بحاجة الى التخلص من ضغوط دولية من نوع او من آخر.

في فبراير 2008، وقف رئيس هيئة الصداقة الاسرائيلية - السورية والديبلوماسي الاسرائيلي السابق آلون ليئيل في «معهد الشرق الاوسط» في واشنطن ليعلن انه، في خضم حرب يوليو 2006 بين اسرائيل و«حزب الله»، اتصل السوريون باسرائيل واقترحوا المباشرة بمفاوضات السلام.

وفي العام 2007، وفيما كانت سورية تعاني من عزلة دولية بسبب مواقفها في لبنان، ظهر رجل الاعمال السوري - الاميركي ابراهيم سليمان في الكنيست الاسرائيلي، ليعلن انه ممكن التوصل الى سلام بين بلاده واسرائيل في غضون ستة اشهر.

ومع حلول العام 2008، ظهرت الى العلن مفاوضات غير مباشرة بين السوريين والاسرائيليين، عبر وساطة للحكومة التركية في انقرة. تلك المفاوضات غير المباشرة، حسب تصريح لمساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان في معهد هدسون، هي التي فتحت الباب لسورية للخروج من العزلة التي كانت تعيشها منذ عملية اغتيال رئيس حكومة لبنان الاسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.

الا انه منذ توقف المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل في تركيا، مع نهاية العام 2008، لم يشهد المسار السلمي بين البلدين اي حراك، على الرغم من الزيارات المتكررة لمبعوث السلام جورج ميتشل، ومساعده المسؤول عن الملف السوري فريد هوف، الى دمشق ولقائهما الاسد، اذ اتخذ الرئيس السوري موقفا طالب فيه اسرائيل باعلان اعادتها هضبة الجولان حتى حدود العام 1967 الى السيادة السورية، حتى قبل اعادة استئناف المفاوضات.

وفيما تمسكت دمشق بمطلبها، وهي تعرف انه من شبه المستحيل قبوله اسرائيليا، حاول الاسد توظيف قناة السلام الاميركية، اي ميتشل، لترميم علاقته مع واشنطن، والتي تدهورت - لا منذ وصول جورج بوش وفرقه من المحافظين الجدد الى السلطة في العام 2000 - بل اثر اغتيال الحريري في العام 2005.

وطالب الاسد ميتشل برفع العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على سورية، وادت اجابة المسؤول الاميركي الديبلوماسية وتسريب السوريين الى الاعلام لما وصفوه وعدا من ميتشل برفع العقوبات الى تصلب من قبل الجمهوريين ادى الى منع اوباما من اعادة السفير الى سورية، الى ان قرر الرئيس الاميركي تجاوز الكونغرس وتعيين روبرت فورد سفيرا في سورية، بمرسوم، ولمدة عام.

لكن مع حلول الربع الاخير من العام 2010، وتواتر الانباء عن قرب صدور القرار الظني عن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة الحريري وآخرين، وصلت تقارير الى العاصمة الاميركية تفيد بأن الرياض ارسلت الى باريس تطلب تأجيل صدور القرار الظني.

ثم توالت تقارير اخرى تحدثت عن زيارة الاسد لباريس ولقائه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وحسب هذه الانباء، اثار الاسد موضوع المحكمة الدولية وامكانية معمعة القرار الظني، او ضمان انه لن يتضمن اي اتهامات لمسؤولين سوريين. وحسب التقارير نفسها، لم يكن ساركوزي فقط حاسما في دفاعه عن عمل المحكمة واستقلاليتها، بل اعلن تسديد فرنسا لمستحقاتها المالية لعملها.

في وجه التصلب الغربي في وجه دمشق في موضوع المحكمة، ومع انباء عن قرب صدور القرار الظني، لجأت دمشق، كالعادة، الى ورقة المفاوضات السلمية مع اسرائيل، هذه المرة عن طريق اليهود السوريين المقيمين في الولايات المتحدة، وهؤلاء تحافظ دمشق على علاقة ممتازة بهم عن طريق سفارتها في واشنطن.

وادت هذه القناة الى اصدار قصر الرئاسة السوري دعوة الى هونلين، الذي - قبل ان يلبيها - اطلع صديقه نتنياهو والادارة الاميركية على مضمونها. وتم الاتفاق على ابقاء الزيارة سرية، والقول - في حال انكشافها - انها ذات طابع انساني يشمل اعادة رفات الجاسوس الاسرائيلي في سورية ايلي كوهين، ورفات جنود فقدوا في معركة السلطان يعقوب بين الاسرائيليين والسوريين في لبنان في العام 1982، الى اسرائيل. كما شملت المحادثات، حسبما تم الاعلان عنها، ترميم الكنس والمقابر اليهودية في سورية.

كل اعلانات هونلين جاءت في وسط صمت سوري شبه تام، اذ عدا عن نفي وكالة سانا الرسمية تقرير «الراي» عن زيارة موفد اميركي الى دمشق، تصرفت دمشق وكأن زيارة هونلين لم تخرج الى الاعلام.

المحطات التاريخية، وكل الظروف المحيطة بزيارة هونلين الى سورية، تشير الى تطابق في المصالح الاسرائيلية والسورية في الوقت الحالي، على حساب الفلسطينيين واللبنانيين، كما تشير الى ان الزيارة كانت نواة لقناة سرية لمفاوضات سلام بين البلدين، يفيد نتنياهو منها بتخفيفه من الضغط الاميركي المتعاظم عليه على المسار السلمي الفلسطيني، فيما يفيد منها الاسد باقترابه من الولايات المتحدة ومحاولة ابعاده كأس القرار الظني عنه.

وكالعادة، لا تصل المفاوضات السرية الى سلام، على الرغم من تمنيات واشنطن، وتنتهي حينما يشعر اي من الطرفين، الاسرائيلي او السوري، انفراجا سياسيا، ولا تعود هناك حاجة الى قناة ولا مفاوضات.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008