السبت، 3 أكتوبر 2015

واشنطن تدرس خيارات لجعْل موسكو تدفع تكلفة أكبر لنشاطاتها العسكرية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تعكف وزارة الدفاع الأميركية «بنتاغون» وباقي الوكالات الحكومية على دارسة اقتراحات من شأنها «رفع تكلفة الحملة العسكرية التي تخوضها روسيا في أوكرانيا وسورية»، حسب أوساط إدارة الرئيس باراك أوباما.

وكانت الإدارة أعلنت مباشرتها تزويد الحكومة الأوكرانية برادارات بقيمة 20 مليون دولار، ليبلغ إجمالي المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة إلى كييف 265 مليون دولار، في وقت يبدو ان الاميركيين يقتربون من الموافقة على تزويد الاوكرانيين بـ 1240 قاذفة صواريخ مضادة للدروع من نوع «جافلين» كان الجيش الاوكراني طلبها في وقت سابق.

وكان الرئيس الاوكراني زار واشنطن قبل عام والتقى كبار المسؤولين، وطالبهم بمساعدات عسكرية عاجلة حتى تتمكن حكومته من التصدّي لميليشيات الانفصاليين في الشرق، الذين يقاتلون بتوجيهات وتسليح من موسكو. حينها، لم يبد أوباما حماسة لتلبية الطلب الاوكراني، لكن اليوم، يسود اعتقاد في العاصمة الأميركية ان موقف الرئيس الأميركي انقلب كلياً في الأشهر القليلة الماضية، خصوصاً مع تزايد المؤشرات إلى أن أميركا بدأت فعلياً بدعم كييف عسكرياً.

وتشير التقارير الى ان وحدات من المارينز تعمل على تدريب وحدات من الجيش الاوكراني غرب البلاد، بعدما قامت واشنطن بتزويد الاوكرانيين بناقلات جند من طراز «همفي»، ودروع فردية، ومعدات اتصال. أما الرادارات التي ترسلها أميركا لكييف، فهي من نوع «كيو 63» ومن الممكن تحميلها على شاحنات، وهي تسمح للجيش الاوكراني بتحديد مصدر إطلاق الصواريخ الروسية بدقة من على بعد 18 الى 24 كيلومتراً.

وفي مطالعة، قال الباحث في «مجلس الأطلسي» إدريان كاراتنيكي، إن الحكومة الأوكرانية تعتقد ان 75 من الإصابات في صفوف جيشها ومدنييها سببها هجمات صاروخية ومدفعية من قبل الميليشيات المؤيدة لروسيا.

وفي الوقت الذي يبدو ان إدارة أوباما صارت تسعى بجدية أكبر لتسليح الحكومة الأوكرانية وجعل مغامرات بوتين العسكرية شرق أوكرانيا أكثر تكلفة عليه، مازال التعاطي مع الحملة العسكرية الروسية في سورية موضع نقاش، فيما ارتفعت أصوات تطالب واشنطن بفرض حظر جوي، على الأقل شمال سورية وجنوبها يغطّي مناطق الثوار، وتصدّر المطالبين بذلك، وزيرة الخارجية السابقة والمرشحة الديموقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون، والمرشح الجمهوري للرئاسة جب بوش، ورئيس الكونغرس القادم الجمهوري كيفين مكارثي، وعضوة الكونغرس عن الديموقراطيين إلسي هايستينغز، ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي أي) السابق دايفيد بترايوس.

وحده أوباما مازال يكرر القول إن حظراً جوياً في سورية «دونه تحدّيات لوجستية كثيرة».

بدوره، بدأ السيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين عقد سلسلة من اللقاءات تهدف الى إقناع الإدارة الأميركية بضرورة تزويد ثوار سورية بصواريخ أرض - جو محمولة على الكتف، المعروفة بـ «مانباد». وقال مقربون من ماكين انه ينوي عقد مجموعة من اللقاءات مع الضباط في وزارة الدفاع للوقوف على رأيهم في الموضوع. وفي وقت لاحق، قد يعقد السناتور الجمهوري - بصفته رئيساً للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ - سلسلة من جلسات الاستماع التي تهدف الى دفع البلاد باتجاه تزويد الثوار السوريين بهذا النوع من الصواريخ.

وعلى الرغم من ان فريق أوباما ما زال بعيداً عن فكرتي الحظر الجوي في سورية وتزويد الثوار بصواريخ مضادة للطائرات، إلا ان التفكير العام يشي بأن هذه الإدارة ترغب فعلياً في رؤية بوتين يغرق في الوحول السورية، كما الأوكرانية، كثمن لسياساته.

ويعتقد البيت الأبيض أن تدخّل بوتين في سورية سيجعله هدفاً أكبر للمتطرّفين الإسلاميين. «في النهاية، الروس هم من يدفعون الثمن الأكبر»، حسب الناطق باسم الإدارة جوش إرنست، الذي أضاف أن «المخاطر التي ستواجهها روسيا في سورية ستكون أغلى ثمناً من أي رد ديبلوماسي يمكن للمجموعة الدولية القيام به ضد موسكو».

وفي السياق نفسه، يعتقد مقرّبون من الإدارة، أمثال المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» توماس فريدمان، أن مصير بوتين هو الغرق في سورية على كل حال، إلا ان مقربين آخرين مثل المعلّق في صحيفة «واشنطن بوست» دايفيد إغناتيوس حضّ الإدارة على فرض حظر جوي على سورية، وعلى العمل بجهد أكبر على تسليح العشائر السنّية شرق سورية وغرب العراق.

الجمعة، 2 أكتوبر 2015

"محور ممانعة"إيراني ام روسي؟

حسين عبدالحسين

لم يكد حبر كتابات مؤيدي "محور الممانعة" يجف حول المظلة الجوية الروسية التي اقامتها موسكو لحماية الأجواء السورية من الضربات الإسرائيلية المتكررة، حتى استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو في الكرملين. وما هي الا أيام حتى اغارت المقاتلات الإسرائيلية ضد مواقع داخل سوريا تابعة لتحالف إيران والرئيس السوري بشار الأسد. 

وفي نيويورك، سرق بوتين الأضواء من إيران: حضوره، خطابه، لقائه مع نظيره الأميركي باراك أوباما ولغة جسد الاثنين، رؤيته لحل الأزمة السورية ومكافحة الإرهاب كبديل عن سياسة أوباما المتعثرة. هذه المرة، لم يبحث الاميركيون عن اتصال هاتفي أميركي – إيراني او مصافحة، ولم يسلط الاعلام الأميركي الضوء على مشاركة الرئيس الإيراني حسن روحاني في اعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولم يأبه لخطابه او للمتظاهرين الذي احتشدوا أمم مقر اقامته. ولم يجهد الاميركيون لتحليل ما ورد في خطاب روحاني، بل أفردوا اهتمامهم لبوتين.

وبوتين يبدو انه التقط "السحر الإيراني" ويحاول استنساخه روسياً: اثارة المتاعب في منطقة المشرق العربي وتحويلها الى سيف مسلط على رقاب الغربيين، ما يدفع الغرب الى تناسي كل تجاوزات إيران الداخلية والإقليمية والهرولة باتجاه طهران للتوصل الى حلول.

وبوتين يتمتع بخبرة دولية أكبر من إيران، فالرئيس الروسي الذي يحرّض ضد الغرب باستمرار لتحويل الأنظار عن فساد حكوماته وفشل اقتصاده، مثلما يفعل قادة إيران، يقوم بذلك من دون مواقف عقائدية متصلبة، أي ان بوتين لا يمانع مصافحة أوباما او زيارة أميركا، ولا ينزوي لتفادي مصافحة وفدا مرّ من هنا، ولا يهرب من وليمة لزعماء العالم هناك.

ومقارنة بإيران، يتمتع بوتين بإمكانيات ديبلوماسية هائلة، كون روسيا عضواً دائماً في مجلس الأمن، الى صناعات عسكرية متفوقة، وهو متورط والأوروبيين بشبكة تزويدهم بالغاز، وتشكل بلاده سوقا رفض الأوروبيون الاستغناء عنها وفرض عقوبات اقتصادية قاسية عليه بعد ابتلاعه شبه جزيرة القرم الأوكرانية.

ولأن إيران تعرف انه يصعب عليها مواجهة العالم ان اجتمعت أميركا وروسيا ضدها، فهي لم تعاند الروس، بل تتصرف دائما كحليف طبيعي لهم في مواجهة "الغطرسة الامبريالية" الغربية. لكن الحكام الاحاديين لا يحبون الشراكة والشركاء، بل يفضلون التبعية والاستتباع.

هكذا، رأى بوتين فرصة سانحة لابتلاع الشرق الأوسط، وإيران، وتحويل المنطقة الى ساحة نفوذ له يمكنه من خلالها تحسين موقعه في مواجهته مع الغرب وفي محاولته إعادة ترميم الإمبراطورية الروسية باستعادة السيطرة على الدول المجاورة لروسيا، والتي كانت تعرف بالكتلة الاشتراكية.

وربما اعتقد الرئيس الروسي ان إرساله مقاتلات ومقاتلين ودبابات الى الساحل السوري يمكنهم فرض موسكو كلاعب أول في المشرق العربي. ولأن إيران تحتاج روسيا، طالما ان علاقتها مع أميركا لم تقلع بعد، يبدو ان موسكو تفرض على طهران الدخول في "محور الممانعة" الروسي، وهو محور يختلف عن نظيره الإيراني بشكل أساسي اذ يتصدر الفارق بين الاثنين صداقة روسيا المتينة مع إسرائيل وعداء إيران، بالوساطة، للإسرائيليين.

وقبل ان يذهب بوتين لمصافحة أوباما واللقاء معه للحديث في شؤون سوريا، حرص الرئيس الروسي على اعلان "تحالف استخباراتي ممانعاتي" روسي – إيراني – عراقي – سوري. وقابل بوتين أوباما، وقدم له "محور الممانعة" بزعامة موسكو. لكن أوباما لم يأبه لمطالب بوتين بضرورة تبادل اميركا معلومات استخباراتية مع "محور الممانعة" الروسي، فخرج بوتين غاضبا، واتجه نحو طائرته، واقفل عائدا الى بلاده من دون ان يشارك في وليمة أوباما لزعماء العالم، على الرغم من ان بوتين كان حجز مكانا له في حفل عشاء الرئيس الاميركي.

صحيح ان بوتين أخذ قياس أوباما عندما تراجع الأخير عن توجيه ضربة عقابية للأسد بعد مجزرة غوطة دمشق الكيماوية في آب 2013، الا ان بوتين يبدو انه بالغ في تقدير مدى ضعف أوباما. وصحيح ان الرئيس الأميركي يخشى وصول الإرهاب الى الغرب وهو متردد عسكريا في مواجهته في الوقت نفسه، لكن حذر أوباما يشمل كذلك حذره من تطويب الشرق الأوسط باسم بوتين، فأوباما لم يستمع لرؤى الآخرين، ومنهم مقربون وحلفاء وأصدقاء، حول الحل في سوريا، ولا يبدو انه سيستمع هذه المرة لبوتين و"محور الممانعة" الروسي حول كيفية التوصل الى تسوية سورية. 

Since December 2008