الخميس، 16 سبتمبر، 2010

ثورة المحافظين الأميركيين تستبدل فورة أوباما اليسارية وتعد بمفاجآت انتخابية

ديك آرمي متحدثا في مركز ابحاث كاتو (خاص - «الراي»)

واشنطن - من حسين عبد الحسين

ما أشبه اليوم بالامس، حين كان باراك اوباما قائدا ملهما لحركة شعبية واسعة تقودها فئات يسارية، شبابية خاصة. التهمت شعبية اوباما المؤسسة الحاكمة، بدءا بماكينة عائلة كلينتون، فازاح منافسته هيلاري، ليقتنص ترشيح حزبه، ثم الحق هزيمة موجعة بالحزب الجمهوري، لا في الرئاسة فحسب، بل في الكونغرس حيث عزز الديموقراطيون اكثريتهم.

اليوم اليسار الاميركي محبط. الجيش لم ينسحب من العراق تماما، وافغانستان تلتهم الاميركيين ومواردهم اكثر فاكثر. الاقتصاد مازال مترنحا ونسبة البطالة مرتفعة.

سوق العقارات في اسوأ حالاتها. لم يغلق اوباما معتقل غوانتانامو، كما وعد اثناء حملته. الصين تحسن موقعها وتهدد التفوق الاميركي، وهو موضوع صار يسيطر على حوارات الانتلجنسيا الاميركية في الاعلام والمقاهي والنوادي السياسية.

كبير هو احباط مؤيدي اوباما وحزبه الديموقراطي، الى حد ان ايا من المرشحين الديموقراطيين الى الكونغرس لم يشر الى انجاز المصادقة على قانون الرعاية الصحية، «جوهرة تاج» البرنامج الاصلاحي للرئيس الاميركي.

كبير هو الاحباط في صفوف اليساريين لدرجة ان صناديق الاقتراع في الانتخابات التمهيدية التي تجري لاختيار المرشحين داخل الحزب الديموقراطي شهدت حركة خفيفة قاربت الانعدام.

لكن الاميركيين ليسوا محبطين كليا. في وسط ازمة اوباما وحزبه، انتفض المحافظون (وهؤلاء غير المحافظين الجدد) واشعلوا ثورة شعبية اطلقوا عليها اسم «حفلة الشاي»، تيمنا بالمواجهة التي اطلقت الثورة الاميركية في وجه الانكليز في العام 1776، عندما رمى الاميركيون الشاي في مياه مرفأ مدينة بوسطن احتجاجا على سياسة الملك جورج الثالث، الذي اصدر مرسوماً احتكر بموجبه مبيعات الشاي في سوق المستوطنات الاميركية.

بدأت «مجموعة الشاي» العام الماضي عندما زحف عدد كبير من الاميركيين، من البيض من سكان الريف خاصة، على العاصمة واشنطن، واقاموا تظاهرة تنوعت فيها المطالب والمظالم، وشملت توجيه الاتهام لاوباما بانه «مسلم»، وانه «اشتراكي» يسعى الى توزيع الثروة عن طريق مشاريع الرعاية الصحية واقرار تشريعات تحد من «حرية» المصارف والافراد في الاقتصاد.

ورغم خطابهم اليميني، العنصري احيانا، لم تتماهى الحركة مع الحزب الجمهوري، ما خلا سارة بالين، حاكمة ولاية الاسكا سابقا وملكة الجمال السابقة والمرشحة المهزومة الى منصب نائب الرئيس في العام 2008. الى جانب بالين، برز الوجه التلفزيوني غلين بك على شاشة «فوكس نيوز». ولكن عدا ذلك، لم ينشأ اي ارتباط يذكر بين ماكينة الحزب الجمهوري وحركة «حفلة الشاي».

وحاولت قيادة الحزب الجمهوري الافادة من الموجة العارمة والتعبئة بين صفوف اليمينيين المحافظين في اوج سنة انتخابية حاسمة، خصوصا مع اقتراب انتخابات الكونغرس المقررة في 2 نوفمبر.

لكن رغم محاولاتهم، لم ينجح الجمهوريون في حصد الفورة المحافظة، فـ «حفلة الشاي» اكثر يمينية من معظم السياسيين الجمهوريين.

هكذا، توجب على مرشحي الحزب الجمهوري، اما الانحراف في خطابهم ووعودهم الانتخابية اكثر ناحية اليمين، او المخاطرة بخسارة مواقعهم في الانتخابات التمهيدية للحزب. وهكذا، صارت «حفلة الشاي» تملي على الحزب الجمهوري خطابه الانتخابي، وتدفعه الى المغالاة والتطرف في يمينيته.

في وسط الموجة الشعبية، قررت المؤسسة الجمهورية نفض الغبار عن اكثر متقاعديها يمينية وتطرفا في محاولة على ادارة الدفة الشعبية وتوجيه مسار الحركة في اتجاهات الحزب. فتح الجمهوريون مراكز الابحاث المحافظة المحسوبة عليهم، وقدموا منابرها لاهل «الشاي».

اول من امس، تحدث ديك آرمي في «مركز كاتو» المحافظ. آرمي هو مهندس «الثورة الجمهورية»، التي انزلت هزيمة بالديموقراطيين في انتخابات 1994، عندما خسروا الاكثرية في مجلسي الكونغرس للمرة الاولى في اربعة عقود.

آرمي عمل كذلك على تنظيم صفوف المعترضين على مشروع الرعاية الصحية، واصدر كتابا بعنوان «اعطونا الحرية»، وهو بمثابة الوثيقة السياسية لحركة «حفلة الشاي».

وآرمي معروف بعدائه للعرب، فهو دعا في العام 2002، عندما كان عضوا في الكونغرس عن ولاية تكساس، دعا اسرائيل الى طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية.

آرمي اشاد بما اسماه «ثورة حفلة الشاي». هذه الثورة تختلف عن سياسة المحافظون الجدد الذين سيطروا على الحكم في عهد الرئيس السابق جورج بوش.

فالمحافظون الجدد يؤمنون بـ «صراع الحضارات»، وبأن الحكومة الاميركية قادرة على استخدام الجيش لهندسة العالم. اما المحافظين من انصار «حفلة الشاي»، فمعظمهم ممن يدعون الى «تقليص الحكومة الاميركية الى اصغر حجم ممكن، بما فيه تخفيض موازنة وزارة الدفاع الهائلة، وخفض ضرائب الدخل الى ادنى مستوى وجعلها موحدة في نسبتها المفروضة على الاغنياء كما على الفقراء.

في خطابه، اشار آرمي الى انه على عكس الانطباع السائد بان انصار «حفلة الشاي» هم، في معظمهم، من عديمي الاطلاع في شؤون السياسة والاقتصاد. ولفت الى مبيعات كتب فون حايك، الخبير الاقتصادي الراحل ومؤسس المدرسة النيو ليبرالية التي اعتنقها اقتصاديون لعبوا دوراً كبيراً في رسم السياسة الاميركية في عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان. هؤلاء تصدرهم الراحل ميلتون فريدمان، وآرثر لافر (وهو زميل نائب الرئيس السابق ديك تشيني في الجامعة)، وآرمي، وهو بروفسور في الاقتصاد قبل ولوجه العالم السياسي.

وفقا لمدرسة حايك، والتي اقتبس شعارها ريغان، «الحكومة هي المشكلة»، تقتضي اي معالجة للانهيارات الاقتصادية بتحجيم الحكومة الاميركية ودورها الى اقصى حد ممكن. هذا ما يجعل الخطاب السياسي للمحافظين يصطدم مع اجندة اوباما، التي ترى ان واجب الحكومة العمل على تقليص الهوة بين الاغنياء والفقراء، والاهتمام بالمواطنين صحيا وتربويا ومعيشيا.

بعد خطاب آرمي في كاتو، تحدث مات كبة، وهو من اصل لبناني ويرأس مجموعة «فريدوم وركس» وينشط ايضا في قيادة «حفلة الشاي»، واشاد بارتفاع مبيعات كتب حايك وانصاره، مثل الاقتصادي اليميني توماس ساول. ووعد كبة بمفاجآت انتخابية، وقال ان الوعي لدى الاميركيين وصل الى مراحل حاسمة من شأنها ان تغير مجرى التاريخ الاميركي.

في العام 2008، كانت ثورة اوباما وحزبه واستعادة دور الحكومة في الرعاية واكتساح الرئاسة والكونغرس. اما اليوم، فجاء دور ثورة المحافظين، من امثال آرمي، والاسابيع المقبلة ستظهر حجم التغيير المرتقب وتأثيره على السياسة في الولايات المتحدة وحول العالم.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008