السبت، 3 سبتمبر، 2011

«مؤرخ لبنان» كمال الصليبي سطّر حروفه الأخيرة... ورحل

واشنطن - من حسين عبد الحسين
جريدة الراي

عندما دخلت على كمال الصليبي للمرة الاولى في اثناء محاضرته عن تاريخ الجزيرة العربية، لم اكن اعرف ان علاقة التلميذ بأستاذه ستمتد الى اكثر من 15 عاما.
يومها، اذهلني الرجل بتصرفاته، واناقته في المظهر واسلوب الحوار، ومعرفته التي قل مثيلها.
ولأنه مؤرخ، ولأن اسم عائلتي لا يظهر انتماء عشائريا او عائلة لبنانية معروفة، حاول ان يكتشف جذوري. «ابي من بغداد»، قلت له، لكنه وقف محتارا. «جواد علي عم الوالد»، اضفت. حينها، ابتسم ورحب بي وابدى اعجابه بجواد علي، مؤلف موسوعة «تاريخ العرب قبل الاسلام» واحد اكبر مؤرخي العالم العربي.
منذ ذلك اليوم، لم ننقطع كمال الصليبي وانا عن الحديث يوما.
ولد كمال سليمان الصليبي في بحمدون العام 1929، وانتقلت عائلته الى بيروت وهو طفل. استأجر والده شقة في الطابق الرابع في المبنى الذي يقع فيه «مطعم سقراط» المقابل لـ «الجامعة الاميركية».
«يومها كانت البناية الاعلى في رأس بيروت وكنا وكأننا على الطابق مئة»، قال لي يوما.
علاقته برأس بيروت هذه استمرت دهرا، وكان يصفها «بأجمل مكان على الارض». لكنه كان يشتاق ايضا الى عهدها السابق، وكان يردد، «عندما كنت تمر في شوارعها، كنت تشتم عطر الياسمين من حدائق البيوت». ويتحدث عن حنينه لعادات اهلها في الماضي:
«كنت صغيرا واستفقت في الليل على صوت غناء جميل، وعندما نظرت من النافذة، رأيت شيخا يؤذن بحلول صلاة الفجر من المسجد القريب (مازال قائما)».
تلقى الصليبي علومه في مدرسة «انترناشونال كولدج»، وكانت يومها تعرف بالـ «مدرسة التحضيرية» التابعة لـ «الجامعة الاميركية في بيروت»، التي درس فيها ايضا. ثم انتقل الى بريطانيا ونال شهادة دكتوراه من «جامعة لندن». كان استاذه الذي اشرف له على رسالة الدكتوراه مؤرخا يهوديا مشهورا، وهو ما زال حيا اليوم ويبلغ من العمر 95 عاما ويعيش في الولايات المتحدة: برنارد لويس، الذي كتب عن طائفة الحشاشين، وفيما بعد اصبح احد اكثر المثقفين نفوذا في الغرب عن الاسلام وعن سياسة اميركا الخارجية تجاه العالم الاسلامي.
كان الصليبي يختلف مع آراء لويس، لكنه كان يرفض ان يذكره بسوء. «هذه عاداتنا»، كان يردد دوما. تلك العادات ادت بالصليبي احيانا الى خسارات مالية كبيرة. كان الصليبي جمع ما تقاضاه من كتبه الكثيرة، وحدث ان مر به السياسي العراقي، الذي درّس يوما في «الجامعة الاميركية في بيروت» احمد الشلبي. اقنع الشلبي الصليبي في ايداع تحويشة عمره في احد مصارفه المتعددة، والتي افلست جميعها بسبب فساد الشلبي وعائلته.
حاول الصليبي استرجاع امواله، وقصد آل الشلبي بحثا عن احمد ومطالبا بماله، فلم يجد احمد. الا ان الاخير زار الصليبي يوما في شقته في رأس بيروت، ولم يبادر الصليبي الى الحديث عن موضوع امواله المسروقة. يعلل الصليبي ذلك بالقول: «كان الشلبي يومها 
ضيفي وفي بيتي، وعاداتنا تأمر باحترام الضيف، ولم اكن لاباشر معه الحديث عن الموضوع الا لو فاتحني هو».
على ان العادات لم تعن يوما للصليبي التزام الفكر السائد، فكتبه كثيرة، ومعظمها اثار زوابع في التاريخ والسياسة. اولى اعماله كانت عن المؤرخين الموارنة في جبل لبنان، وتلك كانت اطروحته للدكتوراه باشراف لويس. يعتقد الصليبي انه لاسباب سياسية، قام بعض الموارنة، ربما بتشجيع من كنيستهم، بتعديل تاريخهم. فالموارنة بدأوا كطائفة شرقية، فيما بعد ادعى بعضهم انهم من الطوائف الغربية من الاساس.
يكفي ان المؤرخ الابرز، البطريرك اسطفان الدويهي الذي عاش في القرن الثامن عشر، كتب ان مار مارون هو ابن اخت شارلمان الامبراطور الفرنسي الالماني الشهير، مع ان مارون عاش في القرن الرابع او الخامس، وشارلمان في القرن التاسع.
هذه الكتابات اثارت حنق الكنيسة المارونية ضد الصليبي. لكن «التاريخ للتاريخ».
كان مبدأه، عندما تدخل الاعتبارات السياسية او الاجتماعية، او عندما ننظر الى التاريخ كدرس للحاضر، يصبح عرضة للتلاعب حتى يتناسب مع غاية واهداف كاتبيه وظروفهم والاوقات التي يعيشونها.
هذا التجرد من الحاضر دفع الصليبي الى اصدار كتابه الابرز، «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، العام 1982 ابان الاجتياح الاسرائيلي للبنان وحصارها بيروت.
يعتبر الصليبي ان اسماء المدن والقرى الواردة في العهد القديم، موجودة وتتطابق جغرافيتها بشكل اكبر في منطقتي الحجاز وعسير في الجزيرة العربية، بدلا من فلسطين.
هذه النظرية اثارت زوبعة علمية، خصوصا من مناصري الصهيونية والقائلين ان فلسطين كانت دوما مسرح الاحداث المذكورة في التوراة والانجيل. ومع صدور كتابه هذا، اكتسب المؤرخ الراحل عددا اكبر من الحانقين عليه وعلى اعماله. ثم عمل الصليبي على اصدار كتب لاحقة مبنية على نظريته حول ارض التوراة، ومن هذه الكتب «حروب داود»، وقراءات في صموئيل الاول والثاني»، و«من كان يسوع».
هذه الكتب كانت تحتاج الى ذكاء فطري ومعرفة عامة وامكانات اكاديمية قلما اجتمعت في شخص واحد، فالصليبي من القلائل ممن صالوا وجالوا في المنطقة وكان يعرف جغرافيتها بدقة عالية، وزار اماكن في الجزيرة العربية مازالت عصية على كثيرين.
اضف الى ذلك، موهبة لغوية جعلته واحدا من قلائل من اصحاب المقدرة على استخدام اللغات السامية القديمة، كالآرامي والسرياني والعبري القديم، بالاضافة الى اليونانية، وهو ما مكنه من اجراء مقارنات بين اسماء القرى والاشخاص واعادة كتابة النصوص التوراتية بشكل كان برأيه يتناسب اكثر ومقصد واضعيها الاوليين.
واخيرا وليس آخرا، كتب الصليبي عن تاريخ لبنان، في ثلاثة كتب، وعن تاريخ سورية تحت الحكم الاسلامي والاردن.
ومع تطور الاحداث في الحرب الاهلية اللبنانية، وسيطرة الميليشيات على بيروت، وجد الصليبي من الصعب استمرار العمل الاكاديمي مع البلطجة السائدة، وخصوصا بعدما صار اصحاب العصابات يترددون على الجامعة الاميركية التي امضى عمره يدرس فيها مطالبين بشهادات دكتواره بالاكراه. عند ذاك، انتقل الصليبي من بيروت الى عمان حيث استضافته الاسرة الهاشمية، ووضعت في تصرفه امكانات، فترأس «المعهد الملكي للدراسات» الذي كان متخصصا بقضايا الحوار بين الاديان. وامضى الصليبي عقدا او اكثر متنقلا بين بيروت وعمان حتى عاد الى لبنان ليكتب مذكراته في كتاب «طائر على سنديانة» وليترأس «مؤسسة التراث الدرزي» لفترة، قبل ان يتقاعد ويمضي اعوامه الاخيرة في رأس بيروت التي احب.
ولأنه كان دوما طليعيا، انشأ حساب «فيسبوك» وآخر على «سكايب». يومذاك، سألني كل من يعرفنا ان كنت انا من ادير له «فيسبوك»، ولم يصدقني كثيرون للوهلة الاولى ان الصليبي، وهو قارب الثمانين وقتذاك، كان هو من يدير حسابه.
كنت امضي كل ليلة ازور فيها بيروت على شرفته، نتحدث في التاريخ والسياسة والاجتماع. ومن واشنطن، كنت استشيره في ما اكتب واحدثه عما اقرأ. «لماذا تلكلخ وحيدة في محيطها وفي ثورتها ضد نظام بشار الاسد»؟ سألته، فأخذني في جولة في التاريخ، وقال: «تلكلخ كانت حصنا على الطريق الممتد الى مرفأ طرابلس ايام الفتوحات الاسلامية، ما جعلها تتمايز بمذهب اكثرية سكانها عن محيطها في وادي النصارى، وهي ابان الانتداب الفرنسي، رفعت علم فيصل ورفضت الانضمام الى الدولة العلوية».
ثم اسأله عن مصدر الاسم فلان، بالارامي، وعلاقة كلمة كذا العربية بجذرها السامي، وعن بشير الجميل وآل جنبلاط، وهو يحدثني من دون انقطاع، ويسألني عن احوالي وعائلتي.
قبل اشهر قليلة، وبعد نجاح الثورتين في تونس ومصر وانطلاق ثورات اليمن وليبيا وسورية، كتب اليّ يحضني على الكتابة عن الثورات العربية. وقال لي: «ما يحدث هو تغيير تاريخي اعتقد ان فرصك لكي تعيشه وتراه هي اكبر من فرصي». وتحدثنا مطولا عن «ربيع العرب»، الذي اسعده.
كان انسانا كبيرا، حكيما، محبا ومتواضعا. من بعده لن تكون حياة كثيرين كما كانت عليه من قبل.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008