الأحد، 14 فبراير، 2010

حسين عبد الحسين : أين اللوبي العراقي في أميركا؟

في العالم العربي عموما، والعراق خصوصا، ولاءات قبلية وانقسامات على شكل عربي – فارسي، وعربي – كردي، وشيعي – سني، ومسلم – مسيحي، وهرطقات عن الكرامة الوطنية، ومباريات في الصراخ والاتهام بالعمالة على الفضائيات، وشعوذة وتطير. العراقيون، كما العرب، يطلقون – جزافا – على هذه الطريقة المقززة في العمل العام اسم السياسة.

ثم، وبنفس الطريقة البدائية لفهمهم للسياسة في بلدانهم، يحاول العراقيون والعرب ان يتحدثوا عن السياسة حول العالم، وخصوصا عن سياسة القوة العظمى المؤثرة في معظم شؤون العالم وشجونه، اي الولايات المتحدة الاميركية.

وما على المرء الا الاستماع لبرنامج على اي فضائية، او قراءة مقالات صحافية، ليستشف كمية الامية والجهل العربي في فهم كيفية اتخاذ القرار في العواصم كواشنطن. تستمتع الى محلل او تقرأ مقالا، فتصل غالبا الى الاستنتاج التالي: ان السياسة الخارجية في الولايات المتحدة هي من صنع حفنة من اليهود، لا الاسرائيليين منهم، وجميعهم اعضاء في الماسونية العالمية. هدف هؤلاء اليهود الماسونيين اخضاع الشعوب، وسرقة مواردها، وهم اصلا عباقرة في الوصول الى مبتغاهم، وكل ما يفعلونه يصب في هذا الاتجاه.

يضاف الى هذه الصورة العربية الرئيسة عن اهداف السياسة الاميركية، اهداف اخرى عاطفية ممزوجة بخبل، فتصبح السياسة الاميركية جزءاً من حرب اليهود وكراهيتهم ضد المسلمين، منذ زمن الرسول، يضاف اليها كراهية مسيحية ضد المسلمين، ثم يتم مزج الكراهية الدينية باساطير عن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه)، فيصبح كل اميركي جاسوس، ويهودي او مسيحي كاره للعرب والمسلمين بفطرته.

هذه النظريات العربية والاسلامية، الجاهلية، والمتخلفة، عن ماهية اميركا، وكيفية صنع قراراتها وخصوصا سياساتها الدولية، أسهمت بالشقاء العربي منذ زمن هولاكو وحتى اليوم.

ان حكومة الولايات المتحدة، على عكس معظم حكومات العرب، غالبا ما تعكس رغبة المواطنين. الاميركيون، هم اناس يسعون خلف مصالحهم المادية، وهناك اختلاف بين الاميركيين على كيفية تحقيق هذه المصالح، مما يؤدي الى تضارب في البرامج السياسية والاولويات لدى لحكومات الاميركية المتعاقبة. طبعا هناك نسبة من العاطفية والسذاجة لدى عدد من الاميركيين، تختلط مع قرارتهم في السياسة واختياراتهم لحكامهم، ولكن المصلحة المادية هي التي تملي قرارات معظم الاميركيين، وبالتالي حكامهم.

وبنفس الطريقة المصلحية في الامور الداخلية، التي يختار بناء عليها الاميركيون حكامهم، كذلك نظرتهم للسياسة الخارجية. مثلا، هناك نظرة سائدة بين معظم الاميركيين ان اسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، وانها هي وشعبها يكنون شعوراً بالصداقة للولايات المتحدة. في ظل هذا الشعور الشعبي السائد بين الاميركيين، لا نرى حرجا لدى القياديين الاميركيين في اتخاذ مواقف مؤيدة لاسرائيل تماما، وبذا يصبح التحالف بين الدولتين من مصلحة الاثنين، او هذا هو الشعور السائد على الاقل في البلدين.

ولان السياسة في معظمها صناعة للراي العام، يدخل ما يعرف بـ "اللوبي المؤيد لاسرائيل"، والذي غالبا ما نسمع صراخ المحللين العرب عنه وكأنه غول يمسك بالقرار الاميركي. اللوبي الاسرائيلي هذا يعمل على تقريب وجهات النظر بين الحكومتين الاميركية والاسرائيلية. ولكي يصير ذلك ممكنا، يعمل جاهدا على صياغة راي عام اميركي يتقبل هذه الصداقة، مما يجعل الامر سهلا على حكام اميركا.

بهذه الطريقة، اي صياغة الراي العام الاميركي، تمت صناعة حرب العراق في العام 2003. لم يمكن اقناع الاميركيين ان نشر الديموقراطية في العراق هو مصلحة اميركية. ولم يمكن اقناع الاميركيين ان العراق بلد صديق يحتاج الى اعادة هيكلة، حتى وان كان لدى العراق ثروة نفطية استغلالها في مصلحة كل من اميركا والعراق.

هكذا، كان لا بد من حيلة، وقامت اللوبيات المتعددة باقناع الراي العام الاميركي ان العراق مصدر خطر امني على الشعب الاميركي، خصوصا بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ووقعت الحرب، ووضعت اميركا ثقلها خلف اعادة تأهيل العراق، الذي لم يكن فيه جهاز خليوي واحد او صراف آلي او خدمة انترنت مقبولة حتى العام 2003، والذي كان يعاني من استبداد قيادته السابقة وقصر نظرها في السياسة الخارجية، فخاضت حربين واوصلت البلاد الى حصار موجع.

اذن، فالصفحة الجديدة بين اميركا والعراق كان من الممكن ان تكون – على غرار التحالف الاميركي مع اسرائيل او المانيا او اليابان او كوريا الجنوبية او الامارات او قطر او السعودية – مصدر قوة للعراق.

بيد ان الشعوذة والحديث الفارغ عن الامبريالية ومطامع اميركا واسرائيل سيطرت على الراي العام العراقي حتى بعد العام 2003، ووصلت البلاد الى الشكل البائس الذي تعيش فيه اليوم.

وحتى يفهم العراقيون الفرصة الذهبية في تحالفهم المتاح مع اميركا، التي كادوا ان يضيعوها او سيضيعونها مستقبلا، ما عليهم الا ان ينظروا الى الدول المحيطة بالعراق – عدوة كانت ام صديقة – وكلها تستجدي صداقة واشنطن.

اسرائيل، في طليعة الدول التي يسعى اللوبي الذي يساندها في اميركا الى ابقاء التحالف مع اميركا. اما ايران وسورية، اللتان تمتهنان فن النفاق السياسي، فلكل واحدة منهما لوبي يعمل ليل نهار للصداقة مع واشنطن، على الرغم من الكذب العلني الذي تمارسه الدولتان.

"اللوبي الايراني" في اميركا يتمتع اليوم بنفوذ واسع، وما رسائل الانفتاح التي وجهها الرئيس باراك اوباما الى النظام الايراني الا بدليل على بعض نجاحات هذا اللوبي. اما سورية، فرئيسها بشار الاسد بقي يستجدي السلام مع الاسرائيليين لاكثر من عامين كمدخل لقلب واشنطن، وهو يتباهى امام خصومه اللبنانيين ان اميركا تخلت عنهم وعادت الى احضانه.

هنا السؤال باسم العراقيين وقياداتهم: لما التبطر على النعمة؟ هذه اميركا قد جاءت بقدميها وجعلت من العراق طفلها المدلل، ليطلع علينا السياسيون العراقيون – شيعة وسنة وعلمانيون – بتصريحاتهم الشعبوية عن بطولاتهم في مواجهة اميركا، ان عسكريا او سياسيا، في وقت تنفق دول المنطقة من اسرائيل الى ايران وقطر مئات ملايين الدولارات من اجل نيل حظوة اميركا.

اين هي الديبلوماسية العراقية – التي ذهبت كغيرها من الدولة العراقية حصة المحاصصة السياسية والطائفية – في السهر على مصالح العراق امام الراي العام الاميركي والعالمي ؟ اين هو اللوبي العراقي، الذي يحاول ان يجعل العراق في موقف مصالح مشتركة مع اميركا دوما؟ ام ان الاموال تنفق على مستشارين جاءوا من كهوف العصر الحجري ولا يعرفون غير سياسات التظاهرات والشعارات البالية في السياسات الدولية؟

بين اللوبيات الاسرائيلية والايرانية والقطرية، السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه: أين هو اللوبي العراقي في اميركا، ومن يسهر على مصالح العراق في عواصم الدول المؤثرة، ام ان العراق مجموعة سياسيين متناحرين، لا يفقهون من السياسة الا الشعوذة وفن الصراخ على الفضائيات؟

* كاتب ومراسل "العالم" في الولايات المتحدة

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008