الأربعاء، 18 يوليو، 2012

هكذا تحدّث صدام حسين المجيد

لم يترك الانقسام المذهبي في منطقة الشرق الاوسط شيئا الا وعبث به. حتى التاريخ يعاد النظر به اليوم ليتناسب والانقسام القائم، فيتحول من كانوا في الماضي القريب سببا لحروب ومآسي الى ابطال، ويتم تلميع صورتهم. ولكن هل كان هؤلاء ابطالا فعلا؟ هل قاد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين المواجهة العربية في وجه ايران؟ ام ان صدام حاول ابتلاع الكويت باسم العروبة، ومنها ارسل قواته لاجتياح الخفجي السعودية فيما كانت صواريخه تمطر على رأس العرب السعوديين، الذين يفترض انه كان يحميهم من خطر التمدد الفارسي؟ قد تتغير الذاكرة الشعبية العربية بحسب تغير الاوضاع، لكن الوثائق والتسجيلات والخطب والمقابلات، كلها باقية، وتحكي قصة مغايرة عن رجل مازالت شخصيته المعقدة والغامضة مصدر تساؤل لكثيرين، خصوصا بعد رحيله.



حسين عبد الحسين
المجلة

فيما كان عراقيون يغزون قصور صدام حسين وعائلته ومؤسسات الدولة العراقية للاستيلاء على ما وقعت عليه ايديهم، كانت القوات الاميركية تجمع من الامكنة نفسها وثائق وتسجيلات تروي الكثير من فترة حكم الرئيس العراقي المتواري، وتلقي الضوء على شخصيته واسلوب عمله. في ما بعد، قدمت القوات الاميركية غنائمها الى مراكز الابحاث، التي نشرت كمية لا بأس بها مما تحول اساسا لاعمال متعددة، منها كتاب “تسجيلات صدام”.
خارج قصر عدي صدام حسين، في حي الجادرية في بغداد، وقف شاب وهو يقتاد حصانا استولى عليه من الباحة المجاورة للقصر. داخل القصر، شابان في حوض السباحة يحاولان اصطياد الاسماك الثمينة وبيعها، فيما رجل في سن الكهولة، خرج وهو يرتدي ثياب عدي وقبعته ويحمل العصا التي كان يستخدمها ابن الرئيس العراقي في المشي بعد نجاته من محاولة اغتيال لمساعدته على التغلب على شبه الشلل الذي اصابه.
اما أنا، فدخلت غرف القصر يدفعني فضولي الصحافي. في غرفة يبدو انها كانت تستخدم للنوم، نهبها الناهبون وبعثروا محتوياتها، لم تنج صور عدي وابيه على الحائط. هناك صورة واحدة فقط لم يمزقها الناهبون، ربما لانهم لم يعرفوا صاحبتها. اقتربت منها، فوجدت انها تعود لتشلسي ابنة رئيس اميركا السابق بيل كلينتون. على طاولة مجاورة، كان يوجد دليل تلفزيوني وقد وضع اصحابه، على الغالب عدي نفسه، اشارات على برامجه المفضلة التي كان يتابعها على الفضائيات العربية المختلفة. طبعا الصحون اللاقطة كانت ممنوعة على العراقيين في زمن صدام، ولكنني كنت في بيت عدي.
الرئيس القائد
داخل قصر عدي، رأيت الشخصي يمتزج مع العام، هو ابن صدام ورئيس معظم الجمعيات الشبابية في حينه حيث اشتهر بساديته وبطشه حتى بأصدقائه، ولكنه في وقته الخاص كان يتابع برامج الفضائيات العربية مثله مثل اي شاب عربي آخر. هذا الانفصام بدأ يطرح في بالي اسئلة من قبيل: اين تبدأ انسانية صدام حسين وابنائه، واين تنتهي؟ ماهو السياسي وما هو الشخصي والعائلي في حياة هؤلاء؟ هل كان صدام يمتهن السياسة في النهار ويعيش حياته الطبيعية مع عائلته في الليل، ام انه كان “الرئيس القائد” حتى عندما يكون في اوضاع عائلية وحميمية؟ والاهم من ذلك كله، هل كان صدام يصدّق في السر كل ما يقوله في العلن؟
عندما كنت اجول في قصور صدام وابنائه، وفيما كان بعض العراقيين يستولون على كل ما يقع نظرهم عليه في تلك القصور كما في دوائر المؤسسات الحكومية، كانت القوات الاميركية، بمساعدة عراقيين، تجمع كل ما عثرت عليه من وثائق. كانت واشنطن تسعى لايجاد ما يقد يبرر حربها على شكل وثائق تثبت نشاطات نظام صدام لانتاج اسلحة الدمار الشامل، او رسائل بين مسؤوليه و”تنظيم القاعدة” لاثبات تورطه في هجمات 11 ايلول (سبتمبر) 2001. يومذاك، اتصلت بالضباط الاميركيين في بغداد لمعرفة مصير وثائق الدولة، ولم اتلق الا اجابات غاضبة.
بعد ذلك بحين، علمت ان الاميركيين جمعوا اشرطة كاسيت فيها تسجيلات لحوارات صدام اثناء اجتماعاته مع كبار مسؤوليه، ولكنني لم انجح بالوصول الى اي منها، حتى لفتني صديق الى كتاب “تسجيلات صدام”، الذي ترجمه الى الانجليزية وجمعه وحرره كل من كيفين وودز، ودايفيد بالكي، ومارك ستاوت.
يقول المحررون انهم عملوا على سبعة الاف شريط كاسيت، واستخلصوا منها حوالي الفين وخمسمائة يظهر فيها صدام كمتحدث رئيس او يشارك في جزء من الحوارات. ويلفت المحررون الى المشاكل الكثيرة التي واجهوها. اولا، لم يرافق الكاسيتات اي ملصقات تحدد تاريخها او تعرف عنها. ثانيا، بعض الكاسيتات يبدأ في منتصف الحديث وينتهي قبل نهايته. ثالثا، كان يصعب في اوقات تحديد هويات المتحدثين، الا اذ توجه واحدهم الى الآخر باسمه، وحتى في تلك الحالة، يكون الاسم “ابو فلان” على جاري العادة العربية في المناداة.
لكن صوت ونبرة من كان يعرف بالمهيب الركن القائد صدام حسين المجيد كانا معروفين اكثر من ان يخفيان، وهو ما سهل من عمل المحررين، الذين عمدوا الى تقديم الكتاب في ابواب تهم القراء الاميركيين اكثر من العرب، تصدرها باب علاقة العراق مع الولايات المتحدة الاميركية، و”النظرة تجاه اسرائيل”، والعلاقة مع العالم العربي، فالحرب ضد ايران او “قادسية صدام”، وحرب تحرير الكويت او “ام المعارك”، و”الحصار” ثم “حسين كامل”، صهر صدام الذي فر الى الاردن، ثم عاد ليلقى حتفه في ما وصفه الاعلام الرسمي في حينه عملية “غسل عار” قام بها افراد عشيرته.
الا ان التصنيف يبدو سطحيا و لا يفي الموضوع حقه، فصدام هو مجموعة من الشخصيات المختلفة التي تغيرت مع مرور الزمن الطويل الذي تربع فيه على عرشه حاكما اوحد للعراقيين بين العامين 1979 و2003، وليس واضحا كيف يمكن تصنيف موقفه من اميركا مثلا، على مدى ربع قرن تعاقب اثناءها خمسة رؤساء اميركيين على الحكم في بلادهم، في باب واحد. وفي اجزاء من احاديث صدام، يعمد المحررون الى اضافة كلمة “اسلامية” بين قوسين في كل مرة يذكر فيها كلمة “امة”. بيد ان من يعرف الادبيات البعثية يعلم ان البعثيين كانوا دائما يتحدثون عن “امة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة”، لا عن امة اسلامية.
عليه، يبدو من الافضل ممارسة الابحاث على تسجيلات صدام بشكل زمني، ومراقبة تطور الرجل، والتغييرات التي طالت مواقفه مع الوقت، فصدام بدأ حياته شابا واقعيا واثقا من نفسه، ثم تحول الى زعيما مهووسا بأمنه، ما ادى الى عزله عن العالم الخارجي واحاطته بمجموعة من المتملقين، تحببا او خوفا، ممن اصبحوا يخشون الاختلاف معه في الرأي.
وكلما امعن معاونو صدام المعزول عن العالم في تمجيده، خسر الرئيس العراقي من اتصاله بالواقع، وصار مفتونا بعظمته وسؤدد رأيه المبني غالبا على معطيات اما قديمة تغيرت او من نسج خياله، الى حد صار يبدو مجنونا للعالم الخارجي، وهو ما اشتكى منه صدام نفسه في تسجيل للقاء مع كبار معاونيه في 22 تموز (يوليو) 1995. يومذاك، كان العراقيون قد اطلقوا سراح اميركيين عبرا الحدود الكويتية – العراقية خطأ، وحاكموهما بتهمة التجسس، واصدروا بحقهما حكما قضى بحبسهما ثماني سنوات. على اثر الحادثة، زار عضو الكونغرس بيل ريتشاردسون، المقرب من الرئيس بيل كلينتون، بغداد، والتقى صدام، واسفرت وساطته عن الافراج عن الاميركيين.
ويظهر التسجيل ان صدام كان يأمل ان يؤدي نجاح الوساطة الاميركية الى تحسين علاقة بلاده مع واشنطن. الا ان التسجيل نفسه يظهر صدام مذهولا لردود فعل الاميركيين تجاهه. ويقول صدام انه عندما يعود ريتشاردسون الى بلاده، سيسأله الاعلام الاميركي: “هل قابلت صدام حسين؟ هل هو مثل الاشخاص الطبيعيين؟ هل يتحدث بلطافة مثل الناس الطبيعيين؟ هل يشرب الشاي؟ هل رأيته”؟ ويضيف صدام، بما يشبه التمني، ان ريتشاردسون سيجيب: “والله يا أخي هذه اول مرة نرى شيئا كهذا، انه رجل لطيف، يتحدث، ووجدناه شخصا طبيعيا”.
وفي التسجيل نفسه، يلفت صدام الى تصريح لوزير الخارجية الاميركي وارن كريستوفر قال فيه ان “التعب اصابه من محاولته فهم عقل صدام حسين الصعب”. ويتابع صدام: “لا اعلم لماذا اصابه التعب؟ هل هذه معادلة كيماوية؟ الا تعلمون ان عقل صدام حسين مثل عقل اي شخص آخر؟”
يظهر التسجيل المذكور انه مع حلول منتصف التسعينات، كان صدام حسين، المعزول بسبب اجراءاته الامنية داخل بلاده المعزولة بدورها بسبب الحصار الدولي عليها، قد بدأ يواجه مشكلة التفاهم مع الآخرين. في داخل العراق، دفع الخوف الكثيرين الى التهليل لصدام على الرغم من “صعوبة عقله”. لكن خارج العراق، كان الوضع مختلفا، ولم يعد الرئيس العراقي قادرا على التفاهم مع القادة العرب ولا العالميين، ولا ابقاء تصرفاته او تصرفات نظامه في الحدود المتفق عليها دوليا. لكن صدام لم يكن دوما على هذا الشكل.
صدام متألقا
في العام 1979، لم اتنبه انا واقراني ان اناشيدنا المدرسية استبدلت تمجيد الرئيس احمد حسن البكر بنائبه وخليفته صدام حسين، الذي كان حتى ذلك الوقت معروفا بـ “السيد النائب”. كانت معلماتنا تقودننا الى تظاهرات غالبا ما نردد فيها شعارات لا نفقه معناها على طراز “بالروح بالدم نفديك يا صدام”، و”هلهولة للبعث الصامد”، و”صدام اسمك هز امريكا”. ما هو البعث؟ ومن هي امريكا؟ وما معنى الروح والفداء؟ كل هذه الاسئلة بقيت من دون اجابات في عقولنا نحن الصبية الذين كنا نفرح للتهليل والصراخ والتصفيق كيفما اتفق. في ايام اخرى، كانت معلماتنا تأخذننا الى مدرجات كبيرة، نجلس على كراسي، ونستمع الى ساعات طويلة من الخطابات البعثية عن “وحدة الامة” و”مواجهة الامبريالية”. اما نحن، فمثل كل الاولاد، “نتشاقى” على بعضنا البعض، على حسب التعبير العامي، لتمضية الوقت الخطابي الممل.
لكن على الرغم من عدم اكتراثي الطفولي لمبادئ “حزب البعث العربي الاشتراكي” ولا لشعاراته، يعلق في مخيلتي صور رجل في مقتبل العمر، طويل، نظرته ثاقبة، شاربه الأسود كثيف، تارة في زي عسكري وقبعة وينظر الى الاعلى على طراز الكوبي الثوري “تشي غيفارا”، وطورا في زي عربي تقليدي، ومرة اخرى في بذلة غربية وقبعة سوفياتية، مرة يحيي، ومرة يدخن السيجار، ومرة يبتسم. هذا الرجل بدا لي رمزا للرجولة والعنفوان، متألقا، واثقا. ولم يمض الكثير من الوقت حتى علمت ان اسمه “صدام حسين”.
في بغداد العام 1979 طالت البحبوحة الاقتصادية غالبية العراقيين. مدرستي الرسمية، “المنصور التأسيسية”، قلبت اثاثها رأسا على عقب واستبدلته بكل ما هو حديث. السيارات في الشوارع، “تويوتا سوبر” وغيرها، تخلب الالباب. بغداد انقلبت ورشة لمشاريع البنية الداخلية. ممرات المشاة تم تجديدها، الشوارع تم تعبيدها، الناس كانت تبدو متفائلة بصورة عامة.
صدام، بطل تأميم شركات النفط العراقية في العام 1972، كان اسمه يثير الهلع في نفوس كثيرين. كان في قمة بطشه الذي كان ينقله احيانا في بث مباشر على التلفزيون الرسمي، كما في تلك الجلسة البعثية الشهيرة في العام 1979 التي يبكي فيها الكثير من الرجال، ومنهم صدام اسفا على تصفيته لبعض اصدقائه. والى جانب تربع صدام على قمة دولة الخوف التي كان يمسكها بتفاصيلها، كانت عائدات النفط العراقي تمول ماكيناته الامنية، وفي ما بعد العسكرية، الرهيبة، حتى من دون ان يؤثر ذلك في موازنة العراق عموما او في معاش العراقيين.
وعندما نجح الايرانيون في قلب نظام الشاه محمد رضا بهلوي ايضا في العام 1979، وبدا ان روح الله الخميني واعوانه من المتطرفين سيتولون الحكم، انقلب المزاج الدولي من حليف لطهران الى عدو لها، وصارت عواصم العالم تبحث عن حليف بديل للشاه. هنا برز صدام حسين.
“علينا ان نمسح وجه ايران في الطين وان نجبرها على اتخاذ موقف”، يقول صدام حسين في اجتماع “مجلس قيادة الثورة” في 16 ايلول (سبتمبر) 1980. ويضيف، “لقد شرحنا لكم وضعنا العسكري فيما خص استعادة مناطق زين القوس وسيف سعد.. (لكننا) لا نريد ان يأخذنا الايرانيون ويأخدون انفسهم الى موقف لا نريده”، اي الى حرب مفتوحة الامد.
في ذلك الاجتماع، يتحدث صدام عن مبادرة الجيش العراقي لاقتحام مواقع كانت تحت السيطرة الايرانية وكان صدام يعتبرها اراض عراقية. يعزو صدام غزو تلك الاراضي الى عدم التزام نظام الخميني باتفاقية الجزائر التي وقعها هو مع ايران في العام 1975 بعد جولة مواجهات قصيرة مع جنود الشاه. ولكنه في نفس الوقت، يقدم تبريرات لتوقيع الاتفاقية وكأنه فعلها على مضض، متحينا الفرصة لنقضها والانقضاض عليها.
يقول صدام: “في 1975، استنفدنا تقريبا كل ذخيرة المدفعية التي كانت بحوزتنا. كان لدينا ثلاث قنابل لسلاح الجو فقط، فارسلنا رئيس الاركان الى الاتحاد السوفياتي لتوقيع اتفاقية، وقالوا له ان لديهم 1200 طلقة مدفعية فقط.. في ذلك الوقت، 1200 طلقة مدفعية كانت تكفي لقتال (الايرانيين) يوما واحدا فقط”. وهنا يتدخل ابن خال صدام وزير الدفاع عدنان خيرالله ليقول: “وكان لدينا بطارية مدفعية واحدة فقط”، فيوافقه الرئيس العراقي.
ويكرر صدام اصراره على استخدام العنف لاخضاع الايرانيين، فيقول في التسجيل نفسه: “علينا ان نضع انوفهم في الطين حتى يتسنى لنا فرض ارادتنا السياسية عليهم، وهذا لا يمكن ان يحدث الا عسكريا”. هذا الاصرار على الحل العسكري وحده قد يلقي الضوء على الكثير من شخصية صدام، فهو لم يعمد للافادة من التغييرات الحاصلة في الديبلوماسية الدولية ضد ايران، ولا حاول اقناع عواصم العالم بوجهة نظره لاستعادة اراض تعتقدها بغداد عراقية، بل اختار محاولة اخضاع الآخر عن طريق العنف كوسيلة وحيدة لفرض امر واقع.

الاستنزاف ثم النصر
في بغداد، لم تؤثر الحرب في حياة العراقيين في الاشهر الاولى لاندلاعها. التلفزيون الرسمي استبدل الاغاني بأناشيد حربية، وقياديو العراق، على رأسهم صدام، لبسوا الزي البعثي العسكري. لكن لم تكد تمر سنة، حتى وصلت الحرب الى معظم المدن العراقية. صفارات الانذار صارت تقرع للايذان بقدوم غارات جوية ايرانية، وامرت وزارة الداخلية السيارات بطلي مصابيحها الامامية لحرمان الطيارين الايرانيين من نور السيارات المتجولة في الليل. وفي وقت لاحق، امرت الحكومة العراقيين بقيادة السيارات التي تنتهي لوحاتها بأرقام مزدوجة في يوم، والارقام المفردة في يوم آخر، كجزء من تقنين استخدام النفط الذي صار مطلوبا للمجهود الحربي. وصار التفلزيون الرسمي غالبا ما يقطع برامجه، ويطل المذيعون بهيئة مشرئبة لاعلان وقوع معركة ضارية ضد “قوات الخميني الدجال” في هذه النقطة الحدودية او تلك.
بيد ان تواصل الحرب، وتزايد عدد القتلى والجرحى والاسرى في صفوف العراقيين، اجبر نظام صدام على فرض الخدمة العسكرية الالزامية، وصارت القيادة تعلن في كل ليلة، اثناء برنامج “الجريدة الرسمية” على التلفزيون العراقي، طلب وزارة الدفاع من الذكور الذين ترواحت مواليدهم بين الاعوام 1941 و1963 الالتحاق بمقرات الجيش لاجراء التدريبات اللازمة والانضمام للألوية المقاتلة في الصفوف الامامية. ومع مشاركة العراقيين في القتال، كثرت مجالس العزاء في بيوتهم، وادى الانفاق العسكري الى تراجع في الاقتصاد وانحسرت البحبوحة. هنا تحول نصر صدام الاولي ضد الايرانيين الى كابوس للعراقيين، يرافقه نكسات عسكرية متواصلة على الجبهة.
هذا المزاج العراقي ينعكس في “تسجيلات صدام” فتسجيلات الايام الاولى للحرب تظهر ان الرئيس الراحل كان يتوقع ان يفرض اجتياحه امرا واقعا يقبله الايرانيون، غصبا عنهم، ربما كما قبل هو توقيع اتفاقية الجزائر في العام 1975 لضعفه العسكري والدولي في مواجهة الشاه. وتظهر التسجيلات كذلك ان صدام لم يكن يرغب في الذهاب الى حرب طويلة الامد مع الايرانيين، ولا هو اعد خطة لمواجهة احتمالية حرب استنزاف. وفي تسجيل بتاريخ 3 اكتوبر 1981، اي بعد ما يقارب السنة على اندلاع الحرب، يحاول صدام إلقاء اللائمة في تراجع قواته على القوى الدولية، ويقول: “الولايات المتحدة ضدنا، والاتحاد السوفياتي ضدنا.. ما هو المتوقع من الاميركيين والسوفيات والانظمة العربية.. مالذي فعلوه (من اجلنا)؟”.
مع بدايات العام 1984، يظهر صدام في موقع من يستجدي السوق السوداء الدولية لشراء الاسلحة. في احد الاشرطة، يتحدث عن لقائه السفير الصيني في بغداد، وطلبه الحصول على دبابات، ويقول صدام لسفير الصين ما يعكس سذاجته في الشؤون الدولية: “الا يحق لنا ان نكون مستقلين؟ الا يحق لنا ان نكبر كما كبرتم انتم؟”
لا شك ان هشاشة علاقات صدام الدولية، حتى مع العواصم المعادية لطهران، وتاليا شح سوق الاسلحة الدولية في وجهه، يضاف الى ذلك تدخله في كل شاردة وواردة عسكرية، على الرغم من انه لم ينتسب الى كلية حربية في حياته، كلها فرضت تقهقرا عراقيا. ويظهر اطباق صدام غير المبرر على القرارات العسكرية في تسجيل بتاريخ 7 تموز (يوليو) 1984، يقول فيه: “على الجبهة ان تعلمني حتى بالمواضيع المؤلمة، حتى استطيع ان اقيم الوضع واعرف ما هي العوامل التي ادت الى الالم واتخذ القرار الصحيح”. ويضيف: “هذا واحد من الاسباب الذي دفعني لتفقد الجبهة والجندي. لم يحدث في تاريخ الحروب في العالم ان نتفقد الجندي وهو يجلس مع قادته بعد كل معركة.. انا لا اعني انني لا اثق في القادة، ولكنني اردت المعلومات من فم الجندي حتى تساعدني على استنتاج اشياء لا يستطيع ان يستنتجها القائد الميداني”.
ولأن صدام كان متدخلا في التفاصيل العسكرية كافة، فهو كان المسؤول الاول والاخير عن قرار بغداد استخدام اسلحة كيماوية، محظورة دوليا، لقلب الموازين في المواجهة مع الايرانيين.
في 6 آذار (مارس) 1987، يدور نقاش بين صدام واعوانه حول استخدام تلك الاسلحة، واختيار الاهداف المناسبة لها، فيقترح احدهم توجيهها الى المدن الايرانية وابادة واحدة منها عن بكرة ابيها، “ولندع الذي يحصل يحصل”، ثم يتدخل سعدون حمادي، الذي يبدو انه كان يعتقد ان العراق اوقف استخدامه لتلك الاسلحة كليا، فيجيبه صدام :”لم نتوقف عن استخدام الاسلحة الكيماوية ضد التشكيلات العسكرية، ولم نقرر ان نتوقف.. هذا امر متواصل”.
بين ذلك التاريخ وتاريخ قبول الخميني قرار مجلس الامن بوقف اطلاق النار، او “تجرع السم” كما جاء في خطابه في 20 آب (اغسطس) 1988، انقلبت الموازين العسكرية مجددا لمصلحة العراقيين، وربما كانت استعادة العراقيين لشبه جزيرة الفاو في 35 ساعة فقط هي المعركة الحاسمة التي دفعت طهران الى تخليها عن هدف الاطاحة بصدام ونظامه وقبولها وقف الحرب، وهو ما عده صدام بمثابة الانتصار.
لقد علمت الحرب مع ايران العراقيين دروسا كثيرا، ابرزها ان العالم لا يحترم الا لغة القوة، فصدام حسين طالب المجتمع الدولي، وفي مناسبات عديدة في السنوات التي كانت قواته تتلقى الضربات الايرانية الموجعة وتجبر على التراجع، ان يجبر ايران على وقف اطلاق النار، لكن العالم – وخصوصا مجلس الامن – بدا عاجزا عن فرض وقف الحرب، بل ان قراره رقم 598، الصادر في يوليو 1987 والقاضي بوقف اطلاق النار بين الجانبين، لم يتم تنفيذه حتى وافق الايرانيون على ذلك بعد حوالي العام، وفقط تحت وطأة تراكم هزائمهم في وجه تواصل الانتصارات العراقية.
“نريد ايصال رسالة.. الى العالم، الذي يحمل مفاتيح (القرار) بين يديه.. رسالة الى ايران، الشعب الايراني، والقيادة الايرانية، ورسالة الى العرب من اجل ايقاظهم مرة اخرى”، يقول صدام في تسجيل يعود تاريخه الى 18 نيسان 1988، على اثر انتصار قواته في الفاو، “ان العالم بأجمعه بدأ ينظر الى مقاييس الجيش العراقي، الدول تشاهد كيف يقاتل العراقيون”.
غزو الكويت
من ابرز الطرفات العراقية التي تلت حرب تحرير الكويت في العام 1991، والتي اوقعت بالجيش العراقي هزيمة فادحة وادت الى تدمير البنية التحتية للبلاد وفرض حصار اقتصادي خانق عليها، هي التلاعب على شعار اطلقه صدام حسين بعد الحرب. يقول الشعار “ما أحلى النصر بعون الله”، فيما قلبه العراقيون، الذين وجدوا انفسهم على ابواب السفارات يستجدون الهجرة الى بلدان المعمورة، الى “ما احلى النصر بهولندا” في اشارة الى الهزيمة العراقية التي ادت الى هجرة واسعة.
لكن ما الذي دفع صدام، الذي تظهر التسجيلات شبه انفراده في صنع القرار العراقي، الى امر قواته باجتياح الكويت في آب (اغسطس) 1990؟
قد يكون ابرز الاسباب هو الثقافة العراقية السائدة عموما والقائلة بأن الكويت جزء من العراق سلخها الانجليز. ويظهر تسجيل انه في تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، قال صدام ان “السياسات العراقية هنا تقول ان علينا التخلص من حاكم الكويت”. ومع ان الكويت هبت لمساندة العراقيين ماليا اثناء حربهم مع الايرانيين، الا ان صدام اعتبر حصوله على هذه الاموال تحصيل حاصل، وبمثابة مكافأة لوقوفه في وجه الخطر الايراني الزاحف الى الخليج.
ثم ان تجربة صدام في حربه مع ايران لم تعطه ثقة عسكرية زائدة بالنفس فحسب، بل اظهرت له ان المجتمع الدولي، الذي لم يهب لنجدته من قبضة الايرانيين، عندما قاربوا احتلال البصرة وقبل ان يعكس العراقيون ميزان القوى ويقلبون تراجعهم تقدما، لا يحرك ساكنا للفصل بين الجيوش المتحاربة حول العالم، فالحرب العراقية – الايرانية لم تكن الوحيدة في زمانها، اذ ترافقت مع اجتياح الاتحاد السوفياتي لافغانستان، وكذلك حرب جزر الفوكلاند بين بريطانيا والارجنتين، والاجتياحات الاسرائيلية المتكررة للبنان، والاحتلال السوري في لبنان كذلك. فاذا كانت كل الدول تستقوي على جيرانها الاضعف منها من دون ان يحرك المجتمع الدولي ساكنا، ما الذي يمنع العراق من تكليل انتصاره على الايرانيين بجائزة ترضية عن طريق ابتلاعه الكويت؟
بيد ان التسجيلات تظهر ان صدام لم يكن يتوقع حجم ردة الفعل الدولية، وخصوصا الاميركية، لاخراج قواته من الكويت. وفي اجتماع في 23 فبراير 1991، قبل ساعات من بدء التحالف المؤلف من 33 دولة بقيادة اميركية اجتياحه البري، بحث صدام مع معاونيه امكانية سحب قواته البرية من الكويت، واقامة “ديمقراطية وطنية” هناك. يقول نائب رئيس “مجلس قيادة الثورة” عزت الدوري مخاطبا صدام، “علينا ان نركز في الايام الاربعة هذه على سحب جنودنا”، فيجيبه صدام: “لقد اعطيت التعليمات، ارسلت رسالة هذا الصباح”. ويضيف الرئيس العراقي: “من الافضل ان تسحب جنودك بدلا من ان يفعل ذلك عدوك بالنيابة عنك”. هنا يبادر احد الحاضرين الى القول: “سيدي، علينا اغتيال امير الكويت (الشيخ جابر الاحمد) عند دخوله الكويت”، ويسود الضحك، وفي نفس الاثناء، تتباحث القيادة العراقية في توقيت ازالة صور صدام، التي انتشرت في انحاء العاصمة الكويتية، قبل الانسحاب العراقي منها.
الا ان الاحداث داهمت صدام وقواته، وفي تسجيل في اليوم التالي، يتحدث الرئيس العراقي ومعاونيه حول بدء العمليات البرية للتحالف، ويعتبر صدام ان سبب التوقيت سياسي يرتبط بمحاولة الرئيس جورج بوش الاب الافلات من “المبادرة السوفياتية” التي كانت تنص على وقف فوري لاطلاق النار.
شريط اجتماع 24 فبراير يظهر انقطاع الاتصال بين الجنود العراقيين، الذي استسلموا لقوات التحالف باعداد كبيرة، والقيادة العراقية التي كانت تستمع الى انباء الاستسلام عبر وسائل الاعلام الاجنبية، وتعتبر ذلك جزءا من الحرب النفسية على العراقيين.
اللافت هنا مرة اخرى ان اعضاء القيادة العراقية حاولوا اخفاء بعض الامور عن صدام، ربما خوفا من ردة فعله. في هذا السياق، يقول حسين كامل، في تسجيل يرجح المحررون تاريخه “ربيع 1991″، مخاطبا صدام: “سيدي، لم نوافيك بالصورة الحقيقية للوضع، لاسباب عديدة، هي الخوف او اعطاء الانطباع (امامك) انه تمت زعزعتنا، ولكن من الآن وصاعدا من المفروض اعطاؤك الصورة كاملة”. ويضيف صهر صدام: “في مرات عديدة، خصوصا عندما كنا في الكويت، كل اعضاء القيادة العليا، والذين كنت ترسل من يراقبهم، وصلت معنوياتهم الى ادنى مستوياتها، ولكننا كنا عندما نأتي لنراك، لم نستطع سيدي ان نكشف لك او نعلمك بحقيقة وضعنا”.
ويرد صدام: “احد المسؤولين قال لي ان الناس واعضاء الحزب يتذمرون من قبولك مبادرة السلام (الروسية)، القاضية بالانسحاب (من الكويت) في 15 شباط (فبراير)… وسألته لما يتذمرون، فاجابني لانك تسببت لهم بضياع فرصة ليقتلوا فيها الاميركيين، ولكنني شرحت له الوضع، وقلت له اني سعيد لسماع ما قاله”.
صواريخ على الرياض
يقول المحللون السياسيون ان حرب الخليج الاولى، او عاصفة الصحراء، كانت اولى الحروب في العالم التي نقلت احداثها شبكات التلفزة بصورة مباشرة. الذين عايشوا تلك الفترة، يتذكرون ان محطات التلفزيون كانت غالبا ما تقطع برامجها المقررة مساء، وتبدأ ببث صور الصواريخ العراقية وهي في طريقها للسقوط على مدن سعودية. ثم كانت المحطات تسرع في ارسال مراسليها الى مكان سقوط الصاروخ، وتحاول فورا معرفة ما اذا كان تقليديا او محملا برؤوس كيماوية او بيولوجية. ويتناقل العراقيون رواية مفادها ان صدام اعطى الامر لشن هجمات كيماوية ضد اهداف لقوات التحالف، الا ان احد القادة، الاميركي نورمان شوارزكوف، والذي كان فريقه يتنصت على الاتصالات العراقية، اتصل بدوره بالضباط العراقيين وحذرهم من ان اي مغامرة كهذه ستكلفهم غاليا، وان اميركا ستقابل استخدام العراق صواريخه الكيماوية باستخدامها رؤوس نووية تكتيكية ضد اهداف عراقية.
لكن يبدو ان “شرائط صدام” تدحض الاعتقاد الشعبي العراقي بأن صدام امر باستخدام السلاح الكيماوي اصلا. ويظهر تسجيل لاجتماع “مجلس قيادة الثورة” في 17 كانون الثاني (يناير) ان صدام اعطى اوامره فعلا لضرب “تل ابيب ومدن اسرائيل الاساسية”. هنا، يسأله طارق عزيز: “بصواريخ تقليدية؟” فيجيب صدام: “نعم، صواريخ تقليدية، يعني اننا سنستخدم الرؤوس الاخرى، كما تعرف، كرد على الرؤوس الحربية التي سيستخدمونها هم ضدنا”. هنا يبدو ان صدام كان رسم معادلة لاستخدامه اسلحة غير تقليدية في المواجهة مع التحالف مفادها انه سيرد برؤوس غير تقليدية فقط ان بادرت اولا اسرائيل، او التحالف، باستهدافه بأسلحة دمار شامل.
ثم يقول عزيز: “سيادتك، لقد هاجمنا اهداف في السعودية”. فيقاطعة صدام بالقول “بعض مصافي النفط السعودية، بعد ذلك نهاجم المدن السعودية.. الرياض، وجدة، يعني اننا سنهاجم كل المدن التي تصلها صواريخنا”. في ذلك الوقت، اشارت التقارير الى ان مجموع الصواريخ التي اطلقتها قوات صدام باتجاه السعودية بلغ عددها 49 صاروخا، اعترضت منظومة باتريوت معظمها، وسقط بعضها الآخر في اماكن متفرقة، ولم تفد التقارير وقتذاك بوقوع قتلى، مع ترجيح مقتل سعوديين اثنين بسبب تلك الهجمات.
من كان صدام
ان اول اهداف كتاب “تسجيلات صدام”، والاعمال الاكاديمية المشابهة المبنية على الكاسيتات والوثائق التي تم جمعها في بغداد، هو محاولة فهم شخصية الرجل الذي شغلت تصرفاته العراق، و منطقة الشرق الاوسط، والعالم لاكثر من ثلاثة عقود. بيد ان هذه العملية معقدة وتحتاج الى مقارنة مصادر متعددة، اولها خطاباته وتصريحاته العلنية، ثم التحقيقات التي اجريت معه ومع معاونيه على اثر اعتقالهم بعد العام 2003، ثم التسجيلات التي تم العثور عليها، فمؤلفات الاشخاص الذي عاصروا صدام او التقوه او عملوا الى جانبه في مواقف مختلفة.
من ابرز المؤلفات في هذا الصدد كتاب بعنوان “دولة الاذاعة” بقلم ابراهيم الزبيدي، وهو من تكريت، المدينة الاقرب الى مسقط رأس صدام في العوجة. وكان الزبيدي، وهو عمل مذيعا ثم مديرا لراديو العراق، من اقرب اصدقاء الطفولة والمراهقة لصدام وابن خاله عدنان خيرالله. كتاب الزبيدي يكشف الكثير عن شخصية صدام المراهق الذي دفعته تجربته الى اعتناق العنف حلا اساسيا في الصراعات. ولم يكن صدام العراقي الوحيد من ابناء جيله، ومن سبقه ومن لحقه، ممن تبنوا العنف، بل كان اكثر من برعوا في استخدامه لمصلحتهم وفي فرض اراداتهم، السياسية والاجتماعية، على غيرهم عن طريق اللجوء اليه.
وعلى الرغم من صداقته الوطيدة بصدام، اضطر الزبيدي الى الخروج من العراق والعيش في المنفى، فهو ادرك انه بعد صعوده وتحوله الى اهم شخصية عراقية، اراد صدام ان يقطع مع ماضيه، واعتقد الزبيدي انه قد يتحول الى كبش محرقة محاولة صدام نسيان الماضي.
العمل الثاني الذي القى الضوء على شخصية صدام هو مجموعة المقابلات التي قام بها عميل الـ”اف بي اي” الاميركي من اصل لبناني جورج بيرو، وصدر موجز عنها في كتاب، اما الباقي، فتعمل الحكومة الاميركية على رفع السرية عنه تباعا. يقول بيرو ان عملية فوزه بثقة صدام استغرقت وقتا، ولكنه تمكن في النهاية من اقناعه بأن عليه الحديث من اجل التاريخ. الباحثون الاميركيون مقتنعون بهوس صدام بصورته بعد مئات او الاف السنوات من رحيله، وهذا تجلى في قيامه بنقش احرف اسمه “ص ح” على الآثار العراقية القديمة كما في نشاطات عمرانية اخرى شيدها لاعتقاده انها ستساهم في تخليد ذكراه كزعيم للعراقيين.
لكن صدام في مقابلات بيرو هو غير صدام الذي تظهره التسجيلات يتحدث في السبعينات في ايام الشباب عندما كان في مراحل صعوده. وقتذاك، لم يسع صدام لكتابة التاريخ بل كان يعمل على وصوله الى قمة السلطة، وذلك عبر اظهاره شراسة ودموية، بث جزءا منها على التلفزيون الرسمي. اما في مقابلات بيرو، كان صدام، في عمر الشيخوخة، قد اعتاد على وجوده في قمة السلطة فصار يسعى الى تخليد اسمه في التاريخ. كذلك، كان صدام في السبعينات واحدا من بين كثر يتصارعون لاعتلاء هرم السلطة، وكان اكثر اتصالا بالواقع، ولكنه بعد عقود على تربعه على عرش العراق، خسر اتصاله مع العالم الخارجي، كما يبدو جليا في التسجيلات التي تظهر مرارا ان اعوانه حاولوا اخفاء امور مختلفة عليه، اما خوفا منه، او خوفا من تدخله في شؤون عسكرية ليست من اختصاصه.
التسجيلات تؤكد كذلك الرأي القائل بأن صدام كان يتدخل في تفاصيل الامور، وهو ما يؤكد مسؤوليته لا عن النكسات العسكرية في المواجهة مع ايران فحسب، بل مسؤوليته عن استخدام الاسلحة الكيماوية ضد الكرد العراقيين، كما ضد الايرانيين. كذلك، تظهر التسجيلات ان صدام هو من كان يحدد لائحة الاهداف التي استهدفتها صواريخه، وانه هو الذي امر بالتنكيل بأي مقاومة كويتية ضد قواته اثناء احتلالها الكويت، وانه هو صاحب فكرة الاجتياح اصلا، ثم الانسحاب الذي لم يسنح له الوقت الكافي ليتم فيما بعد.
العمل الثالث الذي قد يساهم في القاء المزيد من الضوء على صدام والاسباب الكامنة خلف تصرفاته هو كتاب محاميه اثناء اعتقاله خليل الدليمي. ومع ان الدليمي منحاز لصدام، فان روايته تصور الرئيس العراقي في موقف غير المدرك تماما للتغييرات الحاصلة على اثر الاجتياح الاميركي، فصدام كان يعتقد ان الاميركيين يحاكموه كوسيلة لابتزازه ليخضع لهم ويواجه ايران بالنيابة عنهم. وكان صدام منقطعا عن الواقع لدرجة انه كان يحاول رسم خطة اقتحام سجنه الاميركي للهروب منه واستعادة موقعه كزعيم للعراقيين.
المهم في اعمال بيرو والدليمي انها تغطي فترة لا تسجيلات فيها، ويمكن مقارنة العملين لاستخلاص الرواية الافضل، اذ من الطبيعي ان يخال صدام ان حديثه الى بيرو هو بمثابة رسائل الى الاميركيين، فيما يظن انه من خلال الدليمي كان يوجه رسائل للعراقيين، الذين كان يعتقد ان معظمهم كانوا من مؤيديه ومحبيه. وبالمقارنة بين العملين، بالاضافة الى اعمال مثل كتاب الزبيدي، والاشرطة والوثائق، وكتاب “تسجيلات صدام” وغيره، يمكن للباحثين البدء برسم صورة اولية للافكار التي كانت تخالج بال صدام، والتي دفعته للقيام في ما قام به من حروب، واجتياحات، وقمع للتمردات العراقية الداخلية.
بعد كل هذه الاعمال، وبعد ما يقارب العقد على سقوط نظامه، صار ممكنا الخروج ببعض الاستنتاجات حول شخصية صدام حسين. وعلى ما يقول محررو كتاب “شرائط صدام” في خاتمتهم، يبدو ان خطاب الرجل السياسي في العلن كان نفسه في جلساته الخاصة. كان صدام مقتنعا انه من القادة العظام في التاريخ، من امثال نبوخذنصر وصلاح الدين. وكان صدام يعتقد انه نجح في صناعة قوة اقليمية عراقية، يمكنها الحاق الهزيمة بقوى عظمى كالولايات المتحدة الاميركية، على الرغم من انه في جلساته المقفلة، كان واقعيا لدرجة انه كان يسعى لاستعادة العلاقات مع واشنطن بأي ثمن بعد حرب الخليج وخروجه من الكويت.
كذلك، يبدو ان صدام كان يتمتع بذكاء فطري، ولكن الظروف لم تسمح له بتطوير ذلك الذكاء للافادة منه ثقافيا او فكريا او عسكريا، فكانت قراراته في الغالب مبنية على فهم ساذج في شؤون العسكر والاقتصاد والحكم والعلاقات الدولية. ولم يساعد اضطرار صدام ابتعاده عن الناس بسبب قلقه الامني في التخفيف من قصوره في فهم شؤون العالم، بل ساهمت سطوته في فرض قرارات خاطئة على مساعدين كانوا أكفأ منه (على سبيل المثال عدنان خيرالله وزير دفاعه وخريج الكلية الحربية العراقية).
منذ اليوم الذي وقفت اهتف فيه واقراني الصبية “بالروح بالدم نفديك يا صدام” وحتى يومنا هذا، وبعد اطلاعي على الكمية الكبيرة من الكتابات عن صدام ومن المواد الاولية التي وصلتنا منه وعنه، مازال سؤال من هو صدام يحتاج الى اجابات كثيرة في بالي، كما في بال كثيرين، ومازالت الاعمال الاكاديمية، التي تترافق مع الافراج المتوالي عن الوثائق في واشنطن، في اولها، وكما مع من سبقه من ديكتاتوريات، ستستمر الكتب والمقالات عن صدام حسين وحكمه الى وقت طويل بعد رحيله، وربما هذا ما اراده الرجل اساسا، وربما هذا ما دفعه الى الطلب من اجهزته الاستخباراتية تسجيل بعض حواراته، التي دفعتنا بدورها الى كتابة هذا التعليق المفصل.

هناك تعليق واحد:

Umzug Wien يقول...

Vielen Dank .. Und ich hoffe, Sie Mved Entwicklung und Schreiben von verschiedenen Themen :)


Since December 2008