السبت، 25 مايو، 2013

أوباما يمر بأقسى أزمة سياسية منذ انتخابه ... ويحكم حسب استطلاعات الرأي

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

الرئيس باراك اوباما يحكم حسب استطلاعات الرأي. لم يتحرك عسكريا في سورية لعلمه ان حركة من هذا النوع لا تلقى رواجا بين الاميركيين. كما يحرص الرئيس الاميركي على ابعاد نفسه عن الفضائح. عندما تكلم آمر القوات في افغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال ضد الادارة، عزله أوباما. وعندما انتشرت انباء عن المغامرات الجنسية لمدير «وكالة الاستخبارات المركزية» الجنرال دايفيد بترايوس، طلب الرئيس منه الاستقالة وقبلها. اما عندما شن الجمهوريون هجوما ضد مرشحته الى منصب وزيرة الخارجية سوزان رايس، تخلى عنها الرئيس الاميركي بطرفة عين.
ويبدو ان حرص أوباما على سمعته دفعه الى اقفال ابواب ادارته وتحويلها الى قلعة عصية على الصحافيين، حتى على كبارهم من امثال بوب وودوارد، الكاتب الذي كشف فضيحة «ووتر غايت» التي اطاحت بالرئيس الراحل ريتشارد نيكسون. وكان وودوارد تعرض أخيرا لما يشبه التهديد بعزله عن مصادر معلوماته من احد المساعدين للرئيس الاميركي بعدما اصرّ الصحافي على نشر مقالة يحمّل فيها اوباما، بدلا من الجمهوريين، مسؤولية سياسة التقشف.
وفي الوقت نفسه، يعلم كل صحافي في واشنطن عاصر عهد الرئيس السابق جورج بوش ان الادارة السابقة كانت اكثر انفتاحا على الصحافيين. وزراة الخارجية، مثلا، كانت تعقد بشكل دوري لقاءات بين مسؤولين رفيعي المستوى وصحافيين للحديث عن شتى الامور، شرط عدم ذكر اسماء المسؤولين.
اليوم، حتى وزارة الخارجية لم تعد في موقع القرار في السياسة الخارجية التي صارت تنحصر بأيدي نفر قليل من المقربين من الرئيس في «مجلس الامن القومي». حتى داخل اروقة البيت الابيض، هناك حالة اطباق على المعلومات وتسريب من الاخبار ما يتناسب واجندة اوباما فقط.
وفي هذا السياق، لاحظ الخبراء انه حتى جاي كارني، الناطق باسم البيت الابيض، ليس من مجموعة النخبة المحيطة بأوباما، ما يجعله يقف في وجه الصحافيين للدفاع عن سياسات غالبا هو ليس على علم كامل بتفاصيلها. اما ما يثبت المزاعم بأن كارني هو خارج دائرة القرار فجاء في سلسلة الايميلات التي تبادلها مسؤولون في الادارة، في البيت الابيض والخارجية ووكالة الاستخبارات، حول صناعة والموافقة على «نقاط الكلام» التي تم تزويدها للمسؤولين للتعليق على احداث هجوم بنغازي في 11 سبتمبر. ويظهر جليا في تلك الرسائل ان كارني لم يكن مشاركا بالنقاش حول موضوع الهجوم، ولكنه مع ذلك انبرى فيما بعد للدفاع عن تعاطي الادارة معه.
الاطباق على المعلومات هذا وابقاؤه خارج متناول الصحافيين لا يبدو انه كاف من وجهة نظر ادارة اوباما التي يبدو انها تسعى الى ملاحقة الصحافيين قضائيا، فالحكومة الاميركية الحالية، والتي تقدم النصائح لحكومات العالم، مثل الكويت، حول ضرورة عدم ملاحقة الصحافيين والافساح لهم بالتعبير عن رأيهم بغض النظر عن مضمونة، يتضح انها اكثر حكومة في تاريخ الولايات المتحدة التي عمدت الى ملاحقة الصحافيين.
وتشير الارقام الى انه منذ صدور قانون مكافحة الجاسوسية العام 1917، وحتى وصول اوباما الى الحكم في 2008، قامت الحكومات الاميركية المتعاقبة بمحاكمة ثلاثة صحافيين فقط بتهمة افشاء اسرار الامن القومي. في عهد أوباما وحده، بلغت عدد الملاحقات الحكومية القضائية بحق الصحافيين ستة، بتهم افشاء اسرار الامن القومي، منها اثنتان ظهرتا الى العلن في الاسبوعين الاخيرين، كانت الاولى بحق وكالة انباء «اسوشيتد برس» بعدما نجحت الاخيرة في الانفراد بقصة حول خطة تنظيم «القاعدة» في اليمن ارسال عبوة متفجرة عبر البريد في طائرة في طريقها الى الولايات المتحدة.
وبعد صدور المقالة، سمحت وزارة العدل للمحققين بالتجسس على المكالمات الهاتفية لعدد من المحررين والكاتبين من الوكالة، اضافة الى شخصين من البيت الابيض، على مدى شهرين، وهو ما اثار زوبعة من الانتقادات في البلاد ضد الحد من حرية الصحافة.
اما في الواقعة الثانية، فقام «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (اف بي آي) بمراقبة الصحافي في شبكة «فوكس نيوز» التلفزيونية اليمينية جايمس روزن، ومراقبة حركة دخوله وخروجه الى مبنى وزارة الخارجية، كما مراقبة حركة مكالماته الهاتفية لتحديد هوية من يقوم بتسريب المعلومات له حول سياسات تتعلق بكوريا الشمالية.
ثم قامت النايبة العامة بالادعاء على روزن بتهمة افشاء اسرار الامن القومي، وهو ما اثار كذلك عاصفة من ردود الفعل ضد ادارة اوباما قادها الديموقراطيون من مؤيديه قبل الجمهوريين من معارضيه.
الهجوم الاعلامي ضد ممارسات فريق اوباما بحق الصحافيين اجبرت الرئيس الاميركي على التراجع، فأطل كارني امام الاعلاميين في البيت الابيض ليقول ان الرئيس يؤمن بأنه من غير المسموح ملاحقة اي صحافي بأية تهمة جنائية اثناء تأديته عمله، وهو ما اثار تهكم بعض المعلقين من امثال دانا ميلبانك، الذي كتب في صحيفة «واشنطن بوست» انه على «الرئيس الاميركي ان يقول ذلك للأف بي آي».
ولم تتخلف صحيفة «نيويورك تايمز»، المؤيدة عادة لاوباما والديموقراطيين، في هجومها على الرئيس الاميركي، فكتبت في افتتاحية ان «قضية روزن تأتي في اعقاب مؤشرات اخرى على ان الادارة تمادت في عثورها على، وتكميمها، مصادر الاخبار داخلها».
وجاء في الافتتاحية ان «المسؤولين في ادارة اوباما يتحدثون عن التوفيق بين حماية الاسرار وحماية الحريات الدستورية لاعلام حر، ولكن اتهام صحافي بأنه متواطئ في مؤامرة، بالاضافة الى سرية التحقيقات، تظهر انحيازا فاضحا عند الادارة لمصلحة السرية وعدم الاكتراث بالاعلام الحر».
وترافقت الفضائح بحق الاعلاميين مع ظهور تقارير حول قيام وكالة الضرائب باستهداف مجموعات يمينية دون غيرها، يضاف الى ذلك اصرار الجمهوريين على ملاحقة اوباما وادارته في قضية ما يسمونه «تغطية على الفشل» في التعاطي مع هجوم بنغازي.
ومايزيد في الطين بلة، ان الفضائح تبدو وكأنها اخذت أوباما وادارته على حين غرة، ففي موضوع الضرائب، قال اوباما انه سمع بالامر من الاعلام مثل كل الاميركيين، ليتبين في ما بعد ان البيت الابيض كان يعرف بالموضوع منذ ابريل، وهو ما دفع بعض اعضاء الكونغرس الى تكرار عبّارة «نريد ان نعرف من كان يعرف ماذا ومتى»، وهي عبارة ذاع صيتها اثناء التحقيقات التي اطاحت برئاسة نيكسون، فاذا كان اوباما يعلم واخفى ذلك فمشكلة، واذا كان فريق اوباما يعلم فيما الرئيس لا يعلم، فهي مشكلة كذلك تشير الى عدم سيطرة الرئيس على مفاصل حكمه.
باراك أوباما يمر بأقسى ازمة سياسية يتعرض لها منذ انتخابه رئيسا. الارجح ان هذه الازمة لن تؤدي الى الاطاحة برئاسته، على غرار نيكسون، ولكن من شبه المؤكد انها شوهت اسطورته والتاريخ الذي سيكتب عن عهده، وهو موضوع يهم أوباما كثيرا، ولكن لسوء حظه يبدو انه لا يسير على حسب رغبات الرئيس الاميركي.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008