الخميس، 6 ديسمبر، 2012

أميركا: لا «هاوية مالية» ولا من يحزنون

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تسيطر عبارة «الهاوية المالية» على المشهدين السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة، إذ يترقب الأميركيون «انهياراً اقتصادياً» مزعوماً بحلول نهاية العام، أي بعد 25 يوما تقريبا.
ويعود هذا الترقب إلى أمرين اثنين: الأول، هو انتهاء صلاحية التخفيض الضرائبي الذي أقره الرئيس السابق جورج بوش في العامين 2001 و2003، والثاني دخول خطة التقشف التي تم اقرارها الصيف الماضي، والتي تقضي بتخفيض ما يقارب من ترليون دولار، أو 10 في المئة من الموازنة السنوية، التابعة لمخصصات وزارة الدفاع والوزارات الأخرى على مدى العقد المقبل.
ويلي هذين الاستحقاقين المذكورين، استحقاق ثالث، ألا وهو قرب بلوغ وزارة الخزانة حدها الأقصى من الاستدانة، المحددة بنحو 16.5 تريليون دولار في يناير المقبل، ما يعني أنه ينبغي على الكونغرس الموافقة على رفع السقف، او اجبار الحكومة الاميركية على الإخلال ببعض التزاماتها المالية، وهو ما من شأنه أن يحدث بلبلة وفوضى اقتصادية ومالية في البلاد وحول العالم.
كل هذه التوقعات أدت إلى خلق صورة قاتمة حول مستقبل الاقتصاد الأميركي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ودفعت السياسيين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري إلى تكثيف الاجتماعات بينهما للتوصل الى اتفاق حول كيفية التعاطي مع هذه الاستحقاقات.
الحزب الديموقراطي يرى أن الحل يكمن في زيادة الضريبة، أو على الأقل السماح للنسبة الضريبية المفروضة على الـ 2 في المئة، الأعلى دخلا من الأميركيين بالعودة الى معدلاتها للعام 2000، أي قبل أن يقوم بوش بخفضها.
في المقابل، يعارض الحزب الجمهوري أي زيادة في المدخول الحكومي تأتي عن طريق الضرائب، ويدعو عوضا عن ذلك الى تقليص حجم الحكومة وخفض انفاقها، وخصوصا تقليص صناديق الرعاية الاجتماعية التي تزداد تكاليفها بسبب الازدياد في عدد المسنين والمتقاعدين.
أما إذا ما فشل الحزبان في التوصل إلى تسوية في شأن هذا الملف، فستنتهي تلقائياً صلاحية ضرائب بوش، وتعود النسب الى تلك التي اقرها الرئيس السابق بيل كلينتون، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك الى تحقيق مدخول للخزانة الأميركية يبلغ 7 ترليونات دولار على مدى العقد المقبل. هذه الضرائب، فضلا عن التخفيض في الانفاق، من شأنها أن تؤدي الى انكماش اقتصادي اميركي، وهو ما يطلق عليه معظم الاميركيين اليوم اسم «الهاوية المالية»، ويحذرون من بلوغها، ويشيرون الى ان رؤوس الأموال بدأت تتوقف عن العمل ترقباً لما سيحدث خلال الاسابيع الثلاثة المقبلة، وهو ما أدى إلى إبطاء العجلة الاقتصادية الاميركية للربع الأخير من العام.
لكن، كل هذه التحذيرات بالويل والثبور وعظائم الأمور في حال عدم التوصل الى اتفاق بين الحزبين تبدو مبالغا بها، وتجافي التقارير الاقتصادية الدورية، التي اشار أحدثها (صادر عن جمعية صانعي وبائعي السيارت)، ان الاميركيين اشتروا في نوفمبر الفائت، اكبر عدد من السيارات منذ منتصف العام 2007، وهو ما لا يشي بخوف المستهليكن من مقبل الايام، بل يعكس ثقة متنامية وحركة اقتصادية قوية.
وأظهرت تقارير شركة «فولكسفاكن» الالمانية ان الشركة باعت اكبر عدد لها من السيارات في السوق الاميركية منذ دخولها هذه السوق في العام 1973، في حين أشارت أرقام «بي ام دبليو» إلى أن نوفمبر كان قياسيا للشركة من حيث المبيعات في اميركا في تاريخها، كذلك شركة «هوندا» اليابانية، والشركات الاميركية الثلاث «جي ام»، و«فورد» و«كرايزلر» التي أكدت أن نوفمبر شهد افضل اداء في المبيعات منذ فترة طويلة.
تقارير التحسن في سوق السيارات جاءت في أعقاب تقرير «جمعية تجار العقارات والمقاولين» التي اظهرت ان معدل سعر العقار الاميركي الواحد ارتفع بنسبة ثلاثة في المئة الشهر الماضي، وهو ما دفع المعلقين الى اعتبار ان سوق العقارات الاميركية بلغت ادناها، وهي من الان وصاعدا ماضية في التحسن والارتفاع.
هذه المؤشرات دفعت الخبير الاقتصادي البريطاني، العامل في وكالة «رويترز»، اناتولي كاليتسكي الى كتابة مطالعة اعتبر فيها ان الاقتصاد الاميركي ينمو بغض النظر عن وضع الدين العام، الذي تحاول الحكومات الغربية لجمه خوفه من التأثير سلبا على النمو، لان جزءاً كبيراً من الدين العام الاميركي، كما البريطاني، يعود للمصرفين المركزيين في واشنطن ولندن.
ولفت كاليتسكي الى ان الحكومة البريطانية تنبهت الى انها غير مضطرة الى تسديد 35 بليون جنيه استرليني هي الفائدة المتوجبة عليها لمصرفها المركزي، «وهذا ما يعني ان خطوتها التالية المقبلة ستكون شطب 375 بليون استرليني تستدينها من البنك المركزي، وهو ما سيخفض الدين العام البريطاني قياسا بالناتج المحلي بواقع 25 في المئة.
وكما في لندن، كذلك واشنطن، حيث اعتبر «صندوق النقد الدولي» ان دينها العام سيستقر على 89 في المئة من ناتجها المحلي بين السنوات 2014 و2017، ثم يمكن للـ «الاحتياطي الفيديرالي» مسامحة الحكومة الاميركية من ديونها المستحقة له، وهو ما يخفض الدين العام الاميركي الى نسبة 65 في المئة من الناتج المحلي، وهي نسبة طبيعية وغير مقلقة، حتى لو لم يتوصل الحزبان الاميركيان الى حلول سياسية للاقتصاد.
ويعتقد الاقتصاديون ان الخوف من التضخم، كما في السبعينات، هو الذي اثنى المصارف المركزية عن طباعة العملة واستخدامها للانفاق الحكومي. لكن في العام 2008، وفي وقت كانت السوق بحاجة الى السيولة النقدية وساد الخوف من الانكماش بدلا من التضخم، زود الاحتياطي الفيديرالي المصارف والمؤسسات المالية الاميركية بـ 14 ترليون دولار من العملة النقدية من دون اصدار الحكومة لسندات استدانة، ما يعني ان المصرف المركزي قام فعليا بخلق هذه الاموال من العدم عن طريق طباعتها.
في ذلك العام، لم تؤد هذه الخطوة الى تضخم، فعمد الفيديرالي الى طبع المزيد في ما بعد، على ثلاث دفعات، واشترى بها ديون الحكومة، ثم قام رئيسه بن برنانكي قبل اسابيع بالإعلان ان المصرف سيشتري ديونا حكومية بواقع 40 بليون دولار شهريا من محفظته، اي من نقد يطبعه، وهو ما لا يبدو انه يساهم في رفع نسبة التضخم حتى الآن.
تحسن النشاط الاقتصادي الاميركي، على الرغم من قلق الاسواق المزعوم، وتدفق السيولة النقدية من دون ان يتسبب ذلك بتضخم، بالاضافة الى نمو سريع في قطاعي انتاج الغاز والبترول الاميركيين، كلها تنبأ بأن تعافي الاقتصاد الاميركي العام المقبل صار حتمية، بغض النظر عن قرارات السياسيين الاميركيين المنشغلين بصراعاتهم حول نسب الضرائب وحجم الانفاق.
ولأن اميركا هي اكبر سوق في العام، ولان الاميركين يشترون اكبر نسبة من الانتاج العالمي، فان عودة الاميركيين الى بحبوحتهم ينبئ كذلك بأن الاقتصاد العالمي على موعد مع عودة الى النمو، مع او من دون «الهاوية المالية» في واشنطن.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008