الأحد، 7 سبتمبر، 2014

التحالف الدولي ضد «داعش» ... فرصة للمعارضة السورية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

ربما اعتقد الرئيس السوري بشار الأسد وانصاره ان استفحال التطرف الإسلامي في سورية من شأنه ان يقنع المجتمع الدولي بان النظام لا يقمع ثورة ضده، بل يحارب الإرهاب، وان حربه هذه تخوله ان يصبح جزءا من المجهود الدولي لاستئصال تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). لكن لقاءات «حلف الأطلسي»، والمشاورات الجارية من أجل بناء تحالف دولي، حولت سورية من مشكلة محلية الى أخرى دولية، الأسد هو جزء منها، ولكن لا يمكنه ان يكون جزءا من الحل فيها، حسب تعبير رئيس حكومة بريطانيا ديفيد كاميرون.

لم يعد ممكنا للرئيس الأميركي باراك أوباما حصر الحلول للأزمة السورية بمصالحة محلية برعاية دولية. ولم يعد ممكنا لأوباما تجاهل «داعش» ومراقبته عن بعد. وجد أوباما نفسه مجبرا على البحث عن حلفاء على الأرض يقومون بالدور الذي ترفض القوات الأميركية القيام به الا من السماء.

هكذا، لم يعد مقاتلو المعارضة السورية أطباء وفلاحين وعمالا، حسبما وصفهم أوباما مرارا، بل صارت واشنطن بحاجة الى هؤلاء المقاتلين الهواة لتحويلهم الى قوة منضبطة ذات مقدرة عسكرية تمكنها من المشاركة في الحاق الهزيمة «بالدولة الإسلامية»، والحفاظ على الأرض، ان في وجه قوات التنظيم او قوات الأسد.

هذه لم تكن خطة أوباما لرئاسته وتصوره للتركة التي سيخلفها، اذ لطالما اعتقد الرئيس الأميركي انه لن يكون يوما «رئيس حرب»، بل الرئيس الذي أنهى الحروب المتعبة والمكلفة، وحصر تركيز حكومته بإعادة الاقتصاد الأميركي الى سابق قوته وعهده.

لكن الظروف الدولية فرضت على أوباما ما لا يشتهيه. ففي اليوم الذي خرج ليشن حملة خطابية وسياسية لدعم رفع الحد الأدنى للأجور للعمال الأميركيين، أعلن «داعش» قتل الصحافي ستيفن سوتلوف، ما أشاح بنظر الاعلام عن حملة الرئيس حول الأجور وفرض «الدولة الإسلامية» كمادة رئيسية. وتزامن الاهتمام الأميركي بـ «داعش» مع إصدار «مركز شيكاغو للشؤون العالمية» استطلاعا للرأي أظهر ان 78 في المئة من الأميركيين يؤيدون الزيادة في دعم بلادهم لحلف الأطلسي الذي يبدو، منذ اندلاع أزمة أوكرانيا، وكأنه يعيد تنظيم صفوفه ويستكمل استعداداته.

ولأن أوباما يبقي عينيه على الاستطلاعات الشعبية، خصوصا مع اقتراب انتخابات الكونغرس المقررة في 4 نوفمبر المقبل والتي تظهر تقهقرا للديموقراطيين بسبب تراجع شعبية الرئيس، وجد أوباما نفسه مضطرا الى وضع «داعش» في صدارة اهتماماته.

ورغم ان العاملين في فريق أوباما والمراقبين الأميركيين أبدوا مرارا اعجابهم بالاداء العسكري القوي لـ «داعش»، وعزوه لوجود ضباط سابقين من جيش صدام حسين في قيادة هذا التنظيم، الا انه يندر ان يعبر اي من الأميركيين عن الاعتقاد بأنه يمكن لـ «داعش» ان يقف في مواجهة اي تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما عبر عنه أوباما في مؤتمره الصحافي الأخير الذي قال فيه انه يمكن للقوات الأميركية الحاق الهزيمة بـ «داعش» بسهولة، لكن المشكلة تكمن في «اليوم التالي»، وهو ما يجبر الرئيس الأميركي على اقامة تحالف دولي محلي يعطي غطاء سياسيا دوليا للحرب ضد «الدولة الاسلامية»، ويقدم قوات محلية يمكنها الحفاظ على المكتسبات العسكرية على الأرض.

اما لماذا لا تجند واشنطن الأسد وقواته، المنظمة اصلا، لقتال «داعش» واستعادة الارض السورية، فيقول المسؤولون الأميركيون ان أوباما يعتقد ان جزءا لا يقل اهمية عن الفوز العسكري يتمثل في استرضاء السكان المحليين الذين سيستضيفون اي قوة ستحل مكان «داعش»، وان انهيار القوات الحكومية العراقية في الموصل في يونيو الماضي كان الى حد كبير بسبب غياب المساندة المحلية. قوات الأسد، يقول المسؤولون، تضاعف من الأزمة في حال عودتها الى المناطق السورية، ما يعطي الحجة للتنظيمات المتطرفة بالتجنيد، ويدفع السكان المحليين الى دعم هذه التنظيمات.

وبسبب اعتقاد أوباما بضرورة مزاوجة الانتصار العسكري بالقبول المحلي، رأينا اصراره على استبدال رئيس حكومة العراق نوري المالكي كشرط لاي عمل عسكري ضد «داعش»، وسمعنا الرئيس الاميركي يكرر مرارا ان لمشاركة مقاتلي العشائر العراقية دورا اساسيا في طرد «داعش» وتثبيت الوضع الأمني.

مساندة أميركا للسكان المحليين في مواجهتهم المسلحة ضد الحكومة المركزية التي يعارضونها هي مطلب المعارضة السورية وحلفائها الدوليين منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية في مارس 2011. على مدى ثلاث سنوات، صم أوباما أذنيه امام هذه المطالب، واعتبر ان المشكلة محلية ويمكن حلها بتسويات سياسية او انتصار الحكومة المركزية أمنيا. لكن «داعش» قلب هذه الرؤية رأسا على عقب، وأظهر ان الاحباط المحلي يمكنه ان يولد مشاكل كثيرة لا يمكن لاي حسم عسكري وحده التكفل بها، وان هذه المشاكل لن تبقى محلية، بل ستتحول الى كابوس دولي أمني وسياسي يجبر أوباما على القيام بما رفض القيام به منذ سنوات.

ومع انعقاد لقاء قادة تحالف الأطلسي، اول من أمس، هرع المسؤولون الاميركيون في واشنطن الى عقد لقاءاتهم المغلقة المعتادة مع الصحافيين، والتي يطلقون عليها اسم «لقاءات على الخلفية»، اي يقدمون فيها رؤية الادارة على شرط عدم تسمية اسماء المسؤولين.

النصف مليار دولار التي خصصتها الحكومة الأميركية للمعارضة السورية ستصبح جاهزة للانفاق مطلع هذا الشهر. الأسلحة والأموال التي يحاول حلفاء أميركا في المنطقة امدادها لمقاتلي المعارضة السورية التي لا تصنفها واشنطن ارهابية منذ سنوات ستصبح متوافرة في الايام القليلة المقبلة، وباشراف اميركي. برامج التدريب لمقاتلي المعارضة لانشاء غرفة «قيادة وسيطرة» جارية على قدم وساق. هذه المرة، تنوي واشنطن - بدعم أميركي محلي واقليمي عربي وسوري داخلي واوروبي دولي - ان تحول المعارضة السورية الى قوة مقاتلة منظمة مع نهاية هذاالعام. بعد ذلك، يكون «بنك الاهداف» لـ «داعش» قد اكتمل لدى القوة الجوية الأميركية. وبعد ذلك، تصبح الحرب ضد «داعش» في سورية جاهزة للانطلاق ولاتمام ما بدأ في العراق، او على الأقل هكذا يفكر أوباما وادارته اليوم.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008