الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

عن الفرس وحضارتهم وتكبّرهم على العرب

حسين عبدالحسين

في واحدة من الاشتباكات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، راح تريتا بارسي زعيم اللوبي الايراني في واشنطن يعنّف محدثه العربي، متهكما على العرب والعروبة، متهما اياه بالبداوة والجهل، مغرقا المديح على حضارة بلاد فارس وتاريخها.

الفكرة نفسها قالها بعد فترة أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله، الذي هاجم الائتلاف العربي في اليمن متهما بعض دول الخليج بالعداء للعمران والإعمار، معتبرا ان هذه الكراهية الخليجية انما تنبع من ذات بدوية لا تليق بها حضارة المدن والمتحضرين.

والمقولة كررها الرئيس الاميركي باراك أوباما. طبعا لا يتهم أوباما علنا حلفاءه العرب بعدم التحضر، ولكنه لطالما كال المديح للايرانيين وايران، معتبرا انها دولة ذات حضارة تعود الى الاف السنين، وان الايرانيين الحضاريين ابناء هذه الحضارة يفهمون في حسابات الربح والخسارة، وهو ما يجعل من ايران حليفا يناسب للولايات المتحدة.

وفي تصريحاته المختلفة ومقالات الرأي التي نشرها في كبرى الصحف الغربية، دأب وزير الخارجية الايراني الحديث، لا عن “الخليج الفارسي” فحسب، بل استخدم بشكل متكرر مقولة “الخليج الفارسي الأوسع”، الذي يشمل برأي ظريف، خليج عدن والبحر الاحمر وربما شرقي المتوسط حتى اقصى الشمال السوري، وكأن هذا الخط الساحلي الممتد من عدن الى اللاذقية لم يسكنه عرب او أنه لا تاريخ لهؤلاء. وربما تتلاقى منطقة “الخليج الفارسي الاوسع” مع “الهلال الايراني”، فتصبح المنطقة برمتها فارسية ايرانية، كما يفترض بها ان تكون من وجهة نظر طهران.

ويبدو ان هذا النوع من التصريحات لا يقتصر على النخبة والمسؤولين، فغالبية الاميركيين من اصول ايرانية أبدوا تأييدهم للاتفاقية النووية مع ايران بشكل واسع، مع ان هذه الاتفاقية تثبت في الحكم في طهران نفس النظام الذي اجبرهم على الهجرة بحثا عن حياة افضل. وفي عطلة نهاية الاسبوع الماضي، تظاهرت مجموعة من الجالية الايرانية في الولايات المتحدة مؤيدة للاتفاقية في استعراض بدا ذو طابع شوفيني ايراني فاقع.

لكن الدعاية الهادفة لاظهار حضارة الايرانيين وهمجية العرب هي دعاية تجافي الواقع، فالدول العربية التي يزعم الايرانيون انها غير متحضرة هي الدول التي اطلقت الاسلام وحضارته، والحضارة الاسلامية هي التي حلت محل حضارة بلاد فارس وامبراطوريتها، ومن غير المفهوم كيف يمكن للايرانيين التوفيق بين حضارة فارس، السابقة للاسلام والمندثرة، مع حضارة اسلامية حلت محلها واستبدلتها.

كذلك، من غير المفهوم لماذا يعتبر الايرانيون انفسهم في موقع افضل من الدول العربية — وخصوصا الخليجية — التي يرونها ادنى منهم منزلة، فالدول العربية، مثل ايران، تتمتع بثروة نفطية واسعة. لكن بدلا من ان توظف نفطها في حروب وثورات وقلاقل، انفقت الدول العربية ثرواتها على اهلها وبلدانها، فتحولت الاخيرة الى دول ذات اقتصادات تنافس نظيراتها العالمية، وتحولت الى هدف رؤوس الاموال والأدمغة واليد العاملة، وفي صدارتها الرساميل البشرية والمادية الايرانية التي اتخذت من بعض دول الخليج والعراق ولبنان مقرا لها.

يمكن لايرانيي الولايات المتحدة رفع الشعارات الشوفينية الفارسية ما شاؤوا، لكن واقع الحال يبقى انهم سيرتجفون في كل مرة يركبون على متن طائرة متجهة الى ايران خوفا من استقبال الاجهزة الامنية لهم وامكانية اعتقالهم. وستبقى بعض المدن العربية المكان الذي يلتقي فيه مهاجرو ايران مع اهلهم الذين يحضرون من ايران للقائهم في الخليج العربي. قد تكون ايران حضارة قديمة في رأي اصحابها، ولكنها من دون شك حضارة بوليسية أمنية يهرب سكانها منها ويلتقون مع احبتهم في كنف البداوة واهلها.

ربما كان من الافضل للمتظاهرين الاميركيين من اصل ايراني ان يسألوا انفسهم: لم الجالية الايرانية المغتربة كبيرة الى هذه الدرجة، ولما لا توجد جاليات خليجية مغتربة؟

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008