الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

أوباما يستعد لمواجهة الجمهوريين على شفير «هاوية» مالية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

انتهى السباق الرئاسي الأميركي، الذي تخلله الكثير من الحديث عن الشؤون الاقتصادية، بفوز الحزب الديموقراطي والرئيس باراك اوباما على الحزب الجمهوري، الذي احتفظ بدوره بغالبية الكونغرس، وهو ما يعني انه في وقت سيحاول اوباما فرض رؤيته الاقتصادية للبلاد، لن تتم المصادقة على افكاره من دون مفاوضات شاقة بين الطرفين.
وللتبسيط، ممكن تلخيص مشكلة الولايات المتحدة المالية بمقارنة مصروف الحكومة الاميركية، الذي يبلغ 23 في المئة من حجم الناتج المحلي السنوي البالغ اكثر من 15 تريليون دولار، مع مدخولها الذي لا يتعدى 20 في المئة من حجم هذا الناتج.
هذا يعني ان فارق الثلاث نقاط مئوية يؤدي الى عجز سنوي في الميزانية، ويجبر الادارة على الاستدانة باصدار سندات خزينة، مما يساهم في زيادة الدين العام الذي تجاوز 16 تريليون دولار.
وما يفاقم من مشكلة العجز ان المجتمع الاميركي يشيخ، اي ان اعداد المتقاعدين تزداد بالنسبة لعدد العاملين، ما يفرض اعباء على «صندوق الضمان الاجتماعي»، الذي يعتاش المتقاعدون من اصحاب الدخل المحدود من رواتبه الشهرية. كذلك، تزداد الاعباء على صندوق الطبابة المخفضة السعر للفقراء وصندوق الدواء للمتقاعدين.
هذه الصناديق الثلاثة، المدعومة من الحكومة، مازالت تتمتع بفوائض حاليا، ولكن يتوقع ان تدخل في مراحل عجز، اذ يتوقع ان يتضاعف حجم انفاقها، البالغ 5 في المئة من حجم الناتج المحلي سنويا، مع نهاية هذا العقد.
رؤية الحزب الجمهوري للحل تكمن في تخلي الحكومة عن كفالتها لهذه الصناديق، عن طريق الخصخصة او تكليف حكومات الولايات بادارتها مقابل منح من الحكومة الفيدرالية، وهذا يعني ان تكلفة الاشتراك فيها قد ترتفع على المتقاعدين واصحاب الدخل المحدود، في مقابل انخفاض في كمية ونوعية الخدمات التي تقدمها، وهو ما يرفضه الديموقراطيون.
كذلك يعتقد الحزب الجمهوري ان الحلول تتضمن تخفيض الضرائب الفيدرالية اعتقادا منهم ان ذلك سيحفز الاستثمارات ويزيد من نمو الاقتصاد، مما يؤدي بدوره الى زيادة في مدخول الحكومة ككل، على الرغم من خفض النسب الضريبية. 
وسبق للجمهوريين ان قاموا بخفض الضرائب في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن في العامين 2001 و2003، لكن الاقتصاد لم يشهد قفزة في النمو حسبما توقع الحزب الجمهوري، وتاليا لم تشهد الحكومة ازديادا في مداخيلها، مما حرم الخزينة عائدات واجبرها على الايغال في الاستدانة، التي ارتفعت الى ارقام خيالية مع دخول البلاد في حربين في العراق وافغانستان.
للديموقراطيين وجهة نظر مختلفة تقضي بالعودة الى سياسات الرئيس السابق بيل كلينتون، الذي ساهم رفعه للنسب الضريبية وخفضه الانفاق الى قلب العجز السنوي الى فائض. 
الخلاف في وجهات النظر دفع اوباما في ابريل من العام 2010 الى تشكيل لجنة من مسؤولي الحزبين، ترأسها السناتور الجمهوري السابق الن سيمبسون ورئيس موظفي البيت الابيض في عهد كلينتون الديموقراطي ارسكين بولز، وكان في عضويتها شيوخ من الحزبين، وحملت اسم «الهيئة الوطنية للاصلاح والمسؤولية المالية»، وقدمت توصيات تقضي بقيام الحكومة بخفض دولارين ونصف من الانفاق في مقابل كل دولار اضافي تجنيه من الضرائب. 
لكن مع حلول خريف ذلك العام، اكتسح الجمهوريون الكونغرس بفضل «حركة الشاي» اليمينية المحافظة. ذلك الاكتساح اقترن بتوقيع عدد كبير من الاعضاء الجمهوريين لميثاق، وضعه الناشط غروفر نوركويست، يقسم فيه هؤلاء على تصويتهم ضد المصادقة على اي زيادة في الضرائب مهما كانت. ووصل جنوح الحزب الجمهوري الى اليمين ومطالبة اعضائه في الكونغرس بلجم كل انفاق حكومي الى عرقلة رفع سقف الدين العام في صيف العام 2011، مما هدد باقفال الادارات الفيدرالية ودفع عدد من الوكالات الى خفض درجة التصنيف الائتماني للولايات المتحدة للمرة الاولى في تاريخها.
اثناء ازمة صيف 2011، حاول اوباما ورئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر التوصل الى تسوية تشبه توصيات سيمبسون- بولز، الا ان المقاعد اليمينية لباينر اجبرته على التراجع، فتوصل الرجلان الى اتفاق على وجه السرعة قضى برفع سقف الدين مقابل خفض تريليون و200 مليار دولار على مدى العقد المقبل من الانفاق الحكومي، على شرط ان يطول نصف الخفض الانفاق العسكري، وهو ما يعارضة الجمهوريون تقليديا، ونصفه الاخر الصناديق الاجتماعية، وهو ما يعارضه الديموقراطيون دائما. 
وفي العام 2012، قرر اوباما عدم تمديد الخفض الضريبي الذي وقعه بوش، وآثر العودة الى بعض ضرائب كلينتون التي ستطول فقط العائلات التي تجني اكثر من 250 الف دولار سنويا. 
الخفض المقرر في صيف 2011، مترافقا مع ارتفاع في بعض الضرائب الذي حدده اوباما هذا العام، يدخلان حيز التنفيذ مطلع العام المقبل، ويؤديان الى خفض العجز السنوي البالغ تريليون دولار الى النصف. 
على ان بعض الخبراء الاقتصاديين حذروا من هذه الخطوة المفاجئة، واعتبروا انها ستؤدي الى وقف النمو الاقتصادي، وربما الى انكماش وركود اميركي يؤدي الى ركود عالمي. واطلقت وسائل الاعلام اسم «الهاوية المالية» على التغيير المقرر في السياسة المالية، وراحت تحذر منه بشكل متواصل.
في اثناء المعركة الرئاسية، قدم كل من المرشحين اوباما ومنافسه الجمهوري ميت رومني رؤيتيهما المتباينتين للاقتصاد، لكن الرجلان اتفقا على ضرورة تفادي «الهاوية» فور انتهاء الانتخابات، عن طريق مباشرة المفاوضات مع الحزب الآخر. 
اوباما اطل في مؤتمر صحافي، معتبرا ان اعادة انتخابه بستين مليون صوت اميركي هي بمثابة تفويض شعبي له ولرؤيته الاقتصادية تسمح له بزيادة بعض الضرائب، ودعا زعماء الحزبين الى اجتماع في البيت الابيض الاسبوع المقبل. اما باينر، فظهر وكأنه اكثر ليونة معتبرا ان حزبه سيناقش كل الاحتمالات، بما فيها زيادة مدخول الحكومة. لكن مسؤولا جمهوريا آخر، هو زعيم الاقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونل، قال ان حزبه يعارض اي زيادة ضريبية مهما كانت، ما دفع الخبراء الى اعتبار انه اما ان الحزب الجمهوري منقسم على نفسه، واما ان مسؤوليه يلعبون لعبة «شرطي جيد وشرطي سيئ».
يستأنف الحزبان الاسبوع المقبل المفاوضات التي فشلت في الماضي على امل ان تنجح قبل نهاية العام، وفي الاثناء تستعد مجموعات الضغط من الجهتين للقتال دفاعا عن وجهات نظرها ومكتسباتها، ما ينذر ان البلاد ستشهد اسابيعا من الجدل، لكن هذه المرة في الاقتصاد بدلا من السياسة.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008