الأربعاء، 25 ديسمبر، 2013

اتفاق الجمهوريين والديموقراطيين على الموازنة ليس خاتمة حتمية لورطة أميركا

حسين عبد الحسين

للوهلة الأولى قد يبدو اتفاق الحزبين الديموقراطي والجمهوري خاتمة الانقسامات السياسية التي فعلت فعلها في المشهد الاقتصادي الأميركي وأدت إلى خفض تصنيف الدولة الائتماني مرة، وكادت ان تجبر الحكومة الأميركية على التخلف عن تسديد ديونها مرة أخرى.

لكن الاتفاق بين الرئيسة الديموقراطية للجنة الموازنة في مجلس الشيوخ باتي موراي ونظيرها الجمهوري في مجلس النواب بول رايان قد لا يكون العصا السحرية التي تحتاجها واشنطن لإنهاء مآسي انقساماتها حول السياسات الاقتصادية.

الاتفاق المذكور يستبدل اتفاقاً سبقه معروفاً بالاقتطاع، أو سيكويستر، كان أقر خفض الإنفاق السنوي غير الملزم (أي الذي لا يتضمن صناديق الرعاية الاجتماعية وخدمة الدَّين) بواقع 1.2 تريليون على مدى العقد المقبل، وحدد إنفاق الحكومة الفيديرالية السنوي بأقل من تريليون دولار بقليل، أو ما بين 945 و967 بليوناً.

لكن سيكويستر، كما الاتفاق الأخير، يحتاج إلى إعادة تجديد سنوياً في الكونغرس قبل حلول 1 تشرين الأول (أكتوبر) وهو يوم بدء العمل بالموازنة السنوية.

في إعادة التجديد الأخيرة، ربطت الغالبية الجمهورية في مجلس النواب موافقتها بموضوع لا يتعلق بالموازنة وطلبت تعديلاً يقضي بتعطيل بدء العمل بقانون الرعاية الصحية، فيما أصر الديموقراطيون على تنفيذ الجمهوريين التزامهم بسيكويستر وإقرار «القانون المتتابع» الذي يسمح بتجديده، بغض النظر عن قانون الرعاية الصحية.

هذا يعني ان في العام المقبل، وعلى غرار ما حصل في تشرين الأول الماضي، لا شيء يمنع الجمهوريين من التنصل من اتفاق موراي - رايان، الذي استبدل الاقتطاعات العشوائية السابقة بتخفيضات في الموازنة مدروسة أكثر. كذلك سمح الاتفاق برفع الإنفاق العام السنوي غير الملزم إلى ما يقارب تريليون دولار، وسمح في الوقت ذاته بانتهاء مفاعيل إعفاءات ضريبية، بعضها للمرة الأولى منذ 1949، ما يعني مداخيل حكومية إضافية وما يعني أنه حافظ على العجز السنوي عند نسبته الحالية ذاتها.

ونص الاتفاق على إنهاء دعم الحكومة لإنتاج الحليب، وعلى تجميد عفو على ضرائب كانت مفروضة على تذاكر الطائرات وكانت الحكومة وافقت على تجميدها بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي هزت قطاع الطيران وكبدته خسائر كبيرة بسبب إحجام الأميركيين عن التنقل جواً في الأشهر التي تلت تلك الهجمات.

وعلى رغم ان الاتفاق حاز غالبية كبيرة في الكونغرس بمجلسيه، وتمتع بموافقة الرئيس باراك أوباما ودعمه، إلا أنه نظرياً لا يوجد ما يمنع تملص أي من الحزبين من تنفيذ بنوده بما يؤدي إلى اندلاع مشكلة العام المقبل تؤدي إلى إغلاق القطاعات غير الأساسية للحكومة الفيديرالية، على غرار ما حدث في تشرين الأول الماضي.

كذلك لا يتطرق الاتفاق إلى مشاكل عالقة أخرى، مثل ضرورة إصلاح صناديق الرعاية، التي يتوقع ان تنفد أموال بعضها أواخر العقد الحالي، ما يعني ان مشكلة ارتفاع الدَّين العام ستستمر في السنوات المقبلة وتتفاقم مع الزيادة المتوقعة في عدد المتقاعدين.

ولم يحل الاتفاق أيضاً مشكلة سقف الاستدانة الذي يفرضه الكونغرس على الحكومة الفيديرالية، مع ما يتطلب ذلك من تسويات لإقرار رفعه بين حين وآخر كما في المرة الأخيرة في 17 تشرين الأول الماضي عندما حُدِّد بنحو 17 تريليون دولار، على رغم مطالبات الإدارات المتعاقبة، الديموقراطية الحالية كما سابقتها الجمهورية، بإلغاء السقف والسماح بالاستدانة كلما دعت الحاجة، ومجابهة تضخم الدَّين العام بمعالجة مسبباته لا بالمجازفة بالتخلف عن تسديد مستحقات الحكومة.

على ان الإيجابية التي تُحسب لاتفاق موراي - رايان تكمن في جو الثقة التي ولّدها بين الحزبين، وفي تخفيف التوتر السياسي وقلب الصورة التي تظهر ان واشنطن معطلة تماماً بسبب الانقسام الحزبي الذي يسودها والذي يؤثر سلباً في اقتصادها عموماً.

وفي الشق السياسي أيضاً، سيحاول الجمهوريون استخدام الإيجابية المتولّدة عن الاتفاق لشن مواجهة سياسية مع الأقلية المتطرفة من بينهم، والمعروفة بحزب الشاي، والتي تتمتع بكتلة من حوالى 50 عضواً في مجلس النواب من أصل 435 صوّت كل أعضائها ضد الاتفاق.

ختاماً، تأمل موراي وحزبها كما يأمل رايان وحزبه بأن يشكل الاتفاق انفراجاً يسمح بالتوصل إلى اتفاقات أخرى حول خفض الإنفاق الإلزامي وإنهاء الإعفاءات الضريبية، ما يؤدي حتماً إلى تقليص دائم للعجز ووقف لارتفاع الدَّين العام، وتالياً إعادة المالية العامة الأميركية إلى سابق عهدها وتوازنها.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008