الجمعة، 30 أغسطس، 2013

أميركا: جدل حاد حول الاستدانة والتمويل لن يُـحسم قبل منتصف تشرين الأول

واشنطن - حسين عبدالحسين

خمسون بليون دولار مبلغ يمكن أن يسدد الدين العام المصري وأكثر، لكن بالكاد يكفي نفقات الولايات المتحدة لأيام، ما حمل وزير الخزانة جاكوب لو على توجيه رسالة إلى أعضاء الكونغرس، يعلمهم فيها أن رصيد وزارته لن يكون فيه أكثر من 50 بليون دولار مع حلول منتصف تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهذا المبلغ لن يكفي نفقات الحكومة ليومين أو اكثر. ويعني ذلك أن على الكونغرس إقرار قانون يسمح برفع سقف الدين العام ليتعدى 16 تريليون و700 بليون المسموح به حالياً.

وكان لو أعلن أن الحكومة الأميركية استنفدت كل الأموال التي يسمح لها الكونغرس باستدانتها في أيار (مايو) الماضي. ومنذ ذلك الحين، عمدت وزارته إلى اتخاذ «تدابير استثنائية» لتأمين الأموال المطلوبة. لكن مفاعيل هذه التدابير تنتهي في منتصف تشرين الأول المقبل، وفق المسؤول الأميركي، ما يتطلب إقرار الكونغرس قانوناً جديداً يسمح بمزيد من الدين العام.

ويأتي إعلان لو في وقت تحتاج الحكومة الأميركية إلى مصادقة الكونغرس قبل نهاية الشهر المقبل، للاستمرار في تمويل ذاتها أو تتوقف عن العمل، باستثناء الخدمات الأساسية مثل الشرطة والجيش والإسعاف، وتغلق أبواب معظم الوكالات التابعة لها.

في زمن الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش، لم يمانع الكونغرس الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون، قبل أن ينتزعه الحزب الديموقراطي في انتخابات عام 2006، رفع سقف الاستدانة مراراً، والمصادقة على تمويل الحكومة تلقائياً. لكن عودة الجمهوريين إلى الإمساك بغالبية مجلس النواب عام 2010، اقترنت بانقلاب في مواقف هذا الحزب وممثليه، الذين باتوا يصرّون، في كل مرة تطلب فيها حكومة الرئيس الديموقراطي باراك أوباما رفع سقف الدين أو المصادقة على التمويل، على خفض الإنفاق الحكومي تحت طائلة عدم المصادقة عليه.

وفي عام 2011، أدت مناورة الجمهوريين وتهديدهم بوقف عمل الحكومة إلى خفض نمو الناتج المحلي بواقع عشرين نقطة مئوية. وفي صيف ذلك العام، أفضى إصرار الجمهوريين على منع مزيد من الاستدانة، إلى خفض وكالة التصنيف «ستاندرد أند بورز» تصنيف الولايات المتحدة الائتماني من AAA الى AA+، قبل أن يوافق الكونغرس على التراجع في مقابل تنازلات قدمها أوباما من طريق الاقتطاع من الإنفاق. واليوم كما في الماضي، يطلب الجمهوريون اقتطاعاً مماثلاً، «دولاراً في مقابل دولار»، وفق تعبير رئيس الكونغرس الجمهوري جون باينر، في مقابل مصادقتهم في الكونغرس على رفع سقف الدين العام.

ويعتقد الجمهوريون أن مشكلة الولايات المتحدة ليست اقتصادية، بل تكمن في تضخم الإنفاق الحكومي، وعلى أي حكومة إبقاء إنفاقها ضمن الضرائب التي تجبيها، ما يجنّبها العجز وتالياً رفع سقف الاستدانة. ويلقى هذا التحليل آذاناً صاغية وتأييداً لدى شريحة واسعة من الأميركيين، خصوصاً بين الجمهوريين الأكثر يمينية ومناصري «حزب الشاي».

لكن في رد أوباما على الجمهوريين وجهة نظر، إذ ينقسم الإنفاق الأميركي إلى نصفين: غير تقديري وتقديري، يتمثل الأول بالتزامات واجبة على الحكومة مثل تمويل صناديق التقاعد والرعاية الصحية، ويبلغ مجموعه السنوي 2293 بليون دولار. فيما يصل الشق التقديري إلى 1510 بلايين سنوياً، ويتضمن معظم موازنات الوزارات مثل الدفاع البالغة موازنتها 666 بليون دولار سنوياً.

ويقول أوباما، إنه مستعد لخفض الشق التقديري، فيما لا يخضع الشق غير التقديري لسيطرته، وهو يمثل التزامات وعدت بها كل الحكومات السابقة والكونغرس على مدى عقود. وإذا أخذنا في الاعتبار واردات أميركا السنوية البالغة 2900 بليون دولار، ولو استمعنا إلى إصرار الجمهوريين على الإبقاء على موازنة وزارة الدفاع بل زيادتها، نلاحظ أن مجموع الشق غير التقديري والدفاع هو 2959 بليوناً، أي بعجز سنوي يبلغ 59 بليوناً. وحتى لو أراد أوباما إدخال تغييرات على التزامات الحكومة، مثل تخصيص صناديق التقاعد والرعاية الصحية، فالأمر ليس بيده وحده بل يحتاج إلى مصادقة الكونغرس. ويتطلب هذا الأمر غالبية تتألف من الحزبين، ولا يمكن أن يحصل بمجرد تهديد الجمهوريين لأوباما بمنع مزيد من الاستدانة أو حجب التمويل عن حكومته.

ويكرر أوباما ان على الكونغرس الوفاء بوعوده، وان على الحكومة عدم التخلّف عن دفعاتها، خصوصاً خدمة الدين العام أو إعادة تغذية هذا الدين بتسديد أموال المستثمرين. ولا يؤذي أي تأخير من هذا النوع أوباما سياسياً، بل صدقية الدولة الأميركية المالية وصورتها الاقتصادية عموماً.

وأظهرت استطلاعات الرأي، أن غالبية الأميركيين لا يؤيدون قيام الحزب الجمهوري بأخذ «صدقية الدولة الأميركية رهينة» كوسيلة لإجبار أوباما على التقشف، ما يعني أن مناورات عام 2011، أفضت إلى تراجع في شعبية الجمهوريين وليس أوباما أو الحزب الديموقراطي، إلى درجة أن احد أعضاء الكونغرس من الديموقراطيين، تمنّى لو يكرر الجمهوريون «ألعاب» عام 2011 حول الموازنة، لأن من شأنها أن تفيد الديموقراطيين في انتخابات الكونغرس العام المقبل.

المواجهة المالية بين الكونغرس الجمهوري وأوباما الديموقراطي لم تنضج بعد، لكنها بدأت. والأيام التي تفصل الأميركيين والعالم عن ساعاتها المصيرية صارت معدودة، خصوصاً أن الكونغرس لا يشرع في معظم أيام أيلول (سبتمبر) المقبل، لأنه يلتئم لأيام فقط، ما يعني أن التسوية السياسية مطلوبة، أو تواجه الولايات المتحدة خفضاً جديداً في تصنيفها الائتماني وانخفاضاً في ناتجها المحلي، في وقت تسعى إلى إعادة تنشيط اقتصادها لإعادته إلى سكة النمو.

أوباما ماضٍ في ضرب الأسد بلا بريطانيا ومجلس الأمن

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

التأخر في توجيه الولايات المتحدة ضربتها المتوقعة ضد اهداف لقوات بشار الاسد، وسقوط القانون غير الملزم لذهاب بريطانيا الى الحرب في مجلس العموم، وتضارب تصريحات المسؤولين الاميركيين، وعدم شعبية العمل عسكري بين غالبية الاميركيين، قد تشير كلها الى أن الضربة المزعومة لا تعدو كونها فقاعة اعلامية. الا انه بعيدا عن الضجيج الاعلامي، مازالت المؤشرات الجدية تشير الى ان الضربة قائمة.
مصادر في الادراة اكدت، في لقاء مغلق مع الاعلاميين اول من امس، ان «أوباما ينوي توجيه الضربة من دون بريطانيا ومن دون قرار من مجلس الأمن»، وان «واشنطن تنتظر خروج فريق محققي الامم المتحدة من دمشق (اليوم) قبل ان توجه اي ضربة الى قوات الاسد».
وفي حسابات الرئيس باراك أوباما ان الكونغرس لن يعود من عطلته الصيفية قبل التاسع من الشهر المقبل، ما يعطي الرئيس الاميركي متسعا من الوقت للتحرك عسكريا في غياب السلطة التشريعية، وبعيدا عن جلسات الاستتماع والتصريحات الصاخبة للنواب واعضاء مجلس الشيوخ، والتي يمكن ان ترافق اي عمل عسكري اميركي.
ويكرر البيت الابيض، سرا وعلنا، ان أوباما لن يذهب الى الكونغرس لطلب الموافقة، ويستند في ذلك الى سابقة حرب كوسوفو في العام 1998، التي لم يستصدر الرئيس السابق بيل كلينتون موافقة من اجلها. ويمنح الدستور الاميركي، حسب تعديل العام 1973، الرئيس الاميركي مهلة ستين يوما للابلاغ عن اي عمل عسكري يبادر اليه غير المواجهات الدفاعية. حرب كوسوفو دامت 78 يوما، الا ان كلينتون علل عدم طلبه موافقة السلطة التشريعية بالقول ان مصادقة الكونغرس على الاموال المطلوبة للحرب كانت بمثابة مصادقة.
هذه المرة، لا ينوي أوباما طلب اي تمويل من الكونغرس، ففي موازنة وزارة الدفاع (البنتاغون) 3 مليارات دولار يتم رصدها سنويا «لحالات طارئة»، وهو نفس البند الذي استند اليه أوباما عندما شاركت قواته في الاسبوع الاول من حرب ليبيا، والتي كلّفت الخزينة الاميركية مليار و100 مليون دولار.
والحشد الاميركي في البحر الابيض المتوسط يشي بأن أوباما بدأ فعلا في اجراءات مكلفة، منها انه أمر حاملة الطائرات «نيميتز»، الموجودة في بحر العرب، البقاء في موقعها رغم ان المفروض كان استبدالها بالحاملة «هاري ترومان». وتنص سياسة الدفاع الاميركية الحالية على وجود حاملة طائرات واحدة في الخليج العربي، اما ابقاء الثانية، بتكاليف اضافية، فسببه تحسب الجيش الاميركي لأي طارئ قد ينجم عن المواجهة المقبلة في سورية.
كذلك، دفعت البحرية بتعزيزات اضافية الى قرب الشاطئ السوري على شكل مدمرة، هي الخامسة من نوعها، ما يرفع عدد صواريخ «توماهوك» المتوفرة لاستخدامها في الضربة من 300 الى قرابة 400. ويعتقد الخبراء ان لدى وزارة الدفاع لائحة من 400 هدف في سورية، ولكن بعض هذه الاهداف لا يؤثر فيها «توماهوك» وتحتاج الى صواريخ المقاتلات.
وفي اطار التعزيزات ايضا، وضعت القوات الاميركية عددا من اسراب الطائرات المقاتلة من طراز «اف 15 اي» و«اف 18 اي» في حالة تأهب في قواعدها في تركيا واليونان، كذلك عدد من القاذفات الاستراتيجية.
كل هذه الاستعدادات الاميركية المكلفة لا تشي بأن أوباما ينوي استعراض قواته فحسب، بل ترجح نيته توجيه الضربة في وقت قريب جدا.
اما توقيت الضربة، وهو الذي سيبقى سرا للحفاظ على عنصر المفاجأة، فصار معلوما ان واشنطن تنتظر فريق محققي الامم المتحدة ليقدم تقريره، ليبني الاميركيون عليه المزيد من الاثباتات. ويقول مسؤول في الادارة انه «منذ اللحظة التي تلي تقديمنا الاثباتات التي تظهر تورط نظام الاسد في هجوم الغوطة الكيماوي في 21 اغسطس، يمكن ان تقوم قواتنا بشن الهجوم «.
وفي ظل التصميم الاميركي على توجيه الضربة للأسد، لماذا كل التلكؤ والتلعثم؟
يقول العارفون بشخصية الرئيس الاميركي ان أوباما يفضل شن الحروب من دون ضجيج، وهذا كان اسلوبه في ليبيا، وهو لا يعتقد ان عليه ان يتوجه الى الشعب الاميركي لحشد تأييد الرأي العام من اجل عمليات «غير مفتوحة الامد»، كتلك المتوقعة في سورية.
ومن يعرف الرئيس الاميركي يعرف انه يحشد شعبيا فقط عندما يعتقد ان الرأي العام بامكانه ممارسة الضغط على الكونغرس، اذا ما قام الاخير بعرقلة مشاريعه، وخصوصا الاقتصادية الداخلية.
اما السياسة الخارجية، فغالبا ما يتفادى أوباما الحديث عنها، وهو رفع شعار انهاء حروب اميركا حول العالم، وأصر على ان قواته نجحت في إلحاق الهزيمة بتنظيم «القاعدة»، ما يعني ان تورط اميركا في الخارج هو في تراجع. 
التراجع الاميركي من اجل التفرغ لشؤون الداخل هو شعار أوباما، وهو لا يتوافق مع حروب مثل ليبيا او سورية، لذا يعمد الرئيس الاميركي الى ابقاء الموضوع خارج الكونغرس، ولا يحاول كسب تأييد الرأي العام، ولهذا السبب، تتصدر سورية معظم الكتابات والتقارير الاعلامية، الا ان غالبية هذه التقارير، بما فيها التي تبثها قناة «الجزيرة اميركا» القطرية، تلقي ضوءا سلبيا على الضربة المتوقعة ضد سورية وتحرض الرأي العام ضدها.
أوباما لم يستمع للضجيج الذي اثاره الجمهوريون والمشككون اثناء حرب ليبيا، ولم يستمع لكل المناشدة للتدخل في سورية على مدى العامين الماضيين، ولا يبدو انه يكترث لما يحكى الآن ضد الضربة المتوقعة في سورية، وهو ممن «يبقون اوراقهم قريبة الى صدورهم»، حسب التعبير الاميركي الرائج، وهو - على عكس ادعاءاته - يفضل البقاء بعيدا عن اعين العالم في قراراته، ويبقيها طي الكتمان، ان كانت طائرات من دون طيار، او صواريخ «توماهوك»، ما يجعل ضربة سورية المتوقعة واحدة من قرارات أوباما الغامضة.

الخميس، 29 أغسطس، 2013

أوباما: لم نقرر بعد ما سنفعله في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في أول تصريح له في الشأن السوري منذ مجزرة غوطة دمشق، الاسبوع الماضي، اتهم الرئيس الاميركي باراك أوباما نظام بشار الأسد بتنفيذ الهجوم الكيماوي، وقال ان ذلك سينجم عنه عواقب دولية. 
واوضح أوباما، في مقابلة مع محطة «بي بي اس» شبه الرسمية، انه لم يحسم امره بعد في موضوع الضربة، وانه تلقى عرضا بالخيارات من جنرالاته، وعقد محادثات مطولة مع فريقه للأمن القومي.
ومع ان أوباما بدا حذرا وبدت تصريحاته اقل حدة من تصريحات وزرائه ومستشاريه، الا انها المرة الاولى التي يخوض فيها مطولا في الشأن السوري، علنا، وهو استهل شرحه بالقول: «دعوني اتكلم عما هو على المحك هنا... انا اعتقد اننا نعرف ان اشياء رهيبة تحصل في سورية منذ بعض الوقت، وان نظام الأسد يقتل شعبه بعشرات الالاف، وهناك انقسامات طائفية تطورت الى نزيف دماء وتصاعدت على مدى العامين الماضيين». 
لكنه اضاف انه «رغم ان ما يحصل هناك مأساوي، ورغم اني دعوت الأسد للرحيل واردت التأكد من حصولنا على حكومة انتقالية تشمل الجميع في سورية»، الا ان «الاستنتاج الذي توصلت اليه هو ان تدخلا عسكريا مباشرا، اي التورط في في حرب اهلية في سورية، لن يساعد الوضع على الارض، لذا، ضبطنا انفسنا (عسكريا)، رغم اننا ديبلوماسيا ناشطون جدا، وقدمنا الكثير من المساعدات الانسانية للذين تم تهجيرهم في الحرب».
وتابع أوباما: «ما قلته ايضا هو انه اذا قام نظام الأسد باستخدام اسلحة كيماوية ضد شعبه، ذلك سيغير بعضا من حساباتي، والسبب يتعلق لا بالاعراف الدولية فحسب، بل ايضا بعمق المصالح الاميركية الذاتية». واضاف: «نحن امام وضع حيث العرف الدولي ضد استخدام الاسلحة الكيماوية مكرس جدا، ولدى سورية واحد من اكبر مخزونات الكيماوي في العالم».
ومما قاله أوباما ان سورية بلد متقلب في منطقة متقلبة، وان لبلاده حلفاء، مثل تركيا والاردن واسرائيل، ولديها كذلك قواعد عسكرية في عموم المنطقة، «ولا يمكننا ان نرى خرقا لعرف منع الانتشار الذي يسمح للأسلحة الكيماوية بالوقوع في ايدي كل انواع المجموعات». 
واضاف الرئيس الاميركي: «ما قلته هو اننا لم نقرر بعد، لكن يجب الابقاء على العرف الدولي ضد استخدام الاسلحة الكيماوية، ولا احد ينكر - او بالكاد احد ينكر - انه تم استخدام الاسلحة الكيماوية على نطاق واسع ضد المدنيين في سورية».
وعن هوية مستخدمي هذه الاسلحة في هجوم الغوطة، قال أوباما: «لقد نظرنا الى كل الدلائل، ولا نعتقد ان المعارضة تمتلك اسلحة كيماوية من هذا النوع، ولا نعتقد انه - بالنظر الى الصواريخ التي حملتها - انه يمكن للمعارضة القيام بهجوم كهذا، لذا توصلنا الى استنتاج مفاده ان الحكومة السورية هي من قام (بالهجوم) في الواقع، واذا كان الامر كذلك، هناك حاجة لعواقب دولية».
وتابع أوباما: «هكذا، نحن نستشير حلفاءنا، والمجتمع الدولي، وكما تعلمون، لا اهتمام لدي بأي نوع من الصراع المفتوح الأمد في سورية، ولكن علينا ان نؤكد انه عندما تخترق دول الاعراف الدولية حول اسلحة مثل الاسلحة الكيماوية التي يمكنها ان تهددنا، ستتم محاسبتها».
أوباما اعتبر ان اي ضربة عقابية للأسد «لن تحل كل المشاكل داخل سورية»، و«لن تنهي موت المدنيين»، مضيفا انه يأمل في ان يكون هناك «انتقال سياسي داخل سورية»، وقال: «نحن مستعدون للعمل مع اي أحد- بما في ذلك روسيا وآخرون - لمحاولة جمع الاطراف السورية من اجل حل النزاع، ولكننا نريد ان يفهم نظام الأسد انه باستخدام اسلحة كيماوية على نطاق واسع ضد شعبه، ضد النساء والاطفال والاولاد، انه لا يخترق الاعراف الدولية ومعايير الاخلاق فحسب، بل انه يخلق ظرفا يؤثر في مصالح الولايات المتحدة، وعلى ذلك ان يتوقف».

الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

الضربة ضد الأسد ستستمر 3 أيام وتشارك فيها المقاتلات بعد المدمرات

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ان صحت التقارير الاميركية حول الحوار الذي دار في اسطنبول بين سفير اميركا السابق في سورية روبرت فورد ورئيس الائتلاف الوطني السوري احمد الجربا، والتي افادت ان فورد ابلغ الجربا ووفدا من الائتلاف بنية الولايات المتحدة توجيه ضربة الى قوات بشار الاسد في الايام المقبلة، وان عليهم الاستعداد للذهاب الى «مؤتمر جينيف 2» بعد الضربة، تكون الادارة الاميركية قد تبنت الخطة التي قدمها وزير الخارجية جون كيري، مطلع يوليو الماضي، والتي تقضي بتوجيه ضربة الى الاسد تؤكد له ان لا افق لاستمراره في الحكم، وتجبره على التنحي، وعلى قبول مشاركة نظامه من بعده في التسوية.
ومع ان كيري صرح الاثنين ان توجيه ضربة الى قوات الأسد لا تتعلق بالمواجهة المندلعة في سورية، بل بالحفاظ على الاستقرار العالمي والاصرار على معاقبة اي طرف يعمد الى استخدام اسلحة الدمار الشامل، كما حصل في هجوم غوطة دمشق الاسبوع الماضي، الا انه يبدو ان وزير الخارجية الاميركي يعتقد ان الفرصة سانحة لربط التسوية السياسية التي دأب على المطالبة بها، بنتائج «الضربة العقابية» المتوقعة.
وكان كيري قد حاول في يوليو، على اثر الهزيمة التي الحقتها قوات الرئيس السوري بشار الأسد و«حزب الله» بثوار سورية في القصير، تسويق خطته اثناء اجتماع لفريق الامن القومي ترأسه باراك أوباما، وتم تخصيصه لسورية. 
شهد الاجتماع في حينه انقساما حادا بين كيري ومستشارة الامن القومي سوزان رايس، من جهة، ووزير الدفاع تشاك هيغل ورئيس الاركان الجنرال مارتن ديمبسي، من جهة اخرى، الى حد دفع أوباما الى الطلب الى وزيريه كيري وهيغل عقد اجتماع ثنائي بينهما في اليوم التالي للتوصل الى اتفاق. وعقد الرجلان اجتماعا، ولم ينجحا في تذليل الخلافات في وجهات النظر، وتعززت كفة هيغل بتردد أوباما في الدخول في حرب في سورية لا مصلحة اميركية واضحة فيها، وبتصريحات ديمبسي الرافضة للحرب، والتي تتمتع بمصداقية كبيرة بين السياسيين الاميركيين والرأي العام.
وكان من الممكن استمرار الوضع في سورية على ما هو عليه، واستمرار ديمبسي في ترداد ان «لا اصدقاء لاميركا بين الاطراف في سورية»، وانه تاليا لا مصلحة اميركية في ترجيح كفة اي منهم. لكن المفارقة تكمن في ان تغيير الموقف الاميركي لمصلحة التدخل جاء من الأسد نفسه، فالادلة التي تشير الى استخدام - لا قواته فحسب وانما فرق النخبة التابعة له - الاسلحة الكيماوية في هجوم الغوطة دامغة، حسب الاستخبارات الاميركية.
هكذا، عندما ترأس أوباما اجتماعا لفريق الامن القومي نفسه السبت الماضي، بدأ اللقاء بالاستماع الى تقييم مسؤولي الاستخبارات الحاضرين، والذين عبّروا عن «ثقة عالية جدا» بأن تكون قوات الأسد هي التي شنت الهجوم. ذلك التقييم، اعطى كيري ورايس الفرصة للقول ان الهجمات بالأسلحة الكيماوية لم تحصل الا مرات قليلة جدا، منذ الحرب العالمية الثانية، وان من مصلحة اميركا والعالم انزال أشد العقوبة بمن يستخدمها، بغض النظر عن الموقف السياسي منه، وهو ما يعني ان اي ضربة لقوات الأسد «لا تتعلق بمجريات المواجهة في سورية، بل بمعاقبة من اقدم على استخدام الكيماوي»، وهو رأي وجد هيغل وديمبسي نفسيهما مجبرين على قبوله والموافقة عليه، فقدم ديمبسي مطالعة حول الخيارات العسكرية الممكنة. «اما الباقي، فللتاريخ»، على حسب القول الاميركي.
هكذا، اتخذ أوباما قرارا بشن ضربة في سورية، وطلب من كيري وهيغل حشد التأييد الدولي، وطلب من رايس والباقين حشد التأييد الداخلي بين قيادات الكونغرس.
وفي هذا السياق، تشير آخر التكهنات الى ان الضربة الاميركية ضد قوات الأسد ستستمر ثلاثة ايام، وصار من المرجح ان تشارك فيها المقاتلات بعد «الضربة الاولى» التي تشنها المدمرات المتمركزة في البحر الابيض المتوسط. اما هدف الضربة، فاضعاف قوات الأسد الى درجة لا تتمكن فيها هذه من شن هجمات ضد الثوار، ما يبقيها في حالة دفاعية دائمة، وهو ما يبدو ان كيري يعتقد ان من شأنه ان يدفع الأسد الى اعادة حساباته، او «قراءة الكتابة على الحائط»، على حسب التعبير الذي استخدمه كيري في جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ التي ادت الى تثبيته وزيرا، مطلع فبراير الماضي.
«خطة كيري» هذه تضع هدفا سياسيا للعمل العسكري الاميركي المتوقع، على عكس حربي العراق وافغانستان عندما ذهبت اميركا اليهما مع اهداف مفتوحة تتضمن «بناء امم» وانشاء ديموقراطيات. اما اذا رفض الأسد الذهاب الى تسوية وأصر على القتال، وان دفاعيا فقط، تقول مصادر كيري ان في تلك الحالة، يمكن له ان يستمر لفترة، ولكنه سيعرف ان اي هجمات كيماوية مستقبلية ستكون مكلفة كثيرا له ولنظامه.

تنصت أميركي يدين النظام!

حسين عبدالحسين

قدمت ادارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، اولى القرائن التي تعتقد انها تثبت تورط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في الهجوم بالاسلحة الكيماوية على غوطة دمشق الاسبوع الماضي، وهي عبارة عن مكالمات هاتفية بين مسؤول في وزارة الدفاع السورية، وضابط في احدى الوحدات العسكرية المسؤولة عن الترسانة الكيماوية، ويتمحور الحديث بينهما حول هجوم كيماوي اوقع اكثر من الف قتيل.

الخبر حول تنصت اجهزة الاستخبارات الاميركية على هذه المكالمات، انفردت بنشره مجلة "فورين بوليسي"، التي قالت إن "هذه المكالمات هي السبب الرئيسي الذي دفع المسؤولين الاميركيين الى التعبير عن ثقتهم ان هجوم (غوطة دمشق) كان من فعل نظام بشار الاسد".

إلا أن المجلة نقلت عن مصادر الاستخبارات الاميركية قولها، إن اعتراض المكالمات يطرح، بدوره، اسئلة تتعلق بمسؤولية اركان النظام: هل كان الهجوم من فعل ضابط تخطى صلاحياته؟ او انه جاء بأمر مباشر من اعضاء كبار في نظام الأسد؟

وتنقل المجلة عن مصدر استخباراتي قوله: "لا نعرف بالضبط لما حدث الهجوم، لكننا نعرف انه كان عملاً لعيناً مغفلًا".

ووفقاً لـ "فورين بوليسي"، فإن "المكالمات، مقرونة بافادات الاطباء المحليين السوريين، وتوثيقات الفيديو للفاجعة، تعتبر كلها براهين ايجابية، وهو ما دفع الحكومة الاميركية، من الرئيس باراك أوباما ونزولاً في سلم المسؤولية، الى التأكيد علانية أن الجيش السوري ضرب بالغاز الاف المدنيين في منطقة الغوطة الشرقية".

وتختم المجلة بالقول إن "الادارة الاميركية لا تزال تنتظر تحليلات التراب والدم وعينات اخرى، على غرار ما فعلت اميركا والدول الغربية في الهجمات الكيماوية السابقة، ولكن التحليلات هذه المرة هي بمثابة تحصيل حاصل، ولا شك ان نتائجها ستثبت القرائن الاخرى".

وتحدثت مصادر اميركية اخرى عن وجود صور التقطتها الاقمار الاصطناعية، تظهر ان حمولة خرجت من احد مخازن الاسد الكيماوية، وتوجهت الى المكان الذي يعتقد ان الصواريخ اطلقت منه قبل نصف ساعة من هجوم الغوطة. وقالت هذه المصادر، إن الاقمار الاصطناعية الاميركية تراقب مخازن الاسد على مدار الساعة، وإن رصدها للحركة الاخيرة فيه المزيد من الاثبات حول مسؤولية نظام الاسد خلف الهجوم.

كذلك، قالت مصادر اميركية إن اجهزة الاستخبارات الاميركية نجحت -- عن طريق صحافيين سوريين حضروا الى موقع الهجوم -- في الحصول على صور لمكان وقوع الصواريخ، وان اجزاء كبيرة منها لم تنفجر، ما يساعد على تحديد ملكيتها حسب ارقامها التسلسلية. ويعتقد بعض الخبراء ان عدم انفجار اجزاء من رؤوس هذه الصواريخ يشي بأن الحمولة لم تكن تقليدية فحسب، بل تضمنت موادا كيماوية.

امام كل هذه الادلة، تعتقد ادارة الرئيس أوباما أن بين ايديها ملفاً فيه اثباتات دامغة على تورط نظام الاسد في هجوم الغوطة الكيماوي.

لكن حسم القرار بتنفيذ الضربة وموعدها، التي رجحت بعض التسريبات ان يكون غداً، لا يزال غير مؤكد وخاضع للمناورات الدبلوماسية المتواصلة فضلاً عن عدم تحديد اركان الادارة الأميركية إن كان الافضل لهم انتظار فريق الامم المتحدة، الذي قام بتحقيقات في الغوطة، حتى يقدم تقريره، او الذهاب الى الحرب حتى قبل صدور التقرير الاممي.

لكن عدداً من المسؤولين الاميركيين سبق ان اعتبر ان مهمة الفريق المذكور لم تتضمن تحديد هوية مطلق الصواريخ الكيماوية، بل فقط تثبيت ان كانت اسلحة كيماوية قد تم استخدامها ام لا، وهذا موضوع صار مفروغا منه، حسب هؤلاء المسؤولين.

في هذه الاثناء، اصدر "معهد دراسة الحرب"، بحثاً اعده الضابط السابق في البحرية الأميركية، كريستوفر هارمر، رأى فيه أن الضربة الاميركية المتوقعة "يمكنها ان تحدث ضرراً محدوداً بدرجات مختلفة لمقدرة نظام الأسد على استخدام الاسلحة الكيماوية او استمراره في العمليات بفاعلية ضد المعارضة". واضاف انه "لا يمكن للضربة استئصال مقدرات النظام العسكرية او اسلحته الكيماوية، او التسبب بضعف دائم للنظام".

لذا، يعتقد هارمر ان "الضربة ستكون غير فعالة، الا اذا كانت جزءاً من استراتيجية اميركية متكاملة، وذات موارد كافية، تجاه سوريا". وهذه الاستراتيجية، من وجهة نظره، يجب أن تتضمن"مساعدة العناصر المعتدلة والعلمانية في المعارضة لالحاق الهزيمة بنظام الاسد الذي تدعمه ايران وبالمتطرفين المرتبطين بالقاعدة ممن يهددون باختطاف الثورة".

ونبه هارمر إلى ان صواريخ الكروز وحدها لا يمكنها تحقيق هذه الاهداف، معتبراً أنه بالنظر الى القطع الاربع من الاسطول السادس المتواجدة في البحر الابيض المتوسط، ونظراً الى ان حاملة الطائرات "هاري ترومان" لم تنضم الى هذه المجموعة، وإلى أن البحرية غالباً ما تستخدم غواصاتها التي لا تعلن عن مواقعها كذلك في الهجوم، فمن المتوقع ان تتكون القوة النارية للضربة الاولى من 204 صورايخ كروز توماهوك الموجهة عن بعد، "وهذا العدد كاف لضربة متوسطة الكثافة تشنها القوة البحرية ضد اهداف مختلفة للأسد".

واعتبر أن صواريخ توماهوك فعالة جداً وتحقق ضربات قاتلة ضد اهداف "ناعمة" مثل الرادارات والابنية وانظمة الاتصالات والمقاتلات الجاثمة على الارض والآليات العسكرية. ويمكن لهذه الصواريخ، ان تحدث ضرراً كبيراً في اهداف مثل مدارج الطائرات ويمكنها تعطيلها الى حين، لكن لا يمكنها تدميرها. اما الاهداف المحصنة باسمنت مسلح وموجودة عميقاً تحت الأرض، فلا تأثير لهذه الصواريخ ضدها.

ودعا الخبير الاميركي الادارة الأميركية الى التحديد بدقة هدف ضربتها، واختيار نوع الضربة بناء عليه، وحث على استخدام سلاح الجو، مشيراً إلى أنه بامكان المقاتلات الاميركية القضاء الى حد بعيد على مخازن الأسد الكيماوية وتدمير قطعه العسكرية ومطاراته، ما يضعف من مقدرته العسكرية بشكل دائم.

الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

كيري يمهد لخطاب رئاسي يعلن عن الضربة: هجوم الغوطة أبعد من الصراع في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في خطاب هو اقرب الى اعلان حرب، وقد يكون الاخير الذي يصدر عن مسؤول اميركي قبل ان يتوجه باراك أوباما بالخطاب الرئاسي المعهود الى الأمة ابان بدء الضربة المتوقعة ضد قوات بشار الاسد، قال وزير الخارجية جون كيري ان الهجوم الكيماوي في غوطة دمشق، الاربعاء الماضي، «يذهب الى ابعد من الصراع في سورية نفسها».
واعتبر كيري، في خطاب موجز امام الاعلاميين في وزارته، ان الهجوم كان «استخداما عشوائيا وواسع النطاق لاسلحة قرر العالم المتحضر الا يستخدمها ابدا منذ فترة طويلة»، وان «هذا الاقتناع يسود حتى بين الدول التي لا تتفق على الكثير».
وتابع ان «هناك اسبابا واضحة جعلت العالم يحظر استخدام الاسلحة الكيماوية»، وان «هناك اسبابا جعلت المجتمع الدولي يضع معايير واضحة، وجعل بلدانا كثيرة تقدم على التخلص من هذه الاسلحة».
واضاف كيري ان هذه هي الاسباب نفسها التي دفعت أوباما الى ان يفعل ما بوسعه للتخلص من اسلحة الدمار الشامل، ودفعته «ليجعل من الواضح لنظام الأسد انه لا يمكن تجاوز هذا العرف الدولي من دون عواقب».
وتابع الوزير الاميركي انه «بغض النظر عما نعتقده حول سورية، كل الشعوب والدول التي تؤمن بانسانيتنا المشتركة عليها ان تقف لتؤكد ان هناك محاسبة لاستخدام الاسلحة الكيماوي حتى لا يحدث ذلك مجددا».
كيري قال انه، بناء على تعليمات أوباما، عمل على اجراء الاتصالات بعدد كبير من نظرائه حول العالم لحشد التأييد لعمل مشترك في سورية. وفي هذا السياق، كانت استراليا احدث الوافدين الى ما يبدو انه تحالف ينشأ من اجل تدخل عسكري في سورية، فيوم اول من امس، تحاور الرئيس الاميركي ورئيس حكومة استراليا كيفين رود، وكان عرض لتطورات الوضع السوري. وفي البيان الصادر عن البيت الابيض ان الزعيمين «استعرضا الوسائل المتاحة امام المجتمع الدولي للرد».
في هذه الاثناء، يبدو ان الولايات المتحدة وحلفاءها يعملون على تقديم ملف للامم المتحدة يثبت استخدام الأسد للسلاح الكيماوي في هجوم الغوطة، من دون التعويل على نتائج التحقيق الاممي الذي «لن يحدد من استخدم هذه الاسلحة الكيماوية، (بل يحدد) فقط ان كانت هذه الاسلحة قد تم استخدامها، وهو حكم تبدو نتائجه واضحة للعالم»، حسب كيري، الذي تحدث ايضا عن توافر المزيد من الادلة التي تدين النظام.
وفي هذا السياق، علمت «الراي» ان اجهزة الاستخبارات الاميركية، والتي تراقب سورية بشكل متواصل عبر الاقمار الاصطناعية، رصدت تحركا من احد المستودعات الكيماوية التابعة للنظام قبل نصف ساعة من وقوع هجوم الغوطة. كما تحدثت المصادر الاميركية عن تثبيت اماكن الاطلاق والوحدات العسكرية السورية التي اطلقتها، والتي يعتقد ان من بينها قوات تنتمي للفرقة الرابعة بأمرة ماهر الاسد شقيق بشار.
وفي وقت اشارت الترجيحات الاولية الى جهوزية اميركية كاملة لشن الاسطول السادس المتمركز في البحر المتوسط هجمة صاروخية ضد اهداف قوات الاسد في الساعات او الايام المقبلة، ظهرت بوادر تشير الى ان أوباما قد يعمد الى توسيع الحملة العسكرية لتشمل مقاتلات تشن «ضربة ثانية» بعد «الضربة الاولى» الصاروخية، او على الاقل هذا ما تشي به الاستعدادت السياسية الداخلية والخارجية.
في الداخل، باشرت الادارة بالاتصال بزعماء الكونغرس، بغرفتيه، لاطلاعهم على التطورات ريثما يعود الكونغرس من عطلته الصيفية نهاية هذا الشهر. اما خارجيا، فيشي الاتصال بزعماء دول صديقة، مثل استراليا، ان أوباما ينوي توسيع التحالف الدولي ليشمل دولا اكثر من «مجموعة العشرة» المنبثقة عن «مؤتمر اصدقاء سورية»، والتي تضم اميركا وفرنسا وبريطانيا والمانيا وايطاليا وكندا وتركيا والاردن والسعودية وقطر. 
وكان رؤساء اركان جيوش هذه الدول قد اختتموا، امس، اجتماعا عقدوه في عمان واستمر ثلاثة ايام.
الخبراء، بدورهم، اشاروا الى ان بناء تحالف دولي واسع لا يعني بالضرورة شن ضربة طويلة او معقدة، بل قد يعني ان أوباما يستعد لكل الاحتمالات حتى لو لم يلجأ الا الى تسديد «الضربة الاولى» فقط. اما التكهنات فتشير حتى الآن الى ان قوات النخبة التي اقدمت على شن الهجوم الكيماوي ستكون عرضة للضربة الاميركية، كذلك المطارات الستة التي يستخدمها الأسد، ومنصات اطلاق الصواريخ الباليستية، ومراكز «القيادة والسيطرة» التابعة لقواته.




الكيماوي أقلق اميركا

حسين عبدالحسين

في واشنطن، هدوء كالذي يسبق العاصفة في الموضوع السوري. توقفت التسريبات التي دأب البيت الابيض ووزارتا الدفاع والخارجية على تمريرها الى الصحافيين منذ يوم الخميس الماضي، ولولا المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية جون كيري، للحديث حول التطورات السورية والذي اعتبرته صحيفة "الواشنطن بوست" "خطاب حرب"، لكان المشهد السياسي الاميركي روتينياً بالكامل. الرئيس باراك أوباما يشارك في حفل تكريم عسكريين قاتلوا في افغانستان، والكونغرس في عطلته الصيفية المستمرة حتى نهاية هذا الشهر.

انقسم المعلقون والباحثون الى صفين في كتاباتهم. الاول يعارض اي "تورط" في سوريا من اي نوع كان، فيما الثاني يعمل على توقع توقيت الضربة واسداء النصائح للادارة حول الاهداف المطلوب ضربها وهدف الحملة المتوقعة. اما الرئيس الاميركي، فلا يزال ملتزماً الصمت.

أوباما دخل البيت الابيض على ظهر وعوده بانهاء حربي العراق وافغانستان، واستخدام الاموال المخصصة لهاتين الحربين في "بناء الداخل"، على حد تعبيره. وباستثناء عملية قتل زعيم تنظيم القاعدة، اسامة بن لادن، والمشاركة الطفيفة في حرب ليبيا، نفذ الرئيس الاميركي وعوده بتقليص نشاط بلاده العسكري، بل بدا متردداً في كل مرة تلتفت اليه الانظار في قرارات عسكرية.

ابرز محطات التردد كانت في اعلان أوباما "خطة زيادة" القوات في افغانستان في العام 2011، اذ منح جنرالاته نصف عدد القوات التي طلبوها، وربط الزيادة باعلان تاريخ الانسحاب. وهو الاعلان الذي يعتقد كثيرون انه يمنح اعداء الحكومة الافغانية تاريخاً للعودة الى تشكيل صفوفهم للهجوم والاستيلاء على السلطة، بدلًا من قبولهم بالهزيمة التي من المفترض أن يلحقها بهم الاميركيون.

في المواضيع العسكرية، "يدوس أوباما على البنزين والفرامل في الوقت نفسه"، حسب التعبير الاميركي الرائج، فتأتي نتائج العمليات العسكرية نصف موفقة. ويبدو ان أوباما لا يأبه للانتقادات التي تطاله لتردده عسكرياً، وهو غالباً ما يقول لمقربين منه إن "اميركا ليست شرطي العالم"، ويعلن تمسكه بالمنظمات الدولية كبديل عن الدور الاميركي الاحادي.

في موضوع سوريا، وعلى عكس الاعتقاد السائد لدى البعض، لا توجد اي مصالح اميركية. اسرائيل، حليفة الولايات المتحدة المدللة، يمكنها تدبر امنها بنفسها. وهي قامت بعدد من الغارات الجوية ضد شحنات سلاح في سوريا كانت تعتقد أن وجهتها "حزب الله" في لبنان. كذلك، تم منح الاردن مئات الملايين من الدولارات من اجل التعامل مع وضع اللاجئين السوريين، ويجري التنسيق مع الاجهزة الامنية من أجل منع اي تمدد للصراع السوري الى اراضيه. في تركيا، نشر "تحالف الاطلسي" صواريخ باتريوت، في وقت تطير فيه طائرات اميركية من دون طيار من قاعدة انغرليك لمراقبة الحدود مع سوريا والعراق من اجل منع المقاتلين، الأكراد او غيرهم، من التسلل الى الاراضي التركية.

اذاً، القتل في سوريا لا يطال الا السوريين، ويصل بعضه الى لبنان. والبلدان كانا تحت تأثير النفوذ الايراني منذ ما قبل اندلاع الثورة السورية منتصف آذار/ أيار 2011، ما يعني ان امكان فوز الاسد على الثوار لا يغير الكثير في التوازن الاقليمي، ولا يعني اميركا في شيء.

ومنذ اندلاع الثورة وسوريا لا تعني أوباما استراتيجياً، باستثناء موضوع واحد: الترسانة الكيماوية. طالما بقيت هذه الترسانة في مخازن النظام، طالما اعتقد غالبية اصحاب القرار الاميركيين ان لبقاء الاسد جانباً ايجابياً. وهو ما عبر عنه أوباما بوضوح قبل عام، عندما قال إن الامر الوحيد الذي قد يغير من حساباته هو "تحريك" او "استخدام" السلاح الكيماوي.

ويبدو ان الأسد لم يفطن الى ان بقاءه يرتبط بأمن السلاح الكيماوي، لا باستخدامه، تماما كما ارتبط بقاء نظام آل الاسد، لعقود، بهدوء الحدود السورية مع اسرائيل، لا بتفجيرها.

كذلك، لا يتناسب استخدام الكيماوي وتفكير أوباما، فالرئيس الاميركي يشدد دائماً على تمسكه بالمنظمات الدولية والقانون الدولي، واكثر ما يخرق هذا القانون هي الاسلحة الكيماوية، التي استخدمت للمرة الاولى، منذ اكثر من عقدين، في الحرب العراقية الايرانية على النطاق الذي استخدمت به في هجوم غوطة دمشق يوم الاربعاء الماضي، وهو ما يعطي أوباما الاستثناء المطلوب للتخلي عن تفاديه الدائم للصراعات العسكرية.

كل هذه العوامل، دفعت الرئيس الاميركي الى حسم امره بالتدخل عسكرياً في سوريا. اما توقيت التدخل وشكله، فيعتمدان على عوامل متعددة، مثل انتظار تقرير فريق الامم المتحدة، الذي تم السماح له بمعاينة موقع الهجوم، والذي قد يؤجل وقت الضربة، لكنه لن يلغيها. 

اما حجم الضربة ومداها، فيبدو انه لم يحسم بعد، والامر الوحيد المؤكد هو ان أوباما لن يستخدم قوات برية في سوريا، فيما المرجح ان الضربة ستكون صاروخية فقط. ويبدو ان الهم الاول لدى الرئيس الاميركي هو تحديد هدف الضربة قبل شنها، وخصوصاً بعدما صار معلوماً ان القضاء على نظام الأسد بالكامل لن يكون جزءاً من هذا الهدف.

أوباما يريد ان "يعاقب" الاسد لاستخدامه الكيماوي، ويريد في الوقت نفسه ان يضعضع مقدرة الاسد العسكرية على الحاق الاذى بمعارضيه على غرار ما يحدث الآن.

كذلك، يعتقد المقربون من الرئيس الاميركي ان خلف الضربة العسكرية ضد قوات الاسد رسالة الى ايران مفادها، ان اميركا لا تزال تنوي استخدام القوة يوماً ما لكبح طموح طهران النووي. روسيا أيضاً، من وجهة نظرهؤلاء، ليست بمنأى عن الرسالة، وتحديداً أن مشاغبتها الدولية هي عبارة عن مجرد ثرثرة. اما السيناريو العسكري الكفيل بتحقيق هذا الهدف الاميركي، فماهيته لا يعرفها حتى الآن الا أوباما ونفر قليل من مساعديه وجنرالاته.

الاثنين، 26 أغسطس، 2013

الوقود غير التقليدي يعزّز ثقة أميركا في اكتفاء ذاتي

واشنطن - حسين عبد الحسين


في تقرير أصدره «معهد الطاقة في القرن الحادي والعشرين»، بالتعاون مع «غرفة التجارة الأميركية»، تفاؤل بتحسن كبير طرأ على «أمن» مصادر الطاقة للولايات المتحدة. وحدّد التقرير في عنوان «فهرس الأخطار الأمنية لطاقة الولايات المتحدة» 37 مقياساً، انخفضت في 26 منها، الأخطار الأمنية مقارنة بالعام الماضي، فيما ارتفعت نسبتها في سبعة ولم تتغير في أربعة.

ومن أهم ما ورد في التقرير أن «تراجع الأخطار منذ عام 2012 يتعلق، بتزايد الإنتاج غير التقليدي للنفط والغاز الأحفوري وانخفاض أسعار الطاقة». واعتبر أن «تقلّص الأخطار المحيطة بالطاقة هو الأول من نوعه»، لكن لاحظ «تزايداً في هذه الأخطار على مدى العامين الماضيين، فيما التحسن الأكبر طرأ على ثبات سعر الطاقة».

وازداد الإنتاج الأميركي للوقود الأحفوري، الذي أثبتته بيانات لوزارة الطاقة تشير إلى زيادة مضطردة في احتياط هذا النوع من الوقود، ما عزّز الثقة الأميركية في إمكان التوصل إلى اكتفاء ذاتي يبقي أميركا في منأى عن أحداث العالم تهدد أحياناً استيراد هذه المادة الحيوية، وتؤدي غالباً إلى ارتفاع في الأسعار يؤثر سلباً في النشاط الاقتصادي.

لكن ارتفاع منسوب إنتاج الوقود محلياً، قلّص العجز في الميزان التجاري تحديداً في البند المتعلق بالنفط والغاز. إذ بلغت قيمة الواردات النفطية 72.3 بليون دولار في الأشهر الأربعة الأولى من هذه السنة، بانخفاض 8.5 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2012. فيما ارتفع حجم الصادرات النفطية الأميركية بنسبة 5 في المئة في المدة ذاتها، لتصل إلى 23.9 بليون دولار، ما يعني أن العجز البترولي سجل 48.034 بليون، بانخفاض 13 في المئة عن الفترة ذاتها من العام الماضي، و25 في المئة مقارنة بالأشهر الأربعة الأولى من عام 2011.

وفي حال استمرت التجارة البترولية على هذا المنحى، يُتوقع أن يبلغ العجز فيها 137 بليون دولار هذه السنة، بتراجع 20 بليوناً مقارنة بعام 2012، و40 بليوناً مقارنة بعام 2011.

دفع هذا التغيير في مشهد الطاقة الأميركية الغالبية إلى تأييد تحقيق مزيد من الإنتاج الأحفوري، في وقت تحوّل معارضوه إلى أقلية. وفي هذا السياق، ورد في افتتاحية صحيفة «يو إس أي توداي» الأوسع انتشاراً، في عنوان «ماذا يعني مشهد الطاقة الجديد للولايات المتحدة الأميركية»، أن «أميركا لطالما اعتمدت على استيرادها النفط من دول يمكنها أن تكون معادية»، وأن إنتاج الوقود الأحفوري يمنح البلاد فرصة «تحقيق الاكتفاء الذاتي في عقدين». ويعزز الاكتفاء الذاتي، وفق الصحيفة، التغيير الكبير الذي طرأ على قطاع الطاقة في الدول المجاورة أي كندا والمكسيك، التي لفتت إلى أن رئيسها اتخذ قراراً تاريخياً بتخصيص قطاعها النفطي للمرة الأولى منذ عام 1938. كما أن من شأن ذلك أن يزيد الاستثمارات في هذا القطاع، وتالياً الإنتاج بنسبة 25 في المئة.

واعتبرت الصحيفة، أن التغيرات في إنتاج الطاقة أميركياً ستنعكس على المشهد الاقتصادي العالمي، «وإذا كان أرباب الصناعة في آسيا وأماكن أخرى لا يرون أن الطاقة الرخيصة ستؤدي إلى نمو صناعي (في أميركا)، فعليهم أن يعيدوا النظر». وتابعت أن الصناعة، بعد سنوات من التقهقر، تعود مجدداً إلى الولايات المتحدة «وهذه مفاجأة كبيرة».

لكن خبراء يعتقدون أن تحقيق الاكتفاء الذاتي سيكون عملية طويلة ومضنية، وستبلغ تكاليفها تريليوني دولار، إذ رأى الخبير ماثيو ديلالو في دراسة، أن التقديرات الأولية لكلفة تطوير قطاع الوقود الأحفوري تبلغ 70 بليون دولار سنوياً وتمتد على مدى 30 سنة.

ودعا ميلالو الأميركيين إلى «الاستثمار في هذا القطاع الصاعد وإلى شراء الأسهم في الشركات العاكفة على تطوير الآبار واستخراج النفط والغاز الأحفوري منها. ولفت الباحث الأميركي إلى أن وارين بافيت، ثالث أغنى رجل في العالم بثروة تتعدى 53 بليون دولار، كان أول مَن تنبّه إلى هذا الأمر. وبافيت، الذي جمع ثروته من الاستثمار في سوق الأسهم، ويعتقد أنه صاحب دهاء في المواضيع الاستثمارية، أنفق أكثر من 200 مليون دولار في شراء أسهم إحدى شركات الوقود الأحفوري الأميركية المتعددة.

لا تزال الولايات المتحدة تنفق حوالى 12 بليون دولار شهرياً ثمناً للوقود المستورد من أصقاع الأرض، وهو يوازي ثلث عجزها التجاري البالغ 42 بليون دولار شهرياً. لكن، تبدو أرقام عجز الطاقة أميركياً في تراجع مستمر، ولو صدقت التقارير والتوقعات بتحقيق الولايات المتحدة اكتفاء ذاتياً، فإن ذلك ربما يؤدي إلى قلب عجزها التجاري المزمن إلى فائض. وفي حال توصلت أميركا إلى اكتفاء ذاتي للطاقة، مقروناً بفائض تجاري يترافق مع الانخفاض الكبير في عجز الموازنة السنوي، فستجد نفسها في وضع اقتصادي أفضل كثيراً مما شهدته على مدى العقد الماضي.

الأحد، 25 أغسطس، 2013

أميركا تقرع طبول الحرب

حسين عبدالحسين

في ما يبدو انها عملية اعلامية منسقة وتهويلية، تشنها ادارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ضد النظام السوري في أعقاب الاتهامات الموجهة له باللجوء إلى استخدام الكيماوي في مناطق الغوطة الشرقية، سربت الادارة الأميركية، عن طريق ثلاث صحف اميركية كبرى، انباء حول تحديثها "لائحة الاهداف العسكرية في سوريا"، استعداداً لتوجيه ضربة لقوات النظام السوري. لكن وتيرة لقاءات اركان الادارة في واشنطن، والمشاورات مع الحلفاء، وتحركات قطع الاسطول السادس نحو الشاطئ السوري، خلال الساعات الماضية، أظهرت أن الادارة الاميركية اكثر جدية هذه المرة في قيامها بتوجيه "ضربة عقابية"، فور اثباتها ان قوات النظام السوري تقف وراء الهجوم الكيماوي على ضاحية الغوطة الشرقية.

وترافق تصعيد الولايات المتحدة مع الكشف عن اتصال وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، بنظيره السوري، وليد المعلم، يوم الخميس الماضي، للطلب منه بضرورة سماح الحكومة السورية "فوراً ودون عوائق بوصول مفتشي الأمم المتحدة الى موقع الهجوم في الغوطة بدلًا من مواصلة الهجوم على المنطقة المتضررة لاعاقة الوصول وتدمير الدليل".

اول مؤشرات الجدية الاميركية جاء في توقيت اللقاء الاستثنائي الذي عقده "فريق الامن القومي"، يوم السبت، اذ يندر انعقاد لقاءات من هذا النوع في ايام عطلة نهاية الاسبوع. وشارك في اللقاء، الذي ترأسه أوباما، نائبه جو بايدن، ووزيرا الخارجية والدفاع جون كيري وتشاك هيغل، ومستشارة الامن القومي سوزان رايس ونائباها انتوتي بلينكن وبن رودز، ورئيس موظفي البيت الابيض دينيس ماكدنو، والسفيرة في الامم المتحدة، ومدير "وكالة الاستخبارات المركزية" جون برينان، ومدير "الاستخبارات القومية" جايمس كلابر، ورئيس اركان الجيش مارتن ديمبسي، وآخرون.

وبعد الاجتماع، اصدر البيت الابيض بياناً، أكد فيه ان اللقاء تم تخصيصه "لمناقشة التقارير حول استخدام الأسلحة الكيماوية يوم الاربعاء 21 آب قرب دمشق". واضاف البيان انه "بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، وعلى ضوء شهادات عشرات الناجين والاصابات التي تم تسجيلها بين القتلى، تتابع الاستخبارات الاميركية جمع الوقائع من اجل تثبيت ما حصل".

وفي الاجتماع ايضاً، استمع الحاضرون الى مطالعة قدمها ديمبسي حول الخيارات المتاحة "امام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للرد على استخدام الاسلحة الكيماوية".

وعلى إثر اللقاء، سارع ديمبسي الى الانتقال الى عمان، حيث يشارك في اجتماع رؤساء اركان جيوش "الدول العشر" المنبثق عن "لقاء اصدقاء سوريا"، للبحث في امكانيات عمل عسكري. وهذه الدول تضم الى الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا والمانيا وكندا وايطاليا وتركيا والاردن وقطر والسعودية.

وتستمر المباحاثات العسكرية حتى يوم الثلاثاء، فيما صار معلوماً ان ألمانيا هي الوحيدة، بين الحلفاء، التي لا تزال تعارض عملاً عسكرياً، وتصر على قيام فريق التفتيش الدولي التابع للأمم المتحدة، والموجود حالياً في دمشق، بالتحقيق في الهجوم على الغوطة. إلا أن المصادر الاميركية تعتقد انه "في حال استمرار رفض (الرئيس السوري بشار) الأسد بمنح المفتشين حرية التحقيق، سيكون سهلاً اقناع ألمانيا بأن الخيار العسكري هو الوحيد المتاح".

وفي اطار التنسيق الأميركي مع باقي الحلفاء، تحادث أوباما مع رئيس الحكومة البريطانية، دايفيد كاميرون. وجاء في البيان الصادر عن البيت الابيض ان الحوار كان مفصلًا، وتركز حول "استمرار العنف في سوريا"، وحول "امكانيات الرد المتاحة امام المجتمع الدولي ضد استخدام الاسلحة الكيماوية".

هكذا، وعلى وقع طبول الحرب سياسياً في كواليس العاصمة الاميركية، باشرت القيادة العسكرية الاميركية برفع جهوزية الاسطول السادس الموجود في البحر الابيض المتوسط، والتابع "للقيادة الاوروبية"، بدلًا من "القيادة الوسطى" المعنية بعمليات الشرق الاوسط.

وفي هذا السياق، انضمت مدمرتا "يو اس اس ماهان" و"يو اس اس ستاوت" الى فرقاطتين متواجدتين اصلا في المتوسط.

تشكيلة السفن الاربع هذه هي التي شنت "الضربة الاولى" ايذاناً ببدء العملية العسكرية التي اطاحت بالزعيم الليبي معمر القذافي، في ليبيا باطلاقها مئات صواريخ الكروز التي عطلت "القيادة والسيطرة" لجيش القذافي، كذلك ضربت مدارج مطاراته واهدافاً أخرى.

ويراقب المتابعون الاميركيون إن كانت احدى حاملتي الطائرات "هاري ترومان"، الموجودة حالياً في البحر الاحمر، او "نيميتز"، الموجودة شمال بحر العرب، ستنضم الى الاسطول السادس، مما يشير الى امكانية استخدام المقاتلات الاميركية في "ضربة ثانية" ضد قوات الأسد، وهو ما يجعلها عملية اكبر.

بيد ان معظم الترجيحات تشير الى ان الضربة ستكون صاروخية فقط، تهدف الى اضعاف امكانيات الأسد، بما في ذلك ضرب مراكز "القيادة والسيطرة"، والمطارات، ومنصات اطلاق الصواريخ الباليستية، من دون توجيه ضربة ثانية عن طريق المقاتلات، التي يمكنها فرض حظر كامل على حركة قوات الأسد.

وهو ما ذهب إليه مسؤول عسكري أميركي، طلب عدم الكشف عن في حديث لشبكة "سي أن أن"، بعدما أشار إلى أن "قائمة الأهداف قد تشمل أبنية حكومية ومقارا عسكرية، إلى جانب الوسائل التي تتيح للأسد استخدام الأسلحة الكيماوية”.

هل هي مناورة يشنها أوباما من اجل ردع الأسد عن استخدام المزيد من الاسلحة الكيماوية في هجمات مستقبلية؟ ام أن اوباما جاد في استعدادته وينوي توجيه ضربة الى قوات الأسد؟

لم يسبق أن ابدى أوباما هذا القدر من الاهتمام بالشأن السوري، فضلًا عن ان الرئيس الاميركي، على الرغم من تناقض تصريحاته واصرار بعض اركان ادارته ان تحريك الاسطول السادس لا يعني حتمية حصول الضربة، الا انه عمد هذه المرة الى ربط الضربة باثبات هجوم حدث في الماضي، اي ان الضربة ستقع لحظة اثبات هوية منفذي الهجوم الكيماوي، وهو امر لا يبدو عسيراً حسب التكهنات في اروقة القرار الاميركية، على عكس "الخطوط الحمراء"، التي تحدث عنها الرئيس في الماضي، والتي كانت مشروطة بفعل مستقبلي.

كما أن اللجوء الى هجمة صاروخية فقط من شأنه ان يفي بأكثر من غرض اميركي. هكذا هجمة تضعف الأسد من دون ان تطيح به، وتمتص الضغط الذي يمارسه حلفاء اميركا من اجل قيامها بعمل ما في سوريا، فضلاً عن أن الهجوم لا يحتاج الى حشد تأييد شعبي اميركي، او موافقة الكونغرس، لانه لا يرقى لكونه اعلان حرب.

هجوم صاروخي أميركي ضد قوات الأسد في حال ثبوت استخدامه «الكيماوي»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

صار من شبه المؤكد أنه في حال ثبت استخدام قوات بشار الأسد للأسلحة الكيماوية في الهجوم على غوطة دمشق يوم الاربعاء الماضي، ستوجّه الولايات المتحدة، تساندها لوجستيا وسياسيا وديبلوماسيا عشرة دول حليفة، ضربة صاروخية قاسية لمواقع حساسة لقوات الأسد تتضمن مقرات «السيطرة والقيادة»، ومنصات اطلاق الصواريخ الباليستية، ومدارج الطائرات، وانظمة الدفاع الجوي والاتصال.
لهذا السبب، وفي خطوة لافتة، قطع الرئيس باراك أوباما عطلته لنهاية الاسبوع ليترأس اجتماعا لفريق الامن القومي، السبت، شارك فيه نائبه جو بيدن ووزيري الخارجية والدفاع جون كيري وتشاك هيغل، ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس، والسفيرة في الامم المتحدة سامانتا باور، ورئيس اركان الجيش مارتن ديمبسي، ومديرا «الاستخبارات القومية» و«وكالة الاستخبارات المركزية» جايمس كلابر وجون برينان. 
الاجتماع دام اكثر من ثلاث ساعات، واستعرض فيه الفريق الأميركي الدلائل الاستخباراتية المتوفرة لديهم حول الهجوم الكيماوي. ويعمل الأميركيون على اجراء تحاليل على الناجين وعلى عينات من اجساد القتلى والتراب، بالتشارك والتشاور مع اجهزة استخباراتية حليفة. وبعد استعراض الادلة وترجيح ان قوات الأسد هي التي قامت بالهجوم، عرض ديمبسي الخيارات الممكنة للرد على هذا الهجوم، وتراوحت الخيارات بين «ضربة موضعية» واجتياح بري لتأمين المواقع الكيماوية. على أن النقطة المفصلية في تفكير الفريق الأميركي لم تتمحور حول قدرات أميركا في القضاء على قوات الأسد، وانما حول «اليوم التالي» لاحتمالية سقوط النظام، وهو الشبح الذي مازال يطارد أميركا منذ حرب العراق. وعزز ديمبسي والحاضرون المخاوف بالقول انه، في الوقت الحالي، ليس لدى الولايات المتحدة «حصانا رابحا» بين الفصائل السورية المتنازعة من الطرفين، ما يعني انه ليس في مصلحة أميركا ان تشراك في حسم النزاع في أي اتجاه.
في الوقت نفسه، تعتقد الادارة الأميركية ان استخدام الاسلحة الكيماوية هو امر ينافس في خطورته خطورة انهيار نظام الأسد وانتشار الفوضى كاملة في سورية، او تسلم قوى اسلامية متطرفة الحكم، فالحرب الاهلية مشكلة، ولكنها لا تهدد دولا خارج المحيط السوري، اما الصواريخ الكيماوية فهي تشكل خطرا على السلم العالمي عموما، وعلى أمن حلفاء أميركا خصوصا.
كذلك، صار من شبه المؤكد أن الرئيس الأميركي يعتقد ان الأسد يمتحن الارادة الدولية، وان مصداقية واشنطن صارت على المحك، لذا، لابد من توجيه ضربة تكون بمثابة عقاب رادع للأسد، ولكنها لا تؤدي بالضرورة الى انهياره. كذلك، يقول المطلعون على مشاورات الفريق الأميركي ان واشنطن تعتقد ان بامكانها تحجيم قوة الأسد بشكل يحد من مقدرته على ايقاع هذه الكمية من الخسائر في صفوف معارضيه والمدنيين، ولكن يبقى لديه المقدرة على البقاء حتى ظهور طرف سوري يثبت جدارة على تسلم الحكم من وجهة النظر الغربية.
كل هذه العوامل تدفع أوباما الى اختيار ما يتعارف عليه عسكريا بـ «الضربة الاولى»، كما في حربي العراق وحرب ليبيا، وهذه عبارة عن ضربة بالصواريخ الموجهة، غالبا من سفن، تقضي على مقدرة النظام السوري الجوية وتضعف من امكانيات قواته. وغالبا ما تلجأ أميركا الى «ضربة ثانية» تشنها مقاتلاتها وتسعى خلالها الى تدمير كل الاهداف الممكنة للنظام الذي تُغِير عليه، ليصار بعدها الى شن عملية برية في حال كانت هذه مطلوبة.
أما من الاصطفاف الحالي للأسطول السادس في البحر الابيض المتوسط، والذي يتضمن اربع سفن منها مدمرتي «يو اس اس ماهان» و«يو اس اس ستاوت»، وهي نفس التشكيلة التي شنت «الضربة الاولى» صاروخيا في ليبيا، فيبدو ان أميركا تسعى الى حصر ضربتها بضربة صاروخية فقط، ما لم تنضم الى هذه السفن واحدة من حاملتي طائرات «هاري ترومان»، الموجودة في البحر الاحمر، و«نيميتز» المتمركزة في بحر العرب. ويقول الخبراء العسكريون انه يمكن لأميركا استخدام مقاتلاتها المتمركزة في تركيا او الاردن، ولكنهم لا يرجحون هذه الفرضية.
وعلى اثر اجتماع اول من امس، طار ديمبسي الى عمان للمشاركة في «اجتماع الدول العشرة»، المنبثق عن «لقاء اصدقاء سورية». وهذه الدول هي أميركا والاردن وتركيا والسعودية وقطر وفرنسا وبريطانيا والمانيا وكندا وايطاليا. ويستمر لقاء قادة جيش هذه الدول حتى يوم غد، ويتمحور حول امكانية توجيه ضربة عسكرية الى قوات الأسد.
وحتى الآن، لم تبادر الادارة الأميركية الى الاتصال بقيادات الكونغرس، الذي تستمر عطلته الصيفية حتى نهاية الشهر، لاطلاعهم على تفاصيل العمل العسكري الممكن في سورية، لكن الاغلب ان اعضاء الادارة سيفعلون ذلك حالما يتخذ أوباما قراره النهائي، حتى لو اقتضى قطع العطلة الصيفية لهؤلاء. وفي حال اقتصرت الضربة على هجوم صاروخي، لا يحتاج الامر الى «اعلان حرب» او موافقة الكونغرس، ولكن الرئيس يقوم بالاعلام عن طريق توجيه رسالة خطية الى رئيس الكونغرس.
من ناحيته (ا ف ب، يو بي آي، رويترز)، اعلن وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، أمس، ان الجيش الأميركي مستعد للقيام بتحرك ضد النظام السوري في حال تلقى الامر بذلك، الا انه اكد ان واشنطن لا تزال تقيم الادعاءات في شأن حصول هجمات بالاسلحة الكيماوية. وقال هيغل للصحافيين في العاصمة الماليزية كوالالمبور المحطة الاولى من جولة يقوم بها في جنوب شرقي آسيا ان «الرئيس (باراك) أوباما طلب من وزارة الدفاع اعداد خيارات لكل الحالات. وهذا ما فعلناه».
وأول من أمس كذلك، أعرب الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون، عن قلقهما إزاء وجود «إشارات متزايدة» على شن النظام السوري هجوماً كيماوياً على المدنيين، مجددين التأكيد على أن استخدام السلاح الكيماوي يستحق «رداً جدياً» من جانب المجتمع الدولي.

السبت، 24 أغسطس، 2013

اليسار الليبرالي الأميركي.. أسباب ابتعاده عن سوريا

حسين عبدالحسين

يروى أنه على أثر الانقلاب الذي قام به عبد الكريم قاسم وأطاح بالملكية الهاشمية في عام 1958، استقدم الجنرال العراقي عددا من الخبراء السوفيات لدراسة وتنفيذ بعض المشاريع. وعملا بتقاليد الضيافة العربية، قام أحد الخبراء العراقيين بدعوة نظيره السوفياتي لمأدبة عشاء في منزله. بعد العشاء، التفت الخبير السوفياتي حوله وسأل مضيفه: «من يملك هذا البيت؟»، فأجاب المضيف: «أنا». وسأل الضيف: «ولمن السيارة؟»، فأجاب الضيف: «لي». وسأل: «ماذا عن الثلاجة؟»، فأجاب المضيف العراقي: «لي كذلك». هنا استوى الخبير السوفياتي في مقعده وسأل: «إذن لماذا قمتم بثورة؟».

م يكن «اليسار العالمي» يوما شيوعيا خالصا، كما تصوره البعض، ولم تكن الشيوعية من طراز واحد أصلا، إذ هي لطالما انقسمت بين تروتسكيين وماويين وغيرهم. ثم كان هناك الاشتراكيون، و«اليسار الديمقراطي»، و«الخضر»، و«الفوضويون»، وهؤلاء يتشاركون مع «التحرريين» في أقصى اليمين في عدائهم للحكومات. كذلك عند اليمين، هناك يمين محافظ، ويمين وسط، ويمين ليبرالي، وما إلى هنالك من تسميات تتراوح على سلم عقائدي ينقسم إلى يمين ويسار.

على أن المفهوم القائم هو أن اليمين محافظ عموما، يتمسك بالتقاليد السائدة، بينما اليسار تقدمي غير تقليدي، يناطح «الاستابلشمنت» ويحاول غالبا استبدالها، وهذه صورة موروثة من الأيام الأولى للثورات البريطانية، حيث جلس مؤيدو الملك إلى يمينه، ومعارضوه إلى يساره. أما الملك نفسه، أي الوسط، فهو يختلف في وسطيته بين دولة ودولة، وبين تجربة وتجربة، وبين حكم وحكم، فالوسط في الولايات المتحدة وبريطانيا هو بحكم اليمين بالنسبة للوسط في ألمانيا وفرنسا.

وبعد انهيار «المعسكر الشيوعي» مع انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1990، توزع الشيوعيون السابقون على المذاهب اليسارية المختلفة، التي وجدت نفسها تميل إلى الأفكار اليمينية الاقتصادية الرائجة في حينه، فحزب العمال البريطاني بزعامة توني بلير، كأحزاب يسارية كثيرة حول العالم، أكمل في رئاسة الحكومة البريطانية ما كانت بدأته سلفه مارغريت ثاتشر اليمينية من حزب المحافظين، وكذلك بيل كلينتون من الحزب الديمقراطي اليساري أميركيا، تبنى البرنامج الاقتصادي لسلفيه الجمهوريين اليمينيين رونالد ريغان وجورج بوش الأب.

هكذا، تابع كل من بلير وكلينتون في برامج «ترشيق الحكومة» عبر تقليص الإنفاق وبرامج الرعاية الاجتماعية، وتحفيز القطاع الخاص، وخصخصة مرافق الدولة، وإلغاء التشريعات، وكل هذه سياسات لا تروق لأهل اليسار، الذين يحبذون أن تلعب الحكومة دور الراعي الاجتماعي، وأن تعمل على توزيع الدخل، وضمان العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق الطبقية.
الليبرالية مذهب يميني

في تسعينات القرن الماضي، تخلى كلينتون وبلير وحكومات يسارية حول العالم عن دور الحكومة في الرعاية الاقتصادية والاجتماعية، وتبنوا الأفكار اليمينية الاقتصادية في التراجع لمصلحة القطاع الخاص. لكن ما لم تتبنَّه الحكومات اليسارية هو الأفكار الدينية والاجتماعية اليمينية، فاليمين بطبعه محافظ، أما «اليسار الليبرالي» الناشئ في حينه، أو كما أطلق على نفسه في مطلع الأمر في الولايات المتحدة اسم «ديمقراطيو ريغان»، فحافظ على مواقفه لناحية الإصرار على فصل الدين عن الدولة، وتأييد حرية المرأة حتى لو تعارض ذلك مع الأعراف الاجتماعية، ومحاربة القوانين التي تحظر بعض الممارسات كمثلية الجنس.

والليبرالية أصلا هي مذهب يميني، يعتقد أن أول واضعيها هو الفيلسوف والاقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميسيس، وهي تعتمد بشكل أساسي على مبدأ «الحرية الفردية» (Liberty)، وهذه الحرية هي في صراع دائم مع التنظيم الاجتماعي الذي تنشأ عنه الدولة، لذا نرى أن مناصري هذا النوع من الحرية يدعون إلى إلغاء الحكومات وتشريعاتها، والاعتماد على القطاع الخاص فقط.

ولأن هؤلاء الليبراليين يعارضون دور الدولة في المجتمع، فهم يعارضون القوانين الاجتماعية، ما يعني أنهم يتفقون مع أهل اليسار في منح الحرية للمرأة والمثليين وغيرهم، وهو ما يجعل من هؤلاء يمينيين اقتصاديا يساريين اجتماعيا في الوقت نفسه. أما أهل «اليسار الليبرالي»، فهم يتمسكون بدور الدولة الاجتماعي على الرغم من دعوتهم إلى ترشيقها اقتصاديا، وهذا ما جعلهم في اختلاف عن «اليمين الليبرالي».
في المحصلة، اكتسب أهل اليسار تسمية «اليساريين الليبراليين» بينما تحول اسم الليبراليين اليمينيين من مؤيدي ميسيس، وتلميذه الاقتصادي النمساوي المشهور فريدريك فون هايك، إلى «تحرريين»، وصارت كتابات ميسيس وفون هايك، المعروفة أيضا بالمدرسة الاقتصادية النمساوية، تكتسب تسمية «الليبرالية الكلاسيكية»، لتمييزها عن «نيوليبرالية» ثاتشر وريغان الاقتصادية التي تبناها يساريون.

يسار الوسط
مع نهاية عهد كلينتون تلاشت تسمية «ديمقراطيو ريغان»، واحتفظ الديمقراطيون بثلاثة ألقاب، يستخدمونها منفردة أو متصلة، هي: الديمقراطيون، واليساريون، والليبراليون. أما المناوئون فيطلقون على أنفسهم تسميات هي: جمهوريون، ويمينيون، ومحافظون.
والديمقراطيون مذاهب متعددة، تتراوح بين الاشتراكيين وممثلهم عضو مجلس الشيوخ بيرني ساندرز، الذي لا ينتمي إلى أي من الحزبين، ولكنه يصوت غالبا إلى جانب الكتلة الديمقراطية، و«الليبراليين المعتدلين» أو «يسار الوسط»، وهم الغالبية في الحزب الديمقراطي.

أما الرئيس باراك أوباما فيعتقد كثيرون أنه ينتمي إلى «اليسار الليبرالي»، أي أنه أقرب إلى اليسار من الوسط، والدليل أن مشروعه الرئاسي المدلل كان قانون الرعاية الصحية، الذي وسع تغطية الضمان الصحي لتشمل كل مواطن أميركي، وهو ما دفع معارضيه الجمهوريين إلى أن يطلقوا عليه لقب «الرئيس الاشتراكي».

أوباما، و«اليسار الليبرالي» الأميركي عموما، يتمسكون بفكرة أن الحكومة «هي قوة من أجل الخير»، تعمل على تقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتأمين التعليم والطبابة وفرص العمل للفقراء، وتتكفل بحاجات المتقاعدين، وتحمي المستهلكين من ممارسات الشركات الكبرى كالبنوك، وتسعى للحفاظ على البيئة، وذلك يتم عبر إقرار التشريعات وفرض رقابة على عمل الشركات والمصانع، وفرض ضرائب على الميسورين.

هذه الرؤية تتناقض مع الجمهوريين المحافظين الذين يطالبون بحكومة ذات دور أصغر بكثير، لا تتدخل بعمل القطاع الخاص، ولا تمارس رقابة، وتلغي التشريعات، وتخفض الضرائب من أجل تحفيز الشركات والمصانع، ولا تلعب أي دور «لاختيار فائزين وخاسرين» في السوق، على حد تعبيرهم، ولا تتكفل بأي رعاية اجتماعية أو صحية أو تعليمية لأن ذلك، حسب رأي اليمين، «يشجع على البلادة والكسل»، بينما عدم تقديم رعاية حكومية يحفز الأشخاص على العمل.
واللافت في الأمر أن مواقف الطرفين، «اليسار الليبرالي» و«اليمين المحافظ»، تنقلب تماما عند الحديث عن السياسة الخارجية.

بالنسبة إلى «اليسار الليبرالي»، المطالب بعدالة ترعاها الحكومة على الأقل لأسباب إنسانية، تنتهي العدالة عند حدود الولايات المتحدة الأميركية، إذ يصر اليساريون على ما يشبه «عزلة» أميركا وعدم تدخلها في شؤون العالم، حتى لو كان ذلك من أجل وقف مجازر أو لأمور إنسانية. والغريب في الأمر أن موقف اليساريين لا يتناسب أبدا وفلسفتهم حول «التكافل الإنساني» وضرورة مساعدة المحتاجين، فأميركا دولة صاحبة إمكانات واسعة، وبإمكانها مد يد العون لدول كثيرة، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وفلسفة كهذه تتفق مع رؤية «اليسار الليبرالي» في الداخل، ولكنها لسبب ما لا تشمل نظرتهم إلى الخارج ودور أميركا.

ويتمسك «اليساريون الليبراليون» بمبدأ «النسبية الثقافية»، أي أنهم يعتقدون أن لكل شعب الحق، ليس في تقرير مصيره فحسب، بل حق اختيار نظم وقوانين حتى وإن كانت هذه لا تتناسب مع مواثيق دولية مثل شرعة حقوق الإنسان. ومن شاهد فيلم «آفاتار» قد يلاحظ أن انحياز هوليوود، التي يسيطر عليها اليسار الأميركي، كان ضد المجموعة المتفوقة تكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا وإلى جانب الشعب البدائي الذي يسكن الشجر ويركب الطيور ويعيش في تنظيم قبلي ما قبل حداثي.

القضية السورية
هكذا، تصبح كل شؤون العالم «نسبية» عند «اليسار الليبرالي»، أي أنه لا يوجد «صح أو خطأ»، ولا شأن للعالم أو أميركا في التدخل بها، فإن أراد بعض شعوب جنوب شرقي آسيا تزويج أولادهم وهم تحت السن القانونية المتعارف عليها دوليا فلا بأس في ذلك، إذ على العالم احترام هذه التقاليد. وإن انخرط شعب ما في زواج القربى، وهو محظور عالميا كذلك، فلا بأس عند معظم «اليساريين الليبراليين» الأميركيين. و«النسبية الثقافية» هذه تنطبق على الشؤون السياسية، فإن أراد شعب ما العيش في ظل ديكتاتورية عسكرية، فهذا شأنهم.

هذا النوع من الابتعاد عن شؤون العالم هو الذي يحدد سياسة «اليسار الليبرالي» عموما، وباراك أوباما خصوصا، نحو الأزمة في سوريا، فالثورة هناك هي «صراع قبلي» أو «حرب أهلية» بين أطراف «يكره معظمها الولايات المتحدة»، حسب اعتقاد هؤلاء، ولا مصلحة للأميركيين في تكبد عناء ولا تكلفة التدخل في صراع كهذا.
طبعا هذا الموقف هو من الناحية النظرية، أما في الواقع فيبدو أن ابتعاد أوباما عن سوريا سببه، حسب مؤيديه قبل معارضيه، اضطراب سياسته الخارجية عموما.

وفي كل مرة تعثرت إدارة أوباما في السياسة الخارجية، كان إغناتيوس المعروف بعلاقاته مع إدارة أوباما وداخل وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، من أول المدافعين والمبررين لأوباما.
لكن إغناتيوس كتب مقالة مؤخرا حملت عنوان «سياسة أوباما المحيرة في الشرق الأوسط»، حمل فيها بشدة على الرئيس الأميركي لقطعه وعودا بتسليح المعارضة السورية، بينما يقول المعارضون إنهم لم يتسلموا أي أسلحة حتى الآن.

وكتب إغناتيوس: «هذه غلطة. الرؤساء لا يقطعون وعودا بالمساعدة العسكرية ثم يتفرجون على حلفائهم وهم يتم سحقهم». ووصف المعلق الأميركي سياسة أوباما الساعية إلى حل سياسي ودعم المعتدلين في وجه المتطرفين، سنّة أو شيعة، بالصحيحة، مضيفا: «إذن دع ذلك يحدث… فعلى العاملين في البيت الأبيض أن يسألوا أنفسهم أثناء اجتماع الوكالات، كل صباح:: ما الذي يمكنهم فعله لتنفيذ وعد الرئيس بمساعدة (سليم) إدريس والمعتدلين؟».
وإغناتيوس ليس وحده من مؤيدي أوباما المحبطين من سياسة الرئيس الخارجية، فالدبلوماسي المخضرم السابق فرد هوف كان من أول المدافعين عن سياسة أوباما حول سوريا، مقللا في الغالب من شأن التدخل العسكري، ومحذرا من التسليح من دون تحديد المعتدلين من بين الفئات المعارضة.

لكن هوف، الذي يعمل اليوم خبيرا في «مركز رفيق الحريري» التابع لمركز أبحاث «مجلس الأطلسي»، كتب مقالة جاء فيها أنه يبدو أن «الاضطراب» هو ميزة سياسة أوباما نحو سوريا. وقال هوف: «بعض المسؤولين يقترحون عقد مؤتمر جينيف كغاية بذاتها، على الرغم من كون الفكرة أنسب كي تكون جزء من استراتيجية أكبر».

وأضاف: «البعض الآخر يعطون أهمية لأمن الأسلحة الكيماوية وتحييد دور عناصر (تنظيم) القاعدة، وهي حجج يستخدمها بشار الأسد لاستعراض الفوائد المزعومة لانتصاره، متجاهلين طبعا التعاون الطويل الأمد بين الاستخبارات السورية و(القاعدة) في العراق». وختم هوف: «قبل استشارة الكونغرس والحلفاء (حول سوريا)، الأجدى بالإدارة أن تقرر داخليا في ما بينها ما الذي تريد تحقيقه في سوريا، وكيف تنوي تحقيقه».

يضاف إلى اضطراب السياسة الخارجية لباراك أوباما عموما، موقف «التحرريين»، وهؤلاء محسوبون على الحزب الجمهوري، الذي تستهويه عادة مغامرات الخارج وتدخل أميركا عسكريا حول العالم. لكن «التحرريين» يعتقدون أن تقليص حجم ودور الحكومة الأميركية يجب أن يشمل القوة العسكرية والسياسة الخارجية.

ويعكف «التحرريون» منذ ورود أنباء عن إمكانية قيام إدارة أوباما بتسليح ثوار سوريا على استعادة تجربة أفغانستان في الثمانينات، ويتهمون، غالبا من دون أي دلائل، الثوار السوريين بالانتماء إلى تنظيمات متطرفة، مثل تنظيم القاعدة.

دعم جون ماكين للثوار
لكن حتى الحزب الجمهوري نفسه لا يبدو في عجلة من أمره للتدخل في سوريا. ولو وضعنا جانبا موقف السناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين في دعمه لثوار سوريا، لرأينا أن الجمهوريين مترددون مثل «اليسار الليبرالي» و«التحرريين»، فالحزب الجمهوري يحب عادة مصادقة الديكتاتوريات العسكرية التي يمكن أن تخدم المصالح الأميركية. أما أبرز دليل على ذلك فظهر عندما قام عضو الكونغرس عن الحزب الديمقراطي اليوت انغل بتقديم مشروع قانون في الكونغرس يدعو إدارة أوباما إلى مساندة ثوار سوريا.

انغل وجد نفسه في موقع محرج عندما مر أكثر من أسبوع من دون أن يتقدم أي من زملائه الجمهوريين لدعم المشروع، على الرغم من الاعتقاد السائد أن الجمهوريين هم من يرغبون في تدخل أميركا في سوريا. وبعد مرور أسبوع، وتفاديا للمزيد من الحرج لانغل، أضاف عضو الكونغرس ورئيس لجنة الاستخبارات مايك روجرز اسمه كعراب ثانٍ للقرار، الذي غرق في اللجان من دون أي أفق بسبب غياب الدعم السياسي له.

وكما في مجلس النواب، كذلك في مجلس الشيوخ، قدم زعيم «التحرريين» السناتور راند بول نص قانون بالاشتراك مع زميل جمهوري وزميلين ديمقراطيين، على أثر تلميح إدارة أوباما إلى نيتها تزويد الثوار السوريين بالسلاح. وطالب مشروع القانون إدارة أوباما بالبقاء بعيدة عن الأزمة السورية تفاديا للغرق «في حرب شرق أوسطية جديدة».

هكذا يعارض «اليسار الليبرالي» التدخل الأميركي في سوريا لأسباب يعتقدها مبدئية، ويعارض «اليمين المحافظ» التدخل الأميركي في سوريا لأنه لا يؤمن بوجود أسباب تتعلق بالمصالح القومية الأميركية توجب التدخل، وينضم إلى الكتلتين الكبريين، «التحرريين» الذين يعارضون دور أميركا حول العالم ككل.

كل هذه المعارضة مقرونة باستطلاعات رأي تظهر معارضة شعبية لأي تدخل أميركي في سوريا، وشخصية أوباما المترددة وسياسته الخارجية المبعثرة، أدت حتى الآن إلى بقاء أميركا بعيدة عن الوضع السوري، إلا من باب الدبلوماسية وتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين.

وقد يلحظ التاريخ أن كل تدخل أميركي خارجي، إن كان لإخراج صدام حسين من الكويت أو لإنهاء المجازر في كوسوفو، يبدأ بالضرورة عند الرئيس الأميركي، الذي «يأخذ القضية إلى الرأي العام» ويعمل على حشد التأييد لها، ومن ثم على كسب تأييد الكونغرس.

حتى عندما كانت أميركا على أهبة الاستعداد للذهاب إلى الحرب على أثر اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول)، حتى لو كانت حربا ضد مجهول، لم يكن هناك بد من وقوف الرئيس جورج بوش الابن أمام شعبه لحثه على تأييد الحرب. وحتى في ذلك الحين لم يقدر بوش على أخذ أميركا إلى حرب في العراق على ظهر 11 سبتمبر وحرب أفغانستان، بل اضطرت إدارته إلى تقديم رواية حول امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، ثبت عدم صحتها.

اليوم، أوباما مضطرب وسياسته الخارجية محيرة، ولا يبدو أنه مستعد لإنفاق أي رصيد سياسي من أجل إنقاذ السوريين من المجازر التي تلحق بهم. في نفس الوقت، يقود «اليسار الليبرالي» حملة ضد التدخل الأميركي في سوريا، ويعكف على التحذير من الغوص في حرب كالعراق أو تسليح فصائل قد يتبين أنها متطرفة. وينضم إلى اليسار الأميركي «التحرريون» الذين يشاركون في الدعاية ضد التدخل في سوريا، بينما يقف «اليمين المحافظ» متفرجا وموافقا، حتى لو لم يشارك في الحملة ضد مجهود عسكري لا يبدو أن أوباما ينوي أصلا القيام به.

الأسطول الأميركي السادس يعزز تواجده في «المتوسط» استعداداً لضربة محتملة ضد أهداف سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أمر قائد الاسطول الاميركي السادس الادميرال فرانك باندولف المدمرة «يو اس اس ماهان» بالانضمام الى المدمرة الاخرى «يو اس اس ستاوت»، وفرقاطتين دفاعيتين، في البحر الابيض المتوسط، فيما يبدو انه جزء من الاستعدادات لاحتمال شن هجوم ضد اهداف تابعة لقوات الرئيس بشار الاسد في سورية. 
والاسطول السادس مقره مدينة نابولي الايطالية، وهو يتبع لقيادة أوروبا العسكرية، بدلا من «القيادة الوسطى» المعنية بشؤون الشرق الاوسط.
وعلمت «الراي» ان القيادة العسكرية قد تأمر حاملة الطائرات «يو اس اس نيميتز»، والموجودة حاليا شمال بحر العرب، بالتوجه الى البحر الابيض المتوسط حتى تنضم للاسطول السادس في غضون اسبوع.
وتأتي التحركات العسكرية الاميركية في وقت عقد الرئيس باراك أوباما اجتماعا مع رئيس اركان الجيش الجنرال مارتن ديمبسي في البيت الابيض، امس، عمدت الادارة على احاطته بالكتمان والسرية. الا ان مسؤولي الادارة قالوا ان «ديمبسي قدم الى القائد العام (اي أوباما) لائحة بالاحتمالات الممكنة لتنفيذ هجوم، وتكاليفها، وتأثيرها على مجرى المواجهة الدائرة في سورية».
واعلن مسؤول في البيت الابيض ان اوباما «التقى كبار مستشاري الامن القومي في وقت مبكر امس، ولدينا خيارات عدة مطروحة وسنتحرك بسرعة تامة لكي نتخذ قرارات تتوافق مع مصالحنا القومية وكذلك تقييم ما يمكن ان يحقق اهدافنا في سوريا».
ويعتقد الخبراء ان أوباما أقرب الى توجيه ضربة واحدة تنهي مقدرة قوات الأسد على توجيه اي ضربات كيماوية ضد الثوار او المدنيين، وان هكذا ضربة لا تحتاج لغارات جوية بل يمكن انجازها عن طريق استخدام الصواريخ الموجهة فقط.
والسفن الاربع المتواجدة حاليا في عرض البحر المتوسط يمكنها تسديد ما مجموعه 150 صاروخ «توما هوك» الموجه عن بعد. ويحمل الصاروخ رأسا متفجرا يبلغ وزنه نصف طن، وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد 650 الف دولار.
اما اذا اختار أوباما تعطيل المطارات الستة التي يستخدمها الاسد لاستقبال طائرات التموين والتسليح الروسية والايرانية، وهي واحدة من الاحتمالات التي تتردد في اروقة القرار الاميركية، فهو سيحتاج الى اكثر من «الضربة الاولى»، اي انه سيحتاج الى اكثر من صواريخ «توما هوك»، وسيتطلب الأمر مشاركة مقاتلات «اف 15» و«اف 18» القاذفة، وهذه متوفرة في قاعدة انجرليك التركية وعلى متن حاملة الطائرات «يو اس اس نيميتز».
ويعتقد الخبراء ايضا انه اذا تحركت حاملة الطائرات المذكورة نحو المتوسط، فذلك سيكون مؤشرا على نية مشاركة المقاتلات في اي ضربة محتملة ضد اهداف الأسد، وستستمر الضربة في هذه الحالة على مدى يومين او أكثر.
وفي وقت سابق، ذكرت شبكة «سي بي إس» الأميركية أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بصدد عمل الاستعدادات الأولية لشن هجوم صاروخي على القوات الحكومية السورية.
كما أعلنت شبكة «سي إن إن» الأميركية، إن الجيش الأميركي يُحدِّث خياراته لسيناريوات تدخّل بالقوة في سورية، بغية منح أوباما خيارات عدة إذا قرّر تعزيز أي تحرّك أميركي، لاسيّما في ظل وجود مزاعم جديدة في شأن احتمال استخدام الحكومة السورية أسلحة كيماوية.
واعلن وزير الدفاع الاميركي تشاك هيغل ان «البنتاغون» يقوم بعملية تحريك للقوات كي تكون جاهزة في حال قرر اوباما تنفيذ عمل عسكري ضد سورية.
وقال للصحافيين المرافقين له على متن الطائرة في طريقه الى ماليزيا انه وفي خضم الدعوات لتدخل عسكري ضد النظام السوري بعد الاتهامات التي وجهت له باستخدام السلاح الكيماوي فان القادة العسكريين الاميركيين حضروا للرئيس مجموعة من «الخيارات» اذا ما قرر شن هجوم على نظام بشار الاسد.ولكن الوزير رفض اعطاء اي تفاصيل عن عديد القوات التي تم تحريكها او عتادها.
واوضح ان «وزارة الدفاع لديها مسؤولية تزويد الرئيس بالخيارات لكل الاحتمالات».

الجمعة، 23 أغسطس، 2013

أميركا تستعد لتوجيه «ضربة عقابية» للأسد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بعدما اشترت قناة «كيرينت» من نائب الرئيس السابق آل غور بمبلغ قارب النصف مليار دولار، وافتتحت 12 مكتبا لها في عموم الولايات المتحدة، ووظفت اكثر من 900 اعلامي اميركي، بدأت «الجزيرة اميركا» بثها الثلاثاء الماضي عبر شركات الكايبل، لتصل الى ما يقارب 50 مليون منزل، وهو نصف عدد مشاهدي القنوات الاخبارية في الولايات المتحدة.
ردود الفعل الاميركية تنوعت بين معارضين لبث القناة، خصوصا بين أهل اليمين، ومؤيدين لها، ومعظمهم من اليساريين والليبراليين.
معارضو «الجزيرة اميركا»، والتي للمفارقة تقدم نفسها اختصارا باستخدام كلمة «عجم»، اعتبروا ان هناك مشكلة في ان تكون حكومة اجنبية، في هذه الحالة القطرية، بتمويل محطة تلفزيونية في بلد آخر.
وشكك هؤلاء بنوايا قطر تجاه الولايات المتحدة، واعتبروها «عدوانية»، رغم اعلان حكومة قطر ان «الجزيرة اميركا»، ومقرها نيويورك، هي قناة مستقلة اعلاميا ولا تخضع لآراء الدوحة.
وبعد يوم على بدء بثها، كتب استاذ الاعلام في جامعة تمبل، كريستوفر هاربر، تقويما في «ناشونال ريفيو»، اعتبر فيه ان معظم التقارير التي بثتها المحطة تناولت اخبارا سلبية عن الولايات المتحدة. واشار الى تقرير حول انتشار المخدرات والجريمة في ضواحي شيكاغو، وقال ان هذا النوع من التغطية الاعلامية «يعود الى حقبة الاتحاد السوفياتي، الذي كانت تسعى وسائل اعلامه دائما الى بث اخبار حول الجريمة في اميركا، والى اظهار فوارق عرقية بين البيض والسود».
وانتقاد هاربر لتغطية «الجزيرة اميركا» لمواضيع تتعلق بالجريمة يأتي في وقت تشير كل البيانات الى انخفاض غير مسبوق في معدلات الجريمة في عموم الولايات المتحدة، ما يلقي بظلال الشك حول اختيار القناة لموضوع اخباري لم يعد ذات اهمية كبيرة في البلاد.
المؤيدون لـ «الجزيرة اميركا»، من امثال المعلق في صحيفة «بالتيمور صن» دايفيد زارويك، اعتبر ان هذه القناة ستكون متحررة من قيود الشركات الكبرى التي تتمتع بنفوذ كبير لدى الاعلام الاميركي بسبب اعلاناتها. ولفت الى ان «احد تقارير القناة كان عبارة عن تحقيق حول مصانع الثياب في الدول الآسيوية، والتي توظف اطفالا وتجبرهم على العمل في ظروف قاسية».
وعلى اثر اتصالات قام بها مراسلون «الجزيرة اميركا»، نفت الشركات علاقاتها بهذا المعامل، الا ان القناة رصدت ارقام التسلسل للثياب، واستنتجت ان زبائن هذه المعامل هي شركات اميركية. وكتب زارويك: «الجزيرة اميركا سمت اولد نايفي وغاب... ولاحقت الارقام التسلسلية التي وجدتها في المعامل، ووجدت مثلها في محلات مانهاتن (في نيويورك)».
وختم زارويك: «اذا كان هذا النوع من التغطية الاخبارية هو عداء لأميركا، فنحن نحتاج للمزيد منه».
في هذه الاثناء، تساءل الخبير الاعلامي نيكي اوشر ان كان بمقدور «الجزيرة اميركا» الصمود في «حرب الفضائيات الاميركية»، فالسوق الاعلامية في الولايات المتحدة مليئة بفضائيات اخبارية تبث على مدار الساعة، و»الجزيرة اميركا» ورثت مشاهدي قناة «كيرينت»، الذين لم يتجاوز عددهم الـ 45 الفا. وفور اعلان الجزيرة عقد شراء «كيرينت»، تخلت شركة «تايم وارنر» عن القناة، ما يعني خسارتها 10 الى 12 مليون مشترك.
اما التحدي الثاني، حسب اوشر، فيكمن في النظرة السلبية المسبقة للاميركيين تجاه «قناة الجزيرة» الام الناطقة بالعربية، وقد قدم مدير عام «الجزيرة اميركا» ايهاب الشهابي استفتاء اظهر ان 75 في المئة من الاميركيين لديهم نظرة سلبية نحو محطته حتى قبل ان تبدأ بثها.
ويتابع اوشر، في مقالته في «ذي اتلانتيك»، ان تجربة «الجزيرة انكليزي» لا تنبئ بالخير، اذ انفقت الدوحة ما يقارب المليار دولار من اجل بناء القناة، وخصصت لها موازنة سنوية بلغت 100 مليون دولار، ومع ذلك، فانها لم ترق الى مستوى طموح اصحابها، ما جعل هؤلاء يعملون على تخفيض الامكانات المخصصة لها، فانخفض عدد العاملين فيها وتم تقليص موازنات العمل مثل مخصصات السفر. وختم الخبير الاميركي بالقول ان «فوكس هي للمحافظين، وام اس ان بي سي لليبراليين، فيما تحولت سي ان ان الى صحافة تابلويد»، ما يعني ان «الجزيرة اميركا ستسعى الى الاميركيين الذين يبحثون عن تغطية اخبارية جدية، ولكن هذه التغطية الاخبارية متوافرة اصلا عن طريق بي بي سي اميركا ومحطة بي بي اس» شبه الرسمية.
ما هو مقياس النجاح لـ «الجزيرة اميركا»؟ يجمع الخبراء ان تحديده صعب، اذ ان المحطة لا تنافس على حصة من الاعلانات في السوق، ما يعني ان اصحابها سينظرون الى ارقام المشاهدين ويقررون ان كانت ستستمر ام لا لأسباب مختلفة عن بقية القنوات، وهو «ما يجعلنا نتساءل ان كان هذا الترتيب سيجعل من عجم محطة تجب مشاهدتها او عدم مشاهدتها ابدا»، يختم اوشر.

هل بمقدور «الجزيرة أميركا» الصمود في «حرب الفضائيات الأميركية»؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بعدما اشترت قناة «كيرينت» من نائب الرئيس السابق آل غور بمبلغ قارب النصف مليار دولار، وافتتحت 12 مكتبا لها في عموم الولايات المتحدة، ووظفت اكثر من 900 اعلامي اميركي، بدأت «الجزيرة اميركا» بثها الثلاثاء الماضي عبر شركات الكايبل، لتصل الى ما يقارب 50 مليون منزل، وهو نصف عدد مشاهدي القنوات الاخبارية في الولايات المتحدة.
ردود الفعل الاميركية تنوعت بين معارضين لبث القناة، خصوصا بين أهل اليمين، ومؤيدين لها، ومعظمهم من اليساريين والليبراليين.
معارضو «الجزيرة اميركا»، والتي للمفارقة تقدم نفسها اختصارا باستخدام كلمة «عجم»، اعتبروا ان هناك مشكلة في ان تكون حكومة اجنبية، في هذه الحالة القطرية، بتمويل محطة تلفزيونية في بلد آخر.
وشكك هؤلاء بنوايا قطر تجاه الولايات المتحدة، واعتبروها «عدوانية»، رغم اعلان حكومة قطر ان «الجزيرة اميركا»، ومقرها نيويورك، هي قناة مستقلة اعلاميا ولا تخضع لآراء الدوحة.
وبعد يوم على بدء بثها، كتب استاذ الاعلام في جامعة تمبل، كريستوفر هاربر، تقويما في «ناشونال ريفيو»، اعتبر فيه ان معظم التقارير التي بثتها المحطة تناولت اخبارا سلبية عن الولايات المتحدة. واشار الى تقرير حول انتشار المخدرات والجريمة في ضواحي شيكاغو، وقال ان هذا النوع من التغطية الاعلامية «يعود الى حقبة الاتحاد السوفياتي، الذي كانت تسعى وسائل اعلامه دائما الى بث اخبار حول الجريمة في اميركا، والى اظهار فوارق عرقية بين البيض والسود».
وانتقاد هاربر لتغطية «الجزيرة اميركا» لمواضيع تتعلق بالجريمة يأتي في وقت تشير كل البيانات الى انخفاض غير مسبوق في معدلات الجريمة في عموم الولايات المتحدة، ما يلقي بظلال الشك حول اختيار القناة لموضوع اخباري لم يعد ذات اهمية كبيرة في البلاد.
المؤيدون لـ «الجزيرة اميركا»، من امثال المعلق في صحيفة «بالتيمور صن» دايفيد زارويك، اعتبر ان هذه القناة ستكون متحررة من قيود الشركات الكبرى التي تتمتع بنفوذ كبير لدى الاعلام الاميركي بسبب اعلاناتها. ولفت الى ان «احد تقارير القناة كان عبارة عن تحقيق حول مصانع الثياب في الدول الآسيوية، والتي توظف اطفالا وتجبرهم على العمل في ظروف قاسية».
وعلى اثر اتصالات قام بها مراسلون «الجزيرة اميركا»، نفت الشركات علاقاتها بهذا المعامل، الا ان القناة رصدت ارقام التسلسل للثياب، واستنتجت ان زبائن هذه المعامل هي شركات اميركية. وكتب زارويك: «الجزيرة اميركا سمت اولد نايفي وغاب... ولاحقت الارقام التسلسلية التي وجدتها في المعامل، ووجدت مثلها في محلات مانهاتن (في نيويورك)».
وختم زارويك: «اذا كان هذا النوع من التغطية الاخبارية هو عداء لأميركا، فنحن نحتاج للمزيد منه».
في هذه الاثناء، تساءل الخبير الاعلامي نيكي اوشر ان كان بمقدور «الجزيرة اميركا» الصمود في «حرب الفضائيات الاميركية»، فالسوق الاعلامية في الولايات المتحدة مليئة بفضائيات اخبارية تبث على مدار الساعة، و»الجزيرة اميركا» ورثت مشاهدي قناة «كيرينت»، الذين لم يتجاوز عددهم الـ 45 الفا. وفور اعلان الجزيرة عقد شراء «كيرينت»، تخلت شركة «تايم وارنر» عن القناة، ما يعني خسارتها 10 الى 12 مليون مشترك.
اما التحدي الثاني، حسب اوشر، فيكمن في النظرة السلبية المسبقة للاميركيين تجاه «قناة الجزيرة» الام الناطقة بالعربية، وقد قدم مدير عام «الجزيرة اميركا» ايهاب الشهابي استفتاء اظهر ان 75 في المئة من الاميركيين لديهم نظرة سلبية نحو محطته حتى قبل ان تبدأ بثها.
ويتابع اوشر، في مقالته في «ذي اتلانتيك»، ان تجربة «الجزيرة انكليزي» لا تنبئ بالخير، اذ انفقت الدوحة ما يقارب المليار دولار من اجل بناء القناة، وخصصت لها موازنة سنوية بلغت 100 مليون دولار، ومع ذلك، فانها لم ترق الى مستوى طموح اصحابها، ما جعل هؤلاء يعملون على تخفيض الامكانات المخصصة لها، فانخفض عدد العاملين فيها وتم تقليص موازنات العمل مثل مخصصات السفر. وختم الخبير الاميركي بالقول ان «فوكس هي للمحافظين، وام اس ان بي سي لليبراليين، فيما تحولت سي ان ان الى صحافة تابلويد»، ما يعني ان «الجزيرة اميركا ستسعى الى الاميركيين الذين يبحثون عن تغطية اخبارية جدية، ولكن هذه التغطية الاخبارية متوافرة اصلا عن طريق بي بي سي اميركا ومحطة بي بي اس» شبه الرسمية.
ما هو مقياس النجاح لـ «الجزيرة اميركا»؟ يجمع الخبراء ان تحديده صعب، اذ ان المحطة لا تنافس على حصة من الاعلانات في السوق، ما يعني ان اصحابها سينظرون الى ارقام المشاهدين ويقررون ان كانت ستستمر ام لا لأسباب مختلفة عن بقية القنوات، وهو «ما يجعلنا نتساءل ان كان هذا الترتيب سيجعل من عجم محطة تجب مشاهدتها او عدم مشاهدتها ابدا»، يختم اوشر.

الخميس، 22 أغسطس، 2013

الأميركيون يتهكمون على رد فعل «الإدارة» غير المبالية تجاه الهجوم الكيماوي في سورية

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

تحولت العبارة التي ادلى بها نائب الناطق باسم البيت الابيض جوش ارنست الى مصدر تندر، فهو في معرض حديثه عن «الخطوط الحمر» التي وضعها الرئيس باراك أوباما ضد استخدام بشار الاسد للأسلحة الكيماوية، وبالاجابة عن موقف بلاده من احداث مصر اثناء المؤتمر الصحافي اليومي، قال ارنست: «لم آت بقلمي الاحمر معي اليوم». 
وفي البرامج الحوارية، التلفزيونية والاذاعية، راح المعلقون الاميركيون يسخرون من خطوط أوباما الحمر، ويردّدون انه ربما في البيت الابيض قلم احمر واحد، وان الادارة اضاعته.
التهكم الاميركي على ردة فعل الادارة غير المبالية تجاه الهجوم الكيماوي، الذي راح ضحيته اكثر من الف من المدنيين السوريين في الغوطة الشرقية لدمشق، جاء في محله، فارنست افتتح اللقاء الصحافي، اول من امس، بكلمة مقتضبة حصرها بالحديث عن قانون الرعاية الصحية، الذي دخل حيز التنفيذ أخيرا، وعن نمو الوظائف في المؤسسات الصغرى، ولم يأت على ذكر سورية او مصر او اي شأن خارجي، الى ان امطره الاعلاميون بوابل من الاسئلة تمحورت حول الشأن السوري، وخصوصا حول ماهية «العواقب» التي لطالما تحدث عنها أوباما، و«الخطوط الحمر»، التي ذكرها للمرة الاولى قبل عام على هجوم الغوطة.
ورغم كثرة الاسئلة، التزم ارنست بترداد السياسة نفسها التي تنتهجها واشنطن نحو الازمة السورية: التنسيق مع الحلفاء الدوليين من اجل عزل الرئيس بشار الاسد واجباره على التنحي، الموافقة على تسليح «المجلس العسكري» للثوار حتى يقلب هؤلاء الموازين على الارض لمصلحتهم، والاستمرار في تقديم الاموال للمساعدات الانسانية للاجئين السوريين. 
لكن، فيما كان العالم يتوقع ان يؤدي استخدام الاسد لاسلحة كيماوية الى استثارة اميركا ودفعها الى التدخل عسكريا الى جانب الثوار، جاء الموقف الاميركي من امكان استخدام الاسد لهذه الاسلحة اضعف حتى من سياسة أوباما الحالية تجاه الوضع السوري والتي تقضي بعزل الاسد واجباره على التنحي، فواشنطن تتمسك بسماح الأسد لفريق من الامم المتحدة التحقيق لمعرفة كيفية استخدام الكيماوي وهوية مستخدميه.
وفي هذا السياق، قال ارنست ان الاسد قال انه يسعى الى كشف الحقيقة، مضيفا ان الوقت «حان ليبرهن (الاسد) صحة ادعائه، واذا ما كانوا يودون فعلا معرفة حقيقة ما حصل وحقيقة ان كان استخدام الاسلحة الكيماوية في سورية حصل فعلا او لم يحصل». وتابع المسؤول الاميركي ان «عليهم السماح لفريق تحقيق الامم المتحدة الموجود في سورية بالوصول الى الموقع الذي يمكن ان تكون الاسلحة الكيماوية قد استخدمت فيه، والسماح لهم بلقاء شهود عيان او ضحايا ناجين، والسماح (للفريق) بجمع العينات من دون مواربة، وضمان امن هذا الفريق خلال ادائه عمله».
في هذه الاثناء، عكف اركان ادارة أوباما على «تقييم» استخدام الاسد للأسلحة الكيماوية، حسب مصادر مطلعة، قالت لـ «الراي» ان «التفكير الاولي يتجه الى الاعتقاد بأن الاسد تصرف بعلم موسكو، التي يمكن ان يكون مقصدها ان الخطوط الحمر فعليا تقضي ببقاء الاسد، خصوصا بعد سلسلة الانتصارات على الأرض التي حققها الثوار في الآونة الاخيرة».
وقالت المصادر الاميركية ان المسؤولين الاميركيين، على المستويات كافة، تحادثوا مع نظرائهم الروس، الذين شككوا بأن تكون قوات الأسد هي التي اطلقت هذه الاسلحة الكيماوية. وتابعت المصادر ان الاميركيين ردوا بأن «اتجاه القصف الكيماوي كان في نفس اتجاه تقدم قوات الأسد نحو مناطق الثوار في الضواحي الشمالية والشرقية للعاصمة دمشق، ومن غير المرجح ان يقصف الثوار مناطق يسيطرون عليها».
الروس قالوا للأميركيين انهم يدينون استخدام الاسلحة الكيماوية، وانهم يؤيدون انزال العقوبة بمستخدميها، وان «على فريق الامم المتحدة اجراء التحقيق اللازم من اجل تبيان الوقائع». 
واضافت المصادر الاميركية ان «الروس قالوا انهم سيطلبون من الحكومة السورية تقديم كل التعاون المطلوب مع الفريق الدولي من اجل اجراء التحقيق وجلاء الملابسات». وشككت هذه المصادر بالنوايا الروسية، وقالت «تعاون الحكومة السورية يضع الفريق الدولي تحت رحمتها، ويمنعها من الوصول الى نتائج».
على صعيد متصل، علمت «الراي» ان واشنطن جددت مشاوراتها بشأن «خياراتها العسكرية في سورية». وعقد رئيس الاركان الجنرال مارتن ديمبسي لقاء مع الصحافيين في «مركز الحافة الاجنبية»، أمس. وكان ديمبسي قال، في رسالة رد على تساؤلات عضو الكونغرس الديموقراطي اليوت انغل حول الخيارات في سورية، انه بامكان الولايات المتحدة تدمير سلاح جو الأسد والقضاء على مطاراته لمنعه من تسلم التموين والاسلحة من روسيا وايران.
على ان الوضع في سورية، حسب الجنرال الاميركي، هو ان اميركا ليست امام خيار بين لاعبين، بل أنها تحاول اختيار اللاعب الذي يدافع عن مصالح سورية ومصالح اميركا اكثر من غيره، وانه بغياب هذا اللاعب حتى الآن، لا مصلحة لاميركا في ترجيح كفة طرف على آخر.
انغل، وهو عراب قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان للعام 2003، هو من ابرز مؤيدي ثوار سورية، وهو حاول تقديم قانون يحث الادارة على تقديم الدعم العسكري للثوار، ولكنه لم يحصل على الدعم اللازم من زملائه في الكونغرس. واثناء رحلة أوباما الى اسرائيل وفلسطين في مارس الماضي، رافقه انغل على متن الطائرة الرئاسية، وحاول اقناعه بوجهة نظره القاضية بالتدخل للاطاحة بالأسد.

الأربعاء، 21 أغسطس، 2013

مسؤول أميركي: واشنطن أخّرت موعد انقلاب مصر وحاولت تفاديه

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يروي مسؤول اميركي رفيع معني بالسياسة الخارجية في ادارة الرئيس باراك أوباما ان مسؤولا خليجيا اتصل به في ديسمبر من العام الماضي، طالبا عقد لقاء طارئ. ويضيف المسؤول الاميركي، في جلسة خاصة، ان نظيره الخليجي «حذّر بشدة من محاولة الاخوان المسلمين في مصر تمرير دستور يجعلهم ينفردون في الحكم حتى اشعار آخر». وتابع المسؤول الخليجي ان «الاخوان يفعلون ذلك بغطاء من واشنطن».
حتى ذلك التاريخ، كانت واشنطن تعتقد انها اظهرت ما تسميه احتراما لرغبة اكثرية المصريين بوقوفها الى جانبهم في اطاحتهم بالرئيس السابق حسني مبارك. كما عمدت الى محاولة البقاء خارج عملية التغيير المصرية، وحاولت بناء علاقة ايجابية مع حكام مصر الجدد، بمن فيهم «الاخوان المسلمين»، الذين راحت وفودهم تصل العاصمة الاميركية وتلتقي كبار المسؤولين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري.
تحسن العلاقة بين واشنطن و«الاخوان» بلغ ذروته مع اندلاع حرب غزة في خريف 2012، اذ لم تكد الهدنة بين الفلسطينيين والاسرائيليين تدخل حيز التنفيذ في 21 نوفمبر من العام الماضي، حتى نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالا حمل عنوان «الرئيس المصري وأوباما ينشآن علاقة» خلال عملية المفاوضات التي ادت الى التوصل الى اتفاق في غزة. واوردت الصحيفة الاميركية ان «بيانات اتصالات البيت الابيض تظهر ان السيد أوباما تحدث الى السيد مرسي ثلاث مرات في 24 ساعة، وست مرات في بضعة ايام، وهي كمية من الوقت غير اعتيادية لحديث (اوباما) مع اي رئيس». واضافت ان «أوباما قال لكبار مساعديه انه اعجب بالثقة والواقعية التي ابداها مرسي». 
بدوره، لم يكد مرسي يطمئن الى اقامة علاقة متينة بالرئيس الاميركي حتى اصدر في اليوم التالي لبدء الهدنة، اي في 22 نوفمبر، مرسوما وسّع بموجبه صلاحياته، وحاول اخراج القضاء المصري من عملية مراقبة كتابة الدستور.
ولاشك ان التقارب بين اوباما ومرسي، بسبب احداث غزة، اثمر دعوة البيت الابيض للرئيس المصري الى زيارة تم اقرار موعدها في 17 ديسمبر، ووصل، المسؤول في تنظيم «الاخوان» مستشار مرسي عصام الحداد، العاصمة الاميركية في الاسبوع الاول من ديسمبر للاتفاق على تفاصيل الزيارة، في الاسبوع نفسه الذي قدمت فيه «لجنة الدستور» في مصر مسودتها الى مرسي، الذي سارع الى اعلان موعد الاستفتاء في منتصف الشهر المذكور.
يقول المسؤول الاميركي: «قال لي (المسؤول الخليجي) يومها ان الاخوان يختبئون خلف علاقتهم الجيدة المستحدثة مع اميركا، وانهم ينوون المصادقة على دستور يجعل من مصر دولة اسلامية هم حكامها حتى اشعار آخر». ويتابع المسؤول: «كذلك، سمعت من ضيفي انهم على اتصال بالجيش المصري، وان الجنرال الذي اختاره حسين طنطاوي خلفا له في قيادة الجيش، وهو ضابط لم يكن بلغ الستين من العمر ويدعى عبدالفتاح السيسي، مستعد للتحرك والاطاحة بحكم مرسي».
دفعت التحذيرات الخليجية، نهاية العام الماضي، واشنطن الى اعادة تقييم موقفها من مرسي و«الاخوان»، وكانت اولى اشارات اعادة التقييم هذه الغاء زيارة مرسي المقررة لاسباب، كان اقل ما يقال فيها انها واهية، اذ علل المسؤولون الاميركيون قرارهم بانشغال البلاد باجراءات مهرجان القسم الرئاسي لولاية ثانية، والذي انعقد بعد شهر من موعد زيارة مرسي التي كانت مقررة.
وخلال النصف الاول من العام الحالي، عمدت واشنطن - خصوصا عبر سفيرتها في القاهرة آن باترسون - الى محاولة التقريب بين وجهات نظر اصدقائها المصريين الجدد، اي «الاخوان»، وعرّابيهم في المنطقة مثل تركيا وقطر، من جهة، وبين اصدقائها المصريين القدامى في الجيش المصري وحلفائهم الاقليميين في دول الخليج.
يقول المسؤول الاميركي: «كانت لدينا علاقات ممتازة مع طرفي المواجهات في مصر، اي الجيش والاخوان، كما مع حلفائهم الاقليميين الذين هم حلفاؤنا في الوقت نفسه. لذلك، اعتقدت واشنطن انها في موقع جيد للقيام بوساطة تفضي الى تسوية سياسية والى شراكة في الحكم تتضمن القوى المصرية كافة».
ويلقي المسؤول الاميركي باللائمة على «الاخوان» الذين «لم يبدوا الكثير من المرونة، وكانوا يقفزون الى التحدي في كل مرة ويهددون بالذهاب الى صناديق الاقتراع، ويصرون على التمسك بمواقفهم التي تتضمن تقويض اسس ديموقراطية اخرى مثل الحرية الفردية». واطلق «الاخوان» على رؤيتهم لشكل الحكم الجديد تسمية «ديموقراطية تراعي الخصوصية المصرية».
لم تعجب «ديموقراطية الاخوان» الجيش، وهو ما دفع بالولايات المتحدة الى «ممارسة المزيد من الضغط على الاخوان، وفي الوقت نفسه الطلب من الجيش والسيسي الالتزام بالصبر حتى التوصل الى تسوية»، حسب المسؤول، الذي يعتقد ان محاولات الضغط الاميركية على الطرفين، اي مرسي والسيسي، «ادت الى نتائج عكسية، فتوترت علاقاتنا مع الاثنين، ولم يعد اي منهم يستمع الى نصائحنا». ويضيف ممازحا: «الا ترون اليوم كيف تعبر الاطراف المصرية المختلفة عن حبها المستمر لنا؟».
هكذا، يروي المسؤول الاميركي انه بعد قرابة ستة اشهر من الوساطات التي شاركت فيها اميركا، انفلتت الامور من ايدي الساعين الى تسوية، «وكان لابد من مواجهة، مازالت مستمرة، يخوضها الطرفان، بدعم من دول اقليمية تتواجه في الموضوع المصري، مع انها متفقة ومتحالفة في اماكن اخرى مثل في سورية».
يختم المسؤول الاميركي: «واشنطن أخّرت موعد انقلاب مصر وحاولت تفاديه، واليوم نحاول السير على السور حتى لا نقع، فلدينا مصالح مع الجانبين، ما يجعل خيارنا الانحياز الى طرف دون آخر عملية صعبة ومعقدة، وما يدفعنا الى تفاديها بما أوتينا من قوة».

الثلاثاء، 20 أغسطس، 2013

الاقتصادات المتقدمة تعاود البروز ودول مجموعة «بريكس» تتعثر

حسين عبدالحسين

ارتفعت حصة اقتصادات دول «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) مجتمعة من الناتج العالمي من الثلث إلى النصف على مدى العقد الماضي من الزمن، لكن هذه الدول لم تتمكن من تأسيس منظمة، على رغم القمم التي عقدها قادتها في السنوات الأخيرة.

لكن هذا التحسن الباهر، الذي قادته الصين في شكل أساسي وأخرجت بموجبه مئات الملايين من مواطنيها من الفقر، يبدو أنه قارب نهايته، على ضوء تقارير متزايدة تشير إلى ان زمن صعود الدول النامية وتراجع الدول المتقدمة انتهى، وأن العالم مقبل على أنماط اقتصادية جديدة لم تنكشف كامل مواصفاتها بعد.

ففي الولايات المتحدة، تحقق أخيراً ارتفاع بسيط في نسبة التضخم، وانخفاض في نسبة المتقدمين بطلبات إعانة من البطالة إلى أدنى مستوى منذ ست سنوات، ونمو في النسبة الشهرية لبناء المنازل بواقع ستة في المئة. هذه «الأخبار الجيدة»، حسب التعبير الأميركي، أدت إلى تعزيز ثقة الأميركيين في اقتصادهم، ودفعت المستثمرين من بينهم إلى الابتعاد عن أسواق الأسهم، والإقبال بدلاً من ذلك على شراء سندات الخزينة الأميركية.

وفي أوروبا، ساهم النمو القوي في ألمانيا وفرنسا، أكبر اقتصادين في منطقة اليورو، في انتشال المنطقة من أطول فترة ركود في تاريخها، إذ أظهرت بيانات مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي «يوروستات»، ان الدول السبع عشرة التي تستخدم اليورو سجلت نمواً 0.3 في المئة في الربع المنتهي في حزيران (يونيو)، إثر انكماش دام سبعة فصول.

ودفعت هذه التقارير مطلق تسمية «بريكس»، المحلل السابق في «غولدمان ساكس» جيم أونيل، إلى القول ان «محللين سطحيين كثيرين اعتقدوا ان دول بريكس ستستمر في نموها الاقتصادي بالنسب ذاتها التي شهدتها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو ما لم يكن مرجحاً».

ويعزو أونيل الانقلاب في مشهد نمو الاقتصادات العالمية إلى انتقال الصين من اقتصاد مبني على الاستثمارات الخارجية والتصدير، إلى آخر مبني على الاستهلاك، على غرار الاقتصاد الأميركي وسائر اقتصادات الدول المتقدمة.

وقال أونيل لصحيفة «نيويورك تايمز» ان «الرابحين والخاسرين من الاقتصاد الصيني بحلته الجديدة سيكونون في الغالب مختلفين عن الرابحين والخاسرين في زمن الاقتصاد الصيني القديم». وختم أونيل بالقول إنه يتوقع «ان تكون الولايات المتحدة واحدة من أبرز الرابحين» في الترتيب الجديد للاقتصاد العالمي.



انقلاب صيني

أسباب الانقلاب الاقتصادي الصيني متعددة، ولكن معظم الخبراء الأميركيين يعتقدون ان بكين تعلم ان النموذج الذي دفعها إلى موقعها الحالي كثاني اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، أدى وظيفته، وأنه لم يعد ممكناً الاستمرار به وتوقع مزيد من النمو، فمداخيل الصينيين ارتفعت، ما يعني ان كلفة اليد العاملة ارتفعت كذلك، وأن الشركات الكبرى صارت تبحث عن دول فيها يد عاملة أرخص.

وتخشى الصين موعد اقتراب الشيخوخة في تركيبتها السكانية، فالبلاد حالياً لديها اكبر عدد عاملين، نسبة إلى إجمالي عدد السكان، وهي نسبة تبلغ نحو 72 في المئة حسب «معهد كارنيغي» للبحوث. ولأن الصين أدركت ضرورة التغيير من التصدير إلى الاستهلاك، سمحت لعملتها المحلية بالتحسن في مقابل الدولار، حسب الخبراء الأميركيين، فسجل اليوان مستوى قياسياً مرتفعاً أمام الدولار الأسبوع الماضي. وفي أنباء تراجع العملة الأميركية أمام نظيرتها الصينية مزيد من التفاؤل الأميركي بزيادة صادرات الولايات المتحدة إلى الصين وتقليص العجز التجاري المزمن بينهما والمائل بقوة لصالح الصين.

لكن التغيير الصيني لا يبدو أنه يحمل أنباء سارة للجميع، فالبرازيل، التي لعبت دوراً أساسياً في تموين النهضة الصناعية الصينية، تعاني تراجع الطلب على المواد الأولية التي دأبت على تصديرها. كذلك، يعتقد الخبراء ان البرازيل فوتت فرصة كبيرة لها بعدم استغلال «أيام الوفرة» من أجل الاستثمار في البنية التحتية للبلاد، وتفادت تحرير أسواقها، وحافظت على النموذج الريعي الذي يعتقد الأميركيون أنه يقيد العملية الاقتصادية ويبعد الاستثمارات. أما الهند، والتي كان يمكن لها ان تأخذ دور الصين كـ «مصنع العالم» لا بسبب كثافتها السكانية فحسب بل كذلك صغر متوسط أعمار سكانها، فاقتصادها يعاني بسبب فساد مزمن وبسبب ما يبدو أنه انعدام القدرة لدى القيادة السياسية على تطبيق أي إصلاحات ذات مغزى، كالتي تجريها الصين دوريا وتبقيها في طليعة الدول اقتصادياً.

روسيا هي الوحيدة من دول «بريكس» التي لا يتوقع الخبراء ان تتراجع كثيراً في المشهد الاقتصادي العالمي، إلا ان صعود روسيا اقتصادياً كان بدوره مختلفاً جذرياً عن صعود كل من الصين والهند، فروسيا أفادت من طفرة في مبيعاتها النفطية، مقرونة بارتفاع قياسي في أسعار النفط بلغ ذروته مع نهاية 2008. لكن روسيا، على رغم قوة بعض صناعاتها كالسلاح، لم تتحول يوماً إلى قوة صناعية منافسة للولايات المتحدة أو الصين أو ألمانيا، لا نوعاً ولا كماً.

كذلك تعاني روسيا تفشي الفساد، وسوء توزيع المداخيل، وتناقص في عدد السكان، وهذه كلها مؤشرات تدل على ان المستقبل البلاد، كقوة اقتصادية، يرتبط حصراً بإمكاناتها النفطية. حتى في السياق النفطي، يعاني القطاع الروسي من سيطرة النافذين في الدولة على مقدراته، وغياب الاستثمارات فيه، ما يؤخر في زيادة الإنتاج ويرفع كلفتها، فيما تعاني السوق العالمية بدء مزاحمة النفط والغاز الصخريين لنظيريهما الأحفوريين، وهو ما سيزيد من المتاعب الاقتصادية الروسية.

Since December 2008