الاثنين، 3 أكتوبر، 2016

الشركات الكبرى تستعيد القرار من المستثمرين في أسهمها

واشنطن - حسين عبدالحسين

يسود اعتقاد أن «المال الرخيص» الذي عمدت حكومات العالم ومصارفها المركزية إلى تقديمه على مدى السنوات الخمس الماضية، على شكل «تيسير كمي» أو خفض الفائدة، شجّع المستثمرين على نقل إيداعاتهم من البنوك واستثمارها في أسواق المال، ما أدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار الأسهم وحجم الأموال المتداولة.

لكنّ عاملاً آخر ساهم أيضاً في رفع أسعار الأسهم وفقاً لما يعتقد خبراء، ولم ينل الاهتمام المطلوب لدى المحللين، ويتمثل بالتغيير الكبــير الطارئ على استراتيجيات الشركات الأميركية والعالمية منذ حصــول الركود الكبير عام 2008. ورأوا أن الشركات أدركت أخيراً، الفـــارق بيــــن قيمة منتجاتها وأسعار أسهمها. إذ كانت أسهم شركة «جنرال موتورز» مثلاً، مرتفعة جداً عام 2007، مع أن مبيعاتها وإقبال السوق على منتجاتها كانا ضعيفين. والسبب في ذلك التباين كان يعود إلى الذراع المالية لديها، والتي كانت تدير أسهمها في الأسواق وتشرف على استثماراتها المالية في أسهم أخرى، أي أن عائدات الشركة كانت تأتي غالباً من مضارباتها المالية وليس من جودة منتجاتها ومبيعاتها.

وبعد الركود الكبير، حلّت «جنرال موتورز» دائرتها المالية والاستثمارية، وأعادت شراء كمية كبيرة من أسهمها التي كانت مطروحة في السوق. كما أعادت هيكلة مصانعها، واستثمرت في البحوث وتطوير المنتجات. ومع حلول عام ٢٠١٢، نجحت في إعادة الديون التي كانت استلفتها من الحكومة الأميركية لتفادي إفلاسها، وعادت إلى تحقيق الأرباح بفضل منتجاتها، التي استعادت تنافسيتها في السوق.

وحذت حذو «جنرال موتورز» شركات أميركية كثيرة اشترت أسهمها مجدداً، حتى بلغ ما أنفقته على عملية استعادة الأسهم من السوق 2.8 تريليون دولار بين عامي 2010 و2015.

أما الدافع الأكبر خلف تملّك الشركات الأميركية أسهمها مجدداً، فيكمن في رغبتها في استعادة «الكلمة الفصل» في قرارات الشركة من المستثمرين، أي أنها بتقليص لائحة حاملي أسهمها، تعزز الإدارة القرارات بين يديها، وعندما تفعل ذلك لا تعود الشركة منهمكة في تسجيل أرباح في كل ربع عام بعد الآخر كرمى لعيون مالكي الأسهم، بل يمكنها التفرغ لاستثمار مجهودها ومواردها في استراتيجيات طويلة الأمد، تساعدها في تطوير منتجاتها ودرس السوق والعودة الى التنافس فيها.

وترافقت قرارات الشركات إعادة تملّك أسهمها المالية، وتالياً استعادة قراراتها عموماً، مع العودة الى سحـــب ما يعرف بـ «خيار الأســـهم» الذي كانت تقدمه لموظفيها. ولأن مصلحة الموظفين الكبار كانت تقضي بارتفاع أسعار الأسهـم وعائـــداتها، انشغل الموظـــفون بعــــملية رفع سعر أسهم شركاتهم مـــن دون الالتفات إلى مبيعاتها. لكن مــــع حرمانهم من الأسهم والعودة الى النظـــام القديم المبني على حـــوافز مالــية مباشرة، نقدية أو على شكــــل زيادات في الرواتب، عاد اهتمام المــــوظفين ينصــب على أداء الشركة وجودة منتجاتها وتنافسيتها.

ويصف روجر مارتن، مؤلف كتاب «اللعب من أجل الفوز»، الاستراتيجيات الطويلة الأمد بالقول إنها تقضي بـ«الابتعاد عن سوق الأسهم والأرباح الفصلية القصيرة الأمد». ويضرب مارتن المثل بالمباريات الرياضية، ويقول: «ممنوع على اللاعبين والمدربين المشاركة في عملية المراهنات على النتائج، والمباريات هي عبارة عن مباريات على أرض الملعب وأخرى في كشك المراهنات، والفوز والخسارة في أي منهما يترابطان لكنهما يختلفان كلياً». وهكذا، يدعو مارتن الشركات الى «منع موظفيها من تملك الأسهم، أو الانخراط في عمليات تجارية في أسواق الأسهم المالية».

وبسبب التغييرات الواسعة التي طاولت سياسات الشركات وعلاقاتها مع الأسواق المالية، يلفت مارتن إلى أن غالبية مالكي الأسهم في الشركات الكبيرة مثل «أبل» و«غوغل»، باتوا ممن يبتعدون عن الأرباح على المدى القصير ويسعون إليها على المدى البعيد، مثل صناديق التعاضد للمعلمين وتلك التابعة لجامعات، والمنح الطالبية.

في هذه الأثناء، راح مديرو ما يعرف بصناديق المضاربة (هيدج فند)، يتفادون الشركات الكبيرة التي لا تقدم الربح السريع، ويبحثون عن شركات ناشئة تبحث عن استثمارات سريعة وتَعد بعائدات فورية، ما شجع عدداً كبيراً من المستثمرين على الإقبال على شركات طرحت أسهمها أخيراً، مثل «فايسبوك» و«تويتر»، طمعاً بالربح السريع، ما دفع اكتتاب الشركتين الى معدلات قياسية أكبر من التي كانت متوقعة. لكن حتى «فايسبوك» لا تزال منخرطة في السوق المالية في شكل محافظ نسبياً، خوفاً من التورط مع مستثمرين جشعين يبحثون عن الربح السريع ولا يرحمون، فيجبرون الشركة على التفرغ للبحث عن عائدات، بدلاً من السعي الى التطوير المتواصل وتحسين جودة الموقع وخدماته على الإنترنت.

هكذا، بعدما فرض الكونغرس قوانين منعت المصارف من استخدام أموال المودعين لديها للمضاربة في أسواق الأسهم وتحقيق الربح السريع، وبعدما بدأت الشركات الكبيرة تقلّص حضورها في هذه الأسواق، بدأت خيارات الاستثمارات في الأسهم المالية تضيق، وترفع بذلك أسعار كل الأسهم المعروضة، وراح ارتفاع يغذي آخر.

ومع تقلّص الأسهم المعروضة وتوافر الأموال الرخيصة بسبب سياسات المصارف المركزية، ارتفعت أسعار الأسهم أكثر فأكثر، وصار بعـــض الاقتصاديين يعتقد أن أسواق المال تعيش فقاعة لا بد من انفجارها في المستقبل القريب. لكن هذه المرة، وبسبب خروج الشركات والقطاعات، مثل المنازل والمصارف، من لعبة المضاربات، قد لا يؤدي انفجــار الفقاعة إلى أزمة شبيهة بتلك التي حصلت في الماضي القريب، وكان آخرها في خريف عام 2008.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008