الخميس، 25 مايو، 2017

ترامب المنافق

حسين عبدالحسين

“نحن لسنا هنا لنعظكم، ولسنا هنا لنقول للناس كيف يعيشون، ماذا يفعلون، من يكونون او كيف يعبدون”، قال الرئيس دونالد ترامب في خطابه في السعودية. واضاف ترامب، متوجها الى الدول العربية والاسلامية في معرض حديثه عن الارهابيين، بالقول: “اطردوهم من اماكن عبادتكم، اطردوهم من مجتمعاتكم، اطردوهم من ارضكم المقدسة، اطردوهم من كوكب الارض”. 

 في خطاب واحد ناقض ترامب نفسه بقوله انه لا ينوي وعظ العرب كيف يعيشون او ماذا يفعلون، قبل ان ينهال عليهم بأوامره التي حضهم فيها على طرد الارهابيين من مجتمعاتهم. وقبل ان نبحث في تناقض ترامب ونفاقه، لا بد من الاشارة الى ان فقرة “اطرودهم” قد تبدو نصيحة من الرئيس الاميركي للعرب، ولكنها في الواقع بيان إدانة بحق العرب والمسلمين يحاكي فيه قاعدته الشعبية الاميركية المتطرفة. 

 ودعوة ترامب العرب والمسلمين الى طرد الارهابيين تعني ان العرب يأوون الارهابيين في اماكن عبادتهم ومجتمعاتهم، وهي فكرة تتطابق مع دعوات ترامب، اثناء حملته الانتخابية، الى اقامة “قاعدة بيانات” للمسلمين الاميركيين هدفها مراقبتهم وتحميلهم مسؤولية اي ارهابيين قد يخرجون من صفوفهم. طبعا مسلمو أميركا ليسوا قديسين، ويخرج من بينهم مجانين يقتلون باسم الدين احيانا، لكن المجموعات السكانية الاميركية الاخرى ليست اقل جنونا، فتارة يخرج منها ابيض متطرف يقتل سوداً في كنيستهم، وطورا يخرج أميركي من اصل آسيوي يرتكب مجزرة في جامعة في فيرجينيا. 

وصار معروفا ان الاعلام الاميركي يطلق صفة ارهابي على مجانين المسلمين، ويكتفي بالاشارة الى الاضطراب العقلي لدى مجانين المجموعات الاميركية الاخرى. 

 ولأن ترامب كان يعلم ان “قاعدة بيانات” لمسلمي أميركا هي موضوع عنصري فاقع، فهو استعاض عنها بحظر سفر المسلمين، الذي اسقطته المحاكم الاميركية. 

 هكذا في زيارته السعودية، وربما لامتصاص نقمة مناصريه الحاقدين على الزيارة اصلا، تفوه ترامب بعبارات تبدو لطيفة، ولكنها في الواقع تنم عن عنصرية لدى بعض بيض اميركا ضد المسلمين، وتظهر تحاملهم على العرب، ويمكن لاي متابع لمواقع المتطرفين من مؤيدي ترامب ان يلاحظ فورا تهليلهم عندما طلب رئيسهم من المسلمين طرد الارهابيين المزعومين الذين يترعرعون في الاوساط العربية والاسلامية. 

 في منتصف التسعينات، منعت الرقابة في لبنان كتاب رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو، والذي حمل عنوان “مكان تحت الشمس”، قبل ان يقوم رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري بواحدة من خطواته الاكثر تنورا برفعه الرقابة. يومها، قبل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كان متعذرا الوقوف على رأي الاسرائيليين، فكان كتاب نتنياهو نافذة قيمة على ما يدور في اروقة القرار الاسرائيلية. 

في كتابه، كتب نتنياهو ان القيادة الفسلطينية تتحدث عن السلام بالانكليزية، وتحرّض على العنف بالعربية، وطالب بانهاء هذه الازدواجية كشرط لاي عملية سلمية. 

 الازدواج المزعوم في الخطاب العربي تحول الى عنوان عريض في اسرائيل واميركا، ونشأ في ظلّه موقع ميمري اليهودي، الذي يراقب الاعلام العربي بحثا عن اي تحريض ضد اميركا او اسرائيل. ثم اتسعت الشكوى الغربية بعد هجمات ١١ ايلول، وطالت البرامج التعليمية العربية والايرانية. حتى برامج الاطفال، لاحقتها عيون الرقابة الاسرائيلية والاميركية واصطادتها لحظة بلحظة.

ربما حان الوقت ليعرف السيدان ترامب ونتنياهو انهما كما يقرآن اعلام العرب، كذلك العرب يقرأون ما يردده متطرفو اميركا واسرائيل في اوساطهم، من “الدكتور” سبستيان غوركا، مساعد ستيفن بانون الذي كان في عداد وفد ترامب في السعودية، الى باميلا كيلير وروبرت سبنسر، اللذين يمولان حملات المصلقات العامة في اميركا التي تظهر مفتي القدس أمين الحسيني في مجلس زعيم النازية ادولف هتلر، للاشارة الى التماهي العنفي المزعوم بين عقيدتي الاسلام والنازية. 

وليعرف السيد ترامب ان العرب يقرأون ترميزاته المعادية للمسلمين في خطابه، وانهم يعرفون ما يرد في ادبيات حزب “البيت اليهودي” والوزير المتطرف نفتالي بينيت، الذي يؤمن بواجب استيطان اليهود للضفة والقدس واعادة احياء “مملكة يهوذا” التاريخية. 

 ليست حماس وحدها التي لا تعترف بدولة اسرائيل. “البيت اليهودي” كذلك يريد اسرائيل دولية يهودية صافية من النهر الى البحر. ليست السلطة الفلسطينية وحدها التي تنفق على عائلات الفلسطينيين ممن يقتلون في عمليات ضد اسرائيليين، بل نتنياهو نفسه يموّل احزاب الاستيطان، التي لا تؤمن بالسلام ولا بدولة فلسطينية، لتثبيت ائتلافه الحاكم.

فليعرف ترامب ان العرب يعلمون انه ينافق.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008