الجمعة، 9 يونيو، 2017

امبراطورية الثرثرة الاميركية

حسين عبدالحسين

حتى يشتت كبار مسؤولي الادارة الاميركية انتباه رئيسهم دونالد ترامب عن مجريات جلسة الاستماع، التي كان مدير “اف بي آي” السابق جيمس كومي يدلي فيها بشهادته عن الحوارات بينه وبين ترامب، قبل ان يطرده الاخير من منصبه، اعد مسؤولو البيت الابيض برنامجا حافلا للرئيس الاميركي، وطلبوا من وزير الدفاع جيمس ماتيس، وهو من اكثر المحببين على قلب ترامب، ان يحضر الى البيت الابيض ليبقي الرئيس منشغلا عن مشاهدة البث المباشر لشهادة كومي، ولابقائه منشغلا عن التغريد تعليقا على الشهادة. 

اجراءات الحضانة التي ابتكرتها الادارة لترامب كان هدفها منعه من التغريد، اذ يمكن لكلّ ردة فعل يقدم عليها الرئيس الاميركي عبر تويتر ان تتحول الى مادة قانونية يمكن استخدامها ضده امام المحكمة، على غرار تغريداته السابقة، التي صارت تشكل حاليا اساس اضبارة الاتهام التي يتم اعدادها لخلعه من الرئاسة. 

هذا هو الدرك الذي بلغه الرئيس الاميركي في تغريداته، التي صارت تهدد رئاسته، وتهدد استمرار سيطرة الحزب الجمهوري على غالبية الكونغرس بغرفتيه، في انتخابات العام المقبل. 

لكن العاملين في البيت الابيض لا يمكنهم السيطرة على رئيسهم بشكل متواصل، فهو عندما اطلق تغريداته عن الأزمة الخليجية، متهما قطر بتمويل الارهاب، وجدت كل مؤسسة السياسة الخارجية (الاستابشلمنت) الاميركية نفسها محرجة، اذ خرج ترامب عن القواعد الاساسية لسياسة أميركا وكيفية تعاطيها مع شؤون العالم، وسارع المعنيون لاصلاح الخلل الذي تسببت به تغريدات الرئيس.

والخيارات المتاحة امام فريق ترامب محدودة، فهذا الفريق غالبا ما يجد نفسه في مواقف صعبة بسبب ثرثرة رئيسه، كما عندما أصرّ البيت الابيض، وفي طليعته نائب الرئيس مايك بنس، ان سبب طرد كومي هو كيفية تعاطي الاخير مع ملف استخدام هيلاري كلينتون بريدا الكترونيا خاصا اثناء عملها وزيرة للخارجية. لم تمض ساعة قبل ان يخرج ترامب بتصريح، في مقابلة متلفزة، قال فيه ان سبب طرده كومي كان التحقيق في موضوع تدخل روسيا في الانتخابات الاميركية، وهو ما احرج بنس وكل افراد الفريق الرئاسي، فتلاشت القصة البديلة التي كان الفريق الرئاسي يحاول تسويقها، وتم تثبيت السبب الحقيقي لطرد كومي.

في تغريدات قطر، تحادث ماتيس شخصيا مع ترامب، وابلغه بأن تغريداته تنسف كل مبادئ السياسة الخارجية الاميركية، وتعرض مصالحها القومية للخطر، وان على الرئيس ان يتراجع عنها. طبعا، لا يسمح غرور ترامب له بالتراجع عن اقواله، فقدم فريقه خطة “ترقيع” الموقف، واصلاح مشكلة التغريدات بالتي هي احسن.

هكذا، لم يخجل البيت الابيض عندما قال للاعلاميين ان ترامب كتب تغريدته عن قطر ولم يكن يعرف ان للولايات المتحدة قاعدة عسكرية كبيرة فيها، وكان يمكن للفريق الرئاسي ان يقول ان ترامب لا يعرف اين قطر، او اين الخليج، وانه لا يعرف اين تنتشر القوات الاميركية حول العالم. أمية ترامب هذه ثابتة منذ مناظرته الرئاسية في وجه كلينتون، والتي تحدث فيها عن الحرب السورية بحديثه عن المعارك في الموصل. وترافق تبرير البيت الابيض لــ “هفوة ترامب” بالاشارة الى أميته مع تدبير اتصال للرئيس مع الدوحة والرياض واطراف الأزمة الخليجية، بهدف اعادة الرئيس الاميركي الى سياسة واشنطن الواضحة من الأزمة: الولايات المتحدة لا تنحاز لأي من المتخاصمين، وتحافظ على علاقتها المتينة مع كل منهم، حتى انها تعرض الوساطة باستضافتهم في البيت الابيض. 

من يجهل واشنطن يعتقد انها تنحاز في الأزمات العالمية لفريق او لآخر، لكن ما يملي سياسة واشنطن تجاه اي ازمة في العالم هي “المصالح القومية للولايات المتحدة”. من حين لآخر، تحاول ادارة ما او اسرائيل تصوير تشابه في المصالح الاميركية وفي موقف من ازمة ما، وغالبا ما ينكشف الأمر ويؤدي الى كوارث، كما في لعنة “حرب العراق”، التي حاول فريق الرئيس السابق جورج بوش ربطها بهجمات 11 أيلول سبتمبر والأسلحة الكيماوية، فجاءت النتائج كارثية، ولطّخت سمعة بوش الى الأبد.

مؤخرا حاولت اسرائيل تصوير النووي الايراني على انه خطر على أميركا، فتحولت محاولات رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتناياهو ووقوفه حاملا رسم قنبلة في الأمم المتحدة الى مصدر تهكم في الولايات المتحدة. واشنطن حددت هدفها بمنع ايران من التخصيب، وكل ما عدا ذلك لا يهمها، والدليل ان ترامب نفسه وقع على تمديد الاعفاء من العقوبات المفروضة على ايران، عملا بالاتفاقية النووية، وكانت نتيجة ذلك عقدا بقيمة 3,3 مليار دولار بين طهران وشركة بوينغ الاميركية.

مثال آخر يأتي من مصر. لم يكن أوباما هو الذي صادق حكومة “الاخوان المسلمين” بل الجمهوريين الذين رأوا فرصة عقود جديدة، فاستضافت “غرفة التجارة الاميركية”، وهي من اكثر مراكز الابحاث يمينية، وفدا من حكومة الرئيس السابق محمد مرسي. اما أوباما، فبقي صامتا قبل انقلاب عبدالفتاح السيسي وبعده، واجبرته الاحداث على تسمية الامور كما هي: نحصل على أمن حدود اسرائيل والملاحة في السويس وحق التحليق العسكري فوق مصر، مقابل مساعداتنا لمصر، وليحكم مصر من يحكمها.

هكذا تجري السياسة الخارجية الاميركية، لا عدو دائم ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة. ربما تشكل “هفوات ترامب” على تويتر مادة دسمة لافرقاء يتصارعون هنا او هناك، لكن موقف المؤسسة الاميركية تجاه الخليج باق على ما هو عليه، ويبدو انه ثابت.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008