الأحد، 24 يناير، 2010

حسين عبد الحسين : موقع فضائية العراقية... مثلا

ينحصر وضع العراق، من وجهة نظر مغترب، بالمواقع الالكترونية. معظم هذه المواقع، التابعة للدولة العراقية منها خصوصا، تشي بان البلاد لم تستوعب، حتى اليوم، الا النذر اليسير من الديمقراطية.

بيد ان الاسوأ بين المواقع الرسمية، من دون منازع، هو موقع تلفزيون "العراقية"، اذ على الرغم من ان "سلطة الحكم المؤقتة" – التابعة للحاكم الاميركي السابق بول بريمر – انشأت في حينه ما عرف لاحقا بـ "شبكة الاعلام العراقي"، على غرار "مجلس امناء البث" الذي يشرف على الاعلام الاميركي الممول من الكونغرس، الا ان التجربة الاعلامية الرسمية العراقية بقيت بعيدة كل البعد عن مبدأ الاستقلالية.

ولان تقييم عمل زملائنا من الصحافيين العاملين في "العراقية" يجافي اصول المهنة، فسنقوم بحصر تقييمنا بالموقع الالكتروني فقط.

لقد دأب الموقع المذكور على نشر اعلانات دينية فيها شعارات مثل "من كنت مولاه، فهذا علي مولاه"، او "السلام على ساقي عطاشى كربلاء"، مع صور دماء ومقاتلين من العصور الوسطى. للوهلة الاولى، يخال المتصفح ان الاعلانات تعود لبرامج او افلام وثائقية مقرر بثها، او انها اعلانات مدفوعة من قبل جمعيات دينية، الا ان المفاجأة تكمن في ان هذه الاعلانات هي مادة ترويجية تقوم بها القناة نفسها. هنا، سيجد العراقيون انفسهم امام خيارين: الاول اعتبار ان موقع "العراقية" يروج للاديان المختلفة التي يعتنقها العراقيون، مثلا نفتح الموقع في ذكرى صلب المسيح وقيامته، حسب اعتقاد المسيحيين العراقيين، فنرى اعلانا عليه صليب وكتب تحته "المسيح قام، حقا قام". اما الخيار الثاني فمبني على اعتبار ان موقع "العراقية" منحاز ويروج لمذهب الشيعة، من دون اديان العراقيين الباقين كائنا من كانوا.

في الاعتبار الاول، اي ان يقوم موقع التلفزيون الرسمي العراقي ببث اعلانات دينية للطوائف كافة، سيشكل ذلك عملية مضنية لكثرة الطوائف ومناسباتها. ثم ان مناسبات السعادة لدى بعض الطوائف، مثل رأس السنة الهجرية، تصادف مناسبات حزن لدى طوائف اخرى، وهذا سيخلق اختلافاً حتمياً.

ولان المتابع للموقع سيلاحظ حتما انه يروج لمذهب الشيعة فقط، وهذا انحياز ممول من الخزينة العامة للدولة، فان الوضع يحتاج الى تصحيح. هكذا تصحيح لا يعني اننا ضد معتقدات المذهب الشيعي او اننا ضد المواقع الخاصة التي تروج لها، بل يعني اننا نؤيد معتقدات جميع الاديان القائلة بالعدل والامانة، وعدم انفاق المال العام من اجل معتقد خاص بجماعة دون اخرى.

ولاننا نؤمن بواجب المواطن لفت نظر الموظف العام الى اخطاء الدولة، كما هو الحال في الدول الديمقراطية التي نقيم فيها، قمنا منذ اشهر بمراسلة موقع تلفزيون "العراقية" على عنوان "المفتش العام"، الموجود على الموقع نفسه. وحتى اليوم، لم نلق اي جواب، وهذا بحد ذاته ضد اعراف الشفافية في اي ديمقراطية، اذ لم الاعلان عن بريد الكتروني للشكاوى مصيرها سلة المهملات؟

المواقع الرسمية الاخرى، اي التي تمولها الاموال العامة العراقية ايضا، لا ترفع شعارات دينية معينة، ولكنها مشغولة بعبادة الفرد، التي ما زالت الاجيال العراقية تتوارثها من حاكم الى حكام من بعده.

في موقع رئاسة الجمهورية، ترى صورة الرئيس جلال طالباني في صلب التصميم، وكأنه ان تم انتخاب خليفة للطالباني يوما ما، سيضطر الفريق الرئاسي القادم الى تغيير التصميم باكمله. اما في موقع رئاسة الحكومة، فتنقسم النرجسية بين رئيس الوزراء نوري المالكي، والامين العام للمجلس علي العلاق.

حتى في موقع وزارة المالية، تسيطر صور وتصريحات الوزير باقر جبر الزبيدي، وكأن الزبيدي قد حاز للتو على جائزة نوبل للاقتصاد.

اما موقع وزارة التربية، فافضل حالا، اذ يكتفي بنشر صورة للوزير خضير الخزاعي، مع نسخة عن سيرته الذاتية على الجهة اليمنى للموقع. ولكنك عندما تقرأ النصوص المختلفة في الموقع – ولان وزير التربية لا يتحدث عادة في شؤون سياسية – تظهر عليك النرجسية وعبادة الفرد مجددا في عبارات على طراز "بتوجيه من معالي الوزير"، اي على غرار الايام "الخوالي"، التي كان فيها في العراق قائد وحيد اوحد يفهم في كل شيء، ولديه تعليمات في كل موضوع.

ان رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، كما الوزراء، هم موظفون في الخدمة العامة، يمنحهم العراقيون الثقة لاتخاذ قرارات لمدة معينة، وللانفاق من المال العام، من اجل الصالح العام، لمدة معينة كذلك، ويتقاضون بدل اتعابهم كرواتب من الخزينة العامة.

كذلك المواقع الالكترونية الرسمية، موجودة بتمويل من المال العام من اجل الخدمة العامة.

ولكن، حتى تخترق هذه الثقافة الديمقراطية عقول العراقيين، مواطنين ومسؤولين، ستبقى المواقع الالكترونية التابعة للدولة مستباحة لهذه العقيدة او تلك، دينية او قومية او اثنية، وستبقى هذه المواقع معرضا لصور هذا الوزير، او تصريحات ذاك الرئيس.

ان المواطنية ليست منة من نائب او وزير او رئيس، بل هي اساس وجود الجمهورية العراقية.

كذلك، فان الرئاسة او الوزارة او النيابة ليست حقا مكتسبا لفلان، وليست "كشخة"، وليس الرئيس او النائب او الوزير من صنف بشري متفوق او من انصاف الالهة كي يتحفونا بتصاريحهم وصورهم وبيانات عن جدول استقبالاتهم المملة، بل هم مواطنون تطوعوا للخدمة العامة، فمنحهم العراقيون الثقة لاجل محدود، وعليهم التفاني في خدمة المصلحة العامة، لا خدمة المواطنين افرادا وقبائل، من اجل الفوز بتجديد الثقة التي يمنحهم اياها المواطن.

من دون الديمقراطية وثقافتها، سيبقى العراق بعيدا عن قيام دولة القانون والمؤسسات كبعد المغتربين عن وطنهم.

* كاتب ومراسل « العالم» في واشنطن

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008