الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

الموت للسوريين

حسين عبدالحسين

ستة عشر ولاية أمريكية أعلنت عزوفها عن استقبال لاجئين سوريين على إثر هجمات باريس، التي يبدو ان أحد المهاجمين فيها اندس بين اللاجئين السوريين الهاربين من الموت في بلادهم، وتسلل بينهم عبر الحدود الى داخل اوروبا.

والى الولايات الأمريكية، أعلن عدد من مرشحي الحزب الجمهوري الرئاسيين ضرورة اقفال الحدود في وجه أي لاجئين سوريين قد يفدون الولايات المتحدة.

طبعا إعلانات الولايات والمرشحين الرئاسيين هي من باب الشعبوية فقط، فاستقبال أي ولاية للاجئين سوريين يشترط ان تقوم الحكومة الفدرالية أولا بمنحهم تأشيرات دخول وصفات لجوء. ومنذ اندلاع الحرب السورية في العام 2011، أعلنت واشنطن في كل عام نيتها زيادة اعداد السوريين الذين تنوي استقبالهم لأسباب إنسانية، حتى وصلت واشنطن في آخر إعلاناتها الى القول انها تنوي استيعاب 6500 لاجئ سوري.

لكن واشنطن تكذب، على الرغم من إعلانها استقبال الاف السوريين، فعدد اللاجئين الذين استقبلتهم حتى اليوم لا يتعدى العشرات. اما السبب خلف اقفال أميركا أبوابها فهو تعذر قيامها بإجراءات التحقق من هويات من تمنحهم حق اللجوء، فكل التأشيرات التي تمنحها واشنطن للوافدين اليها، بما فيها تأشيرات السياحة والدراسة، تقترن بعمليات تحقق من الهوية، وهذه العمليات تستند بدورها الى السفارة الأمريكية في البلد المعني، وأحيانا توجه السفارات أسئلة الى سلطات البلد الذي تتحرى فيه عن هذا الشخص او ذاك ممن تدرس طلبات تأشيراتهم.

ولأن في سوريا اليوم لا سفارة أمريكية ولا اتصال مع السلطات السورية، يبدو التحقق من هوية اللاجئين السوريين متعذرا، لذا، لم تستقبل أميركا الا العشرات من اللاجئين السوريين، وحتى من استقبلتهم مازالوا يعانون من عقبات في معاملاتهم وفي الحصول على أوراق لجوء ثبوتية.
هكذا يبقى أمن أميركا فوق كل اعتبار، حتى ان كان ذلك يعني اقفال الحدود الأمريكية في وجه لاجئين لأسباب إنسانية، من أينما كان مصدرهم.

وكما في أميركا، كذلك في فرنسا، انقلبت الدنيا على إثر الهجوم الاجرامي الذي نفذه ارهابيو داعش في باريس. اضاءة شموع، وورود، ودموع، ومقابلات صحافية تدمي القلب. ذاك الذي كان يحضر مباراة كرة قدم ويستعد لزفافه في اليوم التالي ومات، وتلك التي انتظرتها شقيقتها امام محطة الباص ولم تصل، وآخر كان يحتفل بوظيفته الجديدة بتناوله وجبة طعام فاخرة برفقة زوجته ومات كل منهما. كلها قصص إنسانية حقيقية تدمي القلب.

وقصص الفرنسيين تدفع المشاهد الى التفكر بقصص السوريين: ألم يكن للقتلى السوريين احباء ينتظرونهم؟ ألم يكن ذاك السوري واقفا امام فرن الخبز، وعائلته تنتظره، عندما ألقت عليه مروحيات الأسد براميلها المتفجرة وقتلته جماعيا مع الآخرين؟ الم يكن ذاك السوري ذاهبا لمصارحة والدة حبيبته وإعلان خطوبته عليها قبل ان تقتله غارة روسية عشوائية في الطريق؟ الم تكن تلك السورية تصرخ وهي تلد قبل ان تعاجلها مدفعية الأسد بقذيفة أسكتتها واسكتت صراخ مولودها؟

السوريون ليسوا دواعش، والأهم، ليسوا كلهم ضحايا داعش. السوريون بشر قادهم حظهم العاثر الى ان يجدوا أنفسهم بين اجرام ديكتاتور سيذكره التاريخ الى جانب هتلر وستالين وبين اجرام شباب داعش الطائش المحبط الذي لم يعرف الا لغة القوة حوارا وحيدا بين البشر.

كقصص الفرنسيين، تدمي القلب حكايا السوريين. لكن للفرنسيين من يبكي عليهم، وللسوريين براميل الأسد، وسيوف داعش، والبحر، وحدود العالم المغلقة.

ربما الأفضل للعالم ان يصمت، لان ثرثرته تظهر قباحته. لا يكفي ان يهب العالم للدفاع عن أقليات سوريا فحسب. لا يكفي ان يربط العالم بين لعنة الموت التي تطارد السوريين، من غير الأقليات، والتوصل لاتفاق كوني حول شكل الدستور السوري ونظام الحكم والتفاهات السياسية الأخرى.

في عالم ظالم كهذا، موتوا يا أهل سوريا وناموا قريري الأعين، فالموت لكم أفضل من العيش في عالم انسانيته قاصرة وأناسه ظالمون.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008