السبت، 22 أبريل، 2017

دفاعاً عن النسبية الكاملة في دائرة انتخابية واحدة

حسين عبدالحسين

العصبية الحزبية او القبلية غالبا ما تعطل النقاشات العقلانية. الديموقراطيون غاضبون بسبب غياب خطة حول سوريا لدى الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وكأن الرئيس السابق الديموقراطي باراك أوباما كان عنده خطة لسوريا. والعصبية في لبنان كما في أميركا، فان قال “حزب الله” انه يفضّل قانونا انتخابيا مبنيا على النسبية الكاملة، ترتفع اصوات معارضيه لأن كل ما يقوله “حزب الله” خاطئ. 

ويشير معارضو النسبية الى كثافة المقترعين من الطائفة الشيعية، ويعتبرون ان النسبية الكاملة تسمح للحزب باكتساح الانتخابات، والسيطرة على النظام اللبناني بأكمله والقرار السياسي. كذلك يعتبرون ان سلاح الحزب يلعب دورا مؤثرا ضد اي معارضين محتملين من داخل الطائفة الشيعية، وهو ما يستوجب ضرورة تقسيم البلاد الى دوائر انتخابية، الشيعية مسلّم فيها لاكتساح “حزب الله” بسبب سلاحه، والدوائر غير الشيعية فيها الحرية متاحة للمرشحين والناخبين من كل المذاهب والاتجاهات السياسية. 

الا ان الاسباب التي يسوقها معارضو النسبية الكاملة غير مقنعة، فقانون النسبية الكاملة في دائرة انتخابية واحدة لا يعطي المجموعات الناخبة الاكبر مقاعد أكثر او سلطة أوسع، ويمكن الاستدلال بتجارب دول المنطقة، مثل العراق، الذي صممت له الأمم المتحدة قانون ٢٠٠٥ الانتخابي النسبي المبني على اعتبار العراق دائرة واحدة. 

كان الشيعة يعتقدون انهم سيكتسحون ثلثي البرلمان العراقي، وهم لذلك طالبوا بالانتخابات منذ اليوم الاول لانهيار نظام صدام حسين. وكان يومذاك الصديق والزميل هشام ملحم يردد انه في مخيلة المرجع الشيعي علي السيستاني، تتساوى الديموغرافية والديموقراطية. لكن الانتخابات العراقية الاولى أظهرت ان الشيعة بالكاد حصدوا نصف البرلمان، وان الاكراد لم ينالوا الربع، فيما حقق السنة — وكانت غالبيتهم من مقاطعي العملية السياسية — نتائج اهدتهم كتلا برلمانية لم تكن في حسبانهم. كذلك، حققت بعض الكتل، مثل كتلة الليبراليين بزعامة اياد علاوي، مفاجآت، ونالت حوالي ٢٠ مقعدا. وفي نفس الاثناء، حققت شخصيات مغمورة، مثل مثال الألوسي او الاكراد من غير حزبي البارزاني والطالباني، نتائج طيبة، وفازت بمقاعد قضّت مضاجع الكتل الكبرى، التي كانت تحلم بالاكتساح على طريقة “المحادل” الانتخابية اللبنانية. 

دليل آخر يؤكد ان قانون النسبية الكاملة في دائرة انتخابية واحدة هو في مصلحة الاقليات يأتي من اسرائيل، حيث غالبا ما تلعب الاحزاب الصغير ذات المقعدين او الثلاثة في البرلمان ادوارا حاسمة بترجيحها ائتلاف في وجه آخر. وهي لدورها هذا غالبا ما تحصل على تنازلات ومكاسب سياسية أكبر بكثير من حجمها الشعبي او السياسي. لهذا، تلعب احزاب المستوطنين، وهم أقلية بين الاسرائيليين، ادوارا كبيرة، وتساهم في دفع الائتلافات المتعاقبة على الحكم الاسرائيلي تجاه اليمين أكثر فأكثر. حتى الاحزاب العربية في اسرائيل، والتي تعاديها المؤسسة الحاكمة، تجد نفسها في مواقع سياسية أكبر من حجمها الشعبي او السياسي، وتجعل من الصعب على الغالبية اليهودية القضاء عليها. 

في لبنان، تزعم الاقليات ان صمام امانها في وجه اكتساح الاكثرية لها هي الكوتا الطائفية، بما في ذلك المناصفة بين المسيحيين والمسلمين. لكن لو اعتبرنا ان كل من الكتل الثلاثة الكبرى مع مغتربيها، السنة والشيعة والموارنة، تشكل كل واحدة منها حوالي ثلث السكان، ذلك يشي بأن كل منها يمكنها ان تحصد حوالي ربع مقاعد مجلس النواب، وهو ما يعني انه بالكاد يمكن لأي كتلتين من الثلاثة تحقيق غالبية النصف لانتخاب رئيس المجلس وتعيين رئيس الحكومة، ناهيك عن غالبية الثلثين المطلوبة لانتخاب الرئيس. 

ثم ان الدائرة الانتخابية الواحدة تخرج كل حزب من قوقعته، فلا يعود ممكنا لحزب الله، مثلا، حصر برنامجه الانتخابي بالمقاومة، اذ ان ذلك يعود عليه بربع المقاعد فقط، وهو ما يجبره على الاقتراب اكثر من الوسطية، وادخال بنود تغري ناخبين سنة ومسيحيين ودروز وليبراليين. كذلك، يمكن للدائرة الانتخابية الواحدة ان تسمح للطائفة بضم مؤيديها من طوائف ومناطق اخرى، ودفعهم الى البرلمان، والافادة من الحركات الاعتراضية لدى الطوائف الاخرى. 

ختاما، من محاسن الدائرة الواحدة انها تلغي ارتباط النائب المناطقي، وتحيل دوره الخدماتي الى البلديات، مع ما يعني ذلك من تقوية اللامركزية الادارية، وتحويل مجلس النواب الى برلمان متخصص بالسياسات الوطنية العامة، مثل الاقتصاد والبيئة والخارجية والدفاع والشؤون الاجتماعية. 

الجدال القائم حول قانون الانتخابات البرلمانية اللبنانية لا يرتبط بسياسات الدولة ومصالح اللبنانيين، بل هو سباق بين مجموعة اوليغاركية مقفلة تتألف من عدد من العائلات نفسها منذ منتصف الثمانينات: بري وجنبلاط والجميل وعون وجعجع وفرنجية والحريري وحزب الله. هؤلاء يتصارعون، ويحاول كل منهم الفوز بأكبر عدد مقاعد، لا لرسم سياسات الدولة المحسومة بقرارات اقليمية، بل لتوسيع شبكات الزبائنية والخدمات وتوزيع مقدرات الدولة على المقربين والمحازبين. هي سياسة “الوجهاء” نفسها التي ورثها لبنان منذ زمن القائمقاميتين والمتصرفية، والتي تحمل عنوان سباق الملل. 

اما قانون النسبية الكاملة في دائرة انتخابية واحدة فيمكنه ان ينقل السياسة اللبنانية من مناكفاتها المزمنة الى ما يشبه السياسات، ويمكن ان يفتح كوّات ينفذ منها كثيرون مغمورون قد يقدمون مفاهيم وافكار جديدة في سياسة لبنانية صارت قديمة ومملة.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008