الاثنين، 9 سبتمبر، 2013

أميركا منقسمة حول اوباما

حسين عبدالحسين

سيطر النقاش حول سوريا على عطلة نهاية الاسبوع في العاصمة الاميركية واشنطن، بعدما عمدت شبكات التلفزة الى قطع برامجها المعتادة، وتحولت الى البث المباشر المتواصل، فأطل معظم مسؤولي الادارة الاميركية ليواصلوا حملتهم السياسية الهادفة الى كسب تأييد الكونغرس والرأي العام لتوجيه ضربة الى اهداف سورية. كذلك، شارك اعضاء الكونغرس، من المؤيدين والمعارضين للضربة، في معظم التغطية الاعلامية.

حتى الرئيس السوري بشار الأسد، كانت له مشاركة في النقاش الاميركي المحتدم، عبر مقابلة اجراها معه الصحافي شارلي روز، في دمشق. واستخدمت الوسائل الاعلامية مقتطفات منها، فيما عمد المسؤولون الاميركيون الى الرد عليها بسرعة. وفي ما يظهر ان الأسد يتابع النقاش الاميركي بدقة، قال في مقابلته، التي ستبث كاملة مساء غد الثلاثاء، انه ليس لدى "للبيت الابيض دلائل تدينه"، نافياً استخدامه للأسلحة الكيماوية، ومتفادياً الرد على سؤال حول ما اذا كان يملك مخزوناً من هذه الاسلحة.

وعلى الفور، رد البيت الابيض على تصريحات الأسد، معتبراً انه من المتوقع ان لا يقول أي رئيس يشن ضربات كيماوية على شعبه الحقيقة، وذلك بالتزامن مع استمرار حملة أوباما من اجل اقناع الكونغرس بالموافقة على توجيه ضربة لسوريا. واستخدمت الادارة الأميركية معظم ما في ترسانتها من اسلحة دبلوماسية لاقناع الأميركيين بجدوى الضربة. فوزعت بيانات تتبنى الضربة صادرة عن وزراء خارجية سابقين من امثال مادلين اولبرايت وهيلاري كلينتون، وكذلك من مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" السابق، الجنرال دايفيد بترايوس.وهذا الاخير يتمتع برصيد عسكري كبير بين الجمهوريين. وهو -- على الرغم من خروجه بفضيحة شخصية من الحياة العامة - الا انه ما يزال يعتبر احد ابطال حرب العراق الذي نجح في القضاء على "التمرد المسلح" فيه تمهيداً للانسحاب الاميركي من هناك.

كذلك، ارسل البيت الابيض رئيس موظفيه دينيس ماكدنو، ليطل على البرامج السياسية الصباحية الاكثر شعبية، ليشرح للأميركيين ماهية الضربة. وكرر المسؤول الاميركي، وهو المكلف حشد التأييد بين اعضاء الكونغرس، الافكار التي دأبت ادارة أوباما على تقديمها منذ اكثر من اسبوع، وهي ان الضربة ضد اهداف تابعة للنظام السوري ستكون محدودة، ولن تتحول الى حرب شاملة، ولا الى حملة جوية طويلة. وكرر ماكدنو ان ضربة سوريا لن تكون مثل حربي العراق و افغانستان.

أما أوباما فيطل في مقابلات يمنحها الى ست قنوات تلفزيونية اميركية يحاول فيها اقناع الرأي العام الاميركي. كما سيوجه ليلة الثلاثاء"خطاباً الى الأمة"مباشرة من مكتبه البيضاوي، في وقت من المتوقع ان يصوت مجلس الشيوخ، يوم الاربعاء، على قانون مينينديز - كوركر، الذي يجيز استخدام القوة العسكرية في سوريا من دون قوات ارضية، ويحدد الضربة بمهلة 60 يوماً قابلة للتجديد 30 اخرى.

لكن بالرغم من جلستي استماع علنتين واكثر من 12 جلسة سرية ومغلقة لاعضاء الكونغرس، وقرابة اربع جلسات مغلقة مع الصحافيين، واطلالات متكررة لاوباما وكيري ومسؤولين آخرين عبر الاعلام، تراجع التأييد الاميركي للضربة حسب استطلاعات الرأي. وهو ما يشي بأن قوة الاقناع التي يتمتع بها أوباما محدودة، وان حصوله على موافقة من الكونغرس قد لا تأتي الا من مجلس الشيوخ، فيما لا يبدو -- حتى الآن -- ان للقانون اي حظوظ للمصادقة في مجلس النواب.

وعن محدودية قدرة أوباما، او اي رئيس اميركي، على التأثير في الرأي العام، كتب البروفسور في جامعة تكساس جورج اداوردز، في دراسة قدمها في اجتماع "جمعية العلوم السياسية الاميركية" في شيكاغو، الاسبوع الماضي، ان "معظم المراقبين يعتقدون ان الرئيسين السابقين رونالد ريغان وبيل كلينتون كانا متحدثين بارعين، لكن مع ذلك، كانت الغالبية تعارضهما في معظم سياساتهما، حتى ان الرأي العام كان في العادة يرفض مواقفهما اكثر من تبنيها".

واضاف ادواردز انه بالرغم من "الاجواء المؤاتية اثناء الصدمة الوطنية الناتجة عن هجمات 11 ايلول الارهابية، والاحتقار القديم الذي كان الرأي العام يكنه (للرئيس العراقي السابق) صدام حسين، وغياب اي معارضة منظمة في الكونغرس، لم يستطع جورج بوش (الابن) تحقيق اي تقدم في اقناع الرأي العام على دعم حرب العراق، ثم فور انتهاء الحرب، تلاشت نتائج الانتصار الاميركي السريع".

ومما ورد في دراسة ادواردز انه "على الرغم من فصاحته، لم يقدر باراك أوباما على حشد الدعم الشعبي لمبادراته التي لم تكن شعبية اصلاً، مثلاً، مشروع اصلاح الرعاية الصحية الذي لا يحوز على دعم الاكثرية حتى بعد ثلاث سنوات على اقراره".

لماذا اخذ أوباما موضوع استخدام القوة العسكرية في سوريا الى كونغرس لا يسيطر حزبه الديموقراطي على الغالبية في احدى غرفتيه، ومنقسم على نفسه ومنصرف الى إضعاف أوباما سياسياً في قرار الحرب الذي يخول الدستور الرئيس اتخاذه من دون موافقة السلطة التشريعية. 

تساؤلات لا يزال المراقبون يعكفون على فهمها. اما اكثر التفسيرات التي صارت تلاقي رواجاً هي ان اوباما، المتردد دوماً، اخطأ في حاساباته.

على ان خطأ اوباما لا يعني انه لن يوجه ضربة الى سوريا، بل أن كل التسريبات الواردة من فريقه تشير الى زيادة في عدد الاهداف، واشراك المقاتلات والقاذفات الاستراتيجية مثل "بي 2" و"بي 52"، الى جانب صواريخ توماهوك.

لكن ما يعنيه خطأ اوباما هو ان الرئيس الاميركي سيشن ضربة عسكرية وهو في موقع اضعف سياسياً مما كان عليه يوم وقف، قبل عشرة ايام، وقال إنه سيذهب الى الكونغرس لأن "اميركا الموحدة" اقوى بكثير من ذهابه الى الحرب لوحده.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008