الأحد، 28 فبراير، 2010

واشنطن تستجدي صداقة دمشق: هكذا انهارت سياسة أوباما الخارجية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تعاني السياسة الخارجية الاميركية، منذ انتخاب باراك اوباما رئيسا العام الماضي، من مأزق فشل الادارة الحالية في كل ملف حاولت معالجته حول العالم.

ويضاعف مشاكل الرئيس الاميركي، انهيار شعبية الحزب الديموقراطي المفاجئة داخليا، مما يطرح اسئلة جدية حول امكانية اعادة انتخابه لولاية ثانية، فيلوح في الافق شبح عودة الجمهوريين الى البيت الابيض، وعودة صقورهم تاليا الى السياسة الخارجية مع حلول العام 2012.

اول المدركين للارباك في قيادة اوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون للسياسة الخارجية، وزير دفاعه المخضرم - والصامت اغلب الاوقات - روبرت غايتس، الذي شن هجوما قاسيا على السياسة الخارجية، في محاضرة يوم الخميس الماضي في مركز نيكسون، ووصفها بانها «خليط من الترقيع، ومقيدة بشبكة معقدة من مراكز القوى، ونقص متواصل في الموارد، واجراءات غير عملية». واضاف وزير الدفاع: «في هذه الاثناء، تقوم الدول الاخرى التي لا تعاني من ضعفنا باستغلال الموقف لتمويل مشاريع بسرعة، وبيع سلاح، وبناء علاقات».

كلام غايتس جاء وسط تصاعد الاصوات المشككة بمقدرة اوباما على فهم او التعاطي في السياسة الخارجية، فايران ماضية في تخصيبها النووي، ومسايرة روسيا بالتخلي عن الدرع الصاروخية الاميركية لم يحمل الروس على مساندة واشنطن في فرض عقوبات من شأنها ان «تشل النظام الايراني»، فيما الصين تعزز من علاقتها مع ايران. «

الراي» طلبت من ديبلوماسي رفيع سابق، من الديموقراطيين، تقديم تقييمه حول اتهامات غايتس للادارة الحالية بالفشل خارجيا، فضرب لنا مثالا بالاشارة الى استقبال واشنطن للدالاي لاما، منذ اقل من اسبوعين. وقال: «لم يستقبل اوباما زعيم التيبيت الروحي العام الماضي كي يربح صداقة الصين، فيما الصين ماضية في توقيع عقود نفطية جديدة مع ايران».

واضاف: «ثم عندما يقرر اوباما ان يستقبل منافس بكين في البيت الابيض، يستقبله باسلوب خجول ومرتبك، فيتغير مكان اللقاء من المكتب البيضاوي الى غرفة الخرائط، للدلالة على تراجع اهمية الاجتماع، ثم يلغي اوباما المؤتمر الصحافي المشترك الذي كان مقررا، ويخرج الدلاي لاما من الباب الخلفي من بين مستوعبات القمامة لتهريبه من اسئلة الصحافيين».

هكذا، يرى الديبلوماسي العتيق ان الرئيس الحالي «لم ينجح في كسب ود الصين، ولا صداقة منافسه، واغضب الطرفين، وهذا من اسوأ انواع الديبلوماسية التي تشهدها العاصمة الاميركية منذ عقود».

كذلك، يشمل فشل اوباما، باعترافه في مقابلة، تسرعه في تقديم مقاربة خاطئة للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، فهو ذهب الى القاهرة، و«وصف في خطابه الشهير المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية بغير الشرعية»، حسب الديبلوماسي.

ويضيف: «هذا بحد ذاته ليس خطأ، ولكن على اوباما ان يفهم اهمية اقران القول بالفعل، فعندما يهاجم المستوطنات، عليه ان يلوي ذراع اسرائيل كي يجبرها على ايقاف بنائها، ولكن ما حصل واقعا، هو ان موقف اوباما ظل خجولا، فاحرج (الرئيس الفلسطيني محمود) عباس الذي كان يفاوض (رئيس حكومة اسرائيل السابق ايهود) اولمرت حتى مع بناء مستوطنات، وصار عباس مجبرا على مقاطعة المفاوضات بعدما جعل اوباما من المستوطنات قضية كبيرة كلاميا، ولم يقرنها بخطة فعلية».

وتخبط سياسة اوباما مع روسيا والصين والصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، يشبه ارتباكه وضعفه في معالجة الموضوع الايراني. في هذا السياق، اكدت مصادر اميركية رفيعة للـ «الراي» ان النسخة المحدثة من «تخمين الاستخبارات القومية»، الذي صدر آخر مرة في العام 2007 واعتبر ان ايران اوقفت برنامج تسلحها النووي في العام 2003، ستصدر في الاسبوعين المقبلين، ولكن التقرير الجديد - على عكس السابق - «لن يرافقه ملخص لاطلاع العامة، بل سيظل سريا ومحظورا الاطلاع عليه الا من قبل كبار المسؤولين».

هنا، يعلق الديبلوماسي المتقاعد بالقول ان ابقاء التقرير الجديد سري، بطلب من ادارة اوباما، خطأ: «اذا كنت تريد بناء رأي عام مؤيد لمنع ايران من الحصول على السلاح النووي، عليك اشهار المعلومات الاستخباراتية التي بحوزتك».

والمتابع للنقاش، داخل الادارة وخارجها، حول كيفية التعاطي المطلوب مع ايران، لايمكنه الا ان يلاحظ تخبطا لا سابق له في العاصمة الاميركية، فـ «مجلس الامن القومي» يتحدث عن سياسة تجاه ايران، فتناقضه «وزارة الخارجية»، ثم يدخل الضباط الاميركيون الكبار على الخط، فيقول احدهم «ان خطة المواجهة جاهزة»، ويقول الاخر ان «اميركا لن تذهب الى حرب مع ايران ابدا».

حتى في الاعلام حيث التركيز على ايران، هناك تخبط مريع. صحيفة «واشنطن بوست» نشرت عددا من المقالات المتتالية الاسبوع الماضي، فطالب، يوم الاثنين، الباحث الاميركي من اصل ايراني رأي تقية بدعم الديبلوماسية بقوة عسكرية فعلية، حتى تنجح اميركا في مواجهة ايران، فيما كتب فريد زكريا، يوم الثلاثاء، ان سياسة الاحتواء من دون حرب هي الحل الانجح في التعاطي مع ايران، الا ان آن ابلبوم دعت، يوم الاربعاء، الى شن حرب على ايران.

يقول الديبلوماسي ان الانقسام في الرأي هو تقليد قديم في واشنطن، ويتضمن انقساما بين المسؤولين في الادارة. «دور رئيس الولايات المتحدة في هذه الحالة»، حسب الديبلوماسي، «هو تنظيم هذا الانقسام، والافادة منه، وتوجيه الادارة في سياسة يكون هو المقرر الاول والاخير لها».

اما في العراق، فتقول مصادر اميركية ان واشنطن محرجة، «فنائب الرئيس جو بايدن زار بغداد، ولم يتمكن من اقناع اي سياسي بوجهة نظره لجعل الانتخابات شاملة لجميع المرشحين، والغاء قرار المنع من الترشح بحق البعض».

وتضيف المصادر: «بسبب ارتباك الادارة، ابتعد عدد كبير من حلفاء اميركا العراقيين عنها، ما اضطر السفير كريستوفر هيل وقائد القوات الاميركية بمهاجمة النفوذ الايراني في العراق، بانفسهم... كذلك توجه اوديرنو الى المسؤولين بضرورة الحفاظ على العراق على رأس اولوياتهم، وطلب من الرئيس اوباما تمديد بقاء لواء مقاتل حتى ما بعد تاريخ الانسحاب المقرر في 2011».

في وسط فشل اوباما الذريع في كل ملفات السياسة الخارجية، وخسارته لمن كانوا يصنفون في خانة اصدقاء اميركا في «العراق، ولبنان، وفلسطين، والسعودية»، وتردده في دعم المعارضة في ايران، تهيأ لاوباما انتصار يتيم في سياسته الخارجية: سورية.

لكن حتى مع سورية، يرى الديبلوماسي السابق، أن «أوباما نفذ سياسة انفتاحه باسوأ طريقة ممكنة، فبعد اكثر من سنة على الحديث مع السوريين على نار هادئة والضغط عليهم من اجل موضوع هنا او اخر هناك، وتأجيل تسمية سفير الى دمشق مرارا، انهار اوباما فجأة».

الرئيس السوري بشار الاسد، حسب الديبلوماسيين السابقين، «التقط ذلك بحذاقة، فبعدما زاره وكيل وزيرة الخارجية بيل بيرنز في 17 فبراير، استقبل الاسد (نظيره الايراني محمود) احمدي نجاد، وسخر من الولايات المتحدة وهو يجلس الى جانبه علنا». اما الرد الاميركي على سخرية الاسد، فجاء «مزريا وضعيفا»، حسب الديبلوماسي، الذي اشار الى رد الناطق باسم الخارجية فيليب كراولي في قوله: «نريد ان نرى سورية تلعب دورا بناء في المنطقة، وأولى الخطوات هي ان تقول لايران ما عليها ان تفعله بشكل مختلف».

هنا يقول المسؤول السابق: «ما قاله كراولي كارثة، فهو طلب من سورية ان تلعب دور الوسيط مع ايران على عكس سياسة واشنطن، ولكن مع كل التخبط في السياسة الخارجية، خطأ هنا او هناك لن يؤثر في بؤس المشهد العام».

ويضيف الديبوماسي بالاشارة الى انه، «نظرا ليأس الادارة الحالية وتخبطها، بينما كان الاسد يسخر من اميركا والى جانبه احمدي نجاد، كان (مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى) جف فيلتمان يستقبل (السفير السوري) عماد مصطفى في مكتبه (يوم الجمعة)، وربما يستجديه اكثر، حتى يتسنى لادارة اوباما الايحاء بانها تواصلت مع عدو سابق، ونجحت في مكان ما».

ويختم الديبلوماسي: «لن تقدم سورية شيئا لاميركا، ولكن ادارة اوباما ستحاول استخدام عودة العلاقات معها كورقة التين التي ستحاول ان تستر بها كل فشلها على مدى الاربعة عشر شهرا الماضية».

السبت، 27 فبراير، 2010

باراك يحدد الأهداف الإسرائيلية في أي حرب مقبلة: البنية التحتية اللبنانية والجهات الراعية لـ «حزب الله»

"الراي"

واشنطن - من حسين عبد الحسين

قال وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك، ان الدولة العبرية لن تشعل حربا على حدودها الشمالية، واستبعد نشوب الحرب في المدى المنظور، لكنه هدد انه في حال تم فرض مواجهة على تل ابيب، فهي لن تلاحق «كل ارهابي بمفرده»، بل ستضرب «الحكومة اللبنانية، والمصادر الاخرى الراعية (لحزب الله)».

تصريحات الوزير الاسرائيلي، التي جاءت اثناء خطاب القاه في «مركز واشنطن لدراسات الشرق الادنى»، اول من امس، تتطابق مع ما نقلته «الراي» عن مصادر اميركية، الشهر الماضي، عن ان اسرائيل ستقصف اهدافا سورية في حال اندلاع الحرب بينها وبين «حزب الله»، وعن ان الحرب بين اسرائيل و«حزب الله» مستبعدة، ما جعل بعض المسؤولين السوريين يهددون بقصف مدن اسرائيلية، فيما هم يدركون ان التصعيد كلامي لا غير.

وقال باراك: «في الاساس (سنضرب) الحكومة اللبنانية، والبنية التحتية اللبنانية، كجزء من المعادلة التي تواجهنا». واضاف: «اقول لكم اننا اقوياء كفاية لمواجهة اي تدهور في حال حصوله على حدودنا الشمالية، لكننا لسنا مهتمين (بحرب)، ولن نبدأها نحن، ولا اعتقد ان احدا في المنطقة - في المحيط المباشر لاسرائيل - يحتاجها».

وتابع: «نحن نتابع بدقة ما يحصل في لبنان، واعتقد ان الوقت قد حان للتعامل معه بطريقة مباشرة وواقعية اكثر».

وعن القرار الرقم 1701، قال باراك ان القرار تم تصميمه في اثر حرب يوليو 2006 «لانهاء الشذوذ المتمثل بحزب الله في لبنان... لكن بدلا من ان يحل المشكلة، سمح (القرار) بتعقيدها».

«الشذوذ» اللبناني، بالنسبة الى المسؤول الاسرائيلي، يتمثل في ان دولة عضو في الامم المتحدة مثل لبنان، «تملك ميليشيا، وللميليشيا نواب في البرلمان، واعضاء مع صلاحية فيتو في الحكومة». وقال: «يتم دعم وتسليح (حزب الله) من دولتين عضوتين في الامم المتحدة، سورية وايران، على صعيد التكنولوجيا والمعدات».

واتهم باراك، «حزب الله» بحيازة 45 الف صاروخ تطول اهدافا في كل اسرائيل، وانه جاهز لاستخدامها كما فعل في السابق، لكنه اعتبر ان هذه الصواريخ لا تتمتع بدقة كافية، ما «يجعلها غير صالحة ضد الاهداف العسكرية»، ويجعل هدف الصواريخ الوحيد المناطق المكتظة بالمدنيين الاسرائيليين.

وقال ان بلاده لا يمكنها ان تقبل هذه المعادلة: «لا يمكننا قبول هذا التمييز الاصطناعي بين ارهابيي حزب الله، ودولة لبنان، وراعين (حزب الله)». لذا، اعتبر انه في حال «تم فرض الحرب على بلاده»، فان ردة الفعل ستكون ضد الحكومة اللبنانية، والبنية التحتية، وسورية.

لكن وزير الدفاع الاسرائيلي، وهو المعروف بانه الاكثر تأييدا للانفتاح على دمشق والتوصل الى اتفاقية سلام معها، قال: «ليس بسر ان في اسرائيل، انا ومؤسسة الدفاع الاسرائيلية على كل مستوياتها، نعتقد ان لدينا مصلحة استراتيجية في وضع حد لصراعنا مع سورية».

الجمعة، 26 فبراير، 2010

نقاش أميركي حول كيفية التعاطي مع «حزب الله» و«حماس»

"الراي"

واشنطن - من حسين عبد الحسين

مازالت قضية كيفية التعاطي مع التنظيمات المسلحة حول العالم، ممن تصنفها الولايات المتحدة بـ «الارهابية»، محور نقاش، وصل جزء منه الى المحكمة العليا، التي يتوقع ان تصدر قرارها النهائي الربيع المقبل.

يأتي النقاش فيما يجوب اروقة مجلس الشيوخ، في طريقه المحتمل الى التصديق، القانون الرقم 2278، الذي صادق عليه الكونغرس في ديسمبر الماضي، والذي يمنح الحكومة صلاحية منع بعض الفضائيات، مثل «المنار»، التابعة لـ «حزب الله»، و«الاقصى»، التابعة لحركة «حماس»، من البث على اقمار اصطناعية أميركية، وتاليا حجبها عن المشاهدين في الولايات المتحدة.

ويعترض عدد من المنظمات الأميركية على قانون آخر يسمح للحكومة بانزال عقوبة تصل الى 15 عاما في حق كل من يثبت «تقديمه دعما ماديا او موارد» الى اي تنظيم قامت وزارة الخارجية بوضعه على لائحة التنظيمات الارهابية. عليه، تقدم عدد من الجمعيات الأميركية بطعن امام المحكمة العليا، لمراجعة التشريع وابطاله.

الجمعيات الأميركية التي تقدمت بالطعن، ضمت «مشروع القانون الانساني»، و«مركز كارتر»، الذي اسسه الرئيس السابق جيمي كارتر، و«فرق السلام المسيحية»، و«هيومان رايتس واتش»، و«غراسروتس انترناشونال»، و«مجموعة الازمات الدولية

المحكمة العليا، وهي اعلى هيئة قضائية، انعقدت في مقرها المواجه لمبنى الكونغرس، الاسبوع الماضي، بحضور قضاتها التسعة، اضافة الى ممثلة الادعاء العام من وزارة العدل ايلينا كاغان، ومحامي الدفاع عن جمعية «مشروع القانون الانساني» ديفيد كول.

كاغان، حاولت ابراز وجهة نظر الحكومة في ضرورة عدم الفصل بين «الجناحين السياسي والعسكري» للمجموعات المختلفة. وكانت بريطانيا اعلنت، مطلع العام الماضي، انها قررت مباشرة الحوار مع «الجناح السياسي» في «حزب الله»، الا ان المسؤولين الأميركيين وفي مقدمهم السفيرة الأميركية لدى لبنان ميشيل سيسون، اعتبروا مرارا، ان واشنطن لا ترى اختلافا بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب.

وقالت كاغان: «حزب الله يبني قنابل. حزب الله يبني بيوتا. ما قرره الكونغرس هو انه عندما تساعد حزب الله في بناء البيوت، تساعده (فعليا) في بناء القنابل (كذلك)». وتدخل القاضي الجمهوري صموئيل آليتو، ليعتبر ان تعريفا كهذا يجب ان يتضمن حظرا اميركيا على كل من تثبت عضويته في «حزب الله»، الا ان كاغان اعتبرت ان الحظر يجب الا ينطبق على اعضاء هذه التنظيمات، باستثناء من تضعهم الخارجية على لائحة الارهابيين.

واضافت: «الحظر ينطبق على من يشارك في تمارين عسكرية، او اسداء نصائح تقنية ومساعدة، اما فكرة ان الشخص يقدم خدمات الى التنظيمات الارهابية بمجرد عضويته فيها، فأعتقد انها فكرة غير صحيحة». إلا ان محامي الدفاع كول، أصر على ضرورة التمييز بين انواع التعاطي مع هذه التنظيمات، وقال ان حرية الرأي، التي يكفلها الدستور الأميركي في المادة الاولى منه، تكفل للمواطنين الأميركيين حرية الحوار مع اعضاء هذه التنظيمات، واسداء النصح لهم بخصوص «تخليهم عن العنف، مثلا».

مطالعة الدفاع تركزت على السوابق التي تم السماح بموجبها لأعضاء تنظيمات، تصنفهم الخارجية في خانة الارهابيين، بنشر مقالات رأي في كبرى الصحف الأميركية. وقال ان الأميركيين الذين قاموا باسداء النصح لاعضاء هذه التنظيمات، قدموا لهم ما يمكن اعتباره مساعدة، اذا، هناك انواع من المساعدة التي يجب ان لا تؤدي الى عقوبات بحق أميركيين.

وتابع ان صحف «نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ولوس انجليس تايمز، كلها قامت بنشر مقالات رأي كتبها ناطقون باسم حماس... اذا قدموا افادة الى حماس، عن طريق تعاطيهم مع الناطقين باسمها، اذا كلهم مجرمون».

وحاول الاشارة الى كارتر، الذي عقد اجتماعات مع مسؤولين في «حماس»، منهم رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، في دمشق، في ابريل 2008. هنا تدخل القاضي الجمهوري انتوني كينيدي، وقال: «لكن نيويورك تايمز لم تعقد اجتماعا مع «حماس» لتقول لهم كم كانت مقالتهم عظيمة».

فأجاب كول: «الموضوع ليس حول الاجتماع معهم، بل حول التنسيق معهم، وبالتأكيد ان نيويورك تايمز نسقت مع الناطق باسم «حماس» على شكل تدقيق القطعة، وقبول نشرها، ثم نشرها، وهذا نوع من تقديم الخدمات».

وقبل ان ينهي كول حديثه، تدخل القاضي الجمهوري انتونين سكاليا، في محاولة لحسم الجدال لمصلحة الادعاء العام، وقال «ان الشق النظري خلف تشريع الكونغرس يقضي بانك عندما تقدم مساعدة لاي نشاط مدني تقوم به هذه التنظيمات، فانت تساعد التنظيم بأكمله». واضاف: «حماس، على سبيل المثال، اكتسبت دعما بين الفلسطينيين من خلال نشاطات قانونية بالكامل، ربما ادارة مستشفيات، وأشياء كثيرة أخرى، ولكن هذا ما يسمح للتنظيم الارهابي بالازدهار، ويسمح له القيام بنشاطاته الإرهابية».

وختم ان «أي مساعدة نقدمها الى هذه التنظيمات، لا يمكن فصلها عن تقديم العون لنشاطاتها الارهابية».

وقد تنعقد المحكمة للاستماع الى المزيد من المطالعات، قبل اصدار قرارها النهائي، مع حلول الربيع، حول قبول او الغاء قانون العقوبات في حق أميركيين تعاطوا مع «إرهابيين».

واشنطن بدأت مناقشة تأجيل الانسحاب

واشنطن – حسين عبد الحسين

قالت مصادر مطلعة في واشنطن لـ»العالم» امس الجمعة، ان النقاش حول تأجيل الانسحاب الاميركي من العراق قد «بدأ لتوه» بعد مطالبة رسمية بإبقاء لواء في محيط كركوك، وكشفت ان الجنرالات بحاجة الى قرار سياسي سريع كي يغيروا خططهم إن لزم الامر، لكن خبيرا اميركيا ذكر ان هذا الملف سيحرج البيت الابيض كثيرا لا سيما وأن انتخابات الكونغرس على الابواب.

وفي مؤشر على مدى القلق الذي يسيطر على المسؤولين الاميركيين من هشاشة الوضع الامني في العراق مع اقتراب موعد انسحاب القوات الاميركية المقاتلة، اوردت مصادر في واشنطن ان قائد القوات الاميركية في العراق، راي اوديرنو، طالب بابقاء لواء مقاتل في محيط مدينة كركوك الشمالية، الى ما بعد التاريخ المحدد للانسحاب.

ومن المقرر ان تنسحب القوات الاميركية المقاتلة من العراق مع حلول شهر آب (اغسطس) المقبل، مخلفة وراءها ستة ألوية غير مقاتلة (ما مجموعه 30 الف جندي) تكتفي بتقديم الدعم اللوجستي والمؤازرة للقوى الامنية العراقية. بيد انه، حسب جدول الانسحاب الذي حددته واشنطن، سيتم سحب القوات كافة قبل نهاية العام 2011.

المصادر الاميركية قالت انه اثناء اجتماعه مع الرئيس باراك اوباما، الاسبوع الماضي، طالب اوديرنو بابقاء لواء في محيط مدينة كركوك المتنازع عليها بين العرب والكرد، الى ما بعد موعد الانسحاب المقرر.

واضافت المصادر ان الرئيس الاميركي «اومأ برأسه» ردا على مطلب الجنرال الاميركي، من دون ان تحدد ان كان اوباما اعطى موافقته على مطلب اوديرنو ام لا.

وفي حال قررت الولايات المتحدة ابقاء الوية مقاتلة اضافية، فان ذلك سيتطلب تعديلا للاتفاقية الامنية مع الحكومة العراقية، ويخشى المسؤولون الاميركيون في هذه الحالة ان تطول عملية تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في 7 آذار (مارس)، مما قد يؤثر سلبا على الوضع الامني في البلاد، وقد يعرقل اقرار اي تعديل على الاتفاقية الامنية، في حال طرأت الحاجة الى ذلك.

ولطالما كـــرر المسؤولون الاميركيون قلقهم من ان يؤدي اي توتر في العلاقات العربية – الكردية الى ضعضعة الوضع الامني في البلاد، وان تقوم المجموعات المتطرفة باستغلال هذا الانقسام السياسي لارتكاب اعمال عنفية بحق السكان من الجهتين.

ويطالب الكرد بالالتزام بالمادة 140 من الدستور، التي تلزم الحكومة باجراء استفتاء لتحديد مصير المدينة، الغنية بالنفط، وتحديد امكانية انضمامها الى اقليم كردستان، فيما ينقسم العرب بين مطالب بالحاق كركوك بالحكومة المركزية ومعارض.

المصادر الاميركية علقت ان «النقاش حول تمديد محتمل للقوات الاميركية المقاتلة بدأ للتو»، وان الخيار امام الرئيس الاميركي سيكون صعبا، اذ ان عدم الالتزام بجدول الانسحاب سيكسر تعهد اوباما امام الاميركيين، وهو الموضوع الذي قد يستغله خصومه السياسيون على ابواب انتخابات الكونغرس الاميركية المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

في هذا السياق، علق المحلل السياسي والخبير في شؤون العراق اندرو ماكنيلي في تصريح لـ «العالم»، بالقول ان المشكلة الرئيسية «تكمن في ان المسؤولين العراقيين ما زالوا لا يتحملون المسؤولية المطلوبة، فحل المشاكل العربية – الكردية هو موضوع عراقي داخلي، ولا يجب اقحام الولايات المتحدة فيه او اجبارها على التمديد لوجود قواتها المقاتلة الى ما بعد موعد الانسحاب».

واضاف «ما زال من المبكر الحديث عن موضوع التمديد لوجود القوات المقاتلة، على الاقل حتى تتم الانتخابات العراقية وينجلي المشهد السياسي قليلا».

ولكن الجنرالات، حسب الخبير الاميركي، غالبا ما ينظرون الى المستقبل، اذ ان «اي قرار تمديد للقوات المقاتلة يحتاج الى تخطيط مسبق، ولا يمكن ابرامه في آخر لحظة، على عكس القرارات السياسية التي تحتمل التأجيل حتى ربع الساعة الاخير».

وختم ماكنيلي بالقول ان احتمال التمديد للقوات يعني ان العراق سيبقى اولوية بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط على المديين المتوسط والبعيد.

وينفي المسؤولون الحكوميون في بغداد اي اتفاق على تأجيل الانسحاب الاميركي ويتحدثون بتفاؤل عن جاهزية القوات العراقية، كما يحاولون تبديد اي مخاوف تثيرها واشنطن بشأن احتمالات تصاعد العنف او تفجر النزاعات مع الاكراد في المناطق المختلف بشأنها شمال البلاد.

الأربعاء، 24 فبراير، 2010

مساعدة لفيلتمان تخلف سيسون!

|واشنطن - الراي|

أوردت مصادر في العاصمة الاميركية، ان وزارة الخارجية تنوي تعيين مورا كونيلي، نائبة مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان، سفيرة للولايات المتحدة لدى لبنان، لتخلف السفيرة الحالية ميشيل سيسون.

كونيلي كانت من ضمن الوفد الذي زار دمشق، الاسبوع الماضي، الى جانب منسق وزارة الخارجية لشؤون مكافحة الارهاب دان بنجامين، وديفيد هايمن، من وزارة الامن القومي، ومديرة مجلس الامن القومي ميغان ماكدرموت.

وسبق لكونيلي ان عملت قائمة للاعمال في سفارة بلادها في دمشق من العام 2008 وحتى اغسطس 2009، وشاركت في جانب من الاجتماعات التي عقدها مسؤولون اميركيون، مثل فيلتمان وعضو مجلس الامن القومي دان شابيرو، مع مسؤولين سوريين، إبان استئناف واشنطن ارسالها وفودا رفيعة المستوى الى سورية بعد قطيعة دامت من فبراير 2005 وحتى مطلع 2009.

كذلك سبق للديبلوماسية الاميركية ان عملت في فريق «سلطة التحالف الموقتة» في العراق العام 2003، وقبل ذلك في القدس والجزائر ولندن.

وقبل ورود الانباء عن امكانية تعيين كونيلي، كان الاسم الاكثر تداولا لخلافة سيسون، هو الديبلوماسي ديفيد هيل، والذي خدم في لبنان في الماضي، ويعمل اليوم في القدس ضمن فريق مبعوث السلام الى الشرق الاوسط جورج ميتشيل.

تقرير الكونغرس نقلا عن سعود الناصر: سياسة الكويت تجاه إيران ساذجة وخطرة

واشنطن - من حسين عبد الحسين

ينقسم المراقبون في الولايات المتحدة حول دور الشيعة الكويتيين، فبينما يعتقد بعضهم ان «ايران تبحث عن فرص لتقويتهم للمحافظة على موقف كويتي ايجابي» تجاه طهران، يقول آخرون ان «لا فرص امام ايران لدعم الشيعة في الكويت كحركة معارضة، لان هؤلاء مندمجون في المجتمع والاقتصاد، وتقع عليهم مظالم اقل من الشيعة في دول الخليج الاخرى».

هكذا يصف التقرير الدوري الاخير، الذي اعدته «خدمة ابحاث الكونغرس»، ايران، وعلاقاتها مع دول العالم والمنطقة، بما فيها الكويت، وذكر انه في حديث مع سفير الكويت السابق الى الولايات المتحدة، الشيخ سعود الناصر، اعتبر(السفير) سياسة الكويت الحالية تجاه ايران «ساذجة وممكن خطرة»، وان «المسؤولين الحاليين على خطأ لانهم لا يرون ان ايران تسعى، ببطء، الى فرض هيمنتها على الخليج».

وجاء في التقرير ان الكويت تأخذ «منهجا معتدلا تجاه برنامج ايران النووي»، على الرغم من ان «الحكومة الكويتية صرحت مرارا انها ملتزمة بجميع قرارات مجلس الامن، بما فيها القرار 1801، الذي يتضمن عقوبات على ايران».

ولفت التقرير الى تحذيرات المسؤولين الكويتيين من تصعيد الصراع مع ايران. ونقل عن وكالة «اسوشيتد برس» تصريحا لرئيس مجلس الامة جاسم الخرافي، في يوليو 2008، قال فيه: «هناك تصريحات غربية استفزازية، وايران تقوم بالرد بالطريقة نفسها... اعتقد ان موضوعا بهذه الحساسية يحتاج الى حوار لا تصعيد».

ووصف التقرير العلاقات الكويتية الايرانية بالطبيعية، وقال ان «تبادل الزيارات على مستوى رفيع هو امر روتيني، بما فيها الزيارات البرلمانية». واضاف: «في اوائل العام 2008، شكلت (الدولتان) لجنة ايرانية كويتية عليا للاستمرار ببناء العلاقات».

وقال كذلك: «تقوم مصافي النفط الكويتية بتزويد ايران بالنفط المكرر... وايران تحتاج الى استيراد 30 في المئة من حاجتها له».

وتحدث التقرير عن الخلافات الحدودية بين الدولتين، وقال: «تحاول الدولتان حل مشكلة حدودهما البحرية المشتركة، كشرط مسبق لاقتراح تطوير مشترك لحقل الدرة النفطي المتنازع عليه، والذي يمتد الى الحدود السعودية كذلك».

وعن خلفية العلاقات بين الكويت وطهران، اعتبر التقرير ان الكويت، بعد الغزو العراقي لها، لطالما نظرت الى ايران من زاوية قلقها من عراق صدام حسين، فكانت تعتبر ان ايران بمثابة «ثقل مواز للقوة العراقية في منطقة الخليج... ولم ير معظم الاستراتيجيين في الكويت، على عكس نظرائهم في دول الخليج الاخرى، ان لدى طهران مشروعا للهيمنة على المنطقة»، الى حد ان «بعض جيرانها في الخليج، انتقدوا الكويت لاستخدامها ايران والحركات المدعومة ايرانيا لاضعاف صدام».

واضاف التقرير: «في التسعينات، غالبا ما استضافت الكويت حركات شيعية معارضة لصدام وموالية لايران... من ضمنها المجلس الاسلامي الاعلى».

تقرير اعدته خدمة ابحاث الكونغرس: المالكي يتحول الى مستبد

واشنطن – حسين عبد الحسين

قال تقرير دوري تعده «خدمة أبحاث الكونغرس» ان رئيس الوزراء نوري المالكي يتحول الى «مستبد» فيما يعمل على فرض سيطرته على الاجهزة الامنية، وبناء مؤسسات اخرى مؤيدة له شخصيا، ولفت الى ان المجلس الاعلى بزعامة عمار الحكيم حاول من دون ان يوفق في الحصول على دعم المرجع الشيعي علي السيستاني في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

كما يذكر التقرير ان الاحزاب العلمانية تقدم «عرضا قويا» في التنافس الانتخابي، مذكرة باتجاهات الرأي التي سادت انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة.

وجاء في التقرير الذي اطلعت عليه «العالم» ان البعض يعتقدون ان المالكي «بعدما قوي وضعه السياسي في انتخابات المحافظات في 31 كانون الثاني (يناير) 2009، يزداد تحوله الى مستبد».

ويضيف ان رئيس الحكومة العراقية «يعمل على فرض سيطرته على الاجهزة الامنية، ويقوم ببناء فروع امنية موالية له شخصيا».

ونظرا للعرض القوي الذي قدمته قائمته في انتخابات المحافظات «يبقي المالكي في وضعيه جيدة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في 7 آذار (مارس)» حسب التقرير.

ويعتقد معدو هذه المذكرة التي سيطلع عليها الكونغرس الاميركي ان المالكي نجح في التوصل الى تسويات سياسية مع خصومه في بعض المحافظات، لكنه في الوقت ذاته قام باستخدام «القوة، مستندا على الاجهزة الامنية، لاظهار زعامته (في مواجهة خصوم آخرين)».

وفي الجزء المخصص للانتخابات العراقية، يقول التقرير «يبدو انه بسبب ضعفه، حاول المجلس الاعلى الاسلامي الحصول على دعم آية الله العظمى علي السيستاني، كبير المرجعيات في العراق، للدعوة الى اعادة تشكيل قائمة الائتلاف العراقي الموحد».

الا ان هذه المحاولة لم تنجح، حسب التقرير الذي اضاف ان الفشل في الحصول على دعم السيستاني دفع المجلس الى تشكيل تحالف جديد جمعه «وفصيل مقتدى الصدر، وشخصيات شيعية اخرى».

واعتبر معدو التقرير الاميركي ان التحالف الجديد، اي «الائتلاف العراقي الوطني، قد يحوز على تأييد كبير».

في هذه الحالة، يعتبر التقرير ان «انتصار قائمة المالكي واستمراره في رئاسة الحكومة غير مضمونين».

وعن رئيس الحكومة الاسبق اياد علاوي، ورد في التقرير ان «العرض القوي وغير المتوقع للاحزاب العلمانية – كتلك التي تتبع رئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي – تثبت نظرية ان الناخبين العراقيين يفضلون حكومة مركزية قوية وحكم قانون، فضلا عن اعتناقهم مبدأ الوطنية العراقية».

واعتبر التقرير ان اندفاعة العراقيين نحو العلمانية، وعدم الانحياز للاطراف التابعة لجهات اقليمية، ظهرت ايضا في التأييد الكبير والمفاجئ الذي حاز عليه المرشح المستقل يوسف الحبوبي، في كربلاء، اثناء انتخابات مجالس المحافظات، مطلع العام الماضي، حيث حقق أعلى الاصوات هناك وتجاوز قائمة المالكي.

ويقول علمانيو العراق ان جميع القوائم الدينية قامت «بالاستيلاء» على شعارات الاتجاه الليبرالي، وأن الجميع بدأ يتحدث عن الحريات وضرورة الدفاع عنها، ما يدل حسب مراقبين على دعم الناخبين العراقيين الواسع لفصل الدين عن الدولة، وإطلاق الحريات بعد أعوام من سيطرة المتشددين على السلطة في مختلف أنحاء البلاد.

الثلاثاء، 23 فبراير، 2010

حسين عبد الحسين : عندما يصبح مستقبل العراق ضحية تاريخه

الرئيس السابع للولايات المتحدة اندرو جاكسون حكم البلاد بين الاعوام 1829 و1837، ودخل التاريخ كاحد اهم الجنرالات الاميركيين نظرا لدوره في التصدي للبريطانيين العائدين يومذاك للاستيلاء على مستعمراتهم الاميركية في ماعرف بحرب الـ 1812.

لكن على الرغم من بطولاته العسكرية، ينفر من جاكسون الاميركيون من السكان الاصليين – او ما نطلق عليهم اليوم خطأ اسم الهنود الحمر – وكذلك الاميركيون من اصل افريقي، والذين كانوا يعانون من عبودية البيض لهم في ذلك الوقت.

جاكسون، وهو ينتمي فكريا واجتماعيا الى زمن متأخر لم ير في العبودية شواذ، فأيدها، وهو اثناء خدمته في الجيش، وفي فترة رئاسته في ما بعد، كان من اشد المؤيدين لطرد السكان الاصليين من ولاية ميسيسيبي الجنوبية الى الاراضي المحاذية لها، التي تقع اليوم في ولاية اركنسا.

وبعد فشل المفاوضات بين جاكسون وزعماء قبائل السكان الاصليين، ارغمهم الرئيس الاميركي عنوة على مغادرة اراض كان هؤلاء قد عاشوا فيها وتوارثوها جيلا بعد جيل، وقبل مئات السنوات من وصول جاكسون واجداده الى القارة الاميركية. انذاك فر السكان مذعورين، وقضى كثير منهم نحبهم على الطريق، في ما اطلق عليه لاحقا اسم "درب الدموع".

مع نهاية القرن العشرين، كان الاميركيون جميعهم قد حازوا على حقوقهم المدنية والسياسية، واصبحوا متساوين امام القانون والدستور، وبقي جاكسون، مؤيد العبودية وترحيل السكان الاصليين، في الذاكرة الاميركية كواحد من اهم رؤساء الولايات المتحدة، تجد كتبا عنه في ارجاء البلاد، فيما صوره معلقة في المباني العامة، الى جانب من سبقه ومن لحقه في الحكم.

لم يطالب ضحايا الامس بشطب جاكسون من التاريخ ولا باجتثاث ذكراه، بل على العكس، اظهروا الكثير من التسامح والتزموا بشعار "اللي فات مات". واليوم يعرف العالم باجمعه جاكسون، فصورته تتصدر ورقة النقود من فئة العشرين دولارا.

اما الشعوب التي لم تتصالح مع نفسها حتى اليوم، والشعب العراقي في مقدمتها، فهي تفعل عكس ما يفعله الاميركيون، فالعراقيون اليوم ثأريون، غالبا ما يحاضرون عن ضرورة "الصفح عند المقدرة"، ولكن من دون الالتزام بالشعارات التي يتحدثون عنها، شأنهم في ذلك شأن سياسييهم، الذين يبرعون في فن الخطابة والوعظ، من دون ادنى التزام بما يقولونه.

ونحن في هذه السطور لا نتحدث عن ضرورة ابقاء الرئيس الراحل صدام حسين في الذاكرة العراقية، فهو باق لان كتب التاريخ تروي الاحداث، ولا يمكن شطب هذه الاحداث وشخصياتها بقرار، حكومي او غيره. اما الحكم على مرحلة صدام حسين، فلا ضير من الاختلاف حوله.

الا ان ما نقصده هو ذاك الخلاف الازلي - الابدي حول واقعة كربلاء، والاختلاف الشيعي – السني، ومحاولة الشيعة اليوم اجتثاث التاريخ، ومحاكمته، وممارسة ظلم مضاد ضد السنة، كتعويض مفترض عن السنين التي حكمت فيها مجموعة سنية العراق – بجميع طوائفه – بكثير من العنف والرعونة.

واسوأ ما في الخلاف الشيعي – السني، انه يغيب اعلاميا وكتابيا فيما يفيض شفهيا، وخصوصا عندما يتأكد المتحدثون من خلو المستمعين من الطائفة الاخرى، فيشتم الشيعة السنة، وظلمهم، منذ ان أمر يزيد بقتل الحسين. ثم تستمع الى السنة، فتراهم يشتمون الشيعة و يتحدثون عنهم كمذهب فارسي او يهودي معاد للعرب والعروبة منذ زمن الفتوحات، وهكذا دواليك.

والطريف في الأمر انه على الرغم من اللعنات على شخصيات رحلت عن هذا العالم، فان التاريخ لن تتغير احداثه، فالتاريخ للتاريخ، والاميركيون كانوا السباقين في رفع هذا الشعار، فابتعدوا عن اجتثاثه او محاسبته، وفتحوا صفحة جديدة، فمرت الايام، ودخلوا حروبا عالمية، قاتلوا فيها جنبا الى جنب، وطوروا من ممارستهم الديمقراطية، فتصالحوا مع انفسهم وتساووا في الحقوق والواجبات.

طبعا المصالحة الاميركية لم تنجب مساواة فورية، بل انتظرت اجيالا حتى تلاشت الكراهية من النفوس، وتجلت المصالحة مع الذات في وصول اميركي من اصل افريقي الى البيت الابيض، قبل عام فقط.

اما انتخاب باراك اوباما رئيسا، فهو يشبه ان يقوم العراقيون بتناسي عداواتهم التاريخية المستحكمة، وثأريتهم ضد بعضهم البعض والتي تجلب المزيد من الثأر يوما بعد يوم، وانتخاب، مثلا، احد اتباع الدين المندائي الصابئي، او الايزيدي، رئيسا للحكومة، من دون الالتفات الى مذهبه، او لون بشرته، او طبقته الاجتماعية، بل بحصر الاختيار بمقدرة المرشح على تطوير العمل العام في البلاد، وتطبيق ما امكن من سياسات تقود العراق نحو ايام افضل.

لكن العراقيين ما زالوا بعيدين كل البعد عن الصفح، والتسامح، ونبذ الانقسام الديني والطائفي والعرقي.

اما ان جاء اليوم الذي نرى فيه صورة يزيد على فئة الخمسة دنانير، وصورة الحسين على العشرة، وصدام حسين على الخمسة وعشرين، والملوك الهاشميين، ونوري السعيد، والعارفين وعبد الكريم قاسم على العملات الاخرى، يومها سنعرف ان العراقيين قد استفاقوا من ترهاتهم المذهبية، وان ما يهمهم هو مستقبل بلادهم واولادهم، وانهم لن يدعوا المستقبل يصبح ضحية الماضي، البعيد منه او القريب.

الأحد، 21 فبراير، 2010

نفوذ إيراني متزايد يعيد العراق إلى نزاعه الطائفي

واشنطن - من حسين عبد الحسين

قبل اسبوعين من الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 مارس المقبل، ما زال النفوذ الايراني المتزايد في العراق يثير قلق الادارة الاميركية، خصوصا في مرحلة ما بعد خفض القوات، الى نحو 50 الفا، مع حلول الخريف المقبل.

وكانت واشنطن شهدت اسبوعا عراقيا، كان بطلاه قائد القوات الاميركية الجنرال راي اوديرنو، والسفير الاميركي في بغداد كريستوفر هيل، حيث عقد الرجلان اجتماعات مع مسؤولين رفيعي المستوى، تصدرهم الرئيس باراك اوباما، ووزيري دفاعه بوب غيتس وخارجيته هيلاري كلينتون، اضافة الى عدد من الحلقات الحوارية في ارجاء العاصمة الاميركية.

النفوذ الايراني يبدأ من شخصية عراقية مرتبطة بايران، يطلق عليها بعض الخبراء لقب «مغنية العراقي»، تيمنا بمسؤول «حزب الله» الراحل عماد مغنية. النائب في كتلة «الائتلاف العراقي الموحد» عن محافظة بابل، والمرشح حاليا عن لائحة «الائتلاف العراقي الوطني»، جمال جعفر محمد الابراهيمي، يلعب - مثلما كان مغنية - دور صلة الوصل بين ايران وحلفائها العراقيين، ويشرف على اعمال عنفية، حسب المسؤولين الاميركيين. واسمه الحركي ابو مهدي المهندس.

والمهندس من مواليد العام 1954. انتسب الى حزب الدعوة الاسلامية في السبعينات، وشارك في ايران في تأسيس ميليشيا «لواء بدر»، التابعة لـ «المجلس الاسلامي الاعلى».

وتعتقد مصادر اميركية رفيعة المستوى، ان ابان عودته الى العراق في 2003، قام المهندس بتنظيم ما عرف لاحقا «بفرق الموت» والسجون السرية»، لاغتيال، واعتقال، وتعذيب بعثيين سابقين، وضباط عراقيين، ممن شاركوا في الحرب ضد ايران، بين 1980و1988.

اوديرنو، في حوار في «معهد دراسة الحرب»، الثلاثاء الماضي، اشار الى المهندس بصفته «اليد اليمنى» لقائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الايراني، قاسم سليماني. كما اتهم رئيس «لجنة المساءلة والعدالة» العراقية احمد الجلبي، ومديرها التنفيذي علي اللامي، بالارتباط الوثيق بالمهندس. وقال ان الرجلين عقدا اجتماعات متكررة مع المهندس في ايران، حسب معلومات اميركية استخباراتية مؤكدة.

وقال اوديرنو: «نعتقد انهم (الايرانيين) متورطون حتما في التأثير على نتائج الانتخابات (العراقية)، وانه لمن المقلق انهم استطاعوا (التغلغل) على مدى فترة من الزمن».

وتحدث عن ظروف اعتقال الاميركيين اللامي في 2008، والافراج عنه في اغسطس الماضي، وقال ان اللامي، الذي ينتمي الى «تيار الصدر»، كان «متورطا في تفجير استهدف مدنيين وعسكريين اميركيين كانوا خارجين من اجتماع مع مسؤولين عراقيين في مدينة الصدر».

واضاف ان «من المخيب للآمال ان يتم تسليم احدا من امثاله (اللامي) مسؤولية ادارة لجنة اجتثاث البعث».

كذلك اتهم الجنرال الاميركي، ايران بالاستمرار بتمويل وتدريب وتسليح مجموعات عنفية داخل العراق، وان بدرجة اقل من السابق، مضيفا ان طهران صارت تعتمد اكثر في تدخلها في الشؤون العراقية على وسائل سياسية ومالية لزيادة نفوذها داخل البلاد.

بدوره، ايد هيل، اوديرنو، اثناء مؤتمر صحافي عقده في «نادي الصحافة الاجنبية»، وقال: «انا اتفق تماما مع الجنرال اوديرنو في هذا... ان هذين الرجلين هما حتما تحت التأثير الايراني». واضاف: «هذان، او في هذه الحالة الجلبي، تمت تسميته من قبل مدير سلطة التحالف الموقتة بول بريمر، في العام 2003، على رأس لجنة اجتثاث البعث، التي انتهى وجودها منذ عامين، وتم استبدالها بـ «لجنة المساءلة والعدالة».

وقال: «كل واحد (من لجنة اجتثاث البعث)، فهم ان مدته انتهت مع انتهاء صلاحية اللجنة، باستثناء السيد الجلبي، الذي تولى بنفسه منصبا في اللجنة الجديدة (المساءلة والعدالة) لم يسمه اليه احد».

هيل عبر عن تأييده لعملية اجتثاث البعث، لكنه حذر من امكانية تسييس هذه العملية، معتبرا انها تحتاج الى آلية واضحة. واضاف: «وهنا السؤال عن تصرفات السيد الجلبي، وانا لست بحاجة كي اشرح لكم او لاي احد حقيقة ان هذا الرجل فشل، على مدى السنوات، في اظهار انه شخص مستقيم».

«هكذا»، يقول هيل، «انا اتفق تماما مع الجنرال اوديرنو في تعليقاته، خصوصا في ما يتعلق بهذين الشخصين، كما اتفق معه في اننا نبقى قلقين من تصرفات ايران تجاه جيرانها... على ايران ان تتمتع بعلاقات حسنة مع جارها (العراق)، لكن عليها احترام سيـــــادة هذا الجــــار».

في هذه الاثناء، اصدر «معهد دراسة الحرب» وثيقة حذر فيه من النفوذ الايراني المتنامي في العراق. وجاء فيها: «مع ان منع مرشحين سنة معروفين من الترشح سيتحول الى رمز لدى السنة عن مدى حرمانهم في العراق الجديد، وسيكون لذلك عواقب على انتخابات 7 مارس البرلمانـــية، الا ان نزعة اخطــــــــر ظهـــــــرت (اخيرا)».

هذه النزعة، حسب مركز الابحاث الاميركي، تكمن في قيام «الحكومات المحلية (في العراق) بتنفيذ عمليات تطهير بعثيين خاصة بهم، غالبا ما تكون في الواقع عمليات ازاحة لخصومهم السياسيين». وهذا، حسب الدراسة، يحصل في عموم العراق. وتختم الوثيقة بان هذه الاجراءات «المتطرفة، تعيد العراق الى النزاع الطائفي نفسه، الذي خرج منه اخيرا».


Since December 2008