الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

عاشوراء قبل النووي الايراني

حسين عبدالحسين
ساحات التحرير

في ايام الصبا، كان جدي لأمي يقيم مجلس عاشوراء سنويا في مسقط رأسه بعلبك، وهي عادة كان يقول لي انه ورثها عن ابيه، الذي ورثها عن جده من قبله. كان القارئ رجلا متقدما في السن من آل نصرالله، نصرالله بعلبك، وهؤلاء ليسوا اسيادا في نسبهم، وكان زيّه غير ديني، وكان يعمل خبازا، وفي ايام عاشوراء، يقرأ الأجر، ومع نهاية الايام العشر، يكرمه اصحاب المجالس.

لم يكن لدى قارئنا مايكروفونا، ولا رايات، ولم يتشح الرجال الحاضرون بالسواد. كانوا يجلسون في الصالة. انا واقراني نوزع الشاي والبيتي فور، وهم يتحادثون، ثم يبدأ القارئ بالصلوات، ويفتتح قراءته بالقول: "السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا ابن حبيب الله، السلام عليك يا ابا عبدالله الحسين، يا سيدي، يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزا عظيما".

ويقرأ في سيرة الحسين، في مآثره، في اخلاقه، وفي الدقائق الاخيرة، يروي من معركة كربلاء، وهنا تتغير نبرة صوته الى شجن غير مبالغ به، ويطرق الحاضرون رؤوسهم متفكرين حزنا، ثم يختتم بالصلاة على محمد وآله، ويعود الحاضرون الى عالمهم والى دردشتهم، ثم ينفضون بعد مصافحات وتبادل عبارات "عظم الله اجركم" و"شكر الله سعيكم".

وفي السنوات الاولى من عقد الثمانينات، رسم احد الاقارب في الحي، وكان اسمه محمد سعيد وصاحب دكان حديد، جدارية على سور حديقته فيها السيدان موسى الصدر وروح الله الخميني، وصار يرتدي وعائلته قمصان سوداء في عاشوراء. ثم نصب اضاءة عملاقة وميكروفونا واقام مسرحا، وراح يقيم مجالس عزاء كان القارئ فيها يتصنع اللهجة العراقية بهدف ابكاء الحاضرين بشكل متواصل، ويروي لهم عن كربلاء روايات فيها من الخرافة الكثير، على شكل ان بنت الحسين كانت مع السبايا حين احست بجوعها وطلبت طعاما، فاحضروا لها طبقا، وعندما كشفت الغطاء، فاذ هو رأس الحسين، فبكت وقالت اريد طعاما لا رأس ابي. ثم في مجلس يزيد، تكلم رأس الحسين وشعر يزيد يشعر بالخزي.

ومع المبالغات في السيرة بدأت المغالاة في الشعائر، وانتشرت اللطميات على شكل تظاهرات كانت تسير من قلعة بعلبك الى رأس العين يوم المصرع.

ومع الانقلاب الذي طرأ على تقليد عاشوراء الذي مارسه البعلبكيون، وغيرهم من شيعة الشام وجبل عامل، عبر اجيال، سأل احد الحاضرين يوما القارئ نصرالله، وكان رجلا ورعا وعالما بشؤون الدين، حول اللطم، فأجاب انه يقرأ مجالسه من كتاب المجالس السنية للعلامة الراحل محسن الامين، الذي عمل على تنقية هذه المجالس من الخرافات والمبالغات. ونقل القارئ عن السيد الامين تحريمه اللطم اذ في اللطم ايذاء للنفس، وايذاء النفس معصية، و"لا تجوز طاعة الله من حيث معصيته".

السيد محسن الامين، المدفون في مقام السيدة زينب، كان عامليا درس في النجف، وانتدب نفسه لخدمة المجموعة الشيعية الصغيرة في الشام، وكانت بعلبك بمثابة "ريف الشام"، فكان مقلدوه في دمشق وبعلبك. والسيد محسن الامين كان كارها للخرافة الدينية، وكان مؤمنا بالعلم، واسس مدرسة، المحسنية،  مازالت تحمل اسمه، وعملت بمؤازرة اعيان شيعة دمشق من آل مرتضى وروماني وحلباوي والعضل وبيشلي.

وكان محسن الامين، مثل غالبية الشيعة السوريين واللبنانيين، مؤيدا للثورة السورية للاستقلال عن الفرنسيين. وتقول الرواية المتناقلة ان اركان الدولة السورية بعد الاستقلال قاموا بأول زيارة الى منزله، واطلقوا اسمه على الحي الذي كان يسكن فيه، وكان يعرف بحي الخراب الذي اصبح فيما بعد حي الامين.

مات محسن الامين، ومات جدي، ومات العلم، وسادت الخرافة، ولم تعد سيرة الحسين درسا في الصبر على الظلم والتمسك بالمبادئ، بل تحول الحسين الى رمز انتقام ودم، وصار للحسين رايات مقدسة وجيوش غاضبة، وظهر يزيد في داخل كل واحد من انصار الحسين، وصار العنف هو الحل.

لم يخرج الحسين الى الكوفة طلبا لحق الامة الايرانية بتخصيب اليورانيوم. ولم يخرج الحسين من اجل فلسطين، او من اجل الثلث المعطل في حكومة لبنان، او من اجل الحفاظ على العائلة الحاكمة في دمشق.

يوم كنا صغارا، كان الحسين كبيرا.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008