الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

ترامب والصليبيون الجدد

حسين عبدالحسين

وسط الضجيج الذي يثيره صعود النازيين الجدد في الولايات المتحدة، وذاك الذي تثيره تعيينات الرئيس المنتخب دونالد ترامب في ادارته المرتقبة، لم يخرج الكثير عن المألوف. 

النازية، لن تجتاح الولايات المتحدة على الأغلب، لنفس السبب الذي لم تجتاحها الشيوعية، فالعقائد التوتاليتارية تحيا في الأزمات الاقتصادية الشديدة، مثل انهيار المانيا المالي بين الحربين الكونيتين، او الفقر المدقع الذي غرقت فيه روسيا القيصرية. لكن الاميركيين لم تجذبهم الشيوعية، فغالبيتهم من الطبقة الوسطى ممن يملكون منازل، ويقودون سيارات، ويتبضعون، ويذهبون في اجازات سنوية، وما النازيون الجدد الاميركيون، الذين تنتشر فيديوات احتفالاتهم عبر وسائل التوصال الاجتماعي، الا اثرياء اولاد اثرياء يسعدهم الاهتمام الذي ينالونه بمشاغبتهم.

ما يثير القلق في اميركا، بعيدا عن الضجيج، هي مداخلة ادلى بها، العام الماضي، المستشار الرئاسي الاستراتيجي المقبل ستيف بانون، اثناء اجرائه مقابلة على برنامجه الاذاعي مع المرشح ترامب، قال الاخير فيها انه لا يمانع ابقاء ابواب الهجرة الى أميركا مفتوحة امام المؤهلين علميا والمتفوقين في ارجاء العالم، كما في “وادي سيليكون” حيث تتمركز الادمغة العاملة في قطاع التكنولوجيا، فخر التفوق الاميركي، ليرد عليه بانون بالقول: “سيدي، لكن كل الذين يعملون في وادي سيليكون هم من آسيا”. هذا الرد، من الاعلامي الذي سيتبوأ منصب أعلى مستشار في ادارة ترامب، يشي بأن بانون، الذي ينفى تهم العنصرية بحقه، هو في الواقع عنصري مقيت.

في سياق مشابه، شارك بانون قبل عامين — عبر سكايب — في مؤتمر انعقد في الفاتيكان، عاصمة الكثلكة العالمية. ومضى بانون الكاثوليكي يتحدث امام مجموعة من المسيحيين حول الثورة المقبلة لأقصى اليمين في العالم، خصوصا في أميركا واوروبا، وراح يقدم الشعبية التي حققها برايتبارت، الموقع الاعلامي الذي يديره، على انها مؤشر على التفاعل الايجابي للجماهير المسيحية اليمينية مع الرسالة المتشددة التي يقدمها بانون وآخرون مثله حول العالم، والتي نجحوا حتى الآن بالاطاحة عبرها باليمين التقليدي المتمركز في “المؤسسة السياسية الحاكمة” (استابلشمنت). 

والمطالعة المفصلة لبانون امام مسيحيي الفاتيكان تظهر فكرا مضطربا في فهمه العالم وتاريخه، القديم والمعاصر. 

يعتقد بانون، وهو خريج هارفرد وسبق ان جنى ثروة من عمله في بنك غولدمان ساكس وفي هوليوود، ان الحضارة الغربية نهضت على اساس المبادئ اليهومسيحية قبل نحو 2500 عام، وانها قادت البشرية نحو كل نجاحاتها، ولكنها تعاني منذ الفية او اكثر من البربرية التي تغزو العالم، وتهدد وجودها. ومع ان بانون لم يشر الى الاسلام كمصدر خطر على هذه الحضارة، الا انه عندما توغل في الحديث السياسي، لم يقدم عدوا للحضارة الغربية غير الاسلام، الذي يعتقد انه يهدد العالم، والذي يعتقد ان اولى بوادره تمثلت في وصول تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) الى أسوار بغداد.

ثم يسترسل بانون في تقديم رؤيته للتاريخ، التي تتمحور حول الحرب العالمية الاولى. وقتها كانت التحالفات اوضح. تركيا المسلمة عدوة للغرب المسيحي ويجب ان تبقى خارج “تحالف الاطلسي”. لا يقولها بانون بهذا الوضوح، لكن هذا الانطباع الذي يتولد عن حديثه، وهو ما قد يفسر الغضب الذي اظهره ترامب ضد التحالف في حملته الانتخابية.

ويمضي بانون في الحديث عن نهضة اليمين الغربي المتطرف، في بريطانيا وفرنسا وبعض دول اوروبا الشرقية. حتى الهند، عادت الى جذورها التقليدية المحلية المعادية للغرب. ويقول بانون ان كل يمين سينتصر في بلاده، وربما يتحدون في ما بعد في تحالف عالمي لم يحدد بانون عدوه، ولكن الواضح هو العدو نفسه للحضارة اليهومسيحية المزعومة. 

قد يعتقد بانون نفسه رؤيويا وثوريا محدثا، لكن تفاهاته حول اتحاد الغرب المسيحي ضد الشرق المسلم ليست اكتشافا، فالتاريخ يحفل بالحملات الصليبية التي كان يحرض على القيام بها حكام مغمورون يصبون الى مغامرات وادوار عالمية، مثل بابا الفاتيكان او مملكة صقلية الصغيرة. واستمر التحريض لحروب مسيحية ضد المسلمين حتى وصل الاوروبيون الى أميركا في القرن الخامس عشر، فتلاشت اهمية السيطرة على طريق التجارة الى الهند. 

التناقضات في اقوال بانون، حتى السياسية وغير التاريخية، واضحة، فهو يمجد الرئيس الراحل رونالد ريغان ويعارض العولمة والتجارة الحرة التي اطلقها ريغان، وهو يسمي نفسه يمينياً محافظاً ويعارض الغاء الضوابط على البنوك الاميركية للمضاربة في سوق الاسهم (اليمين الاميركي يؤيد هذه المضاربة فيما اليسار وأوباما منعاها بقانون دود فرانك). 

بانون مراهق في التاريخ ويعتقد انه يبني حركة صليبية عالمية تاريخية لاستعادة التفوق المسيحي والقضاء على غير المسيحيين. والمراهقون في فهم التاريخ كثر. لكن ان يكون الرجل المفكر الاستراتيجي لرئيس أميركي كترامب معروف بضحالته الفكرية، هو أمر مثير للقلق. 

في الماضي القريب اسمى الرئيس السابق جورج بوش الابن مستشاره كارل روف “عقلي”، فتخبطت أميركا ومعها العالم بسبب نظريات “المحافظين الجدد”. اليوم، نصّب ترامب بانون “عقله”، في وقت تشير نصوص تصريحات المستشار الجديد الى همجية فكرية وتخلف ينذران بجولة جديدة من الجنون في واشنطن، هذه المرة على ما يبدو على ايدي “الصليبيين الجدد”.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008