الاثنين، 7 نوفمبر، 2016

واشنطن في مواجهة شياطينها

حسين عبدالحسين

الانتخابات الرئاسية الاميركية غداً ليست مواجهة بين حزبين، ديموقراطي وجمهوري، أو مرشحين، هيلاري كلينتون المتمرسة في الاعيب المؤسسة السياسية ودونالد ترامب الشعبوي المخادع والثري ابن الثري، بل هي اختيار يهز صميم الولايات المتحدة، التي أشبعت العالم دروساً حول الديموقراطية والحرية والاقتصاد، فوجدت ديموقراطيتها في خطر، وحريتها مهزوزة، واقتصادها متأرجح.

في مطلع القرن الماضي، ورثت أميركا زعامة العالم من بريطانيا اقتصادياً. ومع حلول منتصف القرن، ورثت أميركا بريطانيا كزعيمة للعالم، وقادت تحالف حكومات ديموقراطية ضد ديكتاتورية الاتحاد السوفياتي ودوله. وتضمن صراع الاميركيين والروس حروباً عبر الكوكب، واغتيالات، وانقلابات، وانقلابات مضادة، الى ان تفوق الاميركيون اقتصادياً وانهارت المنظومة السوفياتية. هنا اعتبر الاميركيون أن التاريخ انتهى، وأن النموذج الوحيد — بل الافضل لكل حكومات العالم — هو ديموقراطياتهم، وراحوا يسعون لنشرها، إن عبر المنظمات الدولية ووصفاتها الاقتصادية، أو عبر الحروب.

لكن بعد غرقها في حربين، وصعود الصين، وتراجعها في كل المقاييس العلمية والاجتماعية والسياسية حول العالم، انهار النموذج الأميركي دولياً، وطفت على السطح الخلافات داخلياً، ووجدت الولايات المتحدة نفسها عرضة للصراعات القبلية نفسها التي تمزق دولاً كثيرة، وصار نظام الحكم الأميركي نفسه على المحك في حال ظفر به ترامب وأنصاره ومبادؤهم القروسطية.

على أن أميركا مازالت الأولى عالمياً على صعد متعددة. فالاختراعات العشرة الأهم في العقدين الماضيين جاءت من أميركيين وشركاتهم: الانترنت، ومايكروسوفت، وآبل، وفايسبوك، وغوغل، وواتساب.. وغيرها الكثير من الاختراعات التي غيّرت اقتصادات العالم وعاداته المجتمعية والسياسية. أبرز جامعات العالم ومراكزه الطبية وابحاثها مازالت اميركية، على الرغم من المحاولات البائسة من الصين. حتى الالعاب الاولمبية، مازال الاميركيون يتصدرونها دورة بعد دورة. في القوة العسكرية، ما زالت القوة الاميركية توزاي قوة الدول العشر التي تليها في الترتيب مجتمعة. أما الاقتصاد الاميركي، فيعادل قرابة ربع الاقتصاد العالمي مجتمعاً.

وأميركا مازالت قوة فتية في مقتبل عمرها، ومازالت مساحة أراضيها، التي تعادل مساحة الصين، عذراء وقابلة للاستيطان، فسكان أميركا البالغ عددهم ٣٣٠ مليوناً بالكاد يشكلون ثلث عدد الصينيين.

كل هذا التفوق الأميركي لا يعني أن الولايات المتحدة لا تؤثر فيها التغيرات العالمية، التي ساهمت أميركا في صناعتها. العولمة أسقطت حدود الدول، بما فيها الحدود الاميركية، وأسقطت بذلك الحماية الوظيفية على العمال الأقل تعليماً. أما الانترنت، ففتح أبواب المنافسة العلمية حتى صارت الجامعات الاميركية تلهث لحفاظها على صدارتها. أما الأهم في الانفتاح الذي يعصف بالعالم، فهو يكمن في أن الأميركيين وجدوا أنفسهم مثل باقي سكان الكوكب، بشر، بل إن باقي سكان الكوكب ممن هاجروا الى الولايات المتحدة راحوا يتفوقون على الأميركيين، خصوصاً من الغالبية البيضاء، في عقر دارهم. وراح المهاجرون يفدون ومعهم، لا أفكارهم اللامعة التي تبقي أميركا متفوقة عالمياً فقط، بل عاداتهم وتقاليدهم التي تبقي أميركا متنوعة. وبسبب تفوقهم فكرياً وعلمياً، تقدم المهاجرون اقتصادياً، وصاروا ينعمون بالحلم الاميركي الذي اعتقد البيض الاميركيون يوماً أنه حلمهم وحدهم.

من خوف غالبية الرجال البيض من تفوق المجموعات الأخرى عليهم، يأتي الاهتزاز السياسي الاميركي الحالي. هؤلاء الرجال البيض يعتقدون أن قوة ماورائية اختارتهم لمنحهم الحظوة والتفوق حول العالم، ومنحتهم دستوراً يعامله هؤلاء بقداسة ويعتقدون أنه السبب الوحيد لتفوقهم حول العالم. ويستعيد الرجال البيض الأميركيين حقبات من التاريخ يعتقدون أنها طوباوية، خصوصاً عقدي الخمسينات والثمانينات. لا يهمهم الصراع العرقي في الخمسينات ولا انتشار الفقر والجريمة في الثمانينات. جلّ ما يتطلعون إليه هو تفوق أميركا عسكرياً حول العالم، وانعزال البيض في ضواحي المدن وفي بلداتهم الصغيرة ذات الحياة التي يفترض انها نموذجية الى حد الملل.

لكن سبب قوة الولايات المتحدة يختلف عما تتخيله غالبية البيض الاميركيين، الذين ينخرط متطرفوهم اليوم في نظريات عنصرية نازية من قبيل التفوق الجيني لأعراق على أخرى، تبدأ بالآسيويين، ثم البيض، فباقي الشعوب. وفي قعر سلم الذكاء يقبع الساميون والشرق أوسطيون من اليهود والعرب.

يفوت هؤلاء البيض الاميركيين أن مؤسس آبل، ومبتكر آيفون ستيف جوبز، من أب سوري، وأن شريكه في انجازه طوني فاضل هو مهاجر لبناني. يفوت البيض أن مؤسس فايسبوك مارك زوكربرغ يهودي، وأن أحد مؤسسي غوغل سيرغي برين، هو روسي أميركي من مواليد موسكو.

لا تريد غالبية الرجال البيض من الاميركيين مشاركة أو تنوعاً مع أعراق أو ثقافات أخرى، بل ترغب في طرد الوافدين، وبناء سور عملاق حول أميركا واغلاق أبوابه، ووقف التجارة مع العالم، وضرب المنافسين حول العالم بالقوة الاميركية، والعودة الى الخمسينات، يوم كان التاريخ الاميركي يدون قصة مجتزأة عن أميركا البيضاء المسيحية القوية، التي يحكمها رجال لا نساء. هذه هي اميركا التي نشأ فيها الصبي دونالد ترامب، والتي راح يستعيد ذكرها على مدى العام الماضي ويعد بإعادة إحيائها في حال وصوله للرئاسة، فداعب مخيلة الرجال البيض، وخصوصاً ممن لم يتمرسوا في العلم أو الثقافة.

أميركا هي الأولى عالمياً، لكن الاميركيين بشر، وهم مثل أي بشر، عرضة للانجرار خلف تيارات قد تطيح بديموقراطيتهم، كما حصل في حربهم الأهلية في ستينات القرن التاسع عشر. ومثل أي بشر، يخشى عدد كبير من الأميركيين التغيير، ويخشون أن يدوسهم هذا التغيير، ويحمّلون غيرهم مسؤولية تأخرهم.

ككل دول العالم، يهز التغيير أميركا ويهددها في الصميم. ليست مصر ولا ليبيا ولا سوريا وحدها التي تهتز عندما تهب رياح تغيير الربيع العربي عليها. أميركا كذلك تهتز، ولو أردنا معاملة الأزمة الاميركية المتمثلة بامكانية انتخاب ترامب رئيساً وذهاب البلاد الى المجهول، لقلنا إنه ربما من الأفضل لأميركا أن تؤجل ديموقراطيتها وتمدد رئاسة باراك أوباما خوفاً من البديل، بالضبط كما تطلب أميركا من الديموقراطيين العرب تأجيل ثوراتهم خوفاً من الاهتزاز الذي يرافق كل عملية تغيير.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008