الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

أميركا تهجر الشرق الأوسط

حسين عبدالحسين

"متواضعة" هي الصفة التي اطلقتها مستشارة الامن القومي سوزان رايس على سياسة بلادها تجاه الشرق الاوسط في مقابلة في صحيفة "نيويورك تايمز"، لكن الكلمة الانسب قد تكون "مرتبكة".

الرئيس الأميركي، باراك أوباما، طلب اجراء "نفضة" لسياسته الشرق اوسطية باشراف مستشارته الجديدة رايس، وبعد العناء، خرجت رايس وفريقها بتوصية مفادها ان في العالم مناطق اخرى، وان لا مصلحة للولايات المتحدة الغرق في متاهات منطقة واحدة من هذا العالم.

طبعاً ما تحاول رايس تقديمه للرأي العام على أنه "سياسة جديدة" لا يوجد ما هو جديد فيها. توم دونيلون، سلف رايس، كان اول من قدم سياسة "الاستدارة" من الشرق الاوسط الى الشرق الادنى، معللاً استراتيجيته، في خطاباته المتعددة، بالقول إن المنافسة الحقيقية للزعامة الاميركية العالمية تأتي من الصين، لا من "تنظيم القاعدة" او إيران.

لكن المنافسة مع الصين لا تحتاج الى "مجلس الامن القومي" الاميركي، بل تحتاج الى نظيره "مجلس مستشاري الاقتصاد"، التابع للبيت الابيض، والذي يترأسه جايسون فورمان، وهو شخصية مغمورة في عالم السياسة الاميركية والعالمية. لكن فورمان هو احد ابرز القياديين الاميركيين المعنيين بمواجهة الصين اقتصادياً، ويقود سياسة مبنية على دخول اميركا في معاهدتي اسواق حرة، الأولى المعروفة بـ "شراكة عبر الباسيفيك" وفي عضويتها 13 دولة منها اميركا وكندا واستراليا واليابان ودول في اميركا اللاتينية والثانية محيطة بالصين ومنافسة لها، وواحدة مع الاتحاد الاوروبي.

الرهانات الاميركية مبنية على سقوط الصين في ما يعرف بـ "فخ الدول المتوسطة الدخل" بسبب ارتفاع اجور يدها العاملة، ما يقلص من انتاجها الصناعي، وفي نفس الوقت فشل الصين في الانضمام الى نادي الدول المتقدمة ذات الاقتصادات المتنوعة بسبب محاولة الحزب الشيوعي الحاكم تأخير الاصلاحات المطلوبة، لاعتقاده بأن من شأنها ان تضعف قبضته على السلطة. وبسبب طفرة الطاقة الصخرية الاميركية، وسياسات اخرى، تسجل الارقام الاقتصادية الأميركية عودة الى سابق عهدها، في وقت يشهد فيه النمو الصيني تراجعاً.

واذا ما اقترنت هذه الارقام بالشيخوخة التي ستداهم الصين مع حلول العام 2040، في وقت لن تواجه فيه اميركا المشكلة بالفداحة نفسها بسبب نموها السكاني الافضل من الصين، تشير التوقعات الى بقاء اميركا في صدارة العالم الاقتصادية، وتالياً العسكرية والسياسية، مع حلول منتصف القرن الحالي.

اذاً، احتواء اميركا للصين جار على قدم وساق، والرحلة التي الغاها اوباما الى آسيا للبحث في معاهدة الشراكة المذكورة مع بعض الدول الصديقة كانت ستحتاج الى فورمان اكثر منها الى رايس. حتى توسيع التعاون العسكري وانشاء قواعد عسكرية جديدة في آسيا، مثل مع اليابان مؤخراً، هي عملية تمت تحت اشراف وزيري الخارجية والدفاع جون كيري وتشاك هيغل، ولا علاقة لرايس او مجلس الامن القومي بها بشكل مباشر.

هذا يعني ان حديث دونيلون عن "الاستدارة"، او حديث رايس الى "نيويورك تايمز" حول سياسة اميركا "المتواضعة" في الشرق الاوسط بسبب الاهتمام بمناطق اخرى في العالم هو من باب اختلاق الاعذار، فلا شأن مباشرا "للأمن القومي" في السباق الدائر مع الصين، لكن المجلس المذكور يحاول الايحاء بذلك للتغطية على تقاعس اميركا في الشرق الاوسط.

السنوات الخمس الماضية من سياسة أوباما الشرق اوسطية، بدورها، تشي بأمر وحيد: الارتباك. فأوباما بدأ سياسته بتحويل "نشر الديموقراطية" التي انتهجها بوش الى "دعم الديموقراطية"، حسبما ورد في خطابه في القاهرة في العام 2009. ثم بدا ان دعم الديموقراطية يشمل حلفاء اميركا فقط، فأوباما بدا متحمسا لرحيل حسني مبارك، ولكنه ظل صامتا ابان نشوب ثورة ايران، وتأخر في طلبه من الرئيس السوري بشار الاسد "فتح المجال" امام الاصلاح على اثر نشوب الثورة السورية.

وعلى اثر هجوم الغوطة الكيماوي في 21 آب الماضي، مترافقاً مع ما اسمته "نيويورك تايمز" نفسها في مقالة سابقة "عملية اللوبي" التي مارسها كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والملك الاردني عبدالله الثاني، قرر أوباما القيام بعملية عسكرية محدودة وعقابية ضد الاسد، لكن حتى في هذه الخطوة، بدا ارتباك أوباما واضحا فيها.

ذهب من دون لزوم الى كونغرس لم يستشعر معارضته للضربة قبل الذهاب اليه، ثم توجه الى الاميركيين في خطاب مليء بالتناقضات كان ابرزها انه لا يمكن لاميركا البقاء ساكنة وهي ترى الاطفال في سوريا يقتلون، لكنه قال في الخطاب نفسه إن لا شأن لاميركا التدخل في حروب الآخرين الاهلية. 

تقلبات أوباما لا تشي بوجود استراتيجية، بل تخبط، لكن خطاباته تحتاج الى تقديم استراتيجية، وإن خطابياً فقط، فأطل في الامم المتحدة ليحدد اهداف اميركا في الشرق الاوسط بالدفاع عن حلفائها، وحماية منابع النفط وخطوط الملاحة، اي قناة السويس. لكن الحلفاء مثل اسرائيل والسعودية في وضع متوتر تجاه التخبط الاميركي في المفاوضات مع ايران، ومن غير الواضح كيف ينوي اوباما، المتردد عسكرياً دوماً، تقديم اي من الحمايات التي يتحدث عنها.

المشكلة الاكبر لاصدقاء اميركا الشرق اوسطيين فتكمن في دعم الرأي العام الاميركي لتقاعس أوباما. مقالة "نيويورك تايمز"، والسياسة "المتواضعة" عموماً، لم تستدع ردوداً تذكر، الا من حفنة من المسؤولين الذين سبق ان عملوا في ادارة جورج بوش الابن، وهؤلاء يعانون من انعدام كبير في مصداقيتهم.

"فكروا فيها بهذه الطريقة" كتب مسؤول الشرق الاوسط السابق في مجلس الامن القومي والباحث حالياً في "مجلس العلاقات الخارجية" اليوت ابرامز، وأضاف "من الذي سيبتسم عندما يقرأ هذه المقالة؟ اسرائيلي يفكر ببرنامج ايران النووي، او محرر صحيفة مصري يعاني من قيود حرية التعبير، او اردني يخاف من تدفق اللاجئين السوريين؟ ام حسن نصرالله وبشار الاسد واية الله خامنئي؟".

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008