الجمعة، 19 يونيو، 2015

إيران..ما قبل قيام داعش

حسين عبدالحسين

سرق رئيس حكومة العراق السابق نوري المالكي الأضواء بحضوره حفل "عام على حشدنا"، الذي أقيم هذا الاسبوع لاحياء الذكرى السنوية لقيام ميليشيات شيعية عراقية مسلحة وغير نظامية. وتصدرت صورة قبلة طبعها الوجه العراقي لقائد "فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني" النائب أبو مهدي المهندس على جبهة المالكي المواقع الاعلامية الموالية لطهران بطريقة اثارت حشرية المراقبين العراقيين: هل كان المهندس يشكر "ابي اسراء" لتمهيده انشاء ميليشيا الحشد؟ أم ان ايران تقبّل المالكي لتبقي خلفه حيدر العبادي متأهبا في خدمتها وتأييد مصالحها؟ ام كانت قبلة عفوية لا معاني سياسية لها؟

يوم خرج المالكي من رئاسة الحكومة لمصلحة عبادي منتصف آب-أغسطس الماضي، تنطّح الرئيس باراك أوباما وعقد مؤتمرا صحافيا خصصه للتعليق على الموضوع وتصوير سياسته في العراق على انها ناجحة، بدليل خروج رئيس الحكومة الفئوي الطائفي المنحاز للشيعة، المالكي، ودخول العبادي بدلا منه رئيسا لحكومة "وحدة وطنية شاملة" في عضويتها الكرد والسنة.

لكن العبادي لم يحد قيد أنملة عن سياسات المالكي، بل عززها. فمحضر لقاء "التحالف الوطني العراقي" البرلماني الشيعي في نيسان-ابريل ٢٠١٤ يظهر، حسب الباحث نبراس الكاظمي، أن المالكي أعلن انشاء "سرايا دفاع شعبي"، وكان ذلك قبل انهيار القوات النظامية امام تنظيم "الدولة الاسلامية" في الموصل في حزيران - يونيو.

وبعد انهيار الموصل وصدور فتوى "الجهاد الدفاعي" عن المرجع علي السيستاني، صار اسم هذه السرايا "الحشد الشعبي" تماشيا مع نص الفتوى. على أنه يبدو أن أوباما يقرأ من كتاب تاريخ قاسم سليماني، فالرئيس الاميركي قال اثناء استقباله العبادي، في البيت الابيض في نيسان-ابريل الماضي، ان ميليشيا "الحشد الشعبي" الشيعية نشأت على اثر انهيار الموصل للدفاع عن بغداد، وان سبب قيامها انتهى ما يعني ضرورة دخولها تحت جناح الحكومة العراقية.

وبعد انهيار القوات العراقية النظامية امام تنظيم الدولة في الرمادي الشهر الماضي، تخلى أوباما عن مطالبته بقاء الحشد في الصفوف الدفاعية، وأبدى تأييدا لقيادتها الهجوم في مناطق غرب العراق. اليوم صار واضحا ان الميليشيات الشيعية لم تنشأ كردة فعل على انهيار الموصل، بل هي التصور الايراني لنموذج الحكم في العراق على شاكلة الباسدران الشعبي في ايران و"حزب الله" في لبنان. حتى شعار "الحشد الشعبي"، يتطابق مع شعاري الباسدران و"حزب الله"، وهو عبارة عن صورة يد ترفع كلاشينكوف مائل على خلفية صفراء.

واليوم ايضا صار واضحا ايضا انه مثلما أبصر "حزب الله" الضوء في العام ١٩٨٢ على انه "الثورة الاسلامية في لبنان"، وفيما بعد قلب شعاره الى "المقاومة الاسلامية في لبنان" وعدّل تاريخ قيامه الرسمي الى ١٩٨٥، صار واضحا ان "الحشد الشعبي" قامت قبل انهيار الموصل وليس كردة فعل على ذاك الانهيار.

كذلك، قامت ميليشيا الحشد بمبادرة المالكي، وتلقفها العبادي وعززها، وأبقى مخازن الأسلحة الاميركية، التي كانت مخصصة للقوى النظامية، مفتوحة لهذه الميليشيا، وأبقى العبادي أموال وزارة الداخلية العراقية، ذات الموازنة الضخمة البالغة ٣,٨ مليار دولار سنويا، متاحة لرواتب "الحشد الشعبي" بميليشياته المتعددة. كمعظم سياسته الخارجية،

كان من التفاهة تصوير أوباما استبدال المالكي بالعبادي على انه ابعاد العراق عن فئويته الشيعية باتجاه عراق أكثر اتساعا للطوائف الاخرى. في الواقع، أسعد ايران استبدال المالكي، الذي حاول اقامة زعامة عراقية خاصة به في وجه ايران، برئيس حكومة عراقي اكثر قربا من طهران.

حتى العبادي، الأقرب الى الايرانيين من المالكي، لا يزور واشنطن من دون وزير التعليم العالي حسين الشهرستاني، الذي كان الرجل الثاني بعد المالكي وقاد الاستدارة داخل صفوف ائتلافه ضده، اذ مثلما التصق الشهرستاني بالمالكي واستضاف سليماني في دارته لاختيار العبادي بديلا للمالكي، كذلك يلتصق الشهرستاني بالعبادي اليوم، خصوصا في زيارات خارجية مثل الى اميركا. لطالما حاول المالكي مجاراة طهران، وان بشروطه، لكن ايران استبدلته برئيس حكومة أكثر قربا منها. اما سياسة المالكي الشيعية، فتمّ استبدالها بسياسة ايرانية أكثر منها شيعية. هكذا خرج أبو اسراء من الحكم، لكن العراق غرق أكثر في احضان طهران، التي تابعت حربها على داعش، التي كانت بدأتها حتى قبل قيام داعش.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008