الخميس، 25 يونيو، 2015

واشنطن تدخلت لتثبيت خطوط جبهة جنوب سوريا

حسين عبدالحسين

يتساءل الموسيقي والمسرحي اللبناني زياد الرحباني في إحدى وصلاته الإذاعية أيام الحرب الأهلية اللبنانية: "فيك تقللي ليش القوى الوطنية احتلت كوع الكحالة وانسحبت منه بعد ساعتين؟" والكحّالة قرية مسيحية جبلية على طريق بيروت – دمشق، كانت قد تحولت إلى خط تماس في زمن الحرب اللبنانية. أما الرحباني، المتحمس "للحسم" دائماً، أزعجته الترتيبات الدولية التي رسمت خطوطاً للمتحاربين اللبنانيين ومنعت تجاوزها.

والخطوط اللبنانية حافظت على شكلها على الرغم من التفوق العسكري الكبير الذي كانت تتمتع به "القوى الوطنية" المدعومة من جيش حافظ الأسد، فيما بعد في وجه "القوى اللبنانية" التي كانت تسيطر على الجيب المسيحي شرق لبنان. ولم تنهار خطوط الجبهات اللبنانية إلا بعد العام ١٩٩٠، بعدما منحت أميركا والمجتمع الدولي والعواصم الاقليمية تفويضاً للأسد باجتياح الجيب المسيحي، فانهارت القوات المسيحية برئاسة قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية آنذاك ميشال عون في ساعات.

وكما في الحرب اللبنانية، يبدو أن بعض خطوط الجبهات السورية، خصوصاً الجنوبية، صارت تحظى برعاية دولية تكرسها وتمنع انهيارها، بغض النظر عن ميزان القوى العسكري على الأرض، وهو ما حصل الاسبوع الماضي في الجنوب السوري حيث شنت فصائل الثوار هجوما لطرد قوات الرئيس بشار الأسد من المناطق التي مازالت تسيطر عليها في محافظة القنيطرة. ولو قيض للثوار النصر، لأمكنهم وصل المناطق التي يسيطرون عليها جنوبا بضواحي دمشق الشرقية.

لكن واشنطن وبعض العواصم المؤثرة حول العالم لا تعتقد أن الوقت حان لتغيير جذري على الأرض السورية، من دون دخول كل الاطراف المحلية ورعاتها الدوليين في تسوية شاملة. ومع بدء هجوم الجنوب ضد مواقع الأسد، بدا أن قواته وصلت الى مرحلة من الوهن، خصوصاً بعد انهيار اللواء ٥٢ في ريف درعا الشرقي. هكذا، أطلق زعماء اقليميون تصريحات، كانت بمثابة ناقوس الخطر، حول ضعف الأسد وإمكان انهياره قبل نهاية العام لو قيض للثوار إكمال هجومهم الجنوبي.

التطورات دفعت الولايات المتحدة وبعض حلفائها الى التحرك "لوضع ضوابط"، حسب تعبير مقربين من الادارة الاميركية، ما أدى الى وقف الزخم الجنوبي للثوار. ومع أن أميركا قد تبدو من دون نفوذ أو تأثير داخل معظم سوريا، إلا أن تحركها لوقف ثوار الجنوب أظهر أن في حوزتها بعض الاوراق التي يمكنها أن تستخدمها في أوقات الحاجة، في هذه الحالة لإبعاد الكأس المرة عن قوات الأسد، وخصوصاً اللواء ٩٠ ووحداته في القنيطرة.

أوراق القوة الاميركية تتضمن مقدرة على الايعاز للأردن بقطع خطوط الإمداد لثوار الجنوب. كذلك، يمكن لواشنطن الاتصال بعواصم حليفة والطلب منها وقف تقدم فصائل الثوار المحسوبة عليها. وعلى الرغم من أن هذه العواصم لا تعير طلبات واشنطن أهمية عادة، خصوصاً في ما يتعلق بالجبهة الشمالية، إلا أن الوضع في الجنوب يختلف وطلبات واشنطن تترافق مع ضغوط كبيرة.

ومن الاوراق الاميركية معرفة وعلاقة مع عدد من المقاتلين في الفصائل الجنوبية المختلفة، فواشنطن دأبت -منذ اندلاع الثورة في العام ٢٠١١- على تدريب عدد من الثوار، لا لتأهيلهم عسكرياً، وإنما لتكوين قاعدة معلومات حول هوياتهم وولاءاتهم وعلاقاتهم مع بعضهم البعض.

أما أسباب الطلب الاميركي تثبيت خطوط جبهة الجنوب فتتصدرها رغبة اسرائيلية على ما يبدو، فتل أبيب التي عمدت الى قصف كل مخزن صواريخ للنظام يمكن ان يقع في ايدي الثوار، او كل شحنة صواريخ حاول النظام تغيير موقعها وربما تمريرها إلى حزب الله، تفضل بقاء الامور كما هي، وتخشى ان تؤدي أي عملية اتصال بين ثوار الجنوب وثوار الشمال الى فتح الجنوب لدخول عناصر جديدة أو متطرفة، فيما هي تفضل بقاء الجبهة الجنوبية شبيهة بمنطقة مغلقة قلّما تتغير هوية المقاتلين فيها.

لكل هذه الأسباب، بدا القلق على الأميركيين بعد انهيار اللواء ٥٢ وتواتر أنباء عن معارك قرب مطار الثعلة العسكري في ريف السويداء الغربي، وضد وحدات اللواء ٩٠، ولجأت الى الوسائل المتاحة لها لتجميد القتال والابقاء على خطوط الجبهة كما هي عليه الآن، كما في حرب لبنان، وهذه ظاهرة ان استمرت تنبيء بالمزيد من العبثية في الحرب السورية والمزيد من الخسائر البشرية والمادية التي تقع من دون هدف.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008