الجمعة، 26 يونيو، 2015

لبنان يعاني من استمرار أزمته الوجودية

واشنطن - حسين عبدالحسين

لم يكن لبنان يوما وطنا حسب رأي غالبية سكانه، بل دائما حسب رأي الاقوى والأوسع نفوذا والاكثر عددا، ما يعني انه حتى لو تراخت قبضة “مجتمع المقاومة” المطبقة على لبنان اليوم، على اللبنانيين ان يعيدوا تعريف كيانهم بصورة جديدة مبنية على أسس أكثر حداثة بدلا من اعادة لبنان الى سابق عهده كوطن قائم على فلسفة تحمل دائما في طياتها بذور نزاعات مستقبلية.

لبنان ذو وجه عربي ام لبنان عربي؟
يعاني لبنان، منذ قيامه بشكله الحالي بمرسوم صادر عن سلطة الانتداب الفرنسي في العام 1920، من أزمة وجودية لطالما أدت الى انقسام غالبية مواطنيه الى فريقين. الفريق الاول، الذي غلبت عليه في العقود الاولى للتأسيس أكثرية مارونية مسيحية – شيعية مسلمة، بذلت جهدا لخلق هوية قومية فيها تاريخ وثقافة وطريقة معاش – وحتى لغة – مختلفة عن لغة وثقافة المحيط المشرقي ذات الغالبية السنية المسلمة. اما الفريق الثاني، الذي قادته غالبية سنية، فسعى حثيثا للتصدي لرواية لبنان الوطن القومي واستبدالها بأخرى تقول ان لبنان دولة غير قابلة للحياة، وانه اقليم عربي او مشرقي سلخته القوى الاستعمارية عن محيطه خدمة لمشاريعها التقسيمية، ويجب اعادته الى الزمن السابق للتأسيس كجزء من وطن مشرقي او عربي أكبر.
ومن نافل القول ان الروايتين يشوبهما جهل وشعبوية، ففريق الهوية اللبنانية الماروني – الشيعي بنى تصوره على بلد هجين قائم على العداء للتاريخ وللعرب والعروبة. على ان هذا التصور كاد ان يكون معقولا، على الرغم من حصريته التي تقارب العنصرية، لو ان الفريق الماروني – الشيعي قدم نموذجا لوطن قابل للحياة، فالوطن الماروني – الشيعي، الذي أطلقوا عليه تسمية “لبنان الرسالة”، هو وطن مبهم مبني على الخرافة اكثر منه على الواقع. ولاستكمال القصور الفكري في الثقافة السياسية، قدم الفريق الماروني – الشيعي الوطن اللبناني على قياس زعمائه، فجاء لبنانهم يعج بالاستثناءات في بنيته التكوينية والدستورية.
من الاستثناءات التي بنى عليها الموارنة والشيعة وطنهم هو ان لبنان “بلد أقليات”، تتعايش فيه دون ان تنصهر، ويراعي نظامه السياسي العددية الديموغرافية للمذاهب المشكلة للكيان، يوم تشكيل الكيان فقط. ومع حلول السبعينات، طرأ تغيير كبير على العددية الديموغرافية للمذاهب، فتمسك المسيحيون بـ “استثنائية” لبنان معتبرين ان تكوينه راعى العددية يوم قيامه، وان العددية لم تعد ذات مغزى. لكن المسلمين لم يوافقوا على التفسير المسيحي، فخاض الطرفان حربا اهلية دامية بين 1975 و1990، أدت الى تعديل بنيان الكيان لمراعاة التغيير العددي المذهبي، وتم اقتسام الدولة مناصفة وتوزيع السلطات التنفيذية بين كل المذاهب، بعدما كانت حصرا في ايدي الموارنة.
لكن كما في يوم تأسيس الكيان في 1920، كذلك في يوم تعديل اسسه الدستورية في العام 1990، حملت “الصيغة اللبنانية” بذور الصراع في داخلها، فالمجموعات المذهبية يتغير عددها ونفوذها بشكل مستمر، ما يجعل التعديل الدستوري مطلبا في كل وقت، وما يخلق توترات وصراعات متواصلة.
وفي “الصيغة اللبنانية” الفريدة تناقض مع فكرة الديموقراطية، التي يسميها اللبنانيون “ديموقراطية توافقية”، فالديموقراطية تعني حكم الغالبية، فيما التوافقية تعني موافقة الجميع — لا الغالبية فحسب — على أي أمر. وفي الديموقراطية اللبنانية الفريدة من نوعها تقويض لمبدأ حكم الغالبية، لناحية ان اللبنانيين لا يختارون ممثليهم بناء على موقف هؤلاء الممثلين من كذا او كذا، بل يختارونهم وفقا لهوياتهم المذهبية، وهو ما يخلق كتلا سياسية برلمانية واحزابا ذات هويات ثابتة قد تتفاعل وقد لا تتفاعل مع برامج حكم. مثلا، يكفي ان يكون رئيس مجلس النواب نبيه بري شيعيا حتى يحوز على غالبية شيعية في دائرته يوم انتخابه، بغض النظر عن مواقفه تجاه الامور التي تدخل في صلب دور الدولة كالسياسة الخارجية والاقتصاد وغيرها.
على ان الفريق المناوئ للفريق “السيادي اللبناني”، الماروني – الشيعي في العقود الاولى لقيام لبنان، لا يقدم نظريات بديلة اكثر نباهة، فالفريق “القومي العربي”، الذي قاده سنة لبنان ودروزه احيانا، يلعن اتفاقية سايكس – بيكو بين الفرنسيين والبريطانيين على أنها اتفاقية كولونيالية أدت الى قيام الكيان المصطنع الذي أسمي لبنان. لكن هؤلاء لا يتنبهون الى أن القضايا الأخرى التي يتبنوها، مثل فلسطين، هي حصيلة سايكس – بيكو كذلك. وفي نفس الوقت الذي حاول فيه الفريق “السيادي اللبناني” ابعاد لبنان عن كل ما هو عربي، حاول الفريق “القومي العربي” انكار الهوية المشرقية اللبنانية على لبنان واتهموا المتمسكين بالانعزالية وبالعمالة للامبريالية.
وفي العام 1989، استضافت المملكة العربية السعودية مؤتمرا في الطائف، توصل على اثره اللبنانيون الى تعديلات دستورية كانت ابرزها، الى جانب اعادة التوزيع لتحقيق مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، تعديل فقرة “لبنان هو دولة ذات وجه عربي” الى “لبنان عربي”. وفي العبارتين مشكلة، صحيح ان لبنان عربي، ولكنه عربي بمزايا مشرقية لا ضير من الاشارة اليها في الدستور.

هانوي ام هونغ كونغ؟
عاد نواب لبنان وزعماؤه من الطائف وأقروا التعديلات الدستورية في “مجلس النواب” في العام 1990، بعد ذلك، اجتاحت قوات الفريق الاسلامي الجيب المسيحي، وانتقل لبنان من زمن “الحرب الاهلية” الى زمن “السلم الاهلي” . لكن القوى اللبنانية التي خرجت من الحرب لاهلية كانت تختلف جذريا عن تلك التي دخلتها.
مع بدء العام 1975، بدأت عملية انشقاق الشيعة عن الموارنة، فالفرنسيين كانوا انشأوا لبنان وطنا لغالبية مسيحية بسيطة، شأنه شأن دول اخرى أقاموها في سوريا: دولة الدروز في الجنوب، والعلويين في الشمال الغربي. وكان الدروز والعلويون والموارنة بالكاد يشكلون غالبية سكانية في دولهم، وهو ما حدا بالفرنسيين الى اضافة شيعة لبنان الى موارنته تعزيزا للغالبية العددية في وجه الثلث السني المتبقي. طبعا، لم يعترض الشيعة – الذين عاشوا حتى 1920 تحت رحمة حاكمين عثمانيين سنيين واحد في عكا وآخر في دمشق. والشيعة الذين بدأوا بالانفصال عن الموارنة، في 1975، انضموا في الغالب الى احزاب علمانية وقومية تراوحت بين الاحزاب الشيوعي والبعثي والسوري القومي والناصري.
ومع نهاية الخمسينات، كانت ايران الشاه بدأت مشروع التواصل مع شيعة الشرق الأوسط، وكان أولهم في لبنان الذي وصله رجل دين شيعي ايراني من اصول لبنانية وكان اسمه موسى الصدر، وراح يقيم حركة شيعية مشابهة للتنظيمات المذهبية المارونية والدرزية والسنية الموجودة اصلا في لبنان. وفي وقت لاحق، وجد الصدر وحافظ الأسد في تحالفهما خيارا استراتيجيا، قبل ان تعود ايران الاسلامية لتجديد دخولها الى لبنان بتنظيمات عقائدية جديدة مثل “حزب الله”. اما الدروز، فهم انتقلوا من مناصرتهم للكيان اللبناني الى تحالف مع السنة في السبعينات، وانهوا الحرب وهم يتأرجحون في تحالفاتهم بين السنة ونظام الأسد.
ومع نهاية الحرب، اعطى العالم لأسد اليد العليا في لبنان، ففاز الشيعة من انصاره بأكبر حصة في جمهورية ما بعد الطائف، وتبعثر الموارنة خصومه، وحفظ الأسد حصتين تعامل معهما بحذر: حصة لسنة لبنان بزعامة الصاعد رفيق الحريري، واخرى لشيعة لبنان الموالين لايران اي “حزب الله”.
المسيحيون اسموا مرحلة “السلم الأهلي” احباطا مسيحيا، وشيعة الأسد والدروز تقاسموا الحكومة، فيما انقسم لبنان بين مشروعين اعادا لبنان الى زمن الانقسام السابق للحرب.
الحريري قاد السنة الى اعتناق مبدأ “لبنان وطن نهائي”، ووظف ثقله الدولي والمالي الضخم لتحويل لبنان الى “مقصد سياحي للمصطافين وجنة ضرائبية للمستثمرين”. واعتقد الحريري، صحيحا، ان “ميزة لبنان التفاضلية”، وهي تعبير اقتصادي، تكمن في موارده البشرية حيث يكثر عدد اللبنانيين من اصحاب الشهادات الجامعية نسبة لاجمالي السكان.
المشروع الثاني في لبنان كان بقيادة شيعة “حزب الله”، وهو مشروع مبني على تحويل لبنان الى “مجتمع المقاومة”، حسبما ورد في كتاب نائب زعيم الحزب نعيم قاسم. ومع نهاية الحرب، تراجع الحزب عن مشروعه الأولي القاضي باقامة جمهورية اسلامية في لبنان، وقلب شعاره المكتوب على رايته من “الثورة الاسلامية في لبنان” الى “المقاومة الاسلامية في لبنان”. حتى المقاومة، عمد الحزب في وقت لاحق الى لبننتها، واطلق تسمية “المجموعة اللبنانية للاعلام” على وسائله الاعلامية.
على ان مشروع “لبنان المقاومة” اصبح عاطلا عن العمل بعد انسحاب اسرائيل من لبنان في العام 2000، فراح “حزب الله” يتأرجح بين البطالة وبين قيامه بنشاطات عسكرية واستخباراتية خارج لبنان، وفي نفس الوقت، وجهّ الحزب، ومعه رئيس سوريا الجديد بشار الأسد، غضب انصارهم في اتجاه السنة والحريري.
المشروعان، اي مشروع الحريري لتحويل لبنان الى دبي، على حد قول احد مساعديه، ومشروع “حزب الله” تحويل لبنان الى “مجتمع مقاوم”، هما مشروعان متضاربان بنيويا، اذ لا يمكن لأي اعمال ان تتخذ من لبنان مقرا لها، ولا يمكن للسواح ان يصطافوا في لبنان، اذا ما ظلت مفاجآت “حزب الله” العسكرية ومغامراته ممكنة في أي لحظة.
حتى النجاح العمراني والمالي الذي حققه الحريري في عقد التسعينات، جاء بتكلفة مرتفعة جدا، لا بسبب الفساد الذي رماه “حزب الله” والأسد على الحريري حصرا، بل بسبب اضطرار الحكومة اللبنانية الى الاستدانة بفوائد مرتفعة في ظل العمليات الحربية الجارية حتى العام 2000، التي كان يمكن تفاديها واقناع اسرائيل ديبلوماسيا عبر طرف ثالث بالانسحاب لو ان الحزب لم يصنف اي مجهود ديبلوماسي من ذاك النوع بالخيانة الوطنية.
هكذا، استمر التنافس بين لبنان الأعمال ولبنان المقاومة الى درجة دفعت زعيم الدروز وليد جنبلاط، المعروف بحذاقته، الى رفع سؤال قال ان الاجابة عليه ضرورة لتحديد ماهية لبنان. اما سؤال جنبلاط فكان مفاده ان اللبنانيين يريدون ان يعرفوا اذا كان بلدهم هانوي، عاصمة فيتنام التي خاضت معركة طاحنة ضد الجيش الاميركي، او هونغ كونغ، المدينة-الدولة الرائدة في عالم المال والاقتصاد.

لبنان “وطن المقاومة”؟
بعد مقتل الحريري في 2005 وانسحاب قوات الأسد من لبنان، اصبحت البلاد في قبضة “حزب الله” بالكامل. صحيح ان زعيم الحزب السيد حسن نصرالله اقترح مرارا العودة الى الترتيب السابق، أي ان ينشغل السنة والمسيحيون والدروز بشؤون الحكم والمال والاعمال وان يتركوا شؤون الأمن والسياسة الخارجية للشيعة وحدهم، الا ان المذاهب الاخرى — خصوصا السنة — رفضوا العودة الى العيش في لبنان المتناقضوالمتورط في صراعات اقليمية.
ومع اندلاع الثورة في سوريا في ربيع العام 2011، ودخول “حزب الله” للقتال الى جانب الأسد، تضعضعت أكثر الدولة اللبنانية وخسرت سيادتها بشكل شبه كامل، وانتهت ولاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الذي كانت آرائه في الحكم غير ملزمة ومن باب الاقتراح، من دون انتخاب بديل له. وأعلن جنبلاط والدروز حيادهم في الصراع الاقليمي بين السنة والشيعة، وحصروا نشاطهم السياسي بحكومة لبنان المتقهقهرة وبمجلس نوابه المنتهية صلاحيته والباقي بقوانين تمديد يقرّها بنفسه. ومع ضعف الأسد في سوريا، ضعف شيعته في لبنان من أمثال بري. وفي نفس الوقت، استمر التراجع المسيحي عددا، بسبب الهجرة وتناقص عدد المواليد، ونفوذا بسبب شبه انهيار الاقتصاد اللبناني.
اما المجموعة الوحيدة التي فرضت سيطرتها، غالبا بفضل جناحها المسلح وتمويلها العسكري الخارجي، فكانت شيعة “حزب الله”، التي دفعت حلفاءها الى الوقوف في صفها والدخول معها في”مجتمع المقاومة”، او الخروج من دائرة الضوء السياسية حسبما فعل السنة، والى حد أقل الدروز.
لكن حتى انصار “حزب الله” بدأوا بالتململ بسبب تكاثر الخسائر البشرية والمادية للحزب في سوريا، وربما شعروا بالحنين الى ايام في الماضي القريب كان فيها للدولة اللبنانية وجود، وان ضعيف، وكان فيها الاقتصاد اللبناني يمشي، وان اعرجا.
وحتى يقرر “حزب الله” السماح للمجموعات المنافسة، كالسنة والدروز ونصف المسيحيين، بفرض وجهة نظرها حول سبب وجود لبنان وفلسفة كيانه، وحتى يتم السماح لهؤلاء بتقديم مشاريع حكم مغايرة لمجتمع المقاومة الحربي الذي يفرضه “حزب الله” اليوم، سيبقى لبنان “وطن المقاومة” حتى اشعار آخر، وان كان ذلك لا يعني موافقة غالبية سكانه على ذلك، فلبنان — منذ قيامه — لم يكن وطنا حسب رأي الغالبية، بل حسب رأي الاقوى والاوسع نفوذا والاكثر عددا مذهبيا، ما يعني انه لو تراخت قبضة “مجتمع المقاومة” يوما، على لبنان ان لا يعود الى سابق عهده، بل ان يعيد اكتشاف نفسه وكيانه على أسس اكثر حداثة لا تحمل في طياتها بذور نزاعات مستقبلية.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008