الاثنين، 18 سبتمبر 2017

امبراطورية الاستخبارات الروسية

حسين عبدالحسين

يتواصل انكشاف فضائح اختراقات الاستخبارات الروسية داخل الولايات المتحدة بشكل يهز الحكومة، والرأي العام الأميركي. آخر الفضائح، أشارت إلى تحقيقات أميركية في واشنطن مع فريقي فضائية "روسيا اليوم" ووكالة أنباء "سبوتنيك" الروسيتين، قامت على أثرها السلطات الأميركية بالطلب من الوسيلتين الإعلاميتين حيازة ترخيص "تنظيم اجنبي يعمل كذراع دعائية لحكومة أجنبية".

وتجلت الاثباتات على عمل "روسيا اليوم" كفرع للاستخبارات الروسية، الصيف الماضي، يوم بثت القناة تغريدة عبر "تويتر" أشارت فيها إلى قيام موقع "ويكيليكس"، العامل بأمر استخبارات موسكو كذلك، بنشر دفعة من الايميلات المسروقة من حسابات قياديين في الحزب الديموقراطي. وجاءت تغريدة "روسيا اليوم" حتى قبل قيام موقع "ويكيليكس" بأي إعلان عن الدفعة الجديدة التي كان ينوي نشرها.

ويبدو أن السلطات الأميركية توصلت الى نتيجة مفادها أن الكادر الروسي العامل في "روسيا اليوم" و"سبوتنيك"، والذي يقيم أفراده في الولايات المتحدة بموجب تأشيرة صحافية، هو كادر يعمل بأمرة الاستخبارات الروسية، وهو ما يتطلب وضع هؤلاء الروس تحت المراقبة ومعاملتهم كجواسيس لموسكو.

وتزامن تصنيف أميركا لـ"روسيا اليوم" و"سبوتنيك" على أنهما محطتا استخبارات روسية في واشنطن، مع الأنباء الواردة من عمالقة التكنولوجيا الأميركية، أي مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فايسبوك"، الذي أعلن القائمون عليه أن "مزرعة أبحاث الانترنت"، وهي فرع من الاستخبارات الروسية مقرها مدينة سان بطرسبرغ، عملت على شراء دعايات انتخابية بقيمة 100 ألف دولار، للتأثير في مسار الإنتخابات الأميركية، الخريف الماضي، بالتزامن مع إدارة هذه الوكالة الاستخباراتية الروسية لحسابات لأميركيين وهميين في "فايسبوك" و"تويتر"، واستخدام هذه الحسابات للتأثير في الرأي العام الأميركي في اتجاهات تخدم مصالح موسكو.

هذه الممارسات الاستخباراتية الروسية في الولايات المتحدة جديدة على غالبية الأميركيين، وفاجأتهم بشكل كبير، على الرغم من أنها ممارسات بديهية تعرفها غالبية المواطنين الذين عاشوا في ظل أنظمة استخباراتية. فالقنوات التلفزيونية السورية كانت ترتب أثار هجمات تنسبها لإرهابيين مزعومين على الهواء مباشرة، فيما بعض مراسلي الفضائيات، مثل "العالم" و"المنار" و"الميادين"، ينخرطون في القتال في سوريا إلى جانب المليشيات الموالية لايران في جولة، ويصورون ويبثون أخبار الجبهات في الجولة التالية. أما الجيش المصري، فيظهر في لقطات فيديو وهو يُعدمُ مصريين في سيناء، ثم يرمي أسلحة فوق جثثهم، ويصورها على أنها جثث لإرهابيين قتلوا في المعارك.

هكذا تعمل حكومات الاستخبارات: السياسيون والحزبيون والديبلوماسيون والإعلاميون والمواطنون، كلهم مخبرون وعناصر استخبارات وعمليات سرية، يصنعون عالماً زائفاً، يعيشون داخله، ويقضون على خصومهم بتهم كاذبة، ويتظاهرون وكأنهم يعيشون في حرية ورخاء وبحبوحة. فيما الواقع أنهم زمرة من رجال الاستخبارات ممن يقتاتون الفتات التي يطعمهم إياها الطغاة، الذين يُمعنون فساداً ودموية بحق شعوبهم وشعوب أخرى يسعون لاستعبادها.

انهى مستنقع حرب العراق "اجماع واشنطن" ونشر الديموقراطية، وأدمى الغرب، وفتح الباب أمام "اجماع موسكو"، وهو نموذج قديم قائم على عسس الاستخبارات والخديعة والفساد والدموية والجوع على أبواب قصور الاباطرة، مثل بوتين ورئيسي سوريا ومصر بشار الأسد وعبدالفتاح السيسي.

و"اجماع موسكو" في طور التعميم على دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، وما انتخاب الرئيس الأمّي دونالد ترامب، إلا أول المؤشرات على امكان انتصار روسيا في تعميم نموذجها الذي تقوده، والذي تحاول أن تبني عليه زعامتها العالمية لتحل محل الزعامة الأميركية.

أما واشنطن، فردود فعلها الأولى تقضي بالحد من حرياتها العامة لاخراج المرض الاستخباراتي الروسي من جسدها، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة ستتجه في اتجاهات لا ديموقراطية، مثل مراقبتها الصحافيين الأجانب، واغلاقها بعض الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، ومراقبة حسابات اخرى.

هكذا، بدلاً من أن تفتح الإنترنت دولاً مغلقة مثل الصين وإيران وروسيا، وتنشر فيها مبادئ الحرية والديموقراطية، أغلقت استخبارات بوتين مساحات من الحرية الأميركية، في مواجهة ما زالت جارية أمام عالم يشاهد في انتظار معرفة من يفوز ويحكم: الاستخبارات وأساليبها ونموذجها، أم الحريات والديموقراطية والانفتاح.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008