الجمعة، 11 سبتمبر، 2015

فشل برنامج «تدريب وتجهيز» في سورية والعراق... يحيّر واشنطن

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

على مدى الأسبوع الماضي، عقد كبار المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) سلسلة لقاءات مغلقة، شارك فيها رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي وكبار الضباط، وتم تخصيصها للبحث في أسباب فشل برنامجيْ «تدريب وتجهيز» قوات عسكرية للقتال ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وإنشاء «حرس وطني» في العراق.

وكانت الحكومة الأميركية نالت موافقة الكونغرس، على إنفاق نصف مليار دولار لتمويل برنامج تقوم بموجبه الولايات المتحدة بـ «تدريب وتجهيز» ما تسميه «المعارضة السورية المعتدلة». كذلك، كان من المقرر ان ترعى واشنطن إنشاء قوات «الحرس الوطني» من مقاتلي العشائر غرب العراق. لكن المشروعيْن تعرّضا لفشل ذريع.

في سورية، كان من المفترض ان تجنّد أميركا وتدرّب وتسلّح 5400 مقاتل سنوياً، وهي لهذا الهدف، وقّعت اتفاقيات مع تركيا والسعودية لإقامة معسكرات تدريب. لكن بعد أكثر من عام، لم يتعدّ عدد المتطوعين السوريين 54 مقاتلاً، انضموا في ساحة المعركة الى مقاتلين سبق ان درّبتهم «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي إي). لكن كل المعارضين السوريين ممن درّبتهم أميركا وأرسلتهم الى ساحات القتال، إما فرّوا وقت اشتدت المعارك، أو نجحت المجموعات الإسلامية المتطرفة في قتلهم او اعتقالهم.

في العراق، كان المدرّبون الاميركيون في معسكريْ «عين الأسد» و«التاجي» أكثر حظاً، إذ تسنّى لهم تدريب قرابة 12 ألف جندي من أصل 250 ألفاً، هم عديد القوات الأمنيّة العراقية. لكن آلافاً من مقاتلي العشائر الذين كانت تسعى اميركا الى تجنيدهم لم يتطوّعوا، فوجد المدرّبون الاميركيون أنفسهم عاطلين عن العمل، يقيمون في معسكرات عراقية خالية من المتطوعين.

وكان الرئيس باراك أوباما أعلن في خطاب في «اكاديمية وست بوينت العسكرية»، العام الماضي، ان عقيدته في السياسة الخارجية ترتكز على مكافحة الإرهاب بالاشتراك مع قوات محلية حليفة، تقوم واشنطن بتدريبها وتسليحها. ولم يكد يمر أسبوعان على خطاب أوباما حتى انهارت القوات الحكومية في الموصل التي وقعت بيد «داعش». بعد ذلك بأسابيع، أطل ديمبسي في جلسة استماع امام الكونغرس ليشرح خطة الجيش الأميركي في مكافحة التنظيم، فكرّر ما قاله الرئيس الأميركي، معتبراً انه في الحالة العراقية، المفتاح الأساس في الخطة الأميركية هو تدريب وإقامة «حرس وطني» من مقاتلي العشائر السنّية غرب العراق. في حال فشل مشروع إقامة الحرس، قال ديمبسي يومها، نعود الى «اللوح» لرسم خطة جديدة.

ويبدو ان الاجتماعات الرفيعة المستوى التي عقدها «البنتاغون» الأسبوع الماضي، هي بمثابة عودة ديمبسي الى اللوح للبحث عن خطة جديدة.

ويقول المتابعون ان مباحثات القادة العسكريين تركّزت حول تحديد أسباب فشل قيام قوات محلية في سورية والعراق بقيادة القتال على الأرض ضد «داعش». كذلك، حاول القادة الاميركيون البحث في إمكانية إعادة تنشيط خطة «تدريب وتجهيز» بعد أكثر من عام على فشلها.

ويعتقد بعض القادة الاميركيين ان برنامج «تدريب وتجهيز» هو الأول من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة، اذ سبق لواشنطن ان أشرفت على تدريب قوات حكومات صديقة وحليفة. كذلك، سبق لواشنطن ان موّلت وسلّحت مجموعات مستقلة جهادية كما في أفغانستان الثمانينات، وعشائرية كما مع قوات الصحوات في العراق، العقد الماضي.

لكن لم يسبق للاميركيين ان أشرفوا على برنامج إقامة قوات غريبة مقاتلة من الصفر، بما في ذلك نشر الدعاية والاعلان للتجنيد، ثم اجراء تدقيق في هوية المتطوعين وتاريخهم وانتماءاتهم السياسية، وبعد ذلك تدريبهم وتسليحهم وتمويلهم وتحويلهم الى قوة عسكرية مقاتلة ذات سلّم قيادي تأتمر بأمر ضباط أميركيين، او مجالس المعارضة السورية غير المسلحة.

على ان ما لم تتنبّه له واشنطن، هو ان غالبية المقاتلين السوريين والعراقيين، لا يتصوّرون انهم ينضمون الى جيش نظامي، بل هم ينضمون لأسباب مختلفة، بعضها يتّصل بمصلحتهم الشخصية، وآخر يتعلّق بالأوضاع السياسية السائدة.

وفي سورية، غالبية المقاتلين ترغب في قتال قوات النظام، ما جعل البرنامج الأميركي المصمم لقتال «داعش» حصراً لا يتناسب مع طموحات المتطوعين، فأحجموا عن الانخراط فيه، حسب رأي بعض المشاركين في اللقاءات الأميركية.

وكما في سورية، كذلك في العراق، لا تنحصر اهتمامات مقاتلي العشائر بمواجهة «داعش»، اذ ان هذه العشائر وقادتها سبق ان وجدوا أنفسهم في مواجهات مع قوات الحكومية، والتي تسيّرها غالبية شيعية.

وفي البلديْن، يعتقد معارضو الحكومتين من المقاتلين ان القضاء على «داعش» قد يسهّل من مهمة بغداد ودمشق في القضاء عليهما، لذا، يرى المعارضون السوريون والعراقيون ان لا مصلحة لهم بالقضاء على عدو الحكومة عدوتهم، بل انه يمكن لهم استخدام «داعش» لمواجهة مع الحكومة، ثم يقومون هم بمواجهة «داعش» بعد انهيار الحكومة او تراجعها عن مناطقهم.

حسابات المقاتلين السوريين والعراقيين، معقدة، ولكنها تمنعهم حتى الآن من الإقبال على برنامج التدريب والتسليح الأميركي، خصوصاً ان انضمامهم لهذا النوع من البرنامج قد يعرّضهم لغضب وانتقام «داعش»، والحكومة السورية، في ما بعد.

وفي سياق متصل، يرى متابعون أن إعادة تنشيط برنامج «تدريب وتجهيز» قوات سورية وعراقية سيحتاج الى اكثر من استقطاب مقاتلين متطوعين، إذ إن فشل البرنامج المذكور على مدى العام الماضي، ترك اثراً سلبياً لدى سياسيي واشنطن، خصوصاً من المشرّعين في الكونغرس، الذين صاروا يبدون معارضتهم له، وقد يلجأون الى تعطيل التمويل قريباً، ما ينسف المشروع بشكل كلّي، وهذا إن حصل، يحوّل خطة ديمبسي للقضاء على «داعش» إلى مجرد غارات جوية عبثية من دون مساندة على الأرض او خطة للتقدم و«إضعاف داعش بهدف القضاء عليه»، حسب شعار أوباما، الذي يبدو انه شعار تخلّى عنه حتى صاحبه ومطلقه.

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008