الثلاثاء، 10 يناير، 2017

كم انسحاباً روسياً من سوريا؟

حسين عبدالحسين

للمرة الثانية في أقل من عام، تعلن موسكو سحب قواتها من سوريا. المرة الاولى كانت منتصف آذار/مارس 2016، حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشكل مفاجئ، سحب القوات الروسية من سوريا لأنها أتمت مهمتها العسكرية. تلا إعلان بوتين الانسحاب المزيد من الغارات الروسية التي قصفت السوريين ودمرت منازلهم على رؤوسهم، وشردت من بقوا منهم على قيد الحياة. الأسبوع الماضي، أعلنت موسكو للمرة الثانية سحب قوات من الحرب السورية، خصوصاً القطع البحرية المنتشرة امام الساحل السوري. 

لا يمكن تقدير عواقب الانسحابات الروسية المتكررة من دون معرفة حجم القوات الروسية المنتشرة في سوريا أو مواقع انتشارها. وعلى الرغم من محاولة بوتين تصوير حروبه على انها تجري بتوصيات مؤسسات الدولة الروسية ورقابة برلمانها، إلا أن حروب الرئيس الروسي، ضابط الاستخبارات السابق، غالباً ما تبدأ سراً، وبعضها يبقى سراً، مثل اجتياحه شبه جزيرة القرم الاوكرانية. 

في سوريا، تسللت المقاتلات الروسية صيف عام 2015، قبل أن تبدأ بدك المدن السورية على رؤوس قاطنيها في أيلول/سبتمبر 2015. بدأ بوتين تدخله العسكري في سوريا سراً، لكن كان لا بد من اعلان تدخله، إذ إنه يصعب اخفاء المقاتلات الروسية وغاراتها. ولبوتين مقاتلون على الارض السورية. بعض التقارير تشير الى ان هؤلاء مستشارين عسكريين، وبعضها الآخر يعتقد أن الروس المقاتلين في سوريا هم من المرتزقة ولا ينتمون للقوات النظامية الروسية.

بوتين يتأرجح في وجوده العسكري في سوريا، بين إبقائه سراً وإعلانه. بعض المتابعين يرون أن بوتين يخفي مدى تورطه في المستنقع السوري لإخفاء الخسائر الممكنة ولحقن أي غضب شعبي روسي قد ينتج عن الخسائر. البعض الآخر يعتقد أن بوتين يثير ضجيجاً كبيراً في سوريا حتى ينتزع مطالب اكبر من العواصم الغربية في بقع اخرى من العالم. 

أما الفرضية الاكثر رجحاناً فهي أن بوتين يستعرض عضلاته العسكرية في روسيا، وهو ما يدفعه الى اثارة ضجيج حول مشاركته في الحرب السورية. لكن الاهداف في سوريا لا بد أن تنفد، ولا بد أن يملّ الاعلام من الغارات الروسية وأخبارها، وهو ما قد يدفع بوتين — بين الحين والآخر — الى محاولة اعادة سرقة الأضواء بإعلان سحب قواته.

يبقى أنه على مدى 15 شهراً الماضية، بدا جلياً أن مشاركة بوتين في تحالف مع الإيرانيين والرئيس السوري بشار الأسد لا تعني بالضرورة أنه زعيم هذا التحالف. ومنذ بدء التدخل الروسي، تم رصد تقارير إخبارية في مواقع إعلامية موالية لإيران تشكو من تقاعس روسيا في تقديم غطاء جوي لهذه المعركة أو تلك، وهو تقاعس روسي كلف الميليشيات الموالية لايران خسائر بشرية كبيرة امام المعارضة السورية المسلحة.

التباين في الاهداف العسكرية يشي بتباين مشابه بين موسكو وطهران في الأهداف السياسية، فروسيا تسعى لنتائج سريعة لتدخّلها في سوريا، أما إيران، فمشاركتها في الحرب السورية هي جزء من إعادة بناء الامبراطورية الإيرانية، التي لامست ساحل المتوسط للمرة الاولى منذ القرن السابع الميلادي. بكلام آخر، بوتين يلعب كرة الطاولة في سوريا، فيما تلعب إيران الشطرنج.

ماذا سيحصل بعد الاعلان، الثاني على الاقل، لانسحاب القوات الروسية من الحرب السورية؟ الافكار الروسية يبدو انها نفدت، فلا الغرب يكترث لروسيا أو للأسد أو مستقبله، ولا هو مستعد لأي مقايضات تكون سوريا جزءاً منها. كذلك، لا يعود إلحاق الهزيمة بالمعارضة السورية بنتائج سياسية أو ديبلوماسية تذكر على بوتين، ولا هو قادر على فرض تسوية تظهره عرّاب النظام الشرق أوسطي الجديد. هذا يعني أنه بعد الانسحاب الروسي، كما قبله، ستستمر إيران في عملها الدؤوب لتكريس سيطرتها، الضمنية أو العلنية، على القوى العربية المبعثرة من المحيط الى الخليج، وعندها يمكن لبوتين أن يعلن سحب قواته مرتين أو ثلاث إضافيتين، ولكنه قد لا يلقى بعد الآن الاهتمام العالمي نفسه الذي تلقاه مواقفه حول سوريا ومصيرها. 

ليست هناك تعليقات:


Since December 2008